حلفاء …
طه حسين
جريدة البلاغ
١٤ مارس ١٩٤٦
رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، قد جرب المصريون لباقته منذ أكثر من ربع قرن، منذ شارك في الحكم وزيرًا، ومنذ سيطر على الحكم رئيسًا للوزراء، بل منذ كان عضوًا في الوفد، ومنذ فصل عن الوفد، بل منذ ائتلف مع المؤتلفين، واختلف مع المختلفين، بل منذ رأى نفسه زعيمًا ليس فوقه زعيم، ومنذ رأى نفسه جنديًّا يعمل تحت رياسة هذا وذاك من الزعماء.
رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، جرب المصريون لباقته في جميع هذه الأطوار، وذاقوا مرارة هذه اللباقة كلما تولى الحكم أو شارك فيه، وذاقوا حلاوة هذه اللباقة كلما أُبعد عن الحكم وجلس في مرقبه ذاك من نادي محمد علي ينتظر الأحداث قبل أن تقع، ويُفسِّرها لجلسائه بعد أن تقع، ويرسل إلى الأهرام بين حين وحين كلمة حلوة مرة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، يعارض فيها الحكومة القائمة، ويلقي عليها دروسًا في السياسة مرة، وفي الاجتماع مرة أخرى، وفي الاقتصاد مرة ثالثة، وفي تدبير الميزانية مرة رابعة، ثم ينتظر ما يكون لكلمته تلك الحلوة المرة من صدًى في الحكومة، ومن صدًى في بيئات المال والأعمال، ومن صدًى في البيئات السياسية الشعبية. وربما انتظر ما يكون لها من صدًى في البيئات السياسية الأجنبية عامة، والبريطانية خاصة.
وهو في أثناء هذا كله يفرك يديه، ويباعد بين شفتيه، ويلقي كلمات هنا وهناك يجري بها لسانه، ويشك فيها جنانه؛ لأنه رجل لبق يُلمِّح دائمًا ولا يُصرِّح إلَّا قليلًا.
رئيس وزرائنا رجلٌ لبق ما في ذلك شك، قد عرف المصريون لباقته حين شارك في تكوين الجبهة التي وثبت إلى الحكم في هذا العهد السعيد، شارك فيها صامتًا لا يقول، نشيطًا لا يهدأ، متحركًا لا يحب السكون، وعرف المصريون لباقته حين رفع مكرم باشا إلى السماء بعد خروجه من الحكم، وإبعاده عن الوفد، وإقصائه عن البرلمان.
رفعه إلى السماء ووقف حائرًا لا يدري في أي نجم من النجوم يتخذ له مستقرًّا ومقامًا؛ فقد كان يرى النجوم كلها ضئيلة بالقياس إلى المجد العظيم الذي اكتسبه مكرم باشا حين فارق الوفد، وحين انقلب على رئيس الوفد. وكان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر ذلك البيت المشهور الذي يحفظه تلاميذ المدارس الابتدائية في جميع الأجيال منذ وجدت المدارس الابتدائية:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
والناس يبلغون الشباب، ويبلغون الكهولة، ويتقدمون في الشيخوخة، وينتهون إلى الهرم، وينسون كثيرًا جدًّا من الأشياء، ولكنهم يحتفظون بقليل من ذكريات الطفولة تطفو على ضمائرهم، وتجري بها أطراف ألسنتهم؛ لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر كما يقول الأساتذة لتلاميذهم في المدارس الابتدائية أيضًا؛ فقد كان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر هذا البيت كلما أحدث مكرم باشا حدثًا.
ولم يكن صدقي باشا في ذلك الوقت يؤمن بمكرم باشا؛ فصدقي باشا لا يؤمن بأحدٍ، ولا يؤمن لأحدٍ، وإنما يؤمن بنفسه ولنفسه ليس غير. كل شيء وكل إنسان عند صدقي باشا وسيلة لا غاية، وسيلة لا أكثر ولا أقل، ينتفع بها ما أمكن الانتفاع بها، ثم يعدل عنها حين يتاح العدول عنها.
فقد كان مكرم باشا العظيم عند صدقي باشا اللبق وسيلة لا أكثر ولا أقل، وكان مكرم باشا مفتونًا بثناء الرجل اللبق. وأي إنسان لا يُفتن بثناء صدقي باشا حين يفقد ثناء الجماهير؟ وأي الناس لا يزدهيه التقريظ يأتيه من نادي محمد علي حين يفوته التقريظ الذي كان يأتيه من بيئات الشعب؟
كان صدقي باشا يهدي الثناء، وكان مكرم باشا يتلقى الثناء، وكان أحد الرجلين يبتسم ساخرًا، وكان أحدهما الآخر يبتسم مفاخرًا، حتى إذا بدئ العهد السعيد وقفز مكرم إلى وزارة المالية فصال وجال وطلب الطعن والنزال، كان صدقي باشا من ورائه يدفعه ويرفعه، ويعد عليه ما يقول، ويحصي عليه ما يفعل، ويتربص به الدوائر، وينتهز به الفرص، وكان في الوقت نفسه يثني عليه أجمل الثناء، ويطريه أحسن الإطراء، فكان مكرم باشا سياسيًّا كبيرًا، وماليًّا خطيرًا. وقد يختلف صدقي باشا معه في هذا الأصل أو ذاك من أصول الاقتصاد، وفي هذا الفن أو ذاك من فنون المال، ولكنه لا ينكر براعة مكرم باشا في السياسة، وبلاءه في الوطنية، وإقدامه على جلائل الأعمال.
كان صدقي باشا يُظهر الرضا، ويُضمر السخط، ويُعلن الثناء، ويُسرُّ النقد، وكان مكرم باشا يندفع ويندفع، ولم يدفع مكرم باشا إلى جلائل الأعمال قط شيء كما يدفعه الثناء من حيث جاء.
وقد كان مكرم باشا رجلًا ضروريًّا تفرضه الظروف فرضًا، وتقتضيه الحياة اقتضاءً، فقد كان النقراشي باشا رئيسًا للوزراء، ولا بدَّ من أن يستقيل النقراشي باشا، ومن أن تُنغص عليه أمور الحكم تنغيصًا، وأي رجل أقدر على ذلك من مكرم باشا؛ فهو الشريك المخالف، والزميل المعاكس دائمًا، وإذن فليُثنِ صدقي باشا وقد أثنى، وليندفع مكرم باشا وقد اندفع، وليشقى النقراشي باشا وقد شقيَ.
ولعل القرَّاء قد لاحظوا هذا التوافق الغريب الذي كانت تأتي به المصادفات دائمًا بين سياسة مكرم باشا داخل الوزارة، وسياسة صدقي باشا خارج الوزارة. كان مكرم باشا ينكر إبطاء النقراشي باشا في المطالبة بالمفاوضات، وكان صدقي باشا ينكر هذا الإبطاء في الأهرام، ويسميه سياسة كسب الوقت، فلما ضاق مكرم باشا بهذا الإبطاء، واستقال ليُكره النقراشي باشا على الإسراع بطلب المفاوضات، كان صدقي باشا مؤيدًا له وظهيرًا خارج ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية، وداخل ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية أيضًا، حتى غُلِب النقراشي باشا على أمره وطلب المفاوضات على كرهٍ منه. وكان مكرم باشا متحرجًا من الردِّ البريطاني على مذكرة الحكومة المصرية؛ يرى فيه قيودًا لا يحبها ولا يرضاها، ويودُّ لو أزيلت هذه القيود.
وكان صدقي باشا يرى مثل ذلك في الأهرام، حتى كان الناس يتساءلون عن هذا التوافق الغريب بين الرجلين العظيمين في شئون المال والسياسة والاقتصاد. والحق أن صدقي باشا كان له تلميذان بارعان؛ أحدهما: كان مكرم باشا، وكان بارعًا في السياسة والاقتصاد والمال، والآخر: النقراشي باشا، وكان بارعًا في الحزم والعزم، وفي الضبط والربط، وفي تسليط الشرطة على نفوس الشباب لتُزهق، وعلى دماء الشباب لتُراق، وعلى رءوس الشباب لتُهشم، وعلى أعضاء الشباب لتُحطم محافظة على الأمن وإقرارًا للنظام دائمًا، وبرًّا بمصر والمصريين على كل حال.
وكان الأستاذ العظيم ينظر إلى تلميذيه العظيمين نظرة عطف وحنان، فيها ملاعبة ومداعبة، يغري أحدهما بالآخر، ويهيج أحدهما على الآخر ليضحك منهما، وليضحك غيره منهما، كما يفعل الأب الكريم حين يداعب أبناءه البررة الأوفياء.
ولم يكد وزير خارجيتنا السابق يقول ما قال في لندرة حول مجلس الأمن: أمختصٌ هو بأحداث مصر والشرق العربي أم غير مختص؟ حتى ثار الرجلان العظيمان، ثار الأستاذ في نادي محمد علي، وفي الأهرام، وفي مجلس النوَّاب، وثار التلميذ في ناديه وصحيفته وفي الوزارة، ثم استقال، وأُحرج التلميذ العظيم الثاني بين فكاهة أستاذه صدقي باشا ودعابة زميله مكرم باشا، وما ينبغي لزميله الآخر بدوي باشا من الاحترام والوفاء أثناء غيبته على الأقل.
وكذلك لها الأستاذ البارع بالتلميذين البارعين، وكان كلما لها لم يكتفِ باللهو، وإنما يسجل الحوادث، ويستخلص النتائج، وينتظر دورة الفلك، حتى كان يوم ٩ فبراير، فبلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ، وفاض الإناء، وأجمع نادي محمد علي على أن وزارة النقراشي باشا لم يبق لها في الحكم مقام. ولم يكد الأسبوع ينتهي حتى كان مكرم باشا قد استقال، وحتى كانت الوزارة كلها قد انهارت انهيارًا، وحتى كان الأستاذ العظيم قد جلس على كرسيه القديم، وأخذ في يديه القويتين وزارة المالية ووزارة الداخلية.
فأمَّا الرياسة فقد وضعها في قلبه وفي رأسه، وفي كل جزء من أجزاء شخصه العظيم، ومنذ ذلك اليوم أخذ الأستاذ يعلم تلميذيه كيف يكون الحزم والعزم، وكيف يكون الضبط والربط، وكيف يكون حفظ الأمن وإقرار النظام، وكيف يكون تدبير المال وإصلاح الاقتصاد، والتلميذان ينظران وينتفعان ويستعدان ليوم قد يأتي بعد انتظار طويل أو قصير لينتفعا بالدروس التي تُلقى عليهما الآن.
والواقع أن الأحداث التي أطاحت بوزارة النقراشي باشا قليلة جدًّا بالقياس إلى الأحداث التي تثبت صدقي باشا في الحكم، وتمنحه ما يريد وما لا يريد من النصر والتأييد. وقد كان صدقي باشا أستاذًا بارعًا بأدق معاني الكلمة وأروعها، فهو لم يشرك النقراشي باشا معه في الحكم؛ لأنه لم يرد أن يحمل أوزاره وأوزارًا مع أوزاره، ولم يرد أن يشارك في تبعات ٩ فبراير؛ لأن ما كان وما هو كائن وما سيكون من التبعات يكفيه، ولم يشرك مكرم باشا معه في الحكم؛ لأنه لا يريد أن يأتيه التنغيص من خارج الوزارة، ولو قد أشرك مكرم باشا في الحكم لاستقال مكرم باشا في ٢١ فبراير، ولاستقال مكرم باشا بعد حوادث الإسكندرية، ولاستقال مكرم باشا أول أمس حين أثيرت في مجلس النواب قصة مجلس الأمن. وكذلك استطاع صدقي باشا أن يجنب وزارته ثلاث أزمات في أقل من شهر. فوَازِنْ أنت بينه وبين تلميذه النقراشي باشا البسيط.
وربما كان موقف صدقي باشا من قصة مجلس الأمن هذه من أروع المواقف وأجدرها بالإعجاب؛ فهو قد أقام الدنيا وأقعدها مع مكرم باشا احتجاجًا على وزير خارجيتنا السابق، ولكنه نهض بأعباء الحكم قبل أن يفصل في هذه القضية، وعاد وزير خارجيتنا السابق إلى مصر قبل أن يفصل في هذه القضية أيضًا، ونظر صدقي باشا فإذا هو بين رجلين كلاهما خليق بعنايته، وكلاهما يضطره إلى التحفظ والاحتفاظ.
ولذلك شُغل صدقي باشا يوم الثلاثاء فلم يحضر مجلس النواب، ورؤساء الوزارات يشغلون متى أرادوا، ويفرغون متى أرادوا؛ فقد شُغل صدقي باشا إذن يوم الثلاثاء وترك أمر هذه القضية لأستاذنا صديق الطرفين، أو صديق الأطراف الثلاثة وزير الخارجية القائم. وقد نفذ الأستاذ من هذه القضية كما ينفذ السهم من الرمية، فاستفسر بدوي باشا، وتلقى منه التفسير، وألقاه على مجلس النواب فرضي المجلس، وشكر الوزير السابق، وسخط مكرم باشا، ولكنه أُكره على الصمت إكراهًا، ثم خرج فكتب كتابًا إلى صدقي باشا تلقاه صدقي باشا باسمًا ودسَّه في درج من الأدراج، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
أترى إلى هؤلاء الأصدقاء الأعداء؟! أترى إلى هؤلاء الحلفاء الخصوم؟! أترى إلى هؤلاء الذين يتعاونون أمام الناس ويخذل بعضهم بعضًا من وراء الستار؟! أترى إلى هؤلاء الذين أقاموا العهد السعيد ثم جعلوا يتهالكون على ما فيه من حول وطول من حكم وسلطان؟! إنهم سيفاوضون البريطانيين غدًا أو بعد غد ليستخلصوا منهم حقوقًا كاملة في الجلاء التام ووحدة وادي النيل.
سيذهبون إلى المفاوضات مجتمعين في ظاهر الأمر، مختلفين في حقيقة الأمر، كلهم ينتهز الفرص، وكلهم يتربص الدوائر، وكلهم رقيب على أصحابه، وكلهم خائف من أصحابه، وهم — بهذه الحال الرائعة من الوفاق الذي يخفي الخلاف، ومن التعاون الذي يخفي التدابر — سيفاوضون الإنجليز ليستخلصوا منهم حقوق مصر في الجلاء ووحدة وادي النيل!
عفا الله عنهم، أليس من الخير أن يبدءوا فيفاوضوا أنفسهم ليستخلصوا من أنفسهم للشعب المصري حقَّه في أن يكون حرًّا كريمًا، يحكم نفسه بنفسه ولنفسه، ولا تحكمه قلة ضئيلة قليلة تُظهر الائتلاف، وتُضمر الاختلاف، وتُضحِك الناس لا من نفسها فحسب، بل من نفسها ومن وطنها أيضًا؟
ولكن هذه قصة أخرى.
Tag: Political maneuvering
-
حلفاء …
-
بين الأدب والسياسة في تأليف الوزارات …
حديث الوادي: بين الأدب والسياسة: في تأليف الوزارات …
طه حسين
جريدة الوادي
١٤ نوفمبر ١٩٣٤
هو حدث من الأحداث التي تستحق عناية الأدباء، لو أن الأدباء مفرغون لما يستحق عنايتهم دائمًا، وقد عُنِيَ به الوزير الفرنسي العظيم بارتو في كتابه الذي أشرنا إليه في فصل مضى، وهو كتاب «السياسي»، فترك للناس فيه فصلًا ممتعًا ظريفًا يستطيع المصريون أن يقرءوه؛ فسيجدون فيه لذة ومتاعًا، وسيجدون فيه أمورًا تشبه من وجوه كثيرة ما يحدث عندنا منذ بدأنا نعرف تأليف الوزارات ومنذ أخذنا نحيا حياة ديمقراطية صحيحة أو زائفة.
وليس في هذا شيء من الغرابة؛ فطبائع الناس مختلفة ولكنها على ذلك متشابهة كما يقول ابن خلدون، ولا بد للذين يبحثون عن أطوار الحياة الاجتماعية من أن يلحظوا ما بين طبائع الناس من اختلاف وما بين طبائعهم من تشابه، ومن أن يلائموا بين هذين القانونين اللذين يتناقضان في ظاهر الأمر، ولكن تناقضهما هو قوام هذا الانسجام البديع الذي تقوم عليه حياة الجماعات.
فتأليف الوزارات في مصر يشبه في ظاهره وفي بعض حقائقه تأليفَ الوزارات في فرنسا، ولكنه من ناحية أخرى يخالفه مخالفة واضحة؛ لأن طبائع المصريين وأمزجتهم وما يحيط بهم من ظروف السياسة الداخلية والخارجية، ومن ظروف الأحزاب أثناء قيام البرلمان، وأثناء غيبته أو تعطيله تخالف مخالفة شديدة طبائع الفرنسيين وما يحيط بها من الظروف.
وأوضح ما ينبغي أن يثير عناية الأدباء في تأليف الوزارات هو هذا الاضطراب الخفي الدقيق الذي يسعى بين المستوزرين، أو قُل الذي ينبعث من رئيس الوزراء كما ينبعث التيار الخفي الدقيق، فيمضي إلى يمين وإلى شمال، ويسعى إلى أمام وإلى وراء، فلا يَدَع دارًا يسكنها مستوزر إلا اقتحمها اقتحامًا، أو انساب فيها انسيابًا، ثم يسعى في هذه الدار حتى يبلغ غرفة المستوزر أو حجرته، وإذا هو يمس المستوزر مسًّا خفيفًا؛ فيوقظه إن كان نائمًا، وينبهه إن كان غافلًا، ويصرفه عن شغله إن كان مشغولًا، ثم ما يزال يضطرب أمامهم اضطرابًا مريبًا ويرقص أمام عينيه رقصًا مغريًا، حتى يقف المستوزر عليه نظره وتفكيره وعنايته، وإذا هو قد اندسَّ إليه وانساب فيه، وجرى في عروقه كما يجري الدم، ثم تسلط على قلبه ولبه، ثم استأثر بضميره وشعوره، ثم صرفه إلى نفسه عن كل شيء، وأنشأ بينه وبين رئيس الوزراء أسبابًا خفية ولكنها قوية متينة لا تتقطع وإنما يُتاح لها أن تزداد قوة ومتانة إن وصلت الدعوة من رئيس الوزراء إلى المستوزر على لسان رسول يسعى إليه، أو من طريق التليفون يحملها إليه، وما تزال هذه الأسباب تقوى وتشتد حتى يصبح المستوزر وزيرًا، وما تزال هذه الأسباب قوية متصلة حتى يتم تأليف الوزارة، وإذا المستوزر قد أُقْصِيَ عنها ولم يُهَيَّأ له أو لم يُرَدْ له أن يشترك فيها.
هذا الاضطراب الذي ينبعث من رئيس الوزراء إلى المستوزرين جميعًا هو شيء يشبه أن يكون شعاعًا كهربائيًّا، فيه أمل وفيه يأس، فيه رجاء وفيه خوف، وهو من هذه الناحية منبر لطائفة من العواطف وألوان من الشعور في نفس رئيس الوزراء الذي ينبعث عنه هذا الشعاع، وفي نفس المستوزرين الذين ينتهي إليهم هذا الشعاع، وفي نفس الأصدقاء الذين يحيطون برئيس الوزراء وبالمستوزرين.
فإذا كانت الأزمة جادة خطيرة وكانت الوزارة التي تُؤلَّف مرجوة لعظائم الأمور أو مَخُوفة؛ فإن هذا الشعاع لا يلبث أن يتسع ويمتد، وإذا هو يمس الناس جميعًا ويثير في قلوبهم ألوانًا مختلفة من العواطف والشعور.
لا يكاد رئيس الوزراء يشعر بأن التفكير متجه إليه ليؤلف الوزارة حتى يفكر هو — سواء أراد أو لم يرد — في زملائه الذين سيعملون معه، وإذا هو مضطرب مرتبك، وإذا الأمر يختلط عليه اختلاطًا شديدًا؛ لأن هؤلاء الزملاء كثيرون، وهم دائمًا أكثر مما ينبغي، حتى حين يكون البلد فقيرًا في الرجال.
وليس الزملاء وحدهم كثيرين، بل الأصدقاء كثيرون أيضًا، أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يقدر رئيس الوزراء. ومن المحقق أن صاحب الدولة نسيم باشا قد قضى أعوام عزلته السياسية الأخيرة لا يفكر في كثير من رجال السياسة، ولا يفكر فيه كثير من رجال السياسة، ولعلَّه خُيِّل إليه أنه قد نسي هؤلاء الناس وأنهم قد نسوه، وليس من شك في أنهم كانوا قد نسوه حقًّا؛ لأنه لم يكن مصدر خوف ولا مصدر رجاء، ولعله هو كان قد نسيهم أيضًا وشُغِل عنهم بما يشغل الرجل المعتزل من أمر حياته الخاصة ولم يذكر إلا هؤلاء القليلين الذين تتصل بينه وبينهم أسباب المودة الخالصة أو أسباب المجاملة بين أصحاب المكانات.
ولكن من المحقق أيضًا أن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا قد نظر ذات يوم، ذات صباح أو ذات مساء، فإذا غرفته الخاصة قد مُلِئَتْ بالأشباح والظلال، ولعلَّ هذه الأشباح والظلال كانت ترقص أمام دولته رقصًا متصلًا غريبًا، ولعله حقق النظر فيها؛ فتبيَّن فلانًا وفلانًا وفلانًا من المستوزرين، ولعله أخذ يمتحنها امتحانًا قاسيًا صريحًا، فيه شيء من العنف، وفيه شيء من الغلظة؛ لأنه كان يحدث في الخلوة وعلى غير مشهد من الناس، ولعله رفض أكثر هؤلاء الناس؛ لأنهم لم يحسنوا أداء الامتحان.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فما أسرع ما تجسَّمَتْ هذه الأشباح والظلال! وما أسرع ما ازدحم المكان الذي تقوم فيه دار الرئيس بالسيارات والعربات، وبالساعين على الأقدام أيضًا! وما أكثر ما تُرِكَت البطاقات! وما أكثر ما دق التليفون!
ولندع رئيس الوزراء قاسيًا على هذه الأشباح حين كانت أشباحًا، ثم مجاملًا لها ورفيقًا بها، وحائرًا بينها، وفارًّا منها حين استحالت أجسامًا، ثم لننظر إلى المستوزرين أنفسهم، فكلهم ذكر نسيمًا منذ لهجت الصحف بذكر نسيم، وكلهم سأل نفسه أيفكر نسيم فيه أم ينساه؟ أينظر نسيم إليه أم يعرض عنه؟ أيستعين نسيم به أم يهمله إهمالًا؟ وكلهم هيأ لنفسه موقفين متناقضين أشد التناقض: موقف الحب الخالص والتأييد الصادق لنسيم إن دعاه، وموقف البغض الشديد والحرب الضروس يثيرها على نسيم إن آثر غيره عليه، وكلهم انتظر بين هذين الموقفين يغلبه الرجاء فيدفعه إلى اليمين وإذا هو يمدح لنفسه نسيمًا، ثم يغلبه اليأس فيدفعه إلى الشمال وإذا هو يذم لنفسه نسيمًا، ولكنه على ذلك يتحفظ إذا تحدث، يحتاط إذا لقي الناس، ويثير حول نفسه غبارًا من الأمل ينشر الدعوة له نشرًا، حتى إذا أعلن أن نسيمًا سيؤلف الوزارة تأليفًا رسميًّا؛ فلا تَسَلْ عن القلوب الواجفة والنفوس الخائفة ولا عن الصراع بين الأمل واليأس، ولا عن النضال بين الرجاء والقنوط، ولا عن الاضطراب في الغرفة انتظارًا لرسول يجيء، أو لدقة يذيعها التليفون في أرجاء الدار.
ولا تَسَلْ عما يصوره لبرتو أجمل تصوير من لحظات الانتظار هذه؛ فكل سيارة تقف في الشارع أو تمر فيه هي سيارة قد أقبلت من نحو الرئيس، وكل طرق يمس الباب مؤذن بمقدم رسول الرئيس، وكل صلصلة بجرس التليفون دعاء من الرئيس. وقد يطول الانتظار ويشق، ويصبح أطول وأثقل من أن يُحتمَل، فيخرج المستوزرين من داره ويسعى إما في دار الرئيس فورًا، وإما إلى حيث يلقى من يستطيع إن رآه أن يذكره للرئيس أو يلفت الرئيس إليه.
الرئيس إذن مضطرب مرتبك بين الزملاء الذين لا يُحصَون والزملاء أنفسهم مضطربون مرتبكون بين الخوف والرجاء، وأصدقاء الرئيس والزملاء يرون فيضطربون ويرتبكون، والصحف تصور هذا كله، والناس يقرءون هذا كله، وإذا هم أيضًا يضطربون ويرتبكون، وإذا الجو كله مضطرب مرتبك؛ لأن رجلًا كُلِّف تأليف الوزارة وهو يختار أعوانه من الوزراء.
ويقص بارتو على قرائه فكاهات ظريفة؛ فقد عبث عابث ذات يوم بأحد المستوزرين، فأنبأه في التليفون أن رئيس الوزراء يدعوه ويعرض عليه وزارة كذا، فأسرع الرجل إلى رئيس الوزراء وكان رئيس الوزراء بارتو نفسه، ولم يكن ينتهي إلى دار الرئيس حتى لقي مستوزرًا آخر قد انتهى إلى الدار، فدخلا معًا ولقيهما الرئيس مرتبكًا حائرًا؛ لأنه لم يَدْعُهما ولم يكلف أحدًا دعاءهما، فأما أحد الرجلين فكان من الشيوخ وكان وقورًا فقضى لحظات مع الرئيس، ولما رأى أنه لا يذكر له الوزارة فهم وانصرف، وأما الآخر وكان نائبًا شابًّا، فلم يُطِق صبرًا على صمت الرئيس، فابتدره بالشكر وأعلن إليه قبوله الاشتراك في الوزارة، واضطر الرئيس إلى أن يشكر له استعداده هذا ويعتذر إليه.
وكُلِّف رجل آخر تأليف الوزارة فأراد أن يتثبت من كليمنصو ويعرف أيؤيده أم يخذله، ولم يكن يريد أن يشترك معه كليمنصو في وزارته، فأصبح ذات يوم زائرًا لكليمنصو، فلما تلقاه النمر — هو كليمنصو — قال له الرجل: إني لم أزرك لأعرض عليك منصبًا في الوزارة. قال كليمونصو: «وحسنًا تفعل، فلو قد عرضت عليَّ منصبًا لاخترت الرئاسة.» قال الرجل: بالطبع، ولكن جئت لأستشيرك. قال كليمونصو: «فإن من مخالفة الذوق أن تقلق الناس من الصباح لتستشيرهم فيما لا يريدون أن يشيروا فيه.»
وأمثال هذه الطرائف عندنا كثير فالناس يذكرون هذا للوزير الذي فارق الحياة، والذي دعاه رئيس الوزارة فارق الحياة أيضًا، فلم يكد يبعث بأنه اختاره لمنصب من مناصب الوزارة حتى انكب على يده فأوسعها تقبيلًا، والناس يذكرون وزيرًا ضخمًا مرتفع القامة عريض القفا واسع الحنجرة، لم يكد يبلغه وهو في الثغر أن رئيس الوزارة قد اختاره، حتى أسرع فقَبِلَ وسأل: لأي وزارة؟! دون أن يسأل عن برنامج الوزارة أو عن زملائه وأعوانه!
وحدثنا صديق عن وزير ضخم، مرتفع القامة، عريض القفا، واسع الحنجرة، ضيق العقل، أنه كان في بعض الأوقات يعمل في وزارة مختصرة وكان يضطهد بعض الموظفين، فلما ضاق الموظف بهذا الاضطهاد سأل رئيسًا من رؤساء الوزارات أن يعيره سيارته وذهب بها إلى دار الوزير، فلما لقيه أسرَّ إليه أن فلانًا يرشحه للوزارة المقبلة فلا تَسَلْ عن إكبار الوزير لهذا الموظف وشكره له وعنايته به منذ الغد، ولكن وزارته أدركها الموت وأُلِّفَت الوزارة الجديدة ولم يفكر أحد في الوزير المخدوع.
ولو أن الناس استباحوا لأنفسهم أن يكتبوا ويذيعوا ما يعلمون من المضحكات التي أثارها وما زال يثيرها تأليف نسيم باشا لوزارته لألهوا القراء وقتًا طويلًا، ولكن الحياء والاحتشام ورعاية مكانة الناس يمنع من ذلك ويَحُول دون إذاعته.
فليت الذين يعلمون ذلك يسجلون في مذكرات خاصة؛ فليس ينبغي أن يكون التاريخ كله جدًّا، بل من الخير أن يكون فيه ما يُضْحِك ويُلْهِي، ويُقال إننا مُقْدِمون على حياة ديمقراطية، وما خير الديمقراطية إذا لم يضحك الناس من الساسة والوزراء؟! -
شك …
حديث المساء: شك …
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ ديسمبر ١٩٣٣
يظهر أن الجيش المنتصر لم يطهر الميدان، ولم يُحْسِن إخلاءه من العدو، كما أنه لم يمعن في تتبُّع المنهزمين، ولم يجرد الأسرى من السلاح، وإنما أسكره الظفر، وصرفته نشوة الانتصار عن الحذر والحيطة، واضطرار العدو إلى العجز المطلق، الذي يحرمه كلَّ حركة وكلَّ نشاط. ولولا هذا لما ظهر صدقي باشا في الميدان متحدثًا إلى الصحف على استحياءٍ، مدافعًا عن نفسه في تردد، متعرضًا لقصة الكورنيش كأن أحدًا قد عرض له في قصة الكورنيش. ولولا ذلك لما أصبح الناس اليوم، وإذا صحيفة جديدة تطلع عليهم مع الشمس، وتذكر صدقي باشا في برٍّ ورفق، وفي تمدُّح وفخار، وتذكر خصوم صدقي باشا في حدَّة وشدة، وفي لوم عنيف، وتقريع مخيف، فهذا وذاك يدلان دلالة واضحة جلية على أن انتصار الوزارة لم يكن مؤزَّرًا، وفوزها لم يكن شاملًا، وعلى أن الميدان، إن خلا لها في البرلمان من صدقي باشا، فهو لم يخلُ خارج البرلمان، فصدقي باشا ما زال يتَّصل بالصحف، ويتحدَّث إليها، غامزًا لامزًا، مشيرًا ملمِّحًا، يدافع اليوم ليهاجم غدًا، وصدقي باشا ما زال قادرًا على أن يَجِدَ صحيفة تَذُود عنه وتحميه، وتهاجم خصومه وتلحُّ عليه في الهجوم، وتُؤْوِي فلول المنهزمين؛ تجمعهم من كل صوب وتَلُمُّ شعثهم بعد التفرق، وتحاول — ومن يدري لعلها توفق! — أن تُكوِّن منهم جيشًا إن لم يكن قادرًا الآن على الهجوم الخطر، فهو قادر في كل حال على أن يضايق الخصم، وينغص عليه الحياة.
وأكثر من هذا أن ميدان البرلمان نفسه لم يخلُ للوزارة فيما يظهر ولم يصفُ لها الجوفية كما كانت تريد. فهؤلاء فريق من النوَّاب الشعبيين والاتحاديين قد تمرَّدُوا أمسِ على الوزارة، فانتخبوا من لم تكن تريد أن ينتخبوا، وتمردوا على الحزبين الشقيقين، فانتخبوا من لم يرضَ عن ترشيحهم الحزبان الشقيقان. رفعوا راية التمرد جريئة خفَّاقة فأقصوا مرشح الوزارة والحزبين إقصاءً، وأعرضوا عنه إعراضًا، ووضعوا مكانه رجلًا آخر يسمي نفسه مستقلًّا. ثم لم يكفهم أن ينتهي يوم التمرد إلى هذا الحد، بل أمعنوا في الخروج، وغَلَوْا في الخلاف، فأدخلوا الشقاق في حزب الشعب، وكان رئيس الوزراء يظنُّ أنه خرج من حزب الشعب يوم خرج منه صدقي باشا، أدخلوا الشقاق، ووضعوا بإزاء مرشح الوزارة والحزب رجلًا آخر من الحزب لم ترشحه الوزارة ولم يرشحه الحزب، والغريب أنهم كانوا يفوزون أمس في هذه الحركة، وينتصرون في هذه الموقعة، ويكفل الفوز المبين لفريق من حزب الشعب على فريق، ومما لا شك فيه أن هذا الهجوم الفجائي، وهذا الانتصار على غير انتظار قد فتح للروع بابًا إلى بعض القلوب، وفتح للغضب والحنق بابًا إلى بعضها الآخر، فقومٌ طلبوا إعادة الانتخاب، وقومٌ ألحُّوا في تعجيل الإعادة، وقومٌ ألحوا في تأجيلها، وقومٌ تنكروا، وقومٌ تنمَّروا، وقوم ضعفوا، وقوم دب إليهم اليأس، وتسلَّط عليهم الخذلان، وقومٌ ملكوا أعصابهم، واحتفظوا بالحلم والأناة، وسعوا بين النواب باللوم والعتاب، حتى لفتهم نائبٌ إلى وجوب أن يحترم الدستور، وألا يعتدى على الضمائر.
كل هذا غريبٌ، وكل هذا طبيعي، وقد تنكر أن يكون الشيء غريبًا وطبيعيًّا في وقتٍ واحد، ولكنك خليق أن تذكر أنك في مصر، وفي بيئة خاصة من البيئات المصرية، وأن اجتماع النقائض وائتلاف الأضداد شيء مألوف في مصر، وفي بعض البيئات المصرية بنوعٍ خاص.
غريبٌ جدًّا أن تنهزم الوزارة في انتخاب الوكيلين بعد أن انتصرت في انتخاب الرئيس، ولكن هذا الشيء الغريب طبيعي في الوقت نفسه؛ لأن الوزارة حين انتصرت على خصمها لم تحسن تطهير الميدان، ولم تستوثق من أن الخصم قد أصبح عاجزًا لا يقدر على شيء.
وكذلك استطاع الناطقون بلسان صدقي باشا أن يعودوا إلى الوزارة بعد أن فروا منها، وأن يذكروا لها التقاليد والدستور، ويلفتوها إلى الذوق وما يشبه الذوق، ويشجعوا عليها الذين انصرفوا عنها أمس، وسيمضون في ذلك غدًا وبعد غدٍ، حتى تكون الموقعة الثانية بين العبفتيين والصدقيين في مجلس النواب، فينتصر فيها مرشح الحكومة المنتصرة، أو يظفر فيها مرشح الصدقيين المنهزمين: فليس ينبغي للوزارة أن تلوم إلا نفسها؛ فهي التي لم تحسن الحرب، ولم تُجِد التدبير، وهي التي غرَّها بقوتها الغرور، فتركت نفسها تلدغ من جحر مرتين حين صدقت أن صدقي باشا يعتزل السياسة، ويكفُّ عن المناوأة متى استقال.
والواقع أن أمور الوزارة وأمور صدقي باشا لا تخلو من غرابة واضطراب، ولعل الإنجليز مسئولون بعض الشيء عن تلك الغرابة وهذا الاضطراب. فقد أظهر صدقي باشا أنه اعتزل السياسة حين استقال من رياسة الحزب ومن مجلس النواب، وسافر إلى الإسكندرية، ليستريح فيها أيامًا، وقال أو أذن لمن قال إنه سيعود من الإسكندرية ليستريح في تلك الدار التي شهد فيها هزيمته الأخيرة، حين دعا إليه النواب فلم يستجب له إلا القليلون.
وبينما هو في الإسكندرية وإذا الصحف تتحدث فجأة بأنه سيعود إلى القاهرة ليشرب الشاي مع المندوب السامي المنقول، وفهم الناس أنه شاي الوداع. ولم لا يفهمون هذا وقد أزف الرحيل، وأخذت الأسباب تتقطع بين المندوب السامي وأمور مصر، كما تقطعت بالفعل بين الدكتاتور وبين هذه الأمور، ولكن الوداع نفسه لا يخلو من دلال، ولا سيما عند فريق من الناس الذين يستخرجون شيئًا من لا شيء، ويقدرون أن الإنجليز لا يهملون السياسة حتى في أوقات الوداع. وصدقي باشا من هؤلاء الناس ولا سيما في هذه الأيام التي هو فيها أشبه شيء بالغريق يلتمس ما يتعلَّق به، ولو كان واهيًا رثًّا، فليس ما يمنع، بل هناك ما يرجِّح أن قدح الشاي الذي شربه عند المندوب السامي يوم الثلاثاء قد رد إليه نفسًا من حياة، وشعاعًا من أمل، وخيِّل إليه أنه قادر على أن يستأنف النشاط، ولكن في أناة وتمهل وحذر، حتى يأذن الله له بالهجوم، والغريب أنه شرب قدح الشاي يوم الثلاثاء وأعطى بيانه للأهرام يوم الأربعاء. وإن الصحيفة التي تنطق بلسانه في أكبر الظن كانت تريد أن تصدر يوم الخميس، فآثرت أن تصدر يوم الجمعة، ومعنى ذلك أنها لو صدرت يوم الخميس لما تحدثت في السياسة إلا حديث المنهزمين المضطرين إلى الفرار، فأما إذا صدرت يوم الجمعة بعد أن يفتح البرلمان ويكون الانتخاب في مجلس النواب، فقد تستطيع أن تقول شيئًا يغيظ الخصوم، ويمهِّد للهجوم. وكذلك كل ما قدرت فظهرت اليوم وفيها حديث عما أصاب الوزارة أمس من هذه الهزيمة المضحكة.
فأنت ترى أن الأمور ليست من الصفو للوزارة وأنصارها بحيث يظنون، أو بحيث يقولون، وأن صدقي باشا — وإن كانت حياته السياسية قد ختمت بالقياس إلى الشعب، وبالقياس إلى جد الأمر — ما زال قادرًا على أن ينغص الحياة على قوم كانوا يظنون أن قد صفت لهم الحياة، وأكبر الظن أن الذين زعموا أن صدقي باشا سيناوئ الوزارة في البرلمان وهو بعيد عن البرلمان كانوا أعلم بالرجل من خصومه الوزراء. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا مسرفة في الضعف، هذه الوزارة التي يستطيع أن يكيد لها ويشتطَّ عليها رجل قد فرغ الناس منه وفرغ هو من نفسه. وإنها لوزارة ضعيفة جدًّا هذه الوزارة التي يستطيع أن ينغص عليها رجل كصدقي باشا، ويضطرها إلى أن تنظر أمامها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر وراءها فلا ترى إلا شكًّا، وأن تنظر من يمين وشمال فلا ترى إلا شكًّا، وأن تقتنع بأن الشك قد أخذها من كل مكان، وأن تشغل بهذا الشك عن اليقين وتنفق ما تملك من قوة وجهد لتخلص من صدقي باشا حين كان صدقي باشا ظاهرًا في الميدان، ومن ظل صدقي باشا أو من ظلاله بعد أن استخفى صدقي باشا من الميدان، وما رأيك في وزارة ستنفق ما بقي من أيامها في محاربة الظلال؟ -
غرابيل
غرابيل
هم وزراؤنا إن صحت أنباء «الأهرام» والظاهر أنها صحيحة لأن الأهرام قد عادت اليوم إلى توكيدها. وتحدّت رئيس الوزراء مرة أخرى، وأعلنت إليه في صراحة جازمة وتأكيد قاطع أنها تلقت هذه الأنباء عن أكثر من وزير، وإذن فرئيس الوزراء يتحدث إلى زملائه بطائفة من الأحاديث يجب أن تكون سرًا مكتومًا، لأنها من المسائل التي لا يجب أن تذاع، ومن الدقائق التي لا ينبغي أن تشاع، فلا يكاد الوزراء يتفرقون عن رئيسهم حتى يملئوا الأرض بما ألقى إليهم من سر، وما ائتمنوا عليه من حديث.
هم إذن غرابيل، لا ينبغي أن تلقى إليهم الأسرار، ولا ينبغي أن يؤتمنوا على الأحاديث، وإنما يجب أن يستأثر رئيس الوزراء من دونهم بأسرار الدولة وشئونها ذات الخطر، فهم قد أذاعوا إن صحت أنباء الأهرام أسرارًا أقل ما توصف به أنها مزرية بكرامة الدولة، غاضة من قدرها، تظهرها مضطربة جزعة لما يذاع من الأنباء عن نقل المندوب السامي من مصر، أو رجوعه إليها وإقامته فيها، وتظهرها فزعة هلعة لما يقال من أن اللجنة الإنجليزية المصرية راضية عن النظام القائم، أو ساخطة عليه، مؤيدة للوزارة أو متنكرة لها.
وليس من كرامة الوزارة بحال من الأحوال في نفوس المصريين، سواء كانوا من أصدقائها أو من خصومها أن تظهر على الوزارة أعراض هذا الضعف المخجل، وهي التي تتحدث بالاستقلال، وتزعم أنها شديدة التعلق بأسبابه، غالية في الحرص على مظاهره وأشكاله، بل على حقائقه التي لا تقبل الشك ولا تحتمل الفزع.
لم يصدق أحد من المصريين أن الوزارة مستقلة إلى هذا الحد الذي كانت تزعمه لنفسها، ولم يصدق أحد من المصريين أن الوزارة أرغمت الإنجليز كما كانت تقول علنًا أن يعترفوا بحقيقة هذا الاستقلال ويرعوا حرمته، ويقفوا من الوزارة والأمة موقف الحياد. لم يصدق أحد شيئًا من هذا، ولكنه كان كلامًا يقال، وأحاديث تجد صحف الوزارة من نفسها الشجاعة على ترديدها كلما احتاجت إلى ترديدها.
أما الآن وقد أفشى الوزراء أسرار مجلس الوزراء، أما الآن وقد أذاع الوزراء أحاديث رئيس الوزراء، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا من الوزراء أنفسهم إن صحت أنباء الأهرام أن الوزارة قد جزعت لتلك البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرت في الأهرام. أما الآن وقد عرف الناس جميعًا أن رئيس الوزراء تحدث إلى وزيرنا المفوض في لندرة بالتليفون، أما الآن وقد عرف الناس جميعًا من الوزراء أنفسهم دقائق هذا الحديث فنظن أن صحف الوزارة ستكف عن التحدث بهذا الاستقلال إن كانت لها بقية من حياء.
أليس مما يلائم كرامة الوزارة في نفوس المصريين من الأصدقاء والخصوم أن يعرفوا منها هذا الضعف وأن يلمسوا منها هذا الوجل كلما جاء نبأ من لندرة، وأن يبحث الوزراء ويستقصوا ثم يلتقوا بعد البحث والاستقصاء فيهدئ بعضهم بعضًا، ويهنئ بعضهم بعضًا لأن المندوب السامي مقيم غير منقول، ولأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت ولم يقدر لها النجاح!!
ليس مما يلائم كرامة الوزارة في نفوس المصريين أن يعلن رئيسها في الصحف أن بقاء الوزارات وسقوطها رهينان برضى الملك وثقة البرلمان، ثم لا يمضي يوم وبعض يوم حتى يتحدث إلى زملائه إن صحت أنباء الأهرام بأن ليس على الوزارة خوف لأن المندوب السامي مقيم، ولأن اللجنة الإنجليزية المصرية لم توفق إلى ما كانت تريد من تغيير النظام!!
ليس شيء من هذا ملائمًا لكرامة الوزارة في نفوس المصريين، وليس شيء من هذا ملائمًا لكرامة الوزارة، ولا كرامة مصر في نفوس الأجانب، فإن كل مصري يستحي أن يعرف الأجانب الذين لا يقفون على دخائل الأمور أن هذه الوزارة التي تذيق المصريين ألوان العذاب تخاف من الإنجليز إلى هذا الحد، وتفزع من نقل المندوب السامي إلى هذا الحد، وتجزع من سعي اللجنة الإنجليزية المصرية إلى هذا الحد فهي تلقى المصريين بالشدة والعنف، وتلقى الإنجليز بالضراعة والخوف، وتذكر بقول الشاعر القديم للحجاج:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة
فتخاء تنفر من نفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى
بل كان قلبك في جناحي طائر
نعم، لم يرع هؤلاء الوزراء الذين أفشوا سر مجلسهم، وأذاعوا حديث رئيسهم كرامة الوزارة وكرامة الدولة معًا، وليس لذلك كله مصدر إلا أن هؤلاء الناس قد كلفوا من الأمر ما لا يطيقون، وحملوا من مناصب الدولة ما لم يهيأوا له، ولا ينبغي أن يؤتمنوا عليه. فإن الوزير الذي يلم به من الأمور السياسية ما يكره، فلا يملك نفسه أن يذيعه، ويتحدث به إلى الناس، ويلم به من الأمور السياسية ما يحب فلا يملك نفسه أن يتحدث ويذيعه بين الناس. هذا الوزير خليق أن لا يظل في منصبه يومًا أو بعض يوم، لأنه قد أقام البرهان على أنه لا يصلح للوزارة، ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الحياة العامة.
هؤلاء الوزراء الذين أذاعوا أسرار مجلسهم، وأحاديث رئيسهم إن صدقت الأهرام في أمر مزر بكرامة الدولة خليقون غدًا أن يذيعوا أسرار مجلسهم وأحاديث رئيسهم في أمر يمس أمن الدولة وسلامتها، وإذا استطاع مندوب الأهرام أن يعبث بالذين تحدثوا إليه من الوزراء فيستخلص منهم هذه الأسرار، فقد يستطيع هو أو غيره من الصحافيين المهرة أن يعبثوا بهم مرة أخرى ويستخلصوا منهم أسرارًا وأحاديث أشد من هذا السر خطرًا، وأبعد من هذا الحديث أثرًا.
إن الحكومة لا تكاد تأخذ أحدًا من موظفيها بأنه قد أفشى أسرار الإدارة أو أذاع حديثًا من أحاديثها الخاصة حتى تعاقبه أشد العقاب، وتنكل به أشد التنكيل، فما أعد رئيس الوزراء لزملائه هؤلاء إن كان ما نشرته الأهرام عنهم صحيحًا؟ وهي تؤكد صحته وتتحدى الوزارة، ويظهر مندوبها بشخصه، ويمضي هذا التحدي باسمه، ويعلن بذلك أنه محتمل لتبعة ما نقل إلى صحيفته من الأحاديث.
ماذا أعد رئيس الوزراء لهؤلاء الزملاء؟ أيحيلهم على مجلس التأديب أم يقيلهم من العمل؟! أم يكتفي باللوم والتأنيب؟! مهما يفعل رئيس الوزراء من ذلك فإن من المحقق أن هؤلاء الزملاء الذين يعتمد عليهم ويثق بهم ليسوا خليقين باعتماده عليهم، ولا مستحقين لثقته بهم، لأنهم قد أصبحوا غرابيل، وما ينبغي أن توكل أسرار الدولة إلى الغرابيل!
إن الأهرام تتحدى الوزارة، وتسرف في التحدي، ونحن لا نتحدى، ولا نسرف في تحدي أحد، ولكنا نريد أن يضع رئيس الوزراء حدًا لهذا الخطر الذي تتعرض له كرامة الحكومة، وأن يبين للناس بطريق قاطعة لا تحتمل الشك أن الوزراء لم يتورطوا في هذا الإثم. وإذن فيجب أن تحمل الأهرام تبعة هذه الجرأة على الحق، وعلى مقام الوزارة، أو أنهم قد تورطوا في هذا الإثم فيجب أن يقالوا وأن يقصوا عن الحكم الذي أصبحوا غير صالحين له، ولا قادرين عليه.
وبعد، فماذا أراد رئيس الوزراء بهذا البلاغ الذي أصدره أمس يكذب به الأهرام، والذي احترمته الأهرام ولكنها كذبته تكذيبًا قاطعًا؟!
ماذا أراد رئيس الوزراء بهذا البلاغ؟ أخاف من المصريين فأراد أن يؤكد لهم أن وزارته أحرص على كرامتها، وأوثق بقوتها من أن تسرف في خوف الإنجليز والتهالك عليهم إلى هذا الحد؟ أم خاف من الإنجليز أن يغضبوا فأراد أن يقسم لهم أن هذه الأحاديث لم تكن، وأن مجلس الوزراء لم يخض في أمر المندوب السامي، ولم يتحدث في أمر اللجنة المصرية الإنجليزية بقليل أو كثير؟ ليصدقنا رئيس الوزراء فإن الموقف السياسي الذي اضطرت إليه وزارته في هذه الأيام أهون على المصريين من شيء آخر شديد الخطر، وهو أن يعلموا أيهما الصادق! أهي الحكومة في بلاغها أم الأهرام في تحديها المتصل؟
إن سكوت الوزارة على هذا التحدي الجريء؛ خليق أن يمحو ما بقي من مهابتها في نفوس أنصارها، بعد أن محت الحوادث مهابتها في نفوس خصومها. فلينظر رئيس الوزراء كيف يجد لنفسه مخرجًا من هذا المأزق الذي لا بد من الخروج منه، وما نرى أنه يخرج من هذا المأزق إلا بالاستقالة أو تعديل الوزارة.
كوكب الشرق ١ – ٥ – ١٩٣٣ -
انتصار
انتصار
ظفر به رئيس الوزراء أمس آخر النهار فابتهجت له مصر كلها سواد الليل. وقد أشرقت الشمس وما زالت شمس الابتهاج مشرقة على النفوس، متألقة في القلوب حتى اضطرب الناس بين شمسين: شمس النهار وشمس الانتصار. وكان رئيس الوزراء خليقًا بأن يسعد بهذا الفوز، وكانت مصر كلها خليقة أن تنعم به، وأن يستخفها الطرب له، فقد كانت الحرب عنيفة، وكان الجهاد شديدًا، وكان الخصوم أقوياء ألداء، وكان الخطر كل الخطر يطيف بالوزارة، والشر كل الشر يسعى إليها، والهول كل الهول يمد إلى مصر أيديًا طوالًا، دامية الأظفار. وكان كل شيء مظلمًا حتى خيل إلى الناس أن ليس لهذا الخطب آخر، ولا من هذه المحنة من مخرج.
فلما أذن الله بالفوز، وصوت النواب بالثقة، يرسلها بعضهم إرسالًا، ويرتلها بعضهم ترتيلًا؛ زال الكرب، وانجلت الحرب، فإذا رئيس الوزراء قد اكتسح الميدان، ولم يترك فيه إلا صرعى ثمانية، كانوا هم كل الجيش المحارب، وكانوا هم كل العدو المغالب، وكانوا هم أصل الفتنة ومصدر المحنة، فأدال الله منهم وكفى الله المؤمنين القتال، وأصبح من الحق لرئيس الوزراء أن يسجل حسن بلائه وغناء زملائه. وانتصار وزارته في المعركة، كما كان يوليوس قيصر يسجل انتصاراته، ويصدر بها نشرات في روما، ما تزال تعتبر إلى الآن من آيات البيان.
والغريب أن بين أنصار الوزارة وأوليائها من ينظرون إلى هذه الحرب نظرة الحسد، ويتحدثون عنها حديث المجد، ويسجلون الفوز، وينتظرون من ورائه الخير، ويقدرون أنه سيملأ خصوم الوزارة هولًا وروعًا، وسيرد إلى الإنجليز ثقتهم بها وحبهم لها واعتمادهم عليها، وهم يعلمون حق العلم أن لم تكن هناك حرب، وأن لم يكن هناك فوز، وإنما صال الصائلون، وجال الجائلون، وقال القائلون في حرب الأخيلة والظلال فانتصروا ولم ينهزم لهم أحد، وظفروا ولم تنصب لهم حرب، وأعلن إليهم رئيس خصومهم أنهم لا يريدون حربًا ولا كيدًا، ولا يطلبون منح الثقة ولا رفضها لأنهم مستسلمون قبل الحرب، منهزمون قبل القتال، مستيقنون أن الكثرة المطلقة في المجلس لن تجرؤ على مناهضة الوزارة أو الشك فيها، أو محاولة الكيد لها. وإنه إذا لم يكن بد من ثقة فحاجة المجلس إلى ثقة الوزارة به أشد من حاجة الوزارة إلى ثقة المجلس بها. وأنه تعود أن يرى الوزارات تجل المجالس النيابية، ولم يتعود أن يرى المجالس في مصر تسقط الوزارة، وأنه لهذا كله، ومعه أصحابه المخاصمون والمعارضون لا يريدون إلا أن يسجلوا آراءهم ليس غير. قال ذلك وألح فيه، وسمع له المجلس، وسمعت له الوزارة، وسجلته الصحف ونشرته الأهرام صباح اليوم. ومع هذا كله كثر كلام الخطباء في مجلس النواب، وألح رئيس الوزراء وتشدد في طلب الثقة وفي تشخيصها وإظهار حرصه الشديد على أن تكون ثقة لا تشبهها ثقة، ومع ذلك نشطت الأحزاب البرلمانية بياض النهار أمس، كأن الأمر جد، وكأن الوزارة تتعرض لخطر صحيح.
وكانت خطب النواب ونشاط الأحزاب، وإلحاح رئيس الوزراء شيئًا قصد به فيما يظهر إلى التخييل إلى الناس أن الأمر جد حقًا، ولكن أصحابه غلوا فيه حتى خيلوا إلى أنفسهم أن الأمر جد حقًا. ونهض رئيس الوزراء بعد أن تمت له الثقة التي لم يكن يشك قبل الاستجواب وبعد الاستجواب في أنها مقسومة له، مقصورة عليه، نهض فسجل هذا الفوز الباهر، وأعلن أن الحكومة لن تستقيل كأنما عرض مجلس النواب الحكومة للاستقالة، أو لوح أحد من النواب بالاستقالة إلى رئيس الوزراء، مع أن الوزارة ستستقيل من غير شك، ستستقيل في وقت قريب لعله أقرب مما يقدر رئيس الوزراء، ولكن مصدر هذه الاستقالة لن يكون إحراجًا من مجلس النواب، ولا من مجلس الشيوخ.
رئيس الوزراء يعلم هذا، ولكنه دفع نفسه في طريق فيجب أن يبلغ أمدها، وينتهي إلى غايتها، ولا بد من أن يعرض الثقة ويلح في أن تكون عالية غالية، ولا بد من أن يفوز بهذه الثقة، ومن أن يسجل هذا الفوز، ولكن المسألة التي تستحق التفكير، لا منا نحن، بل من رئيس الوزراء نفسه، هي أثر هذا الفوز في موقفه السياسي من المصريين والإنجليز، فهل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يقتنع المصريون بثبات مركز الوزارة وأمنها من السقوط؟ كلا، إن المصريين لم يقدروا في يوم من الأيام أن تضعف ثقة البرلمان برئيس الوزراء، وهم يخرجون منح الثقة أو رفضها من حسابهم السياسي كله، لأنهم يعلمون حق العلم أن ثقة البرلمان برئيس الوزراء كانت وستظل إلى أن تستقيل الوزارة ثقة واسعة، لا حد لها كما قال بعض النواب أمس.
هل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يعلم الإنجليز أن رئيس الوزراء مستمتع بثقة البرلمان فيصانعوه، ويحتفظوا له بسياسة التأييد؟ كلا فالإنجليز يعلمون من أمر الصلة بين رئيس الوزراء والبرلمان مثل ما يعلم المصريون. وهم كالمصريين يخرجون منح الثقة ورفضها من حسابهم السياسي، وإذن ففيم الحرب والقتال؟ وفيم الجدال والنضال؟ وفيم الخطب الطوال؟
تستطيع أن تسأل عن هذا كله رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان فسيجيبونك بأجوبة لا تغير من الحقائق الواقعة شيئًا، وهذه الحقائق الواقعة هي أن لمصر حقًا تطلبه وتلح فيه، ولا تنتظر أن تظفر به على يد رئيس الوزراء، ولا على يد البرلمان، وأن للإنجليز أملًا يطلبونه ويحتالون فيه، وقد أصبحوا مقتنعين الآن بأنهم لن يظفروا بأملهم هذا من طريق رئيس الوزراء، ولا من طريق البرلمان، فلم يبق بد من أن يعود الأمر كما كان. مصر الصحيحة غير المريضة، مصر الصادقة غير الكاذبة، مصر التي تستطيع أن تتكلم عن نفسها فتصدق، وأن تعد فتفي. مصر هذه وجهًا لوجه مع الإنجليز فإما وفاق، وإما خلاف.
فلينتصر إذن رئيس الوزراء ما وسعه الانتصار، ولتنهزم إذن معارضة البرلمان ما وسعتها الهزيمة، فإنما هذا كله أشبه بهذه الأمواج الصغار التي لا تكاد تحس، والتي يحدثها النسيم على وجه الماء حين يداعب صفحة الغدير. فأما الانتصار الذي يغير الأشياء حقًا، والهزيمة التي تغير الأشياء حقًا؛ فلا ينبغي أن يلتمس في هذه الصلات المسلية بين الوزارة والبرلمان، وإنما ينبغي أن يلتمس في ناحية أخرى من الحياة المصرية، ومن الصلة بين المصريين والإنجليز.
كوكب الشرق ٠٣\٠٥\١٩٣٣