Tag: political leadership

  • صلاح …

    صلاح …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٠ فبراير ١٩٦٢

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    وما كان قيس ملكه ملك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

    أجل، فقد كان صلاح ركنًا من أركان الثورة التي غيَّرت حياة هذه الأمة ومنحتها حياة جديدة قوامها الحرية والاستقلال والعدل وتحقيق الكرامة لهذا الشعب في مجموعه ولكل فرد من أبنائه. بذل في هذه الثورة أقصى جهده وأصدق جهاده، وكان كزملائه مستعدًّا أصدق الاستعداد لبذل حياته في سبيلها، وكان في الوقت نفسه قوامًا لأسرته التي فُجعت فيه أعظم الفجيعة وأقساها. ثم كان عميدًا لهذه الصحيفة اليتيمة التي أصابتها فيه الكارثة. أنهض ما يكون بأعبائها، وأعرف ما يكون لحقوقها، وأحرص ما يكون على رُقِيِّهَا وتقدُّمها، بما ينبغي أن تقوم به الصحف الجادة المخلصة من خدمة الوطن وتبصير الشعب بحقوقه وواجباته.

    فليس الرُّزء رُزء فيه فرد ولا رزء أفراد، وليس هو ببناء قوم تهدَّم، وإنما هو بناء أقوام أصابهم فيه الخطب على حين كانوا يعقدون به أعرض الآمال ويرجون منه جلائل الأعمال. ثم أصبحوا ذات يوم وقد اختُطف منهم اختطافًا وانتُزع منهم انتزاعًا، وهم أشد ما يكونون حرصًا على أن يُسرع إليه الشفاء وتسبغ عليه العافية؛ ليستأنف نشاطه الخصب في خدمة وطنه وثورته وفي رعاية أسرته وفي قيادة صحيفته إلى أقصى ما يُرجى لها من النُّجح وأعظم ما يُنتظر منها من النهوض بأعباء الصحيفة الحرة، التي تقصر جهودها كلها على خدمة الوطن والمواطنين وعلى نشر أصول الثورة وحقائقها وغاياتها في جميع طبقات الشعب، لا يدركها في ذلك تقصير، ولا تخاف فيه لومة لائم.

    ولو قد كان صلاح من الذين تقدمت بهم السن وأدَّوْا للحياة حقها وأخذوا منها نصيبهم، لكان الرُّزء فيه جليلًا. ولكنه يترك للعزاء سبيلًا إلى القلوب، ولكنه اختطف في ريعان شبابه بعد أن أدَّى واجبه كما لا يؤديه الشيوخ. وكان جديرًا أن ننتظر منه الكثير والكثير جدًّا؛ فإن امرأً بدأ حياته كما بدأها صلاح، مجاهدًا أصدق الجهاد وأبسله أثناء السلم والحرب، مخلصًا أشد الإخلاص وأعمقه للوطن في أيام الشدة وأيام اللين وفي أوقات البؤس وأوقات الرخاء، لم يعرف الضعف إلى نفسه القوية سبيلًا، ولم يجد اليأس إلى قلبه الكبير طريقًا، ولم تستطع الأثرة أن تشوب إخلاصه القوي العميق لوطنه وأمته في لحظة من لحظات حياته. إن امرأً بدأ حياته على هذا النحو، جدير أن ينتظر منه أكثر جدًّا ممَّا بدأ به حياته، ولكن الناس يقدِّرون، وقضاء الله يمضي فيهم صارمًا حاسمًا لا رادَّ ولا محيد عنه.

    وكذلك وقع النبأ بوفاة هذا الثائر العظيم والصديق الكريم والمواطن الكبير، موقعَ الصاعقة من الذين عرفوه عن قُرب ومن الذين لم يعرفوه إلا من بعد.

    وقد عرفت صلاح سالم كما عرفه المصريون جميعًا من بعد حين شبت الثورة كان هو أحد جذواتها المضطرمة التي كانت تزداد في كل يوم ذكاء، وأحد ألسنتها المنطلقة التي كانت تزداد في كل يوم انطلاقًا بما يحلو وما يمر وبما يسوء وما يسر.

    وكان من أبرع خطباء الثورة في تقريب الآمال إلى القلوب وإحياء الرجاء في النفوس وإذكاء نار الثورة في الضمائر، وكان جده مرًّا أشد المرارة، وكانت دعابته حلوة إلى أقصى غايات الحلاوة، وكان أبرع زملائه في السخرية من النظام القديم وفي إثارة الضحك من ساسة ذلك النظام. وكان جده صارمًا في مرارته، وكانت فكاهته قاسية في حلاوتها، وكان أشد ما يكون إثارة للمرح والضحك حين يعبث بساسة العهد الماضي يقلد بعضهم تقليدًا رائعًا ويصور بعضهم تصويرًا صادقًا.

    وكان في الوقت نفسه مروعًا مثيرًا للخوف والرعب، حين كان ينذر المتنكِّرين للثورة ويوعدهم أقسى الوعيد وأعنفه، وكان في أثناء هذا كله حركة لا تعرف السكون، ونشاطًا لا يعرف الهدوء، واندفاعًا لا يعرف الأناة. تراه في القاهرة مصبحًا وفي السودان ممسيًا، وتراه متنقلًا في البلاد العربية مصورًا لأهلها حين يعود إلى وطنه ولزعمائه السياسيين أروع تصوير وأصدقه. وكانت هذه الصورة مرتسمة له في نفسي، ولم يُتح لي أن ألقاه إلا بآخره، حين ذلك اليوم عرفته من قُرب فعرفت فيه الإخلاص لعمله إلى أقصى حدوده والوفاء كأعمق ما يكون الحب، وعرفت فيه سماحة الطبع ودماثة الخلق وصفاء الضمير وإيثار الصراحة على كل شيء والنفور الشديد من المداراة والالتواء في القول والعمل. وعرفت فيه أرعى الرؤساء لزملائه الذين يعملون معه في الصحيفة حين تجب الشدة واللين لهم والرفق بهم حين يستحب اللين والرفق.

    ولم أعرف مشرفًا على صحيفة منحها خلاصة نفسه وأصدق جهده وأقصى طاقته، كما كان صلاح يمنح هذا كله للجمهورية.

    ورأيته مريضًا يبلغ به المرض أقصاه، ولكنه لم يستطع في يوم من الأيام أن ينسيه الجمهورية أو يصده عن التفكير فيها والعناية بها والسؤال عن الدقيق والعظيم من أمرها، يرفق بالزملاء كلهم ولا يمنح نفسه أيسر نصيب من هذا الرفق.

    ولم يدركني المرض كما أدركه، فلا ألقاه ولا يلقاني، كَلَّ عن السعي إليَّ وضعفت عن السعي إليه، ويكون آخر عهدي به وداعه حين أبحرت إلى أوروبا، وأعود إلى مصر فإذا هو قد أبعد السفر إلى أمريكا، ثم يعاودني المرض ويشتد ويقسو ويحول بيني وبين لقائه حين عاد من أمريكا مريضًا كما سافر إليها مريضًا. وأعيش كما عاش زملاؤه وأصدقاؤه جميعًا مطمئنًّا إلى الأمل متعلقًا بالرجاء واثقًا بأن شبابه سيكون أقوى من المرض ومن أثقاله.

    وأُصبح اليوم فيقرأ عليَّ صاحبي صحف الصباح أو يقرأ عليَّ ما أراد أن يقرأ من هذه الصحف ولكنه يُعرِضُ عن الجمهورية، فإذا سألته عنها أدركه تردُّد شديد وارتباك عظيم، ثم يضطر آخر الأمر أن ينبئني بالحقيقة بعد أن حاول إخفاءها عليَّ، ينبئني بهذا الخطب الفادح وهذا المصاب الجليل، ينبئني بأن صلاحًا قد اختطفه الموت.

    ويدركني حين أسمع هذا النبأ وجوم أعرف أوله ولكني لا أعرف آخره إلى الآن، وأنا أُملي هذا الحديث بعد أن أقبل الليل دون أن أجد لهذا الوجوم آخرًا؛ لأني لا أكاد أصدق أن هذه الحياة القوية قد غاضت، وأن هذا الشباب النضر ما استأثر به ولا يستطيع أن يرد قضاء الله إذا مضى لغايته، وإنما يستطيع أن يرتاع ويلتاع ويملأ قلبه الحزن ويغمر نفسه الأسى في غير طائل، حتى إذا انجلى عنه الوجوم وسكتت عنه المفاجأة وعاد إلى نفسه أو عادت إليه نفسه، لم يجد بُدًّا من أن يعترف بأن الموت حق وأن قضاء الله واقع وأن إرادة الله نافذة، ولم يستطيع إلا أن يسأل الله من أعماق نفسه أن يشمل الفقيد الكريم برحمته ويسبغ عليه نعمته ورضوانه، ويحسن عنه عزاء الوطن والمواطنين وعزاء أسرته البائسة وصحيفته اليتيمة وأصدقائه وزملائه المرزئين.

  • مثلث …

    مثلث …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٨ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الذي يحكمنا الآن، ويريد أن يقرر مصيرنا، ويقضي في أمرنا سواء رضينا أو كرهنا، ويريد فوق ذلك أن يقرر مصير أجيال مقبلة من المصريين، ويقضي في أمرها، لا يستشير في ذلك غير نفسه، ولا يراجع في ذلك غير نفسه، ولا يرجع في ذلك إلى غير رأيه، ولا يعقل في ذلك لما يُقدَّم إليه من نصح، أو يُعرَض عليه من تحذير. وهذا المثلث الخطير الذي يؤمن بنفسه أشد الإيمان، وإن لم يؤمن به أحد من المصريين، ويثق بنفسه أعظم الثقة، وإن لم يثق به أحد من المواطنين، يأتلف من ثلاثة أشخاص، لكل منهم مكانة رفيعة إلى أبعد حدود الرفعة، ممتازة إلى أقصى غايات الامتياز؛ أحدهم: وهو رئيس الوزراء بارع لا يُشَقُّ له غبار، ولا يباريه في براعته أحد، ولا ينفذ إلى أسرار دهائه إلا القضاء الذي لا ينفذ إلى أسراره إنسان، وهو يؤمن لنفسه بهذه الخصال كلها. وقد يؤمن له بها، أو ببعضها فريق من أقربائه وذوي خاصته. ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد، ولا يشك فيه صدقي باشا نفسه، هو أن الشعب المصري كله لا يثق به، ولا يطمئن إليه. ومن الحمق والإطالة أن نحاول الاستدلال على أن الشعب المصري قد أبى دائمًا أن يمنح صدقي باشا من ثقته قليلًا أو كثيرًا، فقد نهض صدقي باشا بأعباء الحكم وزيرًا يرأسه غيره، ووزيرًا يرأس هو غيره. فلم يستطع أن يحكم في مصر إلا بالقوة والعنف، وبالبأس والبطش، وبالإرهاب ينشره على الأرض المصرية كلها، وبالترغيب يقصره على أفراد قليلين لا يغنون عنه، ولا عن حكمه شيئًا. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الشعب كله أو ثلثه أو نصفه لما احتاج إلى قوة، ولا عنف، ولما احتاج إلى ترغيب أو ترهيب. وأغرب من هذا أن صدقي باشا ابتكر في يوم من الأيام حزبًا طويلًا عريضًا، ولكنه غير عميق، وأن هذا الحزب آمن به ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقْصِيَ عن الحكم تفرق الحزب عنه، ونظر صدقي باشا فرأى نفسه وحيدًا، لا يؤنس وحدته إلا الحزن الذي تثيره الذكرى، وإلا أشباح حمر كانت تتراءى له من هنا وهناك، وتدعوه في أنين المريض وحشرجة المحتضر، وهي أشباح أولئك الصرعى الذين أرسلهم بأسه وبطشه إلى الموت. وأشد من هذا غرابة أن صدقي باشا أنشأ في ذات يوم من الأيام برلمانًا كاملًا له مجلسان، ووثق به البرلمان ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقصي عن الحكم نظر فإذا البرلمان يسترد ثقته، ويؤثر العافية على أن يناصر منشئه الذي منحه الوجود وبث فيه الحياة. وأشد غرابة من هذا وذاك أن صدقي باشا في وزارته الأولى، أو قُلْ في دكتاتوريته الأولى، لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه به، فاضطر ذات يوم أن يستقيل؛ ليتخلص من بعضهم، ثم أُقصي عن الحكم، فإذا أحد زملائه يخلفه، ويسومه ما يعرف الناس جميعًا من ألوان المحن والخطوب. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا في وزارته القائمة لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه؛ فقد همَّ أن يتخلص من بعضهم، فكانت أزمة التعديل التي لم ينسها الناس بعد، ثم استقال ورُفِضت استقالته، وظن أن الأمور قد استقامت له، وإذا زميلان من أخص زملائه به، وأصفاهم له، وأعطفهم عليه يستقيلان فجأة، وعلى غير انتظار. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا قد رأس هيئة المفاوضات، ثم نظر ذات يوم فإذا نصف هذه الهيئة لا يثق به، ولا يطمئن إليه، وإنما يعلن الشك في كل ما كان يصدر عنه من قول أو عمل، فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن صدقي باشا — وهو رأس هذا المثلث الخطير — لا يوحي بالثقة، ولا يشيع الاطمئنان من حوله. ومصدر ذلك في أكبر الظن أنه هو نفسه لا يثق بأحد، فلا يستطيع أحد أن يثق به. والشيء البديع أنه على رغم هذا كله ينهض بأعباء الحكم، ويريد أن يقرر مصير المصريين، ويقضي في أمرهم، ويزعم مع ذلك أنه يفعل هذا كله على أساس من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والثقة التي يفرضها الدستور. أمَّا الطرف الثاني: من أطراف المثلث فهو حضرة صاحب الدولة النقراشي باشا، وهو رجل حزم وعزم، ورجل شدة وبأس، ورجل مضاء وإقدام، وكان يظن أن الناس يثقون به، ويؤمنون له، ويطمئنون إليه، ولكنه لم يتولَّ الحكم مرءوسًا أو رئيسًا حتى استيقن أن ثقة الناس به وهم من الأوهام، وباطل من زخرف القول، وعلم أن الذين كانوا يعملون معه، ويخضعون لسلطانه لم يكونوا يصدرون عن حب، أو أمن، أو ثقة، وإنما كانوا يصدرون دائمًا عن الشك، والخوف، والاحتياط. والنقراشي باشا يعلم حق العلم، والناس جميعًا يعلمون حق العلم، أن زملاءه في وزارته الأخيرة كانوا يرتابون به، ويشكون فيه، ويقسون عليه، حتى اضطروه آخر الأمر إلى أن يستقيل، وهو يعلم حق العلم أن حزبه نفسه قد انقسم عليه، وتفرق من حوله، وأن جماعة من خاصته وأصفيائه يقفون منه الآن موقف الخصومة المنكرة، وهو مع ذلك يرى نفسه زعيم الكثرة في مجلس النوَّاب، ويرى نفسه قادرًا على أن يشد أَزْر زعيمه، ومعلمه، وأستاذه صدقي باشا في المفاوضات مع أنه هو محتاج إلى من يشد أزره في الحياة الداخلية لحزبه حين يجتمع في ناديه، وحين يجتمع في البرلمان. أمَّا الطرف الثالث لهذا المثلث الخطير، فهو رئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الأحرار الدستوريين، وهو رجل حظه من الأدب أعظم من حظه في السياسة، وإقباله على الفكاهة أشد من إقباله على الجد، لا يبغض شيئًا كما يبغض مواجهة المصاعب واحتمال التبعات، أقصى ما تصبو إليه نفسه أن يهدأ، ويقرأ، وينعم، ويستريح. وقد يجادل في مقال يكتبه أو حديث يلقيه، ولكنه أبغض الناس للنضال يوم يحتاج النضال إلى العمل، والاشتداد على النفس، والنهوض بالأعباء الثقال. وهو أعلم الناس بأن الشعب لا يثق به، وإنما يضحك له أحيانًا، وقد يضحك منه كثيرًا، وهو أعلم الناس بأن حزبه ليس ملتفًّا حوله، ولا مستعدًّا للمضي في تأييده؛ لأن هذا الحزب لم يلتفَّ قط حول رئيس، ولم يطمئن قط إلى ما ينبغي أن تقوم عليه الأحزاب من التضامن واحتمال التبعات، ورئيس هذا الحزب مع ذلك يرى أنه قادر على أن ينهض بالأعباء، ويقضي في أمر مصر، ويقرر مصير المصريين، ويسند رئيس الوزارة، ورأس المثلث بحوله وطوله، وهو رجل لا حول له ولا طول، وبقوته وأَيْده، وهو رجل لا حظ له من قوة أو أَيْد. هذا هو المثلث الخطير تفرضه الظروف القاسية على مصر في أشد الأوقات حرجًا، وأعظمها دقة، والذي يفرض نفسه على الأمة المصرية ليقرر مصيرها، ويقضي في أمرها، وينظم العلاقة بينها وبين الإنجليز. رأس هذا المثلث لا يثق به أحد، وليس له حزب يظهر تأييده، ويتكلف معونته، وطرفَا هذا المثلث لا يثق بهما أحد، ولا يؤيدهما حزباهما إلا مقدار ما يتيحان من المنافع لهذا أو ذاك. فإذا استطاع أحدهما أن يتيح الوزارة لِزَيْدٍ أغضب عَمْرًا، فإن استطاع أن يرضي عمرًا أغضب بكرًا، وخالدًا، وما شئت من الأسماء. أليس من حق المصريين بعد هذا كله أن يشكُّوا أعظم الشك وأعمقه فيما يُقال لهم، وفيما يُقال عنهم من أنهم شعب ديمقراطي يَقُوم أمر الحكم فيه على الحق والعدل والحرية والدستور. إن الثقة هي قوام النظام الديمقراطي، وهي أساس الحكم الدستوري؛ ثقة الشعب بالبرلمان أولًا، وثقة البرلمان بالوزارة ثانيًا، فإذا فقد البرلمان ثقة الشعب وجب أن يتفرق أعضاؤه، ويُنتخَب مكانهم أعضاء آخرون، فكيف إذا لم يثق البرلمان بنفسه، وإنما وضع يده على قلبه دائمًا مخافة الحل، أو مخافة الانحلال؟! وإذا لم يثق البرلمان بالوزارة وجب أن تستقيل، ولكن برلماننا سيثق بالوزارة دائمًا إلى أن تُقال أو تُكرَه على أن تستقيل. أليس غريبًا أن يتهيأ هذا المثلث الخطير للسفر إلى لندرة؛ ليفاوض الإنجليز في مصير مصر، وفي حقوق المصريين؟! ولكنَّ أبا العلاء لم يخطئ حين قال: إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ الصحيح أطلتُ همسي

  • امتحان

    امتحان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٦ سبتمبر ١٩٤٦

    لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.

    من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.

    ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.

    ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
    ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.

    سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.

    هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟

    وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.

    ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟

    وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:

    أسد عليَّ وفى الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
    لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.

    أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.

    وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب.

  • وأخيرًا …

    وأخيرًا …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٦ ديسمبر ١٩٤٥

    كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، وعلى أحسن ما يشتهون، نظامٌ مستقرٌّ كما تستقر الجبال، وأمنٌ شاملٌ ينعم به الأقوياء والضعفاء على السواء، واستقامةٌ في العمل لم يسجل التاريخ مثلها لأمة من الأمم في عصر من العصور، وصدقٌ في القول سيصبح مضرب الأمثال لمستقبل الأجيال، كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، كل شيء يجري في اطراد وانتظام كما تجري الشمس والقمر في السماء.

    إذا أصبحت مصر غدا الوزراء والموظفون في دواوينهم فعملوا ما شاء الله أن يعملوا، وكسلوا ما شاء الله أن يكسلوا، وقالوا ما شاء الله أن يقولوا. فإذا انحرفت الشمس عن كبد السماء وسَعَتْ إلى مغربها شيئًا ما، راح الوزراء والموظفون إلى دُورِهم فأكلوا ما شاء الله أن يأكلوا، وناموا ما شاء الله أن يناموا، فإذا ألقت الشمس بَدًّا من كافر كما يقول الشاعر القديم، سعى الوزراء والموظفون إلى أنديتهم وقهواتهم وإلى ملاعبهم وملاهيهم، فلهوا ما شاء الله أن يلهوا، وسمروا ما شاء الله أن يسمروا، وشربوا ما شاء الله أن يشربوا، حتى إذا انتصف الليل عاد الوزراء والموظفون إلى دُورِهم، فكان النوم وكانت الأحلام، ثم إذا أصبحوا استأنفوا حياة غدٍ كما بدءوا حياة أمس، والله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.

    والشعب المصري هادئ مطمئن ينظر إلى غُدُوِّ الوزراء والموظفين ورواحهم كما ينظر إلى شروق الشمس وغروبها، متفكرًا في آيات الله، متعجبًا من حكمة الله، مستيقنًا بأن كل شيء يجري كما سبق به القضاء منذ الأزل، وكما جرى به القلم في اللوح المحفوظ قبل أن يُخلَق النور والظلمة، وقبل أن تُبسَط الأرض وتُرفَع السماء، وتُنثَر بينهما الكواكب والنجوم.

    وقد يوجد بين المصريين من يضيق بهذه الحياة المطردة المتشابهة التي تسعى إلى غايتها سعيًا سهلًا سواء لا عوج فيه ولا التواء، وهؤلاء المصريون هم المرضى الذين يجب أن نلتمس لهم الطب؛ لنشفي قلوبهم ونفوسهم من هذا الضيق الذي لا يدل إلا على انحراف الأمزجة، وفساد الأذواق، واعتلال الطباع.

    وهم يلتمسون لضيقهم هذا عللًا يبتكرونها ابتكارًا، ويبتدعونها ابتداعًا، ويخلقونها من عند أنفسهم؛ لأنهم لا يحبون الهدوء، ولا يطمئنون إلى الاستقرار. لقد نشئوا والإنجليز مستقرون في بلادهم، مسيطرون على مصالحهم، والوزراء والموظفون يغدون ويروحون، فما بالهم يضيقون بما نشئوا عليه، ويسأمون بما كان الحق عليهم أن يألفوه؟! فما بالهم يطالبون بجلاء الإنجليز عن مصر؟! وما الذي قدَّم إليهم الإنجليز من المساءة حتى يضيقوا بهم هذا الضيق، وينكروا مكانهم هذا الإنكار، ويخرجوا على ما عُرِفَ عنهم من التقاليد؟!

    فقد عُرِفَ المصريون بكرم الضيافة منذ أقدم العصور، فما تنكُّرهم للضيف؟! وما تبرُّمهم به؟! وماذا يقولون لآبائهم إن أُنْشِرَ آباؤهم من القبور؟! وماذا يقولون لأبنائهم حين يسأل أبناؤهم عن هذه العلة الطارئة، كيف طرأت؟ أو فِيمَ طرأت؟!

    لقد صحبنا الإنجليز منذ نشأتنا كما صحبنا الزمان، لم نسئ إليهم ولم يسيئوا إلينا، فلِمَ نطالبهم بالجلاء عن ديارنا؟! ولِمَ نُلح في هذه المطالبة، ونسرف في الإلحاح؟!

    أرأيت إلى السبب الذي ترددت الحكومة من أجله ترددًا طويلًا في المطالبة بالجلاء؛ لقد همَّتْ أن تُبصِّرنا بعواقب الأمر، وأن تنبهنا إلى مصادره وموارده، وأن تذكرنا بآدابنا التي ورثناها عن آبائنا، والتي يجب أن ننقلها إلى أبنائنا، والتي تفرض علينا أن نكرم الضيف ونهش به، ونقوم منه مقام الخادم من سيده والعبد من مولاه، أليس شاعرنا القديم هو الذي قال:

    وإني لعبد الضيف ما دام حاضرًا ولا شيء عندي غيرها يشبه العبد

    وأيسر ما يجب على الحكومة الرشيدة التي تعرف الواجب وتنهض به، هو أن تهدي الشعب إذا ضل، وتؤدبه إذا انحرف عن مكارم الأخلاق، وتحمله على الجادة إن حاد عن سواء السبيل، ولكن الأمور قد فسدت في هذه الأيام حقًّا. فسدت حتى أصبح الشعب هو الذي يؤدب الحكومة، أو قُلْ حتى أصبح الشعب هو الذي يضطر الحكومة إلى أن تسيء الأدب، وتجور عن القصد، وتطلب إلى الضيف أن يرحل، وإلى الإنجليز أن يجلوا!

    لقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فإذا الشعب المصري يضيق بضيفه من الإنجليز، ويلح عليهم في الجلاء، وإذا هو يطالب حكومته بإجلاء هؤلاء الضيف.

    طلب الشعب ذلك في أحاديثه وفي صحفه، واضطر البرلمان إلى أن يطلبه كما طلبه الشعب، ووضع رئيس الوزراء أصابعه في آذانه ما استطاع أن يضع أصابعه في آذانه؛ حتى لا يسمع هذا اللفظ، ولا يؤذي نفسه الكريمة هذا الانحراف عن الأدب. ولكن الشعب ألح وأغرق في الإلحاح، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يسمع، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يقول، فقال للبرلمان معللًا ومؤملًا ومطاولًا ومماطلًا إنه سينتهز الفرص.

    ولكن الشعب ألحَّ وأغرق في الإلحاح، ولم يَرْضَ بالتعليل ولا بالتأميل، ولم يقنع بالمطاولة ولا بالمماطلة، فخطا رئيس الوزراء خطوة أخرى، وجمع الملأ، فقال له وسمع منه، وأعلن إلى الشعب في سبتمبر الماضي أن الوقت ملائم لطلب الجلاء، وكان في ذلك الوقت الملائم منكرًا لفساد الزمان، وخروج الشعب عن طبعه، وانحرافه عن أدبه القديم، ولكنه أضمر في نفسه شيئًا وأظهر لهذا الشعب الذي يشبه الأطفال شيئًا آخر يعلله ويدلِّله ويدعوه في رفق إلى الهدوء والنوم.

    ولكن الشعب لم يهدأ ولم يَنَمْ، وظل يطالب بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، وقد أعاد رئيس الوزراء أصابعه إلى أذنه شهرًا وشهرًا وبعض شهر؛ حتى عمَّ الفساد، وأصبح معديًا كأنه الوباء، وإذا الوزراء أنفسهم يطالبون رئيسهم بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، والرئيس يُدهَش ثم ينكر ثم يثور، ثم ينظر فإذا هو بين اثنتين. فإمَّا أن يدع المنصب ويلزم داره؛ ليأتي الرئيس الذي يُخرج الضيف ويحقق الجلاء، وإمَّا أن يشارك فيما أجمع الشعب عليه من اعتلال المزاج وفساد الطبع، وانحراف الذوق عن الجادة، فيطالب بالجلاء ويتقدم في إخراج الضيف عن أرض الوطن.

    وقد فكَّر رئيس الوزراء وقدَّر، ثم تروى وتدبر، ثم اضطر إلى أن يذهب مذهب الشعب، ويصير إلى ما صار إليه الشعب من الغلظة وفساد الذوق، فهمَّ ولم يكد يفعل، وأقدم ولو استطاع لآثر الإحجام، وتمثل فيما بينه وبين نفسه قول أبي العلاء:

    ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل

    على أن رئيس وزرائنا لم يسرف في التجاهل، ولم يُعنِّف نفسه في مجاراة الشعب، وإنما أرخى الحبل شيئًا، وتقدَّم في استحياء إلى الضيف يسأله متلطفًا متظرفًا رقيقًا رفيقًا، أمستعد هو لا للخروج بل للمفاوضة في الخروج؟ ومن الطبيعي ألا تُؤخَذ الأشياء بالعنف، وإلا لانزعج الضيف عن مستقره قبل أن نمد له الأسباب، ونهيِّئ له الوسائل، ونتلطف له فيما نريد منه ونطلب إليه.

    هذه هي قصتنا منذ استسلمت ألمانيا في شهر مايو الماضي، ومنذ استسلمت اليابان في شهر أغسطس الماضي، ومنذ قررت الهيئة السياسية أن الوقت ملائم للمفاوضات في شهر سبتمبر الماضي.

    وقصتنا تُختصَر في كلمتين اثنتين، أو في كلمات ثلاث: شعب قليل الذوق يريد أن يُخْرِج الضيف من داره، ورئيس مؤدب مهذب يريد أن يكون كريمًا إلى النهاية، ثم يُضْطَر آخر الأمر إلى أن يجاري الشعب فيتلطف في ذلك إلى أقصى غايات التلطف.

    والمهم هو أن رئيس الوزراء قد اضْطُر آخر الأمر أن يشارك الشعب في مرضه، ويطلب إلى الإنجليز تحديد وقت لا للجلاء كما قلت، بل للمفاوضة في الجلاء.

    ولكن الحرب قد أفسدت كل شيء، فليس المضيفون وحدهم هم الذين فسدوا وساءت أذواقهم، ولكن الأضياف أنفسهم قد فسدوا وساءت أخلاقهم أيضًا. فقد كان المألوف ألا يقيم الضيف إذا نَبَتْ به الدار، وأحس من مضيفه إعراضًا عنه أو زهوًا فيه، وكان الطبيعي أن يجلو الإنجليز منذ أحسوا ضيقنا بهم وزهدنا منهم، ولكنهم أقاموا وألحُّوا في الإقامة، وضِقْنا نحن وألححنا في الضيق، وكلما أظهرنا نحن هذا الإلحاح أظهروا هم ألوانًا من التحدي والاستخفاف.

    وهل كانت تصريحات المستر بيفن في مجلس العموم إلا ضروبًا من التحدي، وألوانًا من الاستخفاف؟! نطالب نحن بالجلاء ونلح في المطالبة، ويقول هو للبريطانيين أن الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا!

    ومن أجل هذا لن أُدهَش إذا تلقَّى وزير الخارجية البريطانية ذلك الطلب الرقيق الرفيق الذي أرسله إليه رئيس الوزراء، فهز رأسه ورفع كتفيه ورسم على ثغره ابتسامة ساخرة، وأمر بعض أعوانه أن يرد على رئيس وزرائنا بأنه سيحدد موعد المفاوضات في الوقت الملائم؛ فالوقت الملائم يختلف بالقياس إلينا وإلى الإنجليز، بل هو يختلف بالقياس إلينا وحدنا، ألا ترى أنَّا رأينا الوقت ملائمًا في سبتمبر ولم نطلب المفاوضات إلا في ديسمبر! فما الذي يمنع الإنجليز أن يروا الوقت ملائمًا حين يشاءون هم لا حين نشاء نحن؟! وما عسى أن يصنع رئيس الوزراء إذا تلقَّى الرد بأن موعد المفاوضات سيُحدَّد في الوقت الملائم؟! أيرضى وإن غضب الشعب، أم يشارك الشعب في غضبه، وإذن فماذا يصنع؟!

    وكل هذه المشكلات إنما جاءت من فساد الزمان وتغيُّر الناس، فلو أن الزمان مضى كما كان يمضي مِنْ قَبْلُ صالحًا معتدلًا، ولو أن الناس ظلُّوا كما كانوا من قبل مؤدبين مهذبين مكرمين للضيف؛ لما نشأت هذه المشكلات، ولما اضطر رئيس الوزراء إلى هذه الحياة المعقدة التي تملؤها الأحزان والهموم.

    والظاهر أن حياة رئيس الوزراء قد أصبحت معقدة حقًّا لا تملؤها الأحزان والهموم وحدها، وإنما يملؤها مع الأحزان والهموم شيء آخر يوشك أن يُسمَّى إشفاقًا وخوفًا. فقد تحدثت إلينا الصحف أمس، بأن رئيس الوزراء يصطنع ألوانًا من الاحتياط لم يصطنعها أحد من قبله، حتى أستاذه العظيم صدقي باشا، فلم نعلم قط أن صدقي باشا أقام الشرطة السرية على سطوح الدُّور في غُدوِّه أو رواحه، ولكن الصحف تُنبئنا بأن النقراشي باشا قد استنفد فرقة الشرطة السرية في القاهرة، ثم رد بعض الشرطة العلنية شرطة سرية، فستر لباسها الرسمي وألبسها الجلاليب، وأقامها على سطوح الدور؛ لتحميه في ذهابه من داره إلى حفل المحمل، وفي عودته من هذا الحفل إلى داره.

    أَحَقٌّ هذا؟! وإن كان حقًّا؛ فما تأويله؟ وما تعليله؟ وكيف يمكن أن يُقبَل أو يُساغ؟!

    أَحَقٌّ أن النقراشي باشا لجأ إلى ما لم يلجأ إليه أستاذه صدقي باشا، فأقحم الشرطة على الناس دورهم وأقامها على سطوح الدور؛ لتحمي طريقه في الذهاب والإياب؟! لتحميه من ماذا؟! لتحميه من أنه زعيم الشعب قد آمن الشعب به إيمانًا مطلقًا كما آمن بصدقي باشا من قبله إيمانًا مطلقًا، وقد رفض الشعب من أجله زعماءه القدماء؟! فهذا رئيس الوفد لا يلتفت إليه أحد، ولا يحفل به أحد، ولا يحس وجودَه أحد. ومن أجل ذلك تُحاصَر داره، ويُحاصَر ناديه، ويُضيَّق عليه حين يذهب فيشهد الصلاة، كل ذلك رفقًا به وعطفًا عليه؛ حتى لا يشهد زهد الناس فيه، وتنكر الناس له، وإعراض الناس عنه.

    لقد أخذ النقراشي باشا قلوب الشعب كله من النحاس باشا أخذ عزيز مقتدر، فمِمَّ يخاف النقراشي باشا وقلوب الشعب معه، ونفوس الشعب طوع يده؟! ومِمَّ يخاف النقراشي باشا وهو قد طلب مفاوضة الإنجليز وجارى الشعب في الحرص على الجلاء؟! ألم يأنِ لهذه المأساة المضحكة أن تنقضي؟! ألم يأنِ لهذه الغمرة المسلية أن تنجلي؟! ألم يأنِ للذين لا يؤمن بهم أحد، ولا يطمئن إليهم أحد أن يعودوا إلى دورهم، ويقنعوا بما قسم الله لهم من الحياة الهادئة الخاملة، ويتركوا للشعب حقَّه في أن يختار في حرية وصراحة مَنْ ينطقون بلسانه، ويصدرون عن أمره؛ لأنه يحبهم ويحبونه، ولأنهم إذا خرجوا لم يقيموا الشرطة السرية على السطوح، ولم يقحموا الشرطة على الناس دورهم بغير إذن من القضاء.

  • نصيحة

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.

  • غيبة …

    حديث المساء: غيبة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ يناير ١٩٣٤

    غابت عن القاهرة في أيام العيد شموسها المشرقة ونجومها المتألِّقة؛ فأظلم جوها وكان من حقه أن يُضيء، وأقفرت أرضها وكان من حقها أن تعمر، وفَتُرَ فيها العيد وكان من حقه أن ينشط ويقوى ويملأ الناس نشاطًا وقوةً. وليست هذه الشموس المشرقة والنجوم المتألقة رجال الوفد وزعماءه؛ فهؤلاء قوم يستطيعون أن يذهبوا ويستطيعون أن يجيئوا؛ فلن يُظْلِمَ لذهابهم جَوٌّ ولن تضيء بمجيئهم سماء، أولئك قوم لا يعرفهم أحد ولا يعرفون أحدًا، لا يَخِفُّ لوداعهم أحد إذا ذهبوا ولا ينشط لاستقبالهم أحد إذا جاءوا. هم قوم مثلك ومثلي لا يحسهم الناس، وأكبر الظن أنهم لا يُحِسُّون أنفسهم؛ فانتقالهم واستقرارهم سواء. إنما الشموس المشرقة والنجوم المتألقة والكواكب الوضيئة والمصابيح المضيئة هم وزراؤنا الأفذاذ، الذين تتنافس فيهم مدن مصر وتختصم حولهم قرى الريف، لا يُلِمُّون بمدينة إلا امتازت من المدن، ولا ينزلون بقرية إلا ارتفعت فوق القرى، يصحبهم اليسر أينما كانوا، ويسبقهم البشر إلى حيث يَمَّمُوا، فمَقْدِمُهُم خير كل الخير خليق أن يشتدَّ فيه التنافس ويعظم فيه الخصام.

    غابوا عن القاهرة أيام العيد؛ فغاب عنها العيد، وتفرقوا في المدن والقرى؛ فتفرق معهم العيد في المدن والقرى، كل أخذ معه جزءًا يوزعه على الناس توزيعًا، ويقسمه بينهم تقسيمًا، وكان رئيس الوزراء الرجل الطيب أعظمهم حظًّا من العيد، أخذ معه نصفه أو ثلثيه هدية إلى أهل مصر العليا؛ فلم يكد يبلغ أسوان حتى استحالت عيدًا كلها، وكانت أسوان وفيَّة عارفة للجميل، شاكرة للنعمة مقرَّة بالحق؛ فاستقبلت رئيس الوزراء أحسن استقبال، واحتفلت له أفخم احتفال، ولم يكد يبلغ الفندق فيها حتى وقف له الأجانب رافعين قلانسهم صائحين حتى بلغ صياحهم عنان السماء.

    وفي أثناء ذلك كان رئيس الوفد ينتقل بين سمنود والمنصورة والقاهرة؛ فلا يشعر به أحد ولا يحتفل له أحد، ولا يرفع الأجانب له قلانسهم، ولا يمتلئ الجو من حوله بالصياح؛ لأن رئيس الوفد لم يكن يحمل معه إلى الناس عيدًا ولا جزءًا من عيد، وإنما كان رجلًا عاديًّا، يؤدي واجبات عادية، فيتركه الناس وما يؤدي من واجبات. وأحست الوزارة خطر هذه الرحلة التي عمد إليها الرجل الطيب في أقصى الصعيد، وأشفقت الإدارة من إقبال الناس على رئيس الوزراء، وهتاف الناس لرئيس الوزراء؛ فاحتاطت الوزارة واستعدت الإدارة، وحمت الناس من فتنة رئيس الوزراء، وحمت رئيس الوزراء من كَلف الناس به وتهالكهم عليه.

    وشهدت أسوان وشهدت الأقصر أيامًا لم تشهدها مدينة من مدن مصر في يوم من أيامها العظام؛ حُشِدَت الجنود في أسوان ألوفًا، واحتفرت الخنادق في أسوان طويلة عريضة عميقة، وهَمَّ رئيس الوزراء أن يصلي الجمعة في مسجد عَيَّنَه؛ فكثر الناس الذين هموا أن يصلوا في هذا المسجد، حتى اضطرت الوزارة إلى أن تأمر بإغلاق المسجد ورد المصلين عنه اتقاءً للفتنة، ودفعًا للكوارث والأحداث.

    ومع أن الوزارة قد بذلت من الجهد ما لم تبذله الوزارات، وحشدت من الجند ما لم يحشد من قبل. ومع أن الجند كان نشيطًا جريئًا، يُعْمِلُ العصي والسياط في غير حساب. ومع أن الخنادق كانت مُخِيفَة، ومع أن الاحتياط لم يبلغ في يوم من الأيام ولا في مكان من الأمكنة ما بلغ في أسوان؛ فقد استطاعت جماهير الناس أن تقتحم المدينة اقتحامًا، وتردَّ الجند ردًّا، وتحتفل برئيس الوزراء رغم الوزارة، وتنصر رئيس الوزراء على الوزارة، وتسجل للوزارة على نفسها يومًا مشهودًا، وتُثبِت للناس جميعًا أن الوزارة قد تنتصر على الوزارة، وأن الحكومة قد تنهزم أمام الحكومة، وأن الشعب أقوى وأعظم وأضخم وأنشط من أن يرده وزير الداخلية مهما تبلغ قوته وبأسه عن أن يُظهِر ما يُضْمِر من الحب، ويُكِنُّ من الإكبار والإجلال لرئيس الوزراء.

    وكذلك ألقى أهل أسوان أمسِ درسًا بليغًا في التواضع على الوزارة القائمة؛ فعلموها أن التواضع فضيلة بشرط ألا يتجاوز الحدَّ؛ فإن تجاوزه كان نقيصة ولم يعد على أهله إلا بالإخفاق والخذلان، وعلموها أن من الحق عليها ألا تسرف في المفاخرة بقوتها، ولا تغلو في ازدراء قوة الشعب؛ فالوزارة تعلم حق العلم أن الشعب يحبها ويفتن بها، وهي تريد أن تردَّ الشعب عن هذا الحب وعن هذه الفتنة، وتحمله على الاقتصاد فيهما، ولكن الشعوب لا تُصْرَفُ عن الحب بالقوة، ولا تُحْمَلُ على الاقتصاد في الإعجاب والإكبار كرهًا، وما يضرُّ الوزارة أن يظهر حب الناس لها وافتتانهم بها، وأن تقوم الأدلة الناصعة على أن الوفديين قوم يحلمون.

    لقد نَشَرَت الصحف أنباء زيارة الرجل الطيب لأسوان، وأنباء زيارة رئيس الوفد للمنصورة، فيا لها من أنباء! رئيس الوزراء يحفل به الناس رغم الوزارة، ورئيس الوفد يلتفت يمينًا وشمالًا وينظر إلى أمام وينظر إلى وراء فلا يجد من يستقبله حين يقبل، ولا يجد من يودعه حين يعود. والغريب أن بين الناس مَنْ يشك في أن الرجل الطيب قد قال الحق ونطق بالصواب، حين أعلن إلى الشعبيين يوم العيد أن وزارته كوزارة صدقي باشا لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام. يشكون في ذلك ويأبون تصديقه، ويتكلف رئيس الوفد فيضع حديث رئيس الوزراء موضع الشك والريب.

    وأَمْر رئيس الوفد غريب؛ فهو قد ظنَّ أن ما وقع في أسوان لرئيس الوزارة قد وقع له هو في المنصورة، وهو قد اعتقد أن ما حُشِدَ من الجند قد حُشِدَ في المنصورة لرد الناس عنه ورده هو عن الناس، وأن ما حفر من الخنادق قد حفر في المنصورة لأخذ الطريق عليه وعلى الذين يسعون لتحيته، وأن ما رُفِعَ من الجسور قد رُفِعَ في المنصورة لجعل النهر حائلًا بينه وبين قُصَّادِه ومُرِيدِيهِ، وأن هذه العصيَّ والسياط التي كانت تنهال على الرءوس والأبدان فتهشِّم العظام وتلهب الجلود، إنما كانت تنهال على أهل المنصورة؛ لتفرقهم عنه وتَحُول بينهم وبين الالتفاف حوله.

    ظن رئيس الوفد هذا فتحدث به إلى ثلاثة أو أربعة من النفر الذين لقوه في خطبة نشرت في الصباح وتنشر في المساء، ولو أن رئيس الوفد فكَّر وقدَّر وتنبَّه؛ لعرف أن شيئًا من هذا لم يحدث له ولا لأصحابه، ولم يُدَبَّرْ له ولأصحابه، وإنما حدث هذا كله لرئيس الوزراء وعشَّاق رئيس الوزراء، ودُبِّرَ هذا كله للرجل الطيب والمفتونين بالرجل الطيب.

    وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة أمس فلم يجد في محطتها أحدًا، ولم يحفل به في شوارعها أحد، ثم ذهب إلى داره وهو يتحدث إلى الناس بأن أهل القاهرة قد خَفُّوا لاستقباله واحتفلوا بلقائه، وإنما رأى رئيس الوفد ما سيحدث غدًا حين يعود رئيس الوزراء إلى القاهرة؛ فينشط لاستقباله أهل القاهرة، ويحتفلون به احتفالًا يضطر الشرطة إلى إعمال العصي والسياط في الرءوس والأبدان.

    ولست أدري إلى أي حد كان ينتهي احتفال الناس برئيس الوزراء لو أن الجمعية العمومية لحزب الشعب اجتمعت يوم العيد وانتخبته رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا؛ إذن لزُلْزِلَت الأرض زلزالها، ولاحتفل الناس بالرجل الطيب احتفالات لا تنقضي: بعضها لأنه رجل طيب ومصر تحب الرجال الطيبين، وبعضها لأنه رئيس الوزراء ومصر تُكْبِرُ رؤساء الوزارات، وبعضها لأنه رئيس حزب الشعب ومصر تذوب في حب الرؤساء لحزب الشعب. ولكن الرجل الطيب رفق بالمصريين وعطف على مصر؛ فأرجأ اجتماع الجمعية العمومية، وأرجأ انتخابه رئيسًا لحزب الشعب؛ حتى لا تخرج مصر عن طورها، ولا تتجاوز في الاحتفال به حدود الرزانة والعقل والحكمة.

    والناس يتساءلون بعد ذلك عن سبب هذا الإرجاء؛ فقد ظهر هذا السبب فينبغي أن يبطل العجب. وهم يتساءلون عن الموعد الذي حدده الرجل الطيب لاجتماع الجمعية العمومية وانتخابه رئيسًا لحزب الشعب مكان صدقي باشا، فيجيبهم بعض المجيبين بأن هذا قد يكون قبل عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يكون بعد عودة المندوب السامي إلى مصر، وقد يستكثر الرجل الطيب على نفسه رياسة حزب الشعب تواضعًا لله، وقد يستكثر الرجل الطيب نفسه على حزب الشعب ارتفاعًا عما لا يليق بالرجال الطيبين فلا تجتمع الجمعية العمومية، ولا ينتخب حزب الشعب لنفسه رئيسًا. وما حاجة حزب الشعب إلى رئيس؟ وإنما تحتاج الأحزاب إلى رؤساء حين تنتظر طول البقاء. ومهما يكن من شيء فقد طالت غيبة الرجل الطيب عن مدينة القاهرة، واشتد شوق القاهرة إلى رجلها الطيب؛ فليسرع الفلك في دورته، وليسرع القطار في عودته، ولتستقبل القاهرة رجلها الطيب غدًا سعيدة به، سعيدًا بها، ولتنقضِ هذه الغيبة التي مهما تقصر فهي طويلة.

    ومَنْ يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يصل إلى القاهرة قبل الأوان، لعل الناس أن يُفْتَنُوا به ويَهِيمُوا بحبه؛ فيخشى وزير الداخلية عليهم وعليه فيخطفه من بينهم خطفًا ويرده إلينا في قطار سريع، فلوزير الداخلية خطفة في كل شتاء، وأي الناس أحق أن يخطف من رئيس الوزراء؟!