Tag: political manipulation

  • حلفاء …

    حلفاء …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٤ مارس ١٩٤٦

    رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، قد جرب المصريون لباقته منذ أكثر من ربع قرن، منذ شارك في الحكم وزيرًا، ومنذ سيطر على الحكم رئيسًا للوزراء، بل منذ كان عضوًا في الوفد، ومنذ فصل عن الوفد، بل منذ ائتلف مع المؤتلفين، واختلف مع المختلفين، بل منذ رأى نفسه زعيمًا ليس فوقه زعيم، ومنذ رأى نفسه جنديًّا يعمل تحت رياسة هذا وذاك من الزعماء.

    رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، جرب المصريون لباقته في جميع هذه الأطوار، وذاقوا مرارة هذه اللباقة كلما تولى الحكم أو شارك فيه، وذاقوا حلاوة هذه اللباقة كلما أُبعد عن الحكم وجلس في مرقبه ذاك من نادي محمد علي ينتظر الأحداث قبل أن تقع، ويُفسِّرها لجلسائه بعد أن تقع، ويرسل إلى الأهرام بين حين وحين كلمة حلوة مرة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، يعارض فيها الحكومة القائمة، ويلقي عليها دروسًا في السياسة مرة، وفي الاجتماع مرة أخرى، وفي الاقتصاد مرة ثالثة، وفي تدبير الميزانية مرة رابعة، ثم ينتظر ما يكون لكلمته تلك الحلوة المرة من صدًى في الحكومة، ومن صدًى في بيئات المال والأعمال، ومن صدًى في البيئات السياسية الشعبية. وربما انتظر ما يكون لها من صدًى في البيئات السياسية الأجنبية عامة، والبريطانية خاصة.

    وهو في أثناء هذا كله يفرك يديه، ويباعد بين شفتيه، ويلقي كلمات هنا وهناك يجري بها لسانه، ويشك فيها جنانه؛ لأنه رجل لبق يُلمِّح دائمًا ولا يُصرِّح إلَّا قليلًا.

    رئيس وزرائنا رجلٌ لبق ما في ذلك شك، قد عرف المصريون لباقته حين شارك في تكوين الجبهة التي وثبت إلى الحكم في هذا العهد السعيد، شارك فيها صامتًا لا يقول، نشيطًا لا يهدأ، متحركًا لا يحب السكون، وعرف المصريون لباقته حين رفع مكرم باشا إلى السماء بعد خروجه من الحكم، وإبعاده عن الوفد، وإقصائه عن البرلمان.

    رفعه إلى السماء ووقف حائرًا لا يدري في أي نجم من النجوم يتخذ له مستقرًّا ومقامًا؛ فقد كان يرى النجوم كلها ضئيلة بالقياس إلى المجد العظيم الذي اكتسبه مكرم باشا حين فارق الوفد، وحين انقلب على رئيس الوفد. وكان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر ذلك البيت المشهور الذي يحفظه تلاميذ المدارس الابتدائية في جميع الأجيال منذ وجدت المدارس الابتدائية:

    ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كلمي

    والناس يبلغون الشباب، ويبلغون الكهولة، ويتقدمون في الشيخوخة، وينتهون إلى الهرم، وينسون كثيرًا جدًّا من الأشياء، ولكنهم يحتفظون بقليل من ذكريات الطفولة تطفو على ضمائرهم، وتجري بها أطراف ألسنتهم؛ لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر كما يقول الأساتذة لتلاميذهم في المدارس الابتدائية أيضًا؛ فقد كان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر هذا البيت كلما أحدث مكرم باشا حدثًا.

    ولم يكن صدقي باشا في ذلك الوقت يؤمن بمكرم باشا؛ فصدقي باشا لا يؤمن بأحدٍ، ولا يؤمن لأحدٍ، وإنما يؤمن بنفسه ولنفسه ليس غير. كل شيء وكل إنسان عند صدقي باشا وسيلة لا غاية، وسيلة لا أكثر ولا أقل، ينتفع بها ما أمكن الانتفاع بها، ثم يعدل عنها حين يتاح العدول عنها.

    فقد كان مكرم باشا العظيم عند صدقي باشا اللبق وسيلة لا أكثر ولا أقل، وكان مكرم باشا مفتونًا بثناء الرجل اللبق. وأي إنسان لا يُفتن بثناء صدقي باشا حين يفقد ثناء الجماهير؟ وأي الناس لا يزدهيه التقريظ يأتيه من نادي محمد علي حين يفوته التقريظ الذي كان يأتيه من بيئات الشعب؟

    كان صدقي باشا يهدي الثناء، وكان مكرم باشا يتلقى الثناء، وكان أحد الرجلين يبتسم ساخرًا، وكان أحدهما الآخر يبتسم مفاخرًا، حتى إذا بدئ العهد السعيد وقفز مكرم إلى وزارة المالية فصال وجال وطلب الطعن والنزال، كان صدقي باشا من ورائه يدفعه ويرفعه، ويعد عليه ما يقول، ويحصي عليه ما يفعل، ويتربص به الدوائر، وينتهز به الفرص، وكان في الوقت نفسه يثني عليه أجمل الثناء، ويطريه أحسن الإطراء، فكان مكرم باشا سياسيًّا كبيرًا، وماليًّا خطيرًا. وقد يختلف صدقي باشا معه في هذا الأصل أو ذاك من أصول الاقتصاد، وفي هذا الفن أو ذاك من فنون المال، ولكنه لا ينكر براعة مكرم باشا في السياسة، وبلاءه في الوطنية، وإقدامه على جلائل الأعمال.

    كان صدقي باشا يُظهر الرضا، ويُضمر السخط، ويُعلن الثناء، ويُسرُّ النقد، وكان مكرم باشا يندفع ويندفع، ولم يدفع مكرم باشا إلى جلائل الأعمال قط شيء كما يدفعه الثناء من حيث جاء.

    وقد كان مكرم باشا رجلًا ضروريًّا تفرضه الظروف فرضًا، وتقتضيه الحياة اقتضاءً، فقد كان النقراشي باشا رئيسًا للوزراء، ولا بدَّ من أن يستقيل النقراشي باشا، ومن أن تُنغص عليه أمور الحكم تنغيصًا، وأي رجل أقدر على ذلك من مكرم باشا؛ فهو الشريك المخالف، والزميل المعاكس دائمًا، وإذن فليُثنِ صدقي باشا وقد أثنى، وليندفع مكرم باشا وقد اندفع، وليشقى النقراشي باشا وقد شقيَ.

    ولعل القرَّاء قد لاحظوا هذا التوافق الغريب الذي كانت تأتي به المصادفات دائمًا بين سياسة مكرم باشا داخل الوزارة، وسياسة صدقي باشا خارج الوزارة. كان مكرم باشا ينكر إبطاء النقراشي باشا في المطالبة بالمفاوضات، وكان صدقي باشا ينكر هذا الإبطاء في الأهرام، ويسميه سياسة كسب الوقت، فلما ضاق مكرم باشا بهذا الإبطاء، واستقال ليُكره النقراشي باشا على الإسراع بطلب المفاوضات، كان صدقي باشا مؤيدًا له وظهيرًا خارج ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية، وداخل ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية أيضًا، حتى غُلِب النقراشي باشا على أمره وطلب المفاوضات على كرهٍ منه. وكان مكرم باشا متحرجًا من الردِّ البريطاني على مذكرة الحكومة المصرية؛ يرى فيه قيودًا لا يحبها ولا يرضاها، ويودُّ لو أزيلت هذه القيود.

    وكان صدقي باشا يرى مثل ذلك في الأهرام، حتى كان الناس يتساءلون عن هذا التوافق الغريب بين الرجلين العظيمين في شئون المال والسياسة والاقتصاد. والحق أن صدقي باشا كان له تلميذان بارعان؛ أحدهما: كان مكرم باشا، وكان بارعًا في السياسة والاقتصاد والمال، والآخر: النقراشي باشا، وكان بارعًا في الحزم والعزم، وفي الضبط والربط، وفي تسليط الشرطة على نفوس الشباب لتُزهق، وعلى دماء الشباب لتُراق، وعلى رءوس الشباب لتُهشم، وعلى أعضاء الشباب لتُحطم محافظة على الأمن وإقرارًا للنظام دائمًا، وبرًّا بمصر والمصريين على كل حال.

    وكان الأستاذ العظيم ينظر إلى تلميذيه العظيمين نظرة عطف وحنان، فيها ملاعبة ومداعبة، يغري أحدهما بالآخر، ويهيج أحدهما على الآخر ليضحك منهما، وليضحك غيره منهما، كما يفعل الأب الكريم حين يداعب أبناءه البررة الأوفياء.

    ولم يكد وزير خارجيتنا السابق يقول ما قال في لندرة حول مجلس الأمن: أمختصٌ هو بأحداث مصر والشرق العربي أم غير مختص؟ حتى ثار الرجلان العظيمان، ثار الأستاذ في نادي محمد علي، وفي الأهرام، وفي مجلس النوَّاب، وثار التلميذ في ناديه وصحيفته وفي الوزارة، ثم استقال، وأُحرج التلميذ العظيم الثاني بين فكاهة أستاذه صدقي باشا ودعابة زميله مكرم باشا، وما ينبغي لزميله الآخر بدوي باشا من الاحترام والوفاء أثناء غيبته على الأقل.

    وكذلك لها الأستاذ البارع بالتلميذين البارعين، وكان كلما لها لم يكتفِ باللهو، وإنما يسجل الحوادث، ويستخلص النتائج، وينتظر دورة الفلك، حتى كان يوم ٩ فبراير، فبلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ، وفاض الإناء، وأجمع نادي محمد علي على أن وزارة النقراشي باشا لم يبق لها في الحكم مقام. ولم يكد الأسبوع ينتهي حتى كان مكرم باشا قد استقال، وحتى كانت الوزارة كلها قد انهارت انهيارًا، وحتى كان الأستاذ العظيم قد جلس على كرسيه القديم، وأخذ في يديه القويتين وزارة المالية ووزارة الداخلية.

    فأمَّا الرياسة فقد وضعها في قلبه وفي رأسه، وفي كل جزء من أجزاء شخصه العظيم، ومنذ ذلك اليوم أخذ الأستاذ يعلم تلميذيه كيف يكون الحزم والعزم، وكيف يكون الضبط والربط، وكيف يكون حفظ الأمن وإقرار النظام، وكيف يكون تدبير المال وإصلاح الاقتصاد، والتلميذان ينظران وينتفعان ويستعدان ليوم قد يأتي بعد انتظار طويل أو قصير لينتفعا بالدروس التي تُلقى عليهما الآن.

    والواقع أن الأحداث التي أطاحت بوزارة النقراشي باشا قليلة جدًّا بالقياس إلى الأحداث التي تثبت صدقي باشا في الحكم، وتمنحه ما يريد وما لا يريد من النصر والتأييد. وقد كان صدقي باشا أستاذًا بارعًا بأدق معاني الكلمة وأروعها، فهو لم يشرك النقراشي باشا معه في الحكم؛ لأنه لم يرد أن يحمل أوزاره وأوزارًا مع أوزاره، ولم يرد أن يشارك في تبعات ٩ فبراير؛ لأن ما كان وما هو كائن وما سيكون من التبعات يكفيه، ولم يشرك مكرم باشا معه في الحكم؛ لأنه لا يريد أن يأتيه التنغيص من خارج الوزارة، ولو قد أشرك مكرم باشا في الحكم لاستقال مكرم باشا في ٢١ فبراير، ولاستقال مكرم باشا بعد حوادث الإسكندرية، ولاستقال مكرم باشا أول أمس حين أثيرت في مجلس النواب قصة مجلس الأمن. وكذلك استطاع صدقي باشا أن يجنب وزارته ثلاث أزمات في أقل من شهر. فوَازِنْ أنت بينه وبين تلميذه النقراشي باشا البسيط.

    وربما كان موقف صدقي باشا من قصة مجلس الأمن هذه من أروع المواقف وأجدرها بالإعجاب؛ فهو قد أقام الدنيا وأقعدها مع مكرم باشا احتجاجًا على وزير خارجيتنا السابق، ولكنه نهض بأعباء الحكم قبل أن يفصل في هذه القضية، وعاد وزير خارجيتنا السابق إلى مصر قبل أن يفصل في هذه القضية أيضًا، ونظر صدقي باشا فإذا هو بين رجلين كلاهما خليق بعنايته، وكلاهما يضطره إلى التحفظ والاحتفاظ.

    ولذلك شُغل صدقي باشا يوم الثلاثاء فلم يحضر مجلس النواب، ورؤساء الوزارات يشغلون متى أرادوا، ويفرغون متى أرادوا؛ فقد شُغل صدقي باشا إذن يوم الثلاثاء وترك أمر هذه القضية لأستاذنا صديق الطرفين، أو صديق الأطراف الثلاثة وزير الخارجية القائم. وقد نفذ الأستاذ من هذه القضية كما ينفذ السهم من الرمية، فاستفسر بدوي باشا، وتلقى منه التفسير، وألقاه على مجلس النواب فرضي المجلس، وشكر الوزير السابق، وسخط مكرم باشا، ولكنه أُكره على الصمت إكراهًا، ثم خرج فكتب كتابًا إلى صدقي باشا تلقاه صدقي باشا باسمًا ودسَّه في درج من الأدراج، وانتهى الأمر عند هذا الحد.

    أترى إلى هؤلاء الأصدقاء الأعداء؟! أترى إلى هؤلاء الحلفاء الخصوم؟! أترى إلى هؤلاء الذين يتعاونون أمام الناس ويخذل بعضهم بعضًا من وراء الستار؟! أترى إلى هؤلاء الذين أقاموا العهد السعيد ثم جعلوا يتهالكون على ما فيه من حول وطول من حكم وسلطان؟! إنهم سيفاوضون البريطانيين غدًا أو بعد غد ليستخلصوا منهم حقوقًا كاملة في الجلاء التام ووحدة وادي النيل.

    سيذهبون إلى المفاوضات مجتمعين في ظاهر الأمر، مختلفين في حقيقة الأمر، كلهم ينتهز الفرص، وكلهم يتربص الدوائر، وكلهم رقيب على أصحابه، وكلهم خائف من أصحابه، وهم — بهذه الحال الرائعة من الوفاق الذي يخفي الخلاف، ومن التعاون الذي يخفي التدابر — سيفاوضون الإنجليز ليستخلصوا منهم حقوق مصر في الجلاء ووحدة وادي النيل!

    عفا الله عنهم، أليس من الخير أن يبدءوا فيفاوضوا أنفسهم ليستخلصوا من أنفسهم للشعب المصري حقَّه في أن يكون حرًّا كريمًا، يحكم نفسه بنفسه ولنفسه، ولا تحكمه قلة ضئيلة قليلة تُظهر الائتلاف، وتُضمر الاختلاف، وتُضحِك الناس لا من نفسها فحسب، بل من نفسها ومن وطنها أيضًا؟

    ولكن هذه قصة أخرى.

  • استقال

    حديث الوادي
    استقال
    نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
    لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
    والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
    رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
    استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
    وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
    وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
    يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
    ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
    كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
    ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
    لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤.

  • وداع١

    حديث المساء: وداع (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١ أبريل ١٩٣٣

    زعموا أن زيادًا لما ضبط العراق لمعاوية، وأقَرَّ فيه النظام الجديد بالقهر والعنف، كتب إلى الخليفة يسأله أن يضمَّ إليه ولاية الحجاز، وهمَّ الخليفة أن يفعل، وجزع أهل الحجاز حين انتهى إليهم هذا النبأ، فلجئوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، يسألونه أن يدعو على زياد، فلم يَدْعُ عبد الله على أحد، ولكنه استقبل القبلة فيما يقال، وسأل الله العافية والسلامة والمغفرة للمسلمين، وكفى الله أهل الحجاز زيادًا، وأراح الله أهل العراق من زياد؛ لأنه نقَلَ زيادًا إلى دار أخرى، لا ولاية فيها إلا لله، ولا سلطان فيها إلا لله، وليس فيها خوف من والٍ، ولا إشفاق من أمير …

    وكان أهل الحجاز معذورين حين أشفقوا من ولاية زياد؛ لأنه كان قد جشم أهل العراق أهوالًا، وجرعهم من العذاب ألوانًا، وكان أهل العراق معذورين حين تنفَّسوا الصعداء لانتقال زياد عنهم؛ لأنه كان قد أذاقهم ألوانًا من الذل، وأخضعهم لضروب من الخسف لم يعرفوها من قبلُ، وإن كان انتقال زياد عنهم لم يُرضِهم حقًّا؛ فقد ولي أمورهم بعدُ مَن لم يكن خيرًا من زياد، بل مَن كان شرًّا من زياد.

    وأنا بعيد كل البعد عن أن أفكِّر في أن بين ولاتنا في الأقاليم هؤلاء الذين نسميهم المديرين، وبين زياد شبهًا ما! فقد كانت في زياد خصال من الخير ليست فيهم مع الأسف، وكانت في زياد خصال من الشر لم يبلغوها مع السرور!

    ولكن الشيء بالشيء يُذكَر، وتوزيع المديرين على الأقاليم في هذه الأيام القاتمة يذكِّر بقصة زياد مع أهل الحجاز وأهل العراق، يذكِّر بها لأن رضى أهل الأقاليم عن المديرين الراحلين عنهم وأمل أهل الأقاليم في المديرين المقبلين عليهم لا يخلو من شوائب لا تصوِّر الرضى، ولعلها تصوِّر السخط، ولا تصوِّر الأمل، ولعلها تصوِّر الخوف واليأس. فمهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن ينكروا أن أهل أسيوط ساخطون على مديرهم القديم سخطًا سجَّله القضاء غير مرة، وتحدَّثَ به الناس في مصر وغير مصر فأكثروا الحديث، وما أظن أن أهل الغربية يستقبلون مديرهم الجديد في أمل مشرق ورجاء مبتسم، وهو يُقبِل عليهم ومن ورائه البداري والمطيعة وبني حسين …! وأكبر الظن بل الحق الذي لاشك فيه، هو أن هذه الأحداث المنكرة التي استُحْدِثَتْ في أسيوط، قد سبقت مديرها إلى أهل الغربية، فملأت قلوبهم، لا أقول رعبًا وفزعًا، فالمصريون بحمد الله لا يعرفون الآن رعبًا ولا فزعًا؟! ولكن ملأت قلوبهم حزنًا وأسًى؛ لأنهم يتوقَّعون أن يسير فيهم مديرهم الجديد سيرته في أهل أسيوط.

    ومهما يَقُلِ القائلون فلن يستطيعوا أن يزعموا أن أهل الدقهلية يحفظون لمديرهم الراحل عنهم ذكريات ملؤها الحب الخالص والثناء الجميل، وأن أهل المنوفية يستقبلونه بهذا الأمل الواسع الطلق، وهذا الرجاء الباسم العريض، وما يستقبل به خيار المديرين، من حسن الاستعداد للتعاون الصادق، ولم تجفَّ بعدُ هذه الدماء التي سُفِكت في أرض الدقهلية، ولم تستقرَّ بعدُ هذه النفوس التي أُزهِقت في جو الدقهلية، ولم يَنْسَ الناس بعدُ أن سوء الإدارة كان السبب القريب أو البعيد الذي سُفِكت له هذه الدماء، وأُزهِقت له هذه النفوس، والذي لم تستطع قوانين الناس أن تعاقِب عليه لأمرٍ من الأمور، فإن قوانين الله لا تهمله، ولا تمحو إثمه، ولا تدعه يمضي بغير حساب!

    وقُلْ شيئًا كهذا، أو قريبًا من هذا، في سائر الأقاليم التي رحل عنها مدير، وانتقل إليها مدير، فكلها يودع في سخط ويستقبل في حزن ويذكِّر بقصة زياد!

    ومع ذلك فهل قرأت المقطم أمس، وهل رأيت أن جميع الأقاليم التي انتقل عنها المديرون قد وجدت من أهلها مَن رضي عن المديرين، وأسف لفراقهم، وحرص على أن يودِّعهم وداعًا فيه الحب والود، وفيه الإعجاب والإكبار! وهل لاحظت أن أخبار هذا الوداع قد وصلت إلى المقطم كلها في لحظة واحدة، ونشرها المقطم كلها في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما كانت من المقطم على ميعاد! وكأنها التقَتْ في هذا الميعاد فحيَّا بعضها بعضًا، وصافَحَ بعضها بعضًا، وانتقلت جميعًا إلى المقطم، لتنزل في هذه المنزلة التي أُعِدَّتْ لها من قبلُ إعدادًا، ومُهِّدَتْ لها من قبلُ تمهيدًا!

    ألم تنكر شيئًا من هذا التوافق الغريب بين مكاتب البريد في قنا وجرجا وأسيوط والزقازيق ودمنهور، وبين سعاة البريد في القاهرة على اختلاف المسافات بُعْدًا وقُرْبًا من القاهرة؟ ألم تحس أن هذا أيضًا أمرٌ قد دُبِّرَ بليل وأُرِيدَ به شيء غير هذا الظاهر الذي تراه أنت وأراه أنا؟ أما أنا فلستُ أدري لِمَ لا أكتفي بظواهر الأشياء؟ ولِمَ أبحث دائمًا عن دخائلها وأسرارها؟ والحق أني لم أُطِل البحثَ، ولم أتكلَّف فيه شيئًا من العناء، فقد أنكرت الصحف حفلات الوداع هذه، وتقدَّمَ بعض النوَّاب بأسئلة فيها إلى وزير الداخلية، وكان حوار في الصحف حول هذه الأسئلة. وإذا وحيٌ يصدر فيسمع، وأمرٌ يبلغ فيطاع، وإذا توافُقٌ غريب بين المديرين على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم، كلهم زاهد في الحفلات كاره لها، وكلهم راغب عنها معتذر منها، وكلهم حريص على أن تنشر الصحف زهده واعتذاره. ألستَ تنكر من توافُقِ المديرين على هذا الزهد الطارئ مثل ما أنكرتَ من توافُقِ الرسائل على الظهور في المقطم في يوم واحد، وفي مكان واحد، كأنما جاءت على ميعاد؟!

    عَفَا الله عن وزارتنا القائمة، ماذا صنعت بإرادة الأفراد والجماعات وطبيعة الأشياء، أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يكون مرتَّبًا مصنوعًا؟ أَكُلُّ شيء في مصر يجب أن يخضع لهذا العبث الغريب الذي يؤلِّف بين المختلفات ويوفِّق بين المفترقات؟

    ثم ماذا أراد العابثون بهذا النوع من العبث؟ تستطيع أن تصدِّقني لم يريدوا به المصلحة، لم يريدوا به التخفيف على هؤلاء المأزومين الذين يكفلون دفع الأموال وهم لا يملكون منها شيئًا، لم يريدوا به إلا اللعب بعقول الناس، وإلا هذه الحرب السخيفة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر. هؤلاء أهل البحيرة قد جمعت منهم الأموال فأدَّوها كارهين، ثم أوحي إلى المدير ألَّا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، فهل ترى أن الأموال قد رُدَّتْ على أصحابها؟ كلا، لم تردَّ، أو قيل لأصحابها لا تقبلوها إن رُدَّتْ عليكم، فسيشترون بها إذًا سندات يُنفَق ريعها في بعض الجوائز المدرسية تخليدًا لاسم المدير. وأي تخليد؟ لم يصدر إلا عن الحب الخالص الذي يدفع إلى الجود لا بالأموال في وقت الشدة بل بالأنفس أيضًا.

    وهؤلاء أهل قنا، نعم أهل قنا! أهل قنا بعد أن كان فيها ما كان، بعد أن خطف منها الرئيس وصاحبه، بعد أن ظهر حب أهلها للمدير والإدارة والوزير والوزارة، بعد أن قام ألف دليل ودليل على أن أهلها يؤيدون النظام الجديد، ويذرون عنه بالأنفس والأموال، بعد هذا كله جمعت الأموال من أهل قنا لتكريم المدير، ثم أوحي إليه أن لا يشهد حفلًا ولا يقبل تكريمًا، وإذا هو يعتذر ويلح في الاعتذار، وأهل قنا يأبَون ويصرون على الإباء، ثم ينتهي الأمر إلى أن يستأجر أهل قنا … نعم، يستأجرون قطارًا خاصًّا يشيعون فيه — وقد كدتُ أملي: يزفون فيه — المدير إلى إقليمه الجديد. ماذا؟ أجدٌّ هذا أم هزلٌ؟ بعقول مَن يعبث العابثون؟ إن حكومتنا لقاسية، قاسية مسرفة في القسوة، ما لها تقف موقف العزول بين المحبين فتفرِّق بين المديرين وعشَّاقهم من أهل الأقاليم؟ ما لها لا تَدَع هؤلاء المديرين حيث كانوا هم راضون عن أقاليمهم وأقاليمهم راضية عنهم! فلِمَ تنغص العيش عليها وعليهم؟ الغريب أن أهل الأقاليم سيعشقون المديرين الذين سيُنقَلون إليهم، وسيهيمون بهم هيامًا لا حدَّ له. سيجد أهل قنا في مديرهم الجديد رجلًا يعشقونه كما عشقوا مديرهم القديم، وسيجد مدير قنا القديم من أهل المنيا قومًا يحبهم ويكلف بهم كما أحبَّ القنائيين وكلف بهم من قبلُ، فما تفسير هذه الظواهر التي تعجز عن فهمها العقول؟ تفسيرها يسير، فأهل الأقاليم لا يحسون عشقًا ولا غرامًا، والمديرون لا يجدون حبًّا ولا هيامًا، وإنما كل ذلك شيء مصنوع موضوع يجب أن يقبله أولئك وهؤلاء لتقوم الأدلة الواضحة على أن الأمور تجري في مصر على خير حال.

    ولكن مع الأسف الشديد ليس من المصريين ولا من الإنجليز مَن يصدِّق شيئًا من هذا، أو ينخدع لحيلة من هذه الحيل، وإذًا ففيما هذا العبث وفيما الإلحاح في هذا العبث؟ جواب هذا يسير أيضًا، فإن مَن لم يستطع الجد مضطرٌّ إلى الهزل، وإلا فوجوده مستحيل.

    صدِّقني إن أمر المديرين الراحلين وأقاليمهم لا يعدو قصة زياد، كل إقليم يودِّع مديره مستريحًا لهذا الوداع، ويستقبل مديره الجديد خائفًا من هذا الاستقبال.