حديث الوادي
استقال
نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
طه حسين
الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤.
Tag: political resignation
-
استقال
-
وداع٢
حديث المساء: وداع (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ أبريل ١٩٣٣
لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء، استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا! وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يُلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء، وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب! مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين للقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه لا ليعملوا معه!
وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس؟! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًّا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس! ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!
فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء إلى أن انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين؛ فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا يظهر فيه الجهد والإعياء! فانظر إلى رئيس الوزراء وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء لا في الصباح! وقد كان يذهب إلى مكاتبه مع الصبح ولا يدعها حتى يتقدم الليل! وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام …! وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين …!
ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوروبا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى، ثم تضيف الشعب أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين متى سمحت بذلك الظروف …!
كل هذا يحزن! وكل هذا يسوء! فمهما تكن خصومة الناس لرئيس الوزراء، ومهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة؟! وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا لغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع …!
كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية مودعًا، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب، أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله! ضعيفًا فضعف الناس من حوله! كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.
وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير، وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال، ويأبوا إلا إنكارها! وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم! كأن شيئًا لم يعرض لهم! وكأن حدثًا لم ينزل بهم! وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!
أمختارٌ رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم والنهوض بأعبائه الثقال رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة يأخذ منها بحظ موفور.
أَمُكرَهٌ رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقسى السياسة! وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!
وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح؟!
وسواء كان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس. حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقى بأعنتها إلى إلا الذين لا يقدرون على تصريفها حقًّا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم.
وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل وأطال التفكير، وقدر الرجل وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة، وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوروبا، وعلى أن تكون هذه الأعمال خفافًا لا مشقة فيها ولا عناء.
هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به، وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة، وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور؟ أو يستقر له نظام؟ ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها؛ لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريض إلى هذا الحد، فكيف والناس جميعًا مؤمنون — وأولهم الإنجليز — بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يَستَقِلُّوا بأثقاله، فهم قد وُضعوا في مناصبهم ليُعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.
كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر، لا أقول مصلحتها الحقيقية؛ فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.
ما أجدر رئيس الوزراء والذين يؤيدونه في منصبه أن يقرءوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك وباطنها كله عظة! وهي قصة المحامي التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي يُذكِّرنا بها ما نحن فيه الآن!