حديث الوادي: بين الأدب والسياسة: في تأليف الوزارات …
طه حسين
جريدة الوادي
١٤ نوفمبر ١٩٣٤
هو حدث من الأحداث التي تستحق عناية الأدباء، لو أن الأدباء مفرغون لما يستحق عنايتهم دائمًا، وقد عُنِيَ به الوزير الفرنسي العظيم بارتو في كتابه الذي أشرنا إليه في فصل مضى، وهو كتاب «السياسي»، فترك للناس فيه فصلًا ممتعًا ظريفًا يستطيع المصريون أن يقرءوه؛ فسيجدون فيه لذة ومتاعًا، وسيجدون فيه أمورًا تشبه من وجوه كثيرة ما يحدث عندنا منذ بدأنا نعرف تأليف الوزارات ومنذ أخذنا نحيا حياة ديمقراطية صحيحة أو زائفة.
وليس في هذا شيء من الغرابة؛ فطبائع الناس مختلفة ولكنها على ذلك متشابهة كما يقول ابن خلدون، ولا بد للذين يبحثون عن أطوار الحياة الاجتماعية من أن يلحظوا ما بين طبائع الناس من اختلاف وما بين طبائعهم من تشابه، ومن أن يلائموا بين هذين القانونين اللذين يتناقضان في ظاهر الأمر، ولكن تناقضهما هو قوام هذا الانسجام البديع الذي تقوم عليه حياة الجماعات.
فتأليف الوزارات في مصر يشبه في ظاهره وفي بعض حقائقه تأليفَ الوزارات في فرنسا، ولكنه من ناحية أخرى يخالفه مخالفة واضحة؛ لأن طبائع المصريين وأمزجتهم وما يحيط بهم من ظروف السياسة الداخلية والخارجية، ومن ظروف الأحزاب أثناء قيام البرلمان، وأثناء غيبته أو تعطيله تخالف مخالفة شديدة طبائع الفرنسيين وما يحيط بها من الظروف.
وأوضح ما ينبغي أن يثير عناية الأدباء في تأليف الوزارات هو هذا الاضطراب الخفي الدقيق الذي يسعى بين المستوزرين، أو قُل الذي ينبعث من رئيس الوزراء كما ينبعث التيار الخفي الدقيق، فيمضي إلى يمين وإلى شمال، ويسعى إلى أمام وإلى وراء، فلا يَدَع دارًا يسكنها مستوزر إلا اقتحمها اقتحامًا، أو انساب فيها انسيابًا، ثم يسعى في هذه الدار حتى يبلغ غرفة المستوزر أو حجرته، وإذا هو يمس المستوزر مسًّا خفيفًا؛ فيوقظه إن كان نائمًا، وينبهه إن كان غافلًا، ويصرفه عن شغله إن كان مشغولًا، ثم ما يزال يضطرب أمامهم اضطرابًا مريبًا ويرقص أمام عينيه رقصًا مغريًا، حتى يقف المستوزر عليه نظره وتفكيره وعنايته، وإذا هو قد اندسَّ إليه وانساب فيه، وجرى في عروقه كما يجري الدم، ثم تسلط على قلبه ولبه، ثم استأثر بضميره وشعوره، ثم صرفه إلى نفسه عن كل شيء، وأنشأ بينه وبين رئيس الوزراء أسبابًا خفية ولكنها قوية متينة لا تتقطع وإنما يُتاح لها أن تزداد قوة ومتانة إن وصلت الدعوة من رئيس الوزراء إلى المستوزر على لسان رسول يسعى إليه، أو من طريق التليفون يحملها إليه، وما تزال هذه الأسباب تقوى وتشتد حتى يصبح المستوزر وزيرًا، وما تزال هذه الأسباب قوية متصلة حتى يتم تأليف الوزارة، وإذا المستوزر قد أُقْصِيَ عنها ولم يُهَيَّأ له أو لم يُرَدْ له أن يشترك فيها.
هذا الاضطراب الذي ينبعث من رئيس الوزراء إلى المستوزرين جميعًا هو شيء يشبه أن يكون شعاعًا كهربائيًّا، فيه أمل وفيه يأس، فيه رجاء وفيه خوف، وهو من هذه الناحية منبر لطائفة من العواطف وألوان من الشعور في نفس رئيس الوزراء الذي ينبعث عنه هذا الشعاع، وفي نفس المستوزرين الذين ينتهي إليهم هذا الشعاع، وفي نفس الأصدقاء الذين يحيطون برئيس الوزراء وبالمستوزرين.
فإذا كانت الأزمة جادة خطيرة وكانت الوزارة التي تُؤلَّف مرجوة لعظائم الأمور أو مَخُوفة؛ فإن هذا الشعاع لا يلبث أن يتسع ويمتد، وإذا هو يمس الناس جميعًا ويثير في قلوبهم ألوانًا مختلفة من العواطف والشعور.
لا يكاد رئيس الوزراء يشعر بأن التفكير متجه إليه ليؤلف الوزارة حتى يفكر هو — سواء أراد أو لم يرد — في زملائه الذين سيعملون معه، وإذا هو مضطرب مرتبك، وإذا الأمر يختلط عليه اختلاطًا شديدًا؛ لأن هؤلاء الزملاء كثيرون، وهم دائمًا أكثر مما ينبغي، حتى حين يكون البلد فقيرًا في الرجال.
وليس الزملاء وحدهم كثيرين، بل الأصدقاء كثيرون أيضًا، أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يقدر رئيس الوزراء. ومن المحقق أن صاحب الدولة نسيم باشا قد قضى أعوام عزلته السياسية الأخيرة لا يفكر في كثير من رجال السياسة، ولا يفكر فيه كثير من رجال السياسة، ولعلَّه خُيِّل إليه أنه قد نسي هؤلاء الناس وأنهم قد نسوه، وليس من شك في أنهم كانوا قد نسوه حقًّا؛ لأنه لم يكن مصدر خوف ولا مصدر رجاء، ولعله هو كان قد نسيهم أيضًا وشُغِل عنهم بما يشغل الرجل المعتزل من أمر حياته الخاصة ولم يذكر إلا هؤلاء القليلين الذين تتصل بينه وبينهم أسباب المودة الخالصة أو أسباب المجاملة بين أصحاب المكانات.
ولكن من المحقق أيضًا أن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا قد نظر ذات يوم، ذات صباح أو ذات مساء، فإذا غرفته الخاصة قد مُلِئَتْ بالأشباح والظلال، ولعلَّ هذه الأشباح والظلال كانت ترقص أمام دولته رقصًا متصلًا غريبًا، ولعله حقق النظر فيها؛ فتبيَّن فلانًا وفلانًا وفلانًا من المستوزرين، ولعله أخذ يمتحنها امتحانًا قاسيًا صريحًا، فيه شيء من العنف، وفيه شيء من الغلظة؛ لأنه كان يحدث في الخلوة وعلى غير مشهد من الناس، ولعله رفض أكثر هؤلاء الناس؛ لأنهم لم يحسنوا أداء الامتحان.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فما أسرع ما تجسَّمَتْ هذه الأشباح والظلال! وما أسرع ما ازدحم المكان الذي تقوم فيه دار الرئيس بالسيارات والعربات، وبالساعين على الأقدام أيضًا! وما أكثر ما تُرِكَت البطاقات! وما أكثر ما دق التليفون!
ولندع رئيس الوزراء قاسيًا على هذه الأشباح حين كانت أشباحًا، ثم مجاملًا لها ورفيقًا بها، وحائرًا بينها، وفارًّا منها حين استحالت أجسامًا، ثم لننظر إلى المستوزرين أنفسهم، فكلهم ذكر نسيمًا منذ لهجت الصحف بذكر نسيم، وكلهم سأل نفسه أيفكر نسيم فيه أم ينساه؟ أينظر نسيم إليه أم يعرض عنه؟ أيستعين نسيم به أم يهمله إهمالًا؟ وكلهم هيأ لنفسه موقفين متناقضين أشد التناقض: موقف الحب الخالص والتأييد الصادق لنسيم إن دعاه، وموقف البغض الشديد والحرب الضروس يثيرها على نسيم إن آثر غيره عليه، وكلهم انتظر بين هذين الموقفين يغلبه الرجاء فيدفعه إلى اليمين وإذا هو يمدح لنفسه نسيمًا، ثم يغلبه اليأس فيدفعه إلى الشمال وإذا هو يذم لنفسه نسيمًا، ولكنه على ذلك يتحفظ إذا تحدث، يحتاط إذا لقي الناس، ويثير حول نفسه غبارًا من الأمل ينشر الدعوة له نشرًا، حتى إذا أعلن أن نسيمًا سيؤلف الوزارة تأليفًا رسميًّا؛ فلا تَسَلْ عن القلوب الواجفة والنفوس الخائفة ولا عن الصراع بين الأمل واليأس، ولا عن النضال بين الرجاء والقنوط، ولا عن الاضطراب في الغرفة انتظارًا لرسول يجيء، أو لدقة يذيعها التليفون في أرجاء الدار.
ولا تَسَلْ عما يصوره لبرتو أجمل تصوير من لحظات الانتظار هذه؛ فكل سيارة تقف في الشارع أو تمر فيه هي سيارة قد أقبلت من نحو الرئيس، وكل طرق يمس الباب مؤذن بمقدم رسول الرئيس، وكل صلصلة بجرس التليفون دعاء من الرئيس. وقد يطول الانتظار ويشق، ويصبح أطول وأثقل من أن يُحتمَل، فيخرج المستوزرين من داره ويسعى إما في دار الرئيس فورًا، وإما إلى حيث يلقى من يستطيع إن رآه أن يذكره للرئيس أو يلفت الرئيس إليه.
الرئيس إذن مضطرب مرتبك بين الزملاء الذين لا يُحصَون والزملاء أنفسهم مضطربون مرتبكون بين الخوف والرجاء، وأصدقاء الرئيس والزملاء يرون فيضطربون ويرتبكون، والصحف تصور هذا كله، والناس يقرءون هذا كله، وإذا هم أيضًا يضطربون ويرتبكون، وإذا الجو كله مضطرب مرتبك؛ لأن رجلًا كُلِّف تأليف الوزارة وهو يختار أعوانه من الوزراء.
ويقص بارتو على قرائه فكاهات ظريفة؛ فقد عبث عابث ذات يوم بأحد المستوزرين، فأنبأه في التليفون أن رئيس الوزراء يدعوه ويعرض عليه وزارة كذا، فأسرع الرجل إلى رئيس الوزراء وكان رئيس الوزراء بارتو نفسه، ولم يكن ينتهي إلى دار الرئيس حتى لقي مستوزرًا آخر قد انتهى إلى الدار، فدخلا معًا ولقيهما الرئيس مرتبكًا حائرًا؛ لأنه لم يَدْعُهما ولم يكلف أحدًا دعاءهما، فأما أحد الرجلين فكان من الشيوخ وكان وقورًا فقضى لحظات مع الرئيس، ولما رأى أنه لا يذكر له الوزارة فهم وانصرف، وأما الآخر وكان نائبًا شابًّا، فلم يُطِق صبرًا على صمت الرئيس، فابتدره بالشكر وأعلن إليه قبوله الاشتراك في الوزارة، واضطر الرئيس إلى أن يشكر له استعداده هذا ويعتذر إليه.
وكُلِّف رجل آخر تأليف الوزارة فأراد أن يتثبت من كليمنصو ويعرف أيؤيده أم يخذله، ولم يكن يريد أن يشترك معه كليمنصو في وزارته، فأصبح ذات يوم زائرًا لكليمنصو، فلما تلقاه النمر — هو كليمنصو — قال له الرجل: إني لم أزرك لأعرض عليك منصبًا في الوزارة. قال كليمونصو: «وحسنًا تفعل، فلو قد عرضت عليَّ منصبًا لاخترت الرئاسة.» قال الرجل: بالطبع، ولكن جئت لأستشيرك. قال كليمونصو: «فإن من مخالفة الذوق أن تقلق الناس من الصباح لتستشيرهم فيما لا يريدون أن يشيروا فيه.»
وأمثال هذه الطرائف عندنا كثير فالناس يذكرون هذا للوزير الذي فارق الحياة، والذي دعاه رئيس الوزارة فارق الحياة أيضًا، فلم يكد يبعث بأنه اختاره لمنصب من مناصب الوزارة حتى انكب على يده فأوسعها تقبيلًا، والناس يذكرون وزيرًا ضخمًا مرتفع القامة عريض القفا واسع الحنجرة، لم يكد يبلغه وهو في الثغر أن رئيس الوزارة قد اختاره، حتى أسرع فقَبِلَ وسأل: لأي وزارة؟! دون أن يسأل عن برنامج الوزارة أو عن زملائه وأعوانه!
وحدثنا صديق عن وزير ضخم، مرتفع القامة، عريض القفا، واسع الحنجرة، ضيق العقل، أنه كان في بعض الأوقات يعمل في وزارة مختصرة وكان يضطهد بعض الموظفين، فلما ضاق الموظف بهذا الاضطهاد سأل رئيسًا من رؤساء الوزارات أن يعيره سيارته وذهب بها إلى دار الوزير، فلما لقيه أسرَّ إليه أن فلانًا يرشحه للوزارة المقبلة فلا تَسَلْ عن إكبار الوزير لهذا الموظف وشكره له وعنايته به منذ الغد، ولكن وزارته أدركها الموت وأُلِّفَت الوزارة الجديدة ولم يفكر أحد في الوزير المخدوع.
ولو أن الناس استباحوا لأنفسهم أن يكتبوا ويذيعوا ما يعلمون من المضحكات التي أثارها وما زال يثيرها تأليف نسيم باشا لوزارته لألهوا القراء وقتًا طويلًا، ولكن الحياء والاحتشام ورعاية مكانة الناس يمنع من ذلك ويَحُول دون إذاعته.
فليت الذين يعلمون ذلك يسجلون في مذكرات خاصة؛ فليس ينبغي أن يكون التاريخ كله جدًّا، بل من الخير أن يكون فيه ما يُضْحِك ويُلْهِي، ويُقال إننا مُقْدِمون على حياة ديمقراطية، وما خير الديمقراطية إذا لم يضحك الناس من الساسة والوزراء؟!
بين الأدب والسياسة في تأليف الوزارات …
Share:
Leave a Reply