Tag: Political Sovereignty

  • الأم وابنها

    الأم وابنها
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٣٠ مايو ١٩٥٨

    كأنما كانا على ميعاد، فالأم الحَنون وهي فرنسا — كما تُسمَّى في بعض البيئات اللبنانية — ثائرة في غرب البحر، وهي تشغل العالم بثورتها تلك، والابن البارُّ — وهو لبنان بالطبع — ثائر في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو يشغل العالم بثورته أيضًا.

    ومظهر الثورتين مختلف فيما ترى العين وتسمع الأذن، ولكن الغاية من الثورتين واحدة، وستتكشف الأيام عن عواقب هاتين الثورتين. أما في غرب البحر الأبيض المتوسط، فالجيش هو الذي بدأ الثورة في الجزائر مطالبًا بأن ينهض شارل دي جول بأعباء الحكم، ونهوض شارل دي جول بأعباء الحكم معناه وقف الحياة الدستورية، وصرف النواب والشيوخ إلى شئونهم الخاصة يدبرونها كما يشاءون أو كما يستطيعون، وصرف رئيس الجمهورية إلى شئونه الخاصة يدبرها كما يشاء أو كما يستطيع، واستئثار الجنرال دي جول بشئون الحكم كلها يأخذها بالقوة ويديرها بالقوة ويسيطر على الشعب الفرنسي سيطرة الحزم والعزم؛ ليعلمه كيف تكون الطاعة وكيف يكون الإذعان، وليوجهه بعد ذلك إلى قمع الثورة في الجزائر، وإلى أخذ ما بقي لفرنسا من المستعمرات بالشدة التي تُعلِّمها كيف تذعن وتطيع وكيف تيأس من الحرية وتكف نفسها عن الطموح إلى الاستقلال، ثم ليعيد إلى فرنسا — فيما يزعم — بأسها وهيبتها، ويفرض إكبارها وإجلالها على العالم كله، ويؤدب تلك الأقطار التي كانت خاضعة لسلطان فرنسا ثم ظفرت بالاستقلال في أيام الضعف والفتور، يؤدبها أدبًا يصدها عما تطالب به من جلاء الجند الفرنسيين عن تونس ومراكش، وأدبًا يُعلِّم دول الهند الصينية كيف تؤمن بأن الحياة في ظل فرنسا أجدر بها وأنفع لها وأجدى عليها من الحياة في ظل الاستقلال.

    كذلك يظن الجنرال دي جول ويظن دعاته وأتباعه ومعاونوه، فطبيعة الأشياء وقوانين التقدم والرقي وهذه الأصول التي تدعو إلى أن يكون للشعوب المستضعفة حقها في شيء من العزة والقوة وتقرير المصير.

    كل هذه الأشياء لا تثبت أمام الجنرال دي جول، وهو الذي لم تثبت أمامه قوة مهما تكن. أليس قد خلق فرنسا خلقًا جديدًا، ورد إليها الإيمان باستقلالها والثقة بنفسها، وأجلى عنها جيوش هتلر. ولا عبرة بما يقول التاريخ ولا بما يتحدث به الناس من أن الجيوش الأمريكية والإنجليزية هي التي أجلت الألمان عن الأرض الفرنسية، وأن فلول الجيش الفرنسي لم تعد إلى المشاركة في الحرب إلا متأخرة، ذلك أن الجنرال دي جول قد استقر في نفسه أنه الرجل القوي الذي لا يشبهه أحد في قوة العزيمة وسداد الرأي ومواجهة المشكلات وحل المعضلات والنفوذ من الخطوب، وهو من أجْل ذلك لا يزيد حين يتولى الحكم على أن ينفذ ما كلفته الأقدار من إنقاذ فرنسا من نفسها وإخراجها من ضعفها وردها إلى ما كانت عليه أو إلى خير مما كانت عليه قبل أن تدركها الهزيمة. ولكن الشعب الفرنسي نفسه لا يريد هذا الإنقاذ ولا يحب إلا أن يظل كما هو، وأن يخلص من هذه المشكلات الخارجية السخيفة التي تُسفك فيها دماء أبنائه وينفق عليها حر أمواله، لا يحب إلا أن يعيش خالصًا لحياته التي يرضاها، حياة الدعة والرخاء والاستمتاع بطيبات الحياة ما وجد إلى هذا الاستمتاع سبيلًا.

    فالجيش إذن ومعه الجنرال دي جول ثائران على الشعب لا على هذه الحكومة أو تلك من حكومات فرنسا، هما ثائران يريدان أن يقويا هذا الشعب على رغمه وأن يردا إليه بأسًا وقوة قد زهدا فيهما وانصرف عنهما.

    والشعب يريد أن يقاوم وأن يدافع عن حياته الهادئة الراضية المطمئنة، ولكنه لا يملك من وسائل المقاومة إلا الصياح والجلبة والاحتجاج والإنكار والمظاهرات والتجمع في شوارع باريس.

    هذه حال الأم الحنون. أما الابن البار في شرق البحر الأبيض المتوسط، فأمره مختلف في مظهره، وهو في حقيقته مشبه لأمر أمه الحنون الرءوم، ظاهر أمره أن الشعب ثائر بالحكومة يريد أن يزيل رئيس الجمهورية ووزراءه عن مناصبهم.

    وهو من أجل ذلك يجمع الجموع ويأخذ المدن والقرى ويكاد يحصر رئيس الجمهورية ووزراءه في العاصمة، وقد يتحدث بالزحف على العاصمة. والحكومة تدافع عن نفسها بما تملك من قوة وبما تستمد من عون العاطفين عليها والمؤيدين لها في الشرق العربي وفي الغرب الأمريكي البريطاني والفرنسي أيضًا، لولا أن الأم الحنون الرءوم مشغولة بنفسها لا تملك أن تسعف ابنها بالقوة، فهي تسعفه بالرأي والمشورة، ولكن واقع الأمر في لبنان لا يختلف عن واقع الأمر في فرنسا.

    والثورة في لبنان لا تأتي من الشعب في حقيقة الأمر، ولكن تأتي من رئيس الدولة ووزرائه؛ ذلك أن الشعب لم يرد أن يغير الدستور ولا أن يبدل شيئًا من شئون الحكم، وإنما الرئيس والوزراء هم الذين همُّوا به وكادوا ينفذون ما أرادوا.

    والسؤال الذي يجب أن يُلقى وأن يكون الجواب عليه صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، هو: مَن الذي يملك تغيير الدستور وتبديل الأوضاع، أهو الشعب الذي هو مصدر السلطات والذي وُضِع الدستور له وصدر باسمه، والذي ليس مصدر السلطة التشريعية وحدها بل هو مصدر السلطة التنفيذية والقضائية أيضًا؟

    والأصل كذلك أن الشعب هو السيد وأن رئيس الجمهورية ووزرائه خدام لهذا الشعب. فإذا أراد الخدام أن يطغوا على سيدهم وأن يغيروا حياته على رغمه، فحق الشعب في المقاومة وحقه في إزالة المعتدين عليه ومحاكمتهم وعقابهم على ما هموا به — هذا الحق واضح لا يجادل فيه إلا المحمقون.

    وأغرب ما في الثورة اللبنانية أن الخدام الثائرين بالشعب الكائدين له المعتدين على حقه في السيادة يستنجدون بغيرهم من الحكومات؛ فتسرع إلى إنجادهم وترسل إليهم الرجال وأدوات القتال والفتك دون أن يجد هؤلاء المنجِدون من الشرقيين والغربيين حرجًا في أنفسهم من نصرة الجور على العدل والباطل على الحق والظالم على المظلوم.

    ولا يجد خدام لبنان في أنفسهم حرجًا من هذا التدخل الأجنبي بينهم وبين سيدهم الشعب، فإذا لزمت الجمهورية العربية المتحدة الحياد وآثرت موقف الحق والعدل وأبت أن تدخل في شئون بلد مستقل؛ شكاها خدام لبنان إلى مجلس الأمن أولًا وإلى الجامعة العربية ثانيًا. ذلك لأنهم يؤمنون بأن من ليس معهم فهو عليهم، ولو قد أسرعت الجمهورية العربية المتحدة إلى نجدتهم وأرسلت إليهم رجالًا وسلاحًا، لحمدوا لها ذلك أصدق الحمد، وشكروا لها ذلك أجمل الشكر، وأثنوا عليها من أجل ذلك أذكى الثناء. ولست أدري لِمَ لَمْ تصنع الأم الحنون صنيع الابن البار، فتشكو الجمهورية العربية المتحدة إلى مجلس الأمن، فمن يدري لعل رئيس هذه الجمهورية أن يكون قد أغرى الجيش الفرنسي في الجزائر والجنرال دي جول في فرنسا بالثورة، أو لعله أن يكون قد أغرى الشعب الفرنسي بمقاومة هذه الثورة؛ فهذه الجمهورية ورئيسها هما الأصل في كل مشكلة تُثار أو يمكن أن تُثار في أي مكان من الأرض في الشرق والغرب.

    وكم كنت أود أن تصنع الأم صنيع ابنها فتشكونا إلى مجلس الأمن، فحياة الناس في هذه الأيام محتاجة إلى ما يُضحك. أو أن يصنع الابن صنيع أمه فيكف عن هذا السخف ولا يجمع مجلس الأمن ومجلس الجامعة في غير طائل.

    ولكن عقول الناس ليست في أيدينا ولا في أيديهم، وإنما هي في أيدي هذه الأهواء المختلفة المتناقضة.

    فلنضحك الآن من صنيع الابن، فعسى أن تُضحكنا الأم بمثل هذا الصنيع أو بشيء أدعى منه إلى الضحك والتسلية.

  • شبَّ عمرو عن الطوق

    شبَّ عمرو عن الطوق
    طه حسين
    النداء
    ٣ فبراير ١٩٤٨

    وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.

    وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.

    فمن ذا الذي يلقي في رُوع …

    فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.

    وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.

    فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.

    وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.

    فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا.

  • إياب…

    إياب…
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٧ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الغنيمة الوحيدة المحققة والتي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من رحلته القصيرة الشاقة. والحمد لله على أن السلامة قد كُتِبت له في غيابه وإيابه، وعلى أن هذا المرض الذي أَلَمَّ به في لندرا قد انجاب عنه وردَّه إلينا سالمًا موفورًا. فهذا كل ما يمكن أن يُلاحظ من الخير في رحلته هذه التي اندفع إليها اندفاعًا لم يحفل فيه برأي الأصدقاء ولا برأي الخصوم.

    ويجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن بين صدقي باشا وبين الشعب المصري صراعًا سينتهي قطعًا كما ينتهي كل صراع بين الشعب والأفراد بانتصار الشعب وانهزام الأفراد. وقد انتصر صدقي باشا في هذا الصراع إلى الآن انتصارًا ظاهرًا. قال له الشعب لا تنهض بأعباء الحكم إلَّا أن تعتمد على ثقة دستورية مبرأة من كل زيف، فلم يحفل بقول الشعب، وإنما عرف كيف يقول له لا، وكيف ينهض بأعباء الحكم والأمة معرضة عنه نافرة منه غير مطمئنة إليه. وقال له الشعب: لا تقدم على مفاوضة الإنجليز حتى تقيم بينك وبينهم أساسًا صريحًا للمفاوضات يحول بينهم وبين العبث بالحقوق، ويحول بينهم وبين تضييع الوقت، ويحول بينهم وبين إنهاك قوى الشعب بالمماطلة والمطاولة والانتظار. فلم يحفل بما قال الشعب له، وإنما أقدم على مفاوضاته غير محقق ولا مدقق ولا مستوثق، وعرف كيف يقول للشعب لا.

    وقال له الشعب حين أسرف المفاوضون البريطانيون في المماطلة والمطاولة: حسبك أن الرجوع إلى الحق خير من الإمعان في الباطل، فاقْطَعِ المفاوضات وخلِّ بين الشعب وبين ما يريد أن يسلك من طريق للجهاد في سبيل مطالبه وحقوقه وأمانيه فلم يحفل. وإنما عرف كيف يقول للشعب لا. ووصل من المفاوضات ما انقطع وجدد منها ما بلي، وقاس ذراعًا كلما قاس الإنجليز أصبعًا أو أنملة؛ حتى أصبحت المفاوضات من لهو الحديث يعبث بها المصريون، ويعبث بها غير المصريين.

    وقال له المفاوضون المصريون أنفسهم: حسبك قد أذللتنا ولم نُخلق للذلِّ، وعرضتنا للهوان ولم نُخلق للهوان، وأسخطت علينا الشعب، ومن حقِّنا أن نتجنب سخط الشعب، وأطمعت فينا الإنجليز، ومن حقِّنا أن نرتفع عن طمع الإنجليز، وأضحكت منا الأجانب، ومن حقِّنا ألَّا نثير في نفوس الأجانب إلَّا عطفًا واحترامًا. وقال له الشعب: حسبك، يجب أن تسمع لزملائك؛ فقد تكون رئيسًا لهيئتهم، ولكنك واحد منهم لا ينبغي أن تستبدَّ بهم، ولا أن تستأثر من دونهم بالرأي. ولكنه لم يحفل بأولئك ولا هؤلاء، وعرف كيف يقول للشعب والزملاء جميعًا: لا. حتى إذا كان الحرج فاستقال، ثم ردَّت عليه استقالته. هنالك أزمع أمرًا نهاه عنه الشعب ونهته عنه هيئة المفاوضات، ولكنه لم يحفل بنهي الشعب ولا بنهي هيئة المفاوضات؛ فسافر إلى لندرا غير آبه بما قيل له من أن وزير الخارجية البريطانية هو الذي كان يجب أن يسعى إلى مصر؛ لأنه أزمع ذلك ووعد به، فما ينبغي أن تسعى أنت إليه؛ لأن في ذلك غضًّا من قدر مصر وإهدارًا لكرامتها وتهالكًا على الإنجليز.

    ولكنه عرف كيف يقول لا، ومضى أمامه لا يلوي على شيء ولا يكترث بشيء، حتى وصل إلى لندرا. وهناك لقي المستر بيفن، ولقي معه المرض الذي أخاف عليه، والذي نحمد الله على أنه قد أبرأه منه.

    ورب ضارة نافعة، فقد سعى صدقي باشا إلى المستر بيفن في وزارة الخارجية البريطانية، ولكن المرض اضطر المستر بيفن إلى أن يسعى إلى صدقي باشا غير مرة في فندق كلاردج. فكان في هذا السعي الاضطراري شيء يشبه أن يكون عزاءً.

    والمهم هو أن صدقي باشا قد سافر؛ لأنه أراد أن يسافر، وعلى رغم إلحاح الشعب وزملائه المفاوضين عليه في ألَّا يسافر. وهو يئوب إلينا اليوم فبماذا يئوب؟ بالإياب وحده لا أكثر بل أقل. وما ينبغي أن يُخدع المصريون بهذا الكلام الفارغ الكثير الذي يضطرب به البرق، وتهذي به بعض الصحف، وتلوكه بعض الأفواه، وتُخَطْرِف به بعض الرءوس المريضة. فقد سافر صدقي باشا إلى لندرا لا يحمل شيئًا؛ لأن الشعب المصري لم يحمِّله شيئًا. وعاد صدقي باشا من لندرا لا يحمل شيئًا مما يريد الشعب المصري أو مما يستطيع الشعب المصري أن يقبله أو يراه موضوعًا للتفكير.

    ذلك أن الشعب المصري — سواء وثق بصدقي باشا أم لم يثق به — يريد أشياء واضحة كلَّ الوضوح، بيِّنة كلَّ البيان، لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا أخذًا ولا ردًّا ولا جدالًا. يريد جلاءً غير مشروط وغير مؤجل وغير معرض للتلكؤ. والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن صدقي باشا لم يعهد بهذا الجلاء. ولست أدري أعاد بجلاء أم لا، ولكن الجلاء الذي يمكن أن يعود به هو جلاء من صنعه هو، يلائم ذوقه وطبعه، وليس من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري يريد سيادة خالصة نقية لأهل وادي النيل على أنفسهم وعلى أرضهم ونهرهم وجوِّهم وبحرهم، سيادة لا يشوبها الحكم الثنائي، ولا تكدِّرها الإدارة المشتركة، ولا يخدعهم عنها لفظ مهما كان برَّاقًا، ولا يغرهم عنها تلاعب بالصيغ ولا افتتان في التنميق. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا لم يعد إلينا بهذه السيادة. ولعله لم يعد بسيادة ما. ولعله أن يكون قد عاد وفي إحدى حقائبه علبة من فضة أو من ذهب أو من نحاس أو من زجاج، وفيها نوع من سيادة تلائم طبعه هو المترف وذوقه هو الرقيق، ولكنها ليست من الشعب المصري في شيء.

    والشعب المصري لا يريد محالفة عسكرية مع الإنجليز — ولا مع غير الإنجليز — قبل أن يستوفي استقلاله كاملًا، ويستمتع بحريته خالصة، ويحالف عن بصيرة ورضًا لا عن خوف وإكراه. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صدقي باشا يعود إلينا ومعه محالفة عسكرية لن يتم الجلاء إلَّا إذا قُبِلت. وإذن فصدقي باشا لا يعود عودة سلبية فحسب، ولكنه يعود عودة إيجابية فيها شرٌّ عظيم لا يريد المصريون أن يقبلوه ولا يستطيع المصريون أن يقبلوه.

    فليس من الغُلُوِّ إذن ولا من الدعاية ما قلته في أول هذا الحديث من أن صدقي باشا يجب أن يقنع من رحلته القصيرة الشاقة بالإياب؛ لأن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي أتيحت له من هذا السفر البعيد والعناء الشديد.

    وقد قلت إن بين الشعب المصري وبين صدقي باشا صراعًا طويلًا ثقيلًا انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا إلى الآن. فقد عرف كيف يقول «لا» للشعب المصري في كل ما تقدَّم به إليه الشعب المصري من أمر أو نصح أو إرشاد. فقد آن للشعب المصري منذ اليوم أن ينتصر على صدقي باشا انتصارًا محققًا لا ظاهرًا، وأن يُسمِعه هذه الكلمة التي طالما سمعها منه، وهي كلمة «لا». وما أعظم الفرق بين هذه الكلمة حين ينطق بها صدقي باشا وحين ينطق بها الشعب! إنها رشيقة أنيقة مضحكة حين ينطق بها رؤساء الوزارات، وحين يوجهونها إلى الشعوب التي لم تُخلق ليقول لها خدَّامها «لا»، وإنما خلقت ليقول لها خدَّامها «نعم»، وليقول لها خدَّامها «سمعًا وطاعة»، ولكنها مزلزلة مجلجلة حين تنطق بها الشعوب؛ لأنها تضطر رؤساء الوزارات إلى أن يستقيلوا، وإلى أن يعودوا إلى دُورِهم وينظروا في مصالحهم الخاصة بعد أن أخفقوا في تدبير المصالح العامة. وقد أخفق صدقي باشا في تدبير المصالح العامة ليس في ذلك ريب، وإن امتلأت حقائبه بالمذكرات والاقتراحات والصيغ والنصوص، فليس في شيء من هذا كله غَنَاء.

    إن أقصى ما يمكن أن يكون صدقي باشا قد ظفر به من المستر بيفن هو موافقة البريطانيين على المذكرة التي قدمها المفاوضون المصريون منذ أكثر من شهرين ولم يقبلها البريطانيون، وأكبر الظن أنه لم يظفر بالموافقة على هذه المذكرة. وهَبْهُ قد ظفر بهذه الموافقة، فإن هذه المذكرة نفسها لا تُرضي المفاوضين جميعًا، وبينهم من احتجَّ عليها أشدَّ الاحتجاج. وهي بالطبع لا تُرضِي الشعب المصري ولا يمكن أن ترضيه. فإذا كان صدقي باشا قد ظفر من الإنجليز بقبول هذه المذكرة؛ فليهنأ بهذا الظفر وحده، أو ليهنأ به معه أصدقاؤه الذين لا يمثلون إلَّا أنفسهم، فأمَّا الشعب فإنه يرفضها منكرًا لها ساخطًا عليها مترفعًا حتى عن النظر فيها، فكيف وأنا أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يظفر بقبول هذه المذكرة ولا بقبول شيء مقارب لهذه المذكرة.

    ليصدقني رئيس الوزراء وأنصاره القليلون، وليصدقني القراء جميعًا أن الإياب هو الغنيمة الوحيدة المحققة التي ينبغي أن يقنع بها صدقي باشا من هذه الرحلة القصيرة الشاقة.

    والآن ما عسى أن تأتينا به الأيام المقبلة من أنباء صدقي باشا؟

    سيعرض ما حمل من لندرا على زملائه الوزراء وعلى زملائه المفاوضين. ولست أدري بأيهم يبدأ، ولا إلى أيهم ينتهي، ولكنه سيعرض ما حمل على أولئك وهؤلاء، فإن قبلوا ما حمل إليهم؛ فما عسى أن يصنع: أيعرضه على البرلمان القائم فتتم المؤامرة ويتم إحكامها ويخضع الشعب المصري لدكتاتورية متصلة طويلة الأجل أو قصيرة الأجل، قوامها تعطيل الدراسة في معاهد العلم وحرمان المصريين حرية الاجتماع وحرية الخطابة وحرية الكتابة أيضًا، وتسليط الخوف على الأحرار كلما قالوا أو كتبوا أو تحركوا؟ ولكن هذه الدكتاتوريات لا تجدي ولا يمكن أن تبقى، ومصيرها دائمًا معروف محتوم.

    وقد يرفض زملاء صدقي باشا ما يعرض عليهم من هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا، وإذن فهل يستقيل وترد أمور الشعب إلى الشعب؟! أم هل يبقى ليعاقب الشعب، وليعاقب المفاوضين على رفض هذه الهدايا التي جاء بها من لندرا؟ ولا سبيل إلى بقائه، ولا سبيل إلى معاقبته للشعب إلَّا أن يعتمد على الدكتاتورية التي تغل المصريين فلا يعملون، وتعقد ألسنتهم فلا ينطقون، وتعقل أقلامهم فلا يكتبون. وصدقي باشا يعلم أن هذه الدكتاتوريات لا يمكن أن تدوم ولا تعمر طويلًا، وأظنه قد جرَّب هذه الدكتاتوريات من قبل وعرف عواقبها ونتائجها.

    صدقي باشا مخير إذن بين اثنتين: إمَّا أن يستقيل فيريح ويستريح، ويغفر الله له ما قدَّم إلى الشعب المصري من شرٍّ وما صبَّ عليه من مكروه، وإمَّا أن يبقى ويفرضها على الشعب دكتاتوريةً صارمةً يعرف الشعب كيف يخرج منها كما خرج من أمثالها.

    ألم أقل لك إن الصراع بين صدقي باشا وبين الشعب قد طال أمده، وقد انتصر فيه صدقي باشا انتصارًا ظاهرًا، وآن للشعب أن ينتصر الآن على صدقي باشا انتصارًا محققًا؟!

    ومن يدري؟ لعل صدقي باشا لم يتنسَّم في لندرا هواءها البارد الذي حمل إليه مرضه البغيض وحده، وإنما تنسَّم معه ريحًا من الديمقراطية ألقت في روعه أن عصر الدكتاتوريات قد انتهى، وأن الشعوب لا تُحْكَم بالقهر، ولا تؤخذ بالعنف، ولا تحمل بالقوة على ما تريد، ولعله قد عاد وفي حقائبه — إلى جانب وثائقه الكثيرة — وثيقة صغيرة خطيرة يرفعها إلى جلالة الملك ليتفضل جلالته فيأذن له في أن يلزم داره ليريح ويستريح، ويخلي بين الشعب وبين الجهاد لتحقيق ما يريد.

    في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
    إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.
    أو يمكنك التسجيل من خلال حسابك
    تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

  • برنامج (١) …

    برنامج (١) …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٦

    ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!

    لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.

    وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.

    وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.

    ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:

    إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
    وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.

    في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!

    فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.

    أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!

    وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.

    ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.

    وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.

    فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.

    ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.

    والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.

    فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …

    يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.

    يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

  • خطوب

    خطوب
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٧ مارس ١٩٤٦
    خطوب يجب أن يضحك لها المصريون؛ لأنها لن تدوم مهما يبذل في سبيل استمرارها من الجهود. وهي لن تدوم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء، وتخالف منطق الحياة، وتخالف الحقائق الواقعة. وتدل على أن الذين يفرضونها على الناس ما زالوا أغرارًا قد تثقفوا وتعمقوا الثقافة الحديثة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئًا؛ لأنهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الناس، ولأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على المنافع الآجلة، ولأنهم يريدون أن يعيشوا وأن ينعموا وإن جاء من بعدهم الطوفان، وأنهم ينسون الماضي فلا يفكرون في المستقبل، وإنما يقتطعون الحاضر مما قبله ومما بعده، فيعيشون كما يقول الشاعر القديم:
    فات ما فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
    وقد يكون هذا الحمق جائزًا بالقياس إلى الفرد حين لا يفكر إلَّا في نفسه، ولا يعمل إلَّا لنفسه؛ فهو يقتطع حياة مما قبلها ومما بعدها، ويختطف من لذات العيش ما يتيح له هذه السعادة السخيفة فيما يتاح له من الأيام، ثم يموت وقد نعم ما وجد إلى النعيم سبيلًا، وترك أمر المستقبل إلى الله الذي يعلم الغيب وحده ولا يشاركه أحد في العلم به. هذا الحمق ممكن بالقياس إلى الفرد الذي يعيش لنفسه ويعمل لنفسه، فأمَّا الذين ينهضون بأعباء الحكم ويدبرون شئون الأمم ويقومون على مصالح الشعوب، فإن عليهم لهذه الشعوب حقوقًا تقتضيهم أن يفكروا في أمس، ويعتبروا بتجاربه ودروسه القاسية، وأن يفكروا في غد، ويعدوا له عدته؛ لأن حياة الأمم أطول جدًّا من حياة الأفراد، ولأن انقراض جيل من الأجيال ليس معناه انقراض الشعب، وإنما معناه انتهاء طور ضئيل جدًّا من أطوار الحياة العامة وإقبال طور آخر، يليه أطوار. فالذين ينهضون بأعباء الحكم يجب عليهم أن يفكروا في هذا كله ويقدِّروه، وأن يعملوا للشعب؛ لأن الشعب يعيش أبدًا وإن اعتقدوا هم أنهم سيموتون غدًا.
    كل هذه أوليات لم يكن من الحق علينا ولا على غيرنا أن نعرض لها أو نتحدث فيها، ولكن سوء الحظ أراد، وما أكثر ما يريد سوء الحظ أن يضطر الناس إلى أن يبدءوا ويعيدوا في عرض الأوليات.
    لقد قرأ المصريون أن وزير الخارجية البريطانية تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الخميس، فأعلن أن الحكومة البريطانية يسوءها أن يتم بين روسيا وبين إيران اتفاق متأثر بالضغط الذي ينشأ عن استمرار الاحتلال الروسي للوطن الإيراني. ولو أن صدقي باشا وزملاءه الذين ينهضون معه بأعباء الحكم وزملاءه الآخرين الذين يريدون أن ينهضوا معه بأعباء المفاوضة، لو أن هؤلاء السادة جميعًا يقدِّرون طبيعة الأشياء ومنطق الحياة والحقائق الواقعة، ويفكرون في مصر أكثر مما يفكرون في أنفسهم؛ لكان لهم بالقياس إلى هذا التصريح الذي ألقاه المستر بيفن في مجلس العموم البريطاني موقف خطير جدًّا تخفق له قلوب الشعب وتحيا له آمال الشعب ويعظم له نشاط الشعب.
    الحكومة البريطانية تشفق من أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران في ظل الاحتلال الروسي للأرض الإيرانية. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه تستعد للمفاوضة مع الحكومة المصرية؛ لتعدِّل المعاهدة التي أُمضيت منذ عشر سنين إن صدقنا المذكرات الرسمية ورئيس الوزراء، ولتعقد معاهدة جديدة إن جارينا وزير الخارجية فيما صرح به أمام مجلس النواب من أن المعاهدة قد أصبحت ملغاة؛ لأنها غير ذات موضوع.
    الحكومة البريطانية تستعد لهذه المفاوضة والاحتلال البريطاني قائم في مصر، يكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، ويرى المصريون مظاهره المنكرة في المدن والقرى وفي الشوارع والأندية وفي الملاعب والقهوات، لا يجتمعون في مدينة من مدنهم؛ ليعلنوا رأيًا من آرائهم ويطالبوا بحق من حقوقهم إلَّا رأوا مظاهر هذا الاحتلال وحقائقه المرة المؤلمة المهينة للنفوس، المخزية لكل كرامة وطنية والتي لا تتحرج أحيانًا من سفك الدماء المصرية والمطالبة بعد ذلك بالتعويض.
    الحكومة البريطانية تستعد لمفاوضة مصر في تعديل المعاهدة أو في عقد معاهدة جديدة، والاحتلال البريطاني قائم يفرض على مصر أن تكون مؤدبة مهذبة مطيعة، لا تقول إلَّا بمقدار، ولا تعمل إلَّا بمقدار، ولا تتحرك إلَّا لتطلب الطعام والشراب وتنعم بما يقدم لها من اللهو واللعب. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه يسوءها أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران يتأثر بالضغط الذي ينشأ عن الاحتلال الروسي لأرض إيران.
    والحكومة المصرية تقرأ هذا الكلام، وتمر به مرًّا سريعًا، والمفاوضون المصريون يقرءون هذا الكلام ويمرون به مرًّا سريعًا؛ لأنهم قرروا أن يكونوا أحرارًا حين يقدمون على المفاوضات، كأنما يكفي أن يقرر الإنسان أنه حر ليكون حرًّا بالفعل! ولأن الحكومة البريطانية أو وزيرًا من الوزراء البريطانيين قد صرح في بعض حديثه بأن المفاوضات ستكون حرة. كأنما الإنجليز لم يصرحوا نيفًا وستين مرة بأنهم سيجلون عن مصر! ولكن الوزراء المصريين والسادة المفاوضين يمرون بهذا التصريح مرًّا سريعًا كأنهم لا يرون الجيش البريطاني في المدن والقرى، وكأنهم لم يعلموا بما كان في شهر فبراير في القاهرة، وبما كان في شهر مارس في الإسكندرية. وماذا يعنيهم؟ لقد قرروا أنهم أحرار وسيكونون أحرارًا بإذن الله، فمن الحماقة أن يطلب إليهم أن تكون مصر حرة بالفعل قبل البدء في المفاوضات، وأن تسير بريطانيا العظمى مع مصر نفس السيرة التي تطلبها إلى روسيا بالقياس إلى إيران.
    لا ينبغي أن نطلب ذلك إلى وزرائنا ولا إلى السادة الذين سيشاركونهم في المفاوضات؛ لأننا نكلفهم بهذا المطلب ما لا يطيقون، فليس من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ الجلاء نفسه موضوعًا لها. وليس من الممكن أن تكون مصر حرة قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ حرية مصر نفسها موضوعًا للأخذ والرد، ويجب أن تظل القاهرة والإسكندرية ووادي النيل كله رهنًا في يد الإنجليز إلى أن تتم المفاوضات. فإن عرف المفاوضون المصريون كيف يكونون مؤدبين مهذبين مطيعين مذعنين؛ كان من الممكن أن ينزل لهم الإنجليز عن بعض ما في أيديهم، وإلَّا فالرهن قائم والجيوش البريطانية تكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، وتحتل مدنه وقراه، وتستطيع أن تعمل البنادق والمتراليوز، بل المدافع والطائرات إن احتاجت إلى شيءٍ من ذلك.
    ورغم ذلك كله أحب أن يضحك المصريون، فهذا كله خطب إن شق علينا احتماله اليوم فليس من سبيل إلى أن يدوم. يجب أن يكون الشعب المصري أذكى من سادته وقادته، ويجب أن يعتبر الشعب المصري بما كان ليفهم ما هو كائن وليستعد لما سيكون. لقد خدع الشعب المصري مرتين في الحربين العالميتين بالأماني والآمال وبالعهود والوعود، فيجب أن يأخذ حذره وألَّا يخدع في المرة الثالثة، والمرة الثالثة واقعة من غير شك.
    أمَّا غدًا زعموا أو لا فبعد غدٍ
    وخطبٌ آخر يجب أن يضحك له المصريون، فقد صرح رئيس وزرائنا صدقي باشا في مجلس الشيوخ بأنه لم يصدر إلى الصحف تلك التعليمات التي ذكرها زعيم المعارضة، ولم يصدرها إلى أحدٍ من رجال الأمن. كان هذا يوم الإثنين، فلما كان يوم الأربعاء دُعيَ الصحفيون إلى وزارة الداخلية، وتُليت عليهم فيها رسالة من صدقي باشا حيَّاهم فيها أحسن تحية، ثم رجا منهم أن يعاونوه فينتهوا عن كيت وكيت وعن كذا وكذا، وعدد لهم كل التعليمات التي أنكر في مجلس الشيوخ أنه أصدرها إلى الصحف أو إلى رجال الأمن. فصدقي باشا ينكر في مجلس الشيوخ ويعترف في وزارة الداخلية، يعطي باليمين ويسترد باليسرى. ويظن أن الصحفيين أغرار لا يفهمونه ولا يفطنون لما أراد، وأن الشعب المصري ساذج لا يفقه خطته هذه التي كانت لبقة قبل ستة عشر عامًا، فأصبحت مكشوفة في هذه الأيام لا تخدع أحدًا.
    وخطبٌ ثالثٌ يجب أن يضحك منه المصريون؛ لأنه عبث من العبث لا يغني عن أصحابه شيئًا، ولا يغيِّر من حقائق الحياة شيئًا، فصدقي باشا يريد أن يُعلِّم المصريين بعد جهل، وأن يُطعمهم بعد جوع، وأن يكسوهم بعد عري، وأن يردَّ عليهم الصحة كاملة والعافية موفورة. وقديمًا وعد صدقي باشا بمثال ذلك فلم يصنع شيئًا، وقديمًا وعد غير صدقي باشا بمثل ذلك فلم يصنعوا شيئًا. ولكن صدقي باشا في هذه المرة يجب أن يخيِّل إلينا أنه سيصنع شيئًا، فقد يقال: إن صدقي باشا يريد أن يعقد قرضًا عامًّا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات يحارب به الفقر والجهل والمرض. ومعنى ذلك أن صدقي باشا يريد أن ينشئ شركة لمحاربة الآفات، وما يمنعه من ذلك والشركات تنشأ في مصر كل يوم لاستغلال هذا المرفق أو ذاك من مرافق الحياة، فلتنشأ شركة جديدة لاستغلال الفقر والمرض والجهل، ولتكن الحكومة هي المشرفة على هذه الشركة، ولتمتلئ جيوب أصحاب الأموال على حساب الجائع الذي قد يشبع، والمريض الذي قد يصح، والجاهل الذي قد يتعلم.
    كل شيء يجب أن يُستغل. ألم يذكر بعض الماليين بل بعض الوزراء السابقين أن القمامة يجب أن تُستغل فتحول إلى سماد؛ لتزداد الأرض خصبًا وإنتاجًا؟ فلم لا تستغل هذه القمامة الإنسانية الأخرى فتتضاعف ثروة الأغنياء؟! لم لا يدفع هذا الباشا أو ذاك آلافًا من الجنيهات أو عشرات ألوف من الجنيهات يشتري بها هذه الأسهم في تلك الشركة التي ستستغل القمامة الإنسانية، فإذا حال الحول عادت إليه أسهمه بربح يرتفع وينخفض كما ترتفع أسهم المجلة وتنخفض؟ كل شيء يجب أن يُستغل، وكل شيء يجب أن يزيد ثروة الأغنياء، حتى إنقاذ الفقير من الفقر والمريض من المرض والجاهل من الجهل. من الطبيعي جدًّا أن تُبتكر شركة لإنشاء المراعي وتربية الحيوان والماشية، فما ينبغي أن يموت البقر والجاموس جوعًا، ولا أن تتعرض الغنم والدجاج للأمراض، فلنستغل فقر الفقراء ومرض المرضى وجهل الجاهلين لتتحقق الفكرة الخطيرة التي يجاهد في سبيلها صدقي باشا وأمثاله؛ وهي أن يشبع الناس ويصحو ليكونوا أقدر على الحرث والزرع وخدمة سادتهم الأغنياء.
    أليس كذلك يا دولة الرئيس؟ بلى هو ذاك، هو الذي تدعو إليه وتدعو إليه، وتجادل فيه وتجادل فيه، ولكنك كغيرك من الأغنياء وكغيرك من الناهضين بأعباء الحكم في البلاد المحافظة، تقتطع اليوم من أمس، وتقتطعه من غد، ولا تعتبر بالماضي ولا تستعد للمستقبل. ما زلت محافظًا تجهل أن عصر استغلال الإنسان قد انقضى، وأن إزالة الفقر والمرض والجهل واجب من واجبات الدولة، ومصرف من مصاريف الميزانية، وغرض من الأغراض التي تُجبى لها الضرائب من الموظفين.
    ففكر وقدِّر واعتمد على الله وأعرض عن قرضك هذا الذي لن يغني شيئًا، وأصلح الميزانية وارفع الضرائب، وإن كلفك ذلك — فضلًا عن ذلك — الكثير، وواجه الأمور كما ينبغي أن تواجه. أو تعد بأنك لن تصنع شيئًا في وزارتك الثانية كما أنك لم تصنع شيئًا في وزارتك الأولى.
    أمَّا أنتم أيها المصريون، فاضحكوا من هذه الخطوب فإنها لن تدوم، واضحكوا من هؤلاء الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون في أمسهم ولا في غيرهم.
    اضحكوا، وليكن ضحككم خصبًا يشحذ العزائم ويحيي الآمال ويدفع إلى النشاط، فإن من الضحك ما يميت القلوب.

  • دهماء

    دهماء

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ فبراير ١٩٤٦

    في الساعة الخامسة من مساء الخميس الماضي تحدث المتحدثون بأن مجلس وزرائنا قد اجتمع، ودرس ما وقع من الأحداث في ذلك اليوم، وكلَّف رئيسه أن يحتج على الإنجليز؛ لأنهم تحدَّوا المتظاهرين في القاهرة، فاقتحمت السيارات البريطانية صفوفهم، وتركت منهم على الأرض صرعى كثيرين، منهم القتيل ومنهم الجريح؛ ولأنهم تحدوا السيادة المصرية، فأعطوا أنفسهم الحق في حفظ الأمن وإقرار النظام، على حين لا ينبغي أن ينهض بحفظ الأمن وإقرار النظام إلَّا السلطان المصري وحده؛ ولأنهم تحدوا أيسر المبادئ الإنسانية فأعملوا المتراليوز والبنادق السريعة في جمهور أعزل لا يريد بأحد شرًّا، وإنما دُفع دفعًا إلى أن يتقي الشر الذي صُبَّ عليه. وكان الإنجليز قد اتفقوا مع الحكومة المصرية من قبل على أن القاهرة محرمة على الجنود البريطانيين يوم الخميس، ثم نقضوا هذا الاتفاق لسبب غير معلوم. تحدث المتحدثون نحو الساعة الثامنة إذن بأن مجلس الوزراء كلف رئيسه الاحتجاج، ولكنهم تحدثوا أيضًا بأن رئيسهم وعدهم بأن يحتج ولكن بعد أن يعرف نتيجة التحقيق.

    ولست أدري، أقدَّر الوزراء كل هذه الاعتبارات التي ذكرتها أم قدَّروا بعضها، أم قدَّروا اعتبارات أخرى غيرها؟ ولكنهم فيما يقول القائلون طلبوا إلى رئيسهم أن يحتج. وفي منتصف الساعة التاسعة تحدث المتحدثون بأن البريطانيين قد أرسلوا —أو هم يريدون أن يرسلوا — إلى الحكومة المصرية إنذارًا، وذهبت الإشاعات مذاهب مختلفة في التنبؤ بما اشتمل عليه هذا الإنذار. وبعد ذلك بلحظات قال القائلون: إن رئيس الوزراء سيتحدث إلى الشعب في الراديو. وفي الساعة التاسعة والربع تحدث رئيس الوزراء إلى الشعب، فحمل الدهماء — فيما يقول — تبعة ما وقع من الأحداث، وتحدث عن أشياء لم تُفهم بعد، وينتظر أن يجلوها التحقيق، ثم أعلن في صوت أراد أن يكون حازمًا ولكنه تخاذل وانهار كما ينهار البناء المتهدم أنه سيمنع المظاهرات، ويضرب على أيدي اللاعبين بالنار. وخلاصة هذا كله أن حوادث الخميس الماضي لم تكد تنقضي حتى نشأ سباق بين الوزارة المصرية والسفارة البريطانية إلى الاحتجاج. همَّت الوزارة المصرية أن تحتج، ولكنها لم تفعل، بل انتظرت نتائج التحقيق، ولم تهم السفارة البريطانية بالاحتجاج، ولكنها احتجت بالفعل ولم تنتظر تحقيقًا. ثم أذاعت في الوقت نفسه بيانًا إلى الشعب وإلى العالم، كما أذاع رئيس الوزراء بيانًا إلى الشعب. وهي في بيانها قد صنعت صنيع رئيس الوزراء مع اختلاف في اللهجة والتعبير، فألقت على الدهماء تبعة ما وقع من الأحداث، واتخذت من هذه الأحداث عذرًا عما كان من تقتيل الشعب والاعتداء على السيادة المصرية في أرض مصر.

    وأكبر الظن أن في وزارتنا ضعفًا نشأ عن الهرم وتقدم السن، ومنع الوزارة من أن تسبق إلى الاحتجاج مع أنها صاحبة الحق فيه، فسبقتها إليه السفارة البريطانية، وكانت النتيجة الطريفة وهي أن يحتج القاتل على المقتول، ويتجنى المعتدي على المعتدى عليه.

    ومهما يكن رد الحكومة المصرية على الاحتجاج البريطاني، فلن يكون له من قيمة، ولن يكون له خطر، فإن الحكومة الكريمة هي التي لا تنتظر أن يضطر الخصم إلى موقع الدفاع حين كانت طبيعة الأشياء والحقائق الواقعة تقفها موقف الغضب للحق المسلوب والدم المسفوك والكرامة المهانة والسيادة المضيعة.

    ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن البريطانيين احتجوا مشافهةً يوم الجمعة وكتابةً يوم السبت، وتجاوزوا كل حد. فلم يكتفوا بالوزارة كأنهم لا يؤمنون لها ولا يعترفون بها، وإنما رفعوا احتجاجهم إلى جلالة الملك، وصرح صدقي باشا في الوقت نفسه بأن الموقف لم يسؤ مع أن الموقف كان قد بلغ أمس مساء أقصى غايات السوء، فالبريطانيون لم يكتفوا بالاعتداء على الشعب والاحتجاج على الحكومة، ولكنهم اعتدوا على الحكومة نفسها حين تجاوزوها ورفعوا احتجاجهم إلى صاحب العرش في بلد يقال: إنه دستوري، وإن فيه وزارة مسئولة أُنشئت لتتصل بالسفارات ولتتصل بها السفارات، ولتجنب العرش مثل هذه الاتصالات التي لا تلائم ما ينبغي له وللدولة من جلال وارتفاع عن التبعات مهما تكن! ولكن صدقي باشا يرى أن الموقف لم يسؤ. وأكبر الظن أن الموقف لن يسوء عند صدقي باشا إلَّا إذا اضطرته الظروف إلى أن يتخلى عن الحكم ويعود إلى نادي محمد علي يتندر فيه بالحكومات القائمة حين يصبح وحين يمسي، ويرسل منه إلى الأهرام أحاديثه اللاذعة عن تصرف هذا الوزير أو ذاك.

    الشيء الذي ليس فيه شك هو أن وزارة صدقي باشا أبعد الوزارات عن ملاءمة الظروف التي تحيط بالحياة المصرية الآن من الناحية الداخلية والخارجية جميعًا، فكل شيء قد تغير منذ استقال صدقي باشا سنة ١٩٣٣، تغيرت الحياة الخارجية والظروف السياسية العالمية، فلم يبقَ خطر ولا قيمة للسياسة التقليدية الناعمة الملساء التي اعتمد عليها صدقي باشا مع السفير البريطاني في وزارته الماضية، وأصبح كل شيء يقتضي الحزم والجد والصرامة والاستعداد للمضي إلى آخر الشوط. وقد كان صدقي باشا رئيسًا للوزراء أيام كان السير برسي لورين مندوبًا ساميًا، فهو قد تعود الحكم على أساس غير أساس الاستقلال، تعود الحكم على أساس أن الصوت البريطاني يجب أن يكون أرفع من الصوت المصري، ومع أنه أمضى مع الذين أمضوا معاهدة سنة ١٩٣٦، فإن عقليته ما زالت عقلية التسلط الإنجليزي وعقلية التلطف مع الإنجليز.

    وتغيَّرت الحياة المصرية الداخلية، فأصبحت للشعب آمال ومطامح لم تكن ظاهرة أثناء وزارته الأولى، ووجدت حكومات قدرت هذه الآمال وسعت إلى تحقيقها، وقويت بذلك ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بحقه في العدل الاجتماعي وتشدده في بلوغ هذا الحق مهما تكن الظروف.

    وكان صدقي باشا يسخط في نادي محمد علي مصبحًا وممسيًا على هذا التطور، يهزأ مما كانت الحكومات تسميه إنصافًا، ويهزأ مما كانت الحكومات تسميه التيسير على الناس، ويعلن الإشفاق على ميزانية الدولة من جهة وعلى سلطان الأغنياء والأقوياء من جهة أخرى، ويخاف الخوف كله من إشعار الشعب بحقه وكرامته، ولا يجعل للأمة المصرية إلَّا غايةً واحدةً يراها المثل الأعلى في الرقي والنهوض، وهي أن تستصلح الأرض وتقوي صحة الشعب ليعمل الشعب لسادته، ولتنتج الأرض لهؤلاء السادة ما ينفقون بغير حساب. وليس أدل على ذلك من أن عقل صدقي باشا لا يزال الآن كما كان من قبل، يتحدث في السياسة فيفرق بين الخاصة والدهماء، فُطِرَ على أن في الناس كبارًا يتسلطون وصغارًا يخضعون، وفُطر على أن في الناس سادةً يمتازون وضعفاء يُستغلون. ومهما تحدث الأحداث من حوله، فهو لا يستطيع أن يغيِّر فطرته ولا أن ينشئ لنفسه مذهبًا جديدًا.

    وصدقي باشا ليس منفردًا بهذه الفطرة المحافظة، بل له فيها شركاء كثيرون، يقبلون التطور السياسي والاجتماعي على مضض؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقاوموه فضلًا عن أن يمنعوه، وهم من أجل ذلك يجارونه متكلفين لا صادقين، ينتهزون به الفرص ويتربصون به الدوائر، تؤمن به ألسنتهم وتكفر به قلوبهم.

    فصدقي باشا وأصحابه يعلمون حق العلم أن الدستور يسوِّي بين المصريين جميعًا في الحقوق والواجبات، لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين نابه وخامل. وصدقي باشا يعلم أن هذه المساواة إنما جاءت مطابقة لطبيعة الأشياء، فالناس جميعًا قد سلكوا إلى الحياة طريقًا واحدةً، ولدتهم أمهاتهم على نحو واحد، وهم سيخرجون من الحياة من طريق واحدة هي الموت، أخرجهم اللَّه من الأرض ويعيدهم إلى الأرض لا يفرق بينهم من ذلك في قليلٍ ولا كثيرٍ.

    وصدقي باشا وشركاؤه يعلمون ذلك حق العلم، ولكنهم لا يحبون أن يؤمنوا به، ولا أن يطمئنوا إليه؛ لأنهم يحبون أن يمتازوا وأن يتفوقوا وأن يستعلوا وأن يستكبروا، وهم من أجل ذلك يذكرون الخاصة التي يجب أن تسود وتمتاز، والدهماء التي يجب أن تذعن وتنقاد. وأغرب من هذا أن صدقي باشا وشركاءه يعلمون حق العلم أن الخاصة في مصر إنما هي خاصة بالمصادفة، خُلقت من تراب كما خلق غيرها من الناس، ولم تخلق من النار كما خُلقت الشياطين، ثم أتاح سوء النظام الاجتماعي لآبائها الأقربين أن يستغنوا بعد فقر، ويرتفعوا بعد ضعة، ويتعلموا بعد جهل؛ فأصبحوا خاصة ممتازين بحكم المصادفة، وكان من الممكن أن يظلوا كغيرهم من هذه الدهماء لا يمتازون بشيء.

    من أجل ذلك يلاحظ المصريون أن حياتهم تتردد دائمًا بين عهدين: عهد تذكر فيه كثيرًا ألفاظ الدهماء والغوغاء والرعاع وما إليها من هذه الألفاظ التي تبين امتياز الممتاز وانقياد المنقاد، وهذا العهد هو الذي تستأثر القلة فيه بالحكم، فتفكر في نفسها أكثر مما تفكر في الشعب، وتعتد بامتيازها أكثر مما تعتد بقوة الشعب، وتعتمد على مهارتها أكثر مما تعتمد على تأييد الشعب، لا لشيء إلَّا لأن لديها امتيازًا تحرص على استبقائه، وتأبى أن تفرط فيه. فإذا سخط الشعب فسخط الشعب لا يعنيها ولا يضيرها ولا يؤذيها إلَّا حين يعرِّض مصالحها وامتيازها للخطر. وإذا طمح الشعب إلى الرقي وسمت نفسه إلى الكرامة وانصلاح الحال، فهذا هو الذي يقضُّ مضاجعها وينغص عليها الليل والنهار؛ لأن رقي الشعب معناه تحقيق المساواة، وهذا معناه إلغاء الامتياز، وإلغاء الامتياز معناه أن يصبح الناس جميعًا سادة، لا يستطيع واحدٌ منهم كصدقي باشا أن يتحدث في الراديو فيذكر الدهماء ويحمِّلهم تبعة ما وقع من الأحداث.

    أرأيت أيها القارئ أن وزارة صدقي باشا هي أقل الوزارات ملاءمةً لظروف الحياة المصرية. الحياة المصرية الحاضرة تريد أن تكون في مصر وزارة تستطيع أن تثبت للإنجليز، وأن تقول لهم: لا، وأن تحتج عليهم حين يتجاوزون حدود المعاهدة، وأن تطلب إليهم في حزمٍ وصرامةٍ ألَّا يعبثوا بالوعود بعد أن بذلوها، وألَّا ينكثوا العهود بعد أن أكَّدوها، وألَّا تقيم جنودهم بعد أن انهزم أعداؤهم بمعونة مصر، وبعد أن انتقلت حماية الأمن العالمي إلى هيئة دولية عالمية.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء؛ لأنه لم يتعود إلَّا أن يفاوض السير برسي لورين المندوب السامي البريطاني. ولم يكد يمضي أسبوع، ماذا أقول؟! لم تكد تمضي أيام ثلاثة على تأليف وزارته حتى وقعت الأحداث، وأثبت صدقي باشا أنه أضعف من أن يحتمل العبء ويلائم الظروف الجديدة، فتخاذل وتواكل وترك الإنجليز يسبقونه إلى الاحتجاج، وأتاح لباطلهم أن يظهر ويستعلي، وفرض على حق المصريين أن يخجل ويستخفي؛ لأن صدقي باشا ليس من رجال هذا العصر في شيء.

    والحياة المصرية في هذا العصر محتاجة إلى وزارة تشعر مع الشعب حين يشعر، تألم لألمه، وتشقى لشقائه، وتأبى أن تشبع وهو جائع، وتأبى أن تنعم وهو بائس، وتأبى أن تطمئن ودماؤه تُسفك بأيدي الإنجليز.

    وصدقي باشا ليس من هذا كله في شيء، وآية ذلك أنه تحدث إلى الشعب بعد أن سفك دمه في القاهرة، فلم يعزه ولم يواسه ولم يعلن إليه أنه سينصفه بعد أن ظُلم وسيرد له حقَّه كاملًا، وإنما لامه وأنَّبه وألقى على الدهماء — أي على الشعب — تبعات الأحداث، ولم يكد يشير إلى الإنجليز المعتدين إلَّا في تلطف وتظرف وأدب واستحياء.

    كل هذا لأن صدقي باشا وأمثاله في وادٍ، ولأن الشعب في وادٍ آخر. لتصدقني هذه القلة القليلة التي تتنافس في الحكم وتتهالك عليه أن عصر التسلط والامتياز قد انقضى، والتكلف وحده هو الذي يبقيه في مصر، ولكن التكلف لا يستطيع أن يمتد إلى غير غاية. فليرح هؤلاء السادة أنفسهم، وليريحوا من أنفسهم، وليقنعوا إن أُتيحت لهم القناعة، ولينعموا بما أتاح اللَّه لهم من ثراء وجاه ونعيم، وليخلوا بين الشعب البائس وبين الجهاد الكريم؛ لعل الشعب أن يظفر من حقِّه ببعض ما يريد، لعله أن يخفف ولو قليلًا من هذه البأساء.

  • استئذان

    استئذان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٣ ديسمبر ١٩٤٥
    ألم أقل لك: إن مجلس الوزراء في هذه المرة مؤثِر للجِد والحزم، مصمم على أن يحتفظ بحقه في السيادة والسلطان والتفوق كاملًا شاملًا غير منقوص؟ ألم أقل لك: إن وزراءنا مؤمنون، وإن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، وإن الرجل العاقل الحصيف هو الذي ينتفع بتجارب الدهر وعِبَر الأيام؟ وإن وزراءنا قد استجابوا للهيئة السياسية في سبتمبر الماضي، وأقروا رأيها في أن ذلك الوقت كان ملائمًا أشد الملاءمة لبدء المفاوضات للظفر بحقوق مصر؛ فأطمعوا الهيئة السياسية فيهم وفي سلطانهم، وخيَّلوا إليها وإلى الناس أنها أصبحت هي السلطة العليا، تدعو فيُستجاب لها، وتأمر فيُذعن لأمرها، وتقول فيُسمع لما تقول.

    وكان صاحب الدولة صدقي باشا أسرع أعضاء الهيئة إلى انتهاز هذه الفرصة، والانتفاع بهذه السابقة، فظنَّ أنه يستطيع أن يوجه إلى الوزراء كما يشاء الشعب المعرض عنه وإلى الحكومة الخائفة منه، كما كانت كاهنة أبولون تتحدث إلى طلاب الوحي. لاحظ الوزراء هذا كله وضاقوا به والهيئة السياسية، وكأنهم قد قالوا لأنفسهم: كيف نخلص من طاعة البرلمان لنتورط في طاعة الهيئة السياسية؟! وقد اضطرتهم الحوادث مع ذلك إلى أن يلجئوا إلى هذه الهيئة السياسية؛ لعلها أن ترد عنهم الشر وتحميهم من المكروه.

    كان ذلك حين فعل وزير المالية فعلته، فجمع حزبه واتخذ قراره الخطير، وأثار تلك العاصفة القاصفة الهينة اللينة مع ذلك! هنالك قال بعض القائلين للمؤتلفين المختلفين: اتخذوا الهيئة السياسية حكمًا فيما شجر بينكم من خلاف. كان المؤتلفون المختلفون أحرص الناس على أن ترد الأمور إلى نصابها، فيعود مكرم باشا إلى وزارة المالية، ويمضي النقراشي باشا في الاتصال والانفصال والتمهيد لتعجيل المفاوضات أو تأجيلها. فلم يكد اقتراح التحكيم يعرض حتى تعلق العهد السعيد كله بهذا الاقتراح كما يتعلق الغريق المشرف على التلف بأهون الأشياء. ولكن الهيئة السياسية أخذت نفسها على أنها جِدٌّ لا مزاح، ومنحت نفسها سلطانًا لم تمنحه لها القوانين ولا المراسيم، فاجتمعت وسمعت وحكمت كما يجب أن يقول رئيس الوزراء أو كما قال قيصر من قبل.

    وخرج وزير المالية مرفوع الرأي، موفور الكرامة، عالي الصوت، مشرق الوجه، يمشي في الأرض مرحًا، كأنه يريد أن يخرق الأرض، أو أن يبلغ الجبال طولًا. فقد حكمت له الهيئة السياسية على رئيسه، وقررت فيما قررت وجوب البدء فورًا في المفاوضات، وكان قرار الهيئة السياسية قد صدر أثناء الليل، وكلام الليل — كما تقول أحاديث العامة — قد صُنع من زبد أو قد دهن بالزيت، فهو يثبت لبرد الجو ما أقامت ظلمة الليل، فإذا أشرقت الشمس بنور ربها ذاب كلام الليل وتفرق مع الريح. وقد كان هذا مصير القرار الذي اتخذته الهيئة السياسية بليل يوم الأربعاء الماضي، طلعت عليه شمس الخميس فذاب ثلثه، ثم طلعت عليه شمس الجمعة فذاب ثلثه الثاني، ثم طلعت عليه شمس السبت فكاد ثلثه الأخير يذوب كله لولا أن مجلس الوزراء اجتمع ظهر ذلك اليوم فاحتفظ بنصف هذا الثلث الأخير، وأحاطه بشيء من الثلج لعله يثبت لشمس الشتاء. وكان هذا الثلج خليقًا أن يحتفظ بما بقي من قرار الهيئة السياسية لولا أن مناقشة الوزراء في اجتماع السبت كانت أشد حرارة وأكثر التهابًا من شمس الشتاء؛ فذاب قرار الهيئة السياسية كله، وذاب معه الثلج الذي أحيط به، وخرج وزير المالية مطرق الرأس خافت الصوت يمشي على الأرض هونًا كأنه يمشي في الهواء. فقد قضى مجلس الوزراء لرئيسه عليه وعلى الهيئة السياسية جميعًا، واحتاج مكرم باشا إلى أن ينعكف يومًا أو أيامًا ليسترد قوته ويستعيد نشاطه ويستطيع أن يستأنف الجهاد؛ الجهاد الكبير بالطبع، فما ينبغي لجهاد مكرم باشا إلا أن يكون جهادًا كبيرًا خطيرًا. والمهم هو أن مجلس الوزراء لم يذعن لأمر الهيئة السياسية، ولم يرضَ أن تتحكم فيه هي أو أن يتحكم فيه وزير المالية.

    كان يظن أن الهيئة السياسية ستأخذ الأمر في إسماح ودعابة — كما أخذت أمر الوقت المناسب في سبتمبر الماضي — فلما رأى منها الجِد والحزم أراها هو أيضًا جِدًّا وحزمًا! ومع ذلك فسيجتمع مجلس الوزراء مساء اليوم لينظر في الموقف السياسي، وليقرر أن الوقت ملائم أو غير ملائم لطلب البدء في المفاوضات، وليقرر أن من الخير أو من الشر أن يقدم على هذه الخطوة الجريئة، فما تأويل هذا الاجتماع الثالث؟ أيكون مجلس الوزراء قد رضي عن نفسه بعد أن ألقى الدرس القاسي على الهيئة السياسية وعلى وزير المالية، وبعد أن بيَّن للناس جميعًا أن يصدر الأمر ولا يتلقاه، وأن يطاع ولا يطيع، فقرر أن يستأنف البحث من جديد ومن تلقاء نفسه، لا عن أمر الهيئة السياسية ولا عن خوف من نذير وزير المالية؟ أم يكون مجلس الوزراء قد أعطى نفسه شيئًا من الوقت ليقتل المسألة بحثًا ودرسًا وتمحيصًا واستقصاءً، وليقضي مساء اليوم عن روية وبصيرة؟ أم يكون هناك أشياء يلمحها الناس من بعيد، ولا يكادون يضعون أيديهم عليها؟ فقد قيل له: إن برقية أقبلت من لندرة أرسلها وزير الخارجية إلى رئيس الوزراء؛ فكانت سببًا في تأجيل القرار الخطير واعتكاف المجاهد الكبير. ثم قيل لنا اليوم: إن سفيرنا في لندرة قد اختلف غير مرة إلى وزير الخارجية البريطانية، قابل الوزير أو أعوان الوزير لا أدري. وأشيع بين ذلك أن وزير الخارجية البريطانية قد يسلك إلى موسكو الطريق الطويل ليلم بالقاهرة يومًا أو بعض يوم، ثم علمنا آخر الأمر أنه سيسلك الطريق القصير، فلا يزور الشرق، ولكنه قد يلم ببرلين.

    قيل لنا هذا كله، فما معناه؟ معناه يسير جدًّا، لا يحتاج إلى كثير من الذكاء، ولا إلى أفضل من التأويل. فليست الهيئة السياسية هي التي ستفاوض النقراشي باشا في حقوق مصر، وليس وزير المالية هو الذي سيفاوض النقراشي باشا في حقوق مصر، وإنما المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية هو الذي ستجرى معه المفاوضات. وإذن فقد يكون من حسن الذوق ومن الأدب الرقيق الرفيق، وقد يكون من حسن اللياقة (بالياء) ومن حسن اللباقة (بالباء) أن يستأذن وزير الخارجية البريطانية في التقدم إليه، يطلب البدء عاجلًا أو آجلًا في المفاوضات. وقد قال الحكماء: إن الرجل الحازم هو الذي يقدر لرجله موضعها قبل الخطو، فلا يتعرض للزلل ولا للسقوط. من حسن الذوق إذن ومن المهارة السياسية أن نستأذن المستر بيفن في التقدم إليه بهذا الطلب، فإن أذن لنا؛ قدمنا هذا الطلب فرضي مكرم باشا ورضيت الهيئة السياسية ومضت الأمور إلى غايتها، وإن لم يأذن لنا؛ وضعنا الهيئة السياسية ووزير المالية أمام الحقائق الواقعة المجردة، وحمَّلناهم تبعتهم، وقلنا لهم: تخيروا بين تأجيل المفاوضات حتى يأذن بها الإنجليز وبين انهيار العهد السعيد من أساسه. وما من شك في أنهم حينئذٍ سيختارون تأجيل المفاوضات حتى يأذن بها الإنجليز.

    أظن أن الأمر واضح كل الوضوح، لا لبس فيه ولا غموض، وأن هذا الأسبوع الذي مضى بين قرار الهيئة السياسية وبين اجتماع مجلس الوزراء مساء اليوم إنما هو أسبوع الاستئذان، وقد كان يمكن أن يطلب الإذن ويُعطى أو يُرفض في يوم أو يومين، ولكن وزير الخارجية البريطانية ليس فارغ البال، ولا منقطعًا لمشكلات المصريين، وإنما هو مشغول بمشكلات أخرى لعلها أن تكون أجلَّ خطرًا وأشدَّ تعقيدًا من مشكلات المصريين. وهو — على كل حال — قد طلب إليه الإذن بالتقدم إليه في طلب المفاوضات، فأذن بذلك أو رفضه كما نرى مساء اليوم أو صباح الغد، وهذا يكفي.

    وكذلك سلك رئيس الوزراء طريق الحكمة والتبصر، فعلم الآن أيقدم أم يحجم، أيفاوض أم لا يفاوض! وفي أثناء ذلك تستفيض الأحاديث في الشرق والغرب بأن الاتفاق قد تم بين البريطانيين والفرنسيين على أن يجلوا معًا في وقت قريب عن سوريا ولبنان. وما أسعد إخواننا السوريين واللبنانيين، وما أسعدنا نحن بهذا الخير الكثير الذي سيتاح لهم قريبًا بإذن اللَّه! فسيظفرون بالجلاء عن بلادهم قبل أن نفاوض نحن الإنجليز في الجلاء عن بلادنا، وهم سيظفرون بجلاء دولتين عظيمتين عن بلادهم قبل أن نجرؤ نحن على مفاوضة دولة عظيمة واحدة بالجلاء عن بلادنا؛ لأننا قوم حكماء نؤثر الأناة والريث، ولا يجب أن نسبق الحوادث، ولا أن نتعجل الأمور. فقد سبق القضاء بما لا بدَّ من وقوعه، فإن كان القضاء قد كتب لمصر أن يجلو عنها الإنجليز؛ فسيجلون عنها في يوم من الأيام، سواء أفاوضناهم في ذلك أم لم نفاوضهم! وإن كان القضاء قد كتب لمصر أن يبقى فيها الإنجليز فسيبقون، سواء أفاوضناهم في الجلاء أم لم نفاوضهم!

    وإذن، فنحن محقون حين نتمهل ونستأني، وقد نكون محقِّين حين نؤثر الراحة، ونترك للقضاء وحده إجلاء الإنجليز عن مصر إن كان الجلاء مكتوبًا في اللوح المحفوظ.

    نعم، يجب أن نبتهج صادقين، وأن نغتبط مخلصين بفوز إخواننا السوريين واللبنانيين بجلاء الجيوش الأجنبية عن بلادهم، وأن نتمنى لهم مزيدًا من الحرية والكرامة والعزة، وأن ندعو اللَّه عز وجل أن يمسنا بجناح من رحمته فيلحقنا بإخواننا السوريين واللبنانيين في طريقهم إلى العزة والكرامة والاستقلال.

    والغريب أن رئيس وزرائنا راضٍ عن نفسه كل الرضا، مطمئن إلى سياسته كل الاطمئنان، مقتنع بأنه يخدم مصر كأحسن ما يمكن أن تُخدم! أليس قد حفظ فيها النظام، واضطرها إلى الصمت، وإلى أن تفرغ لحياتها راضيةً عنها قانعةً بها؟! وماذا تريد مصر أكثر من أن يعيش أبناؤها طاعمين حين يجدون الطعام كاسين حين يجدون الكساء؟!

    على أن رئيس الوزراء ليس وحده هو الراضي عن نفسه، فحلفاؤنا الإنجليز راضون عنه أيضًا؛ ألم تقرأ ثناء التيمس عليه؟! وإذا رضي الإنجليز فقد ابتسمت الدنيا وأشرقت الآمال، فرضا الإنجليز هو الذي يعتد به ويلتفت إليه، وغضب الإنجليز هو الذي يجب أن يُتَّقى ويُحسب له الحساب. فأمَّا أن يستقيل الدكتور حامد محمود وأصحابه من حزب رئيس الوزراء ساخطين على موقفه من المسألة المصرية فشيء قليل الخطر جدًّا. المهم كل المهم ألا يغضب بنو تميم. ألم يقل الشاعر القديم:

    إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلهم غضابا؟!
    وبنو تميم هم بالطبع حلفاؤنا الإنجليز.

  • قصور

    حديث المساء: قصور

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أبريل ١٩٣٤

    قصور لا يستطيع المصري أن يعترف به، ولا أن يرفع معه رأسه أمام نفسه، ولا أمام غيره من الأجانب، هذا الذي تتورط فيه الوزارة إن صح ما تتحدث به الصحف منذ أيام عن موقفها بإزاء هذه المسألة التي تشغلها وتشغل المصريين منذ حين؛ وهي مسألة القضاة المصريين في المحاكم المختلطة.

    فقد كانت الوزارة نفسها حائرة في الأسبوع الماضي، ثم انتقلت الحيرة منها إلى الناس في هذا الأسبوع. فهل حُلَّت هذه المسألة أم هل ما تزال حيث كانت؟ وإذا كانت قد حُلَّت، فعلى أي وجه؟ أعلى الوجه الذي يرضي المصريين؛ لأنه يرد إلى القضاة حقوقهم، ويحفظ عليهم كرامتهم، ويكفل لوزير الحقانية ما ينبغي أن يستمتع به من الحرية في إبداء الرأي، والاستقلال في الإقدام على عمل من الأعمال دون أن يتلقى دروسًا قاسية لاذعة، أم على وجه آخر لا يرضي المصريين ولا يرد على قضاتهم حقًّا، ولا يكفل للوزير حرية ولا استقلالًا؟

    أسئلة يلقيها الناس ولا يجدون عليها جوابًا، أو هم يجدون عليها أجوبة مختلطة متناقضة؛ فبعض الصحف الوزارية كان يزعم مساء الأحد أن كل شيء قد انتهى، وكان انتهاء كل شيء إلى ما لا يحب المصريون، ولا يشهد للوزارة بشيء من البراعة أو بشيء من القوة والحزم في تصريف الأمور، فقد كان يُقال إن الأمر انتهى إلى تأجيل القضية، على أن تأخذ الحكومة في المفاوضات بعد ذلك، لعلها تظفر بما يريد القضاة المصريون من الاعتراف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

    وظاهر أن رئيس محكمة الاستئناف المختلطة لم يطلب في كتابه المشهور غير هذا؛ فانتهاء الأمر إلى هذه النتيجة ليس معناه إلا إذعان الحكومة وتسليمها بما كان يراه الرئيس.

    وكنا نعلم أن الوزارة تنكر ذلك أشد الإنكار، أو أن وزير الحقانية يأباه أعنف الإباء، وكنا نعلم أن الأزمة إنما تعقدت لأن وزارتنا كانت ترى أن الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات على حين كان يرى رئيس محكمة الاستئناف أن ليس من الأمر مخرج إلا بالمفاوضات؛ فقبول الوزارة لفكرة المفاوضات إن صح ما نشرته بعض صحفها المسائية لا يمكن أن يُسمَّى إلا إذعانًا وتسليمًا.

    وقد نحب أن نعلم إذن فِيمَ كان التشدد والإباء، وتعقيد الأشياء؟! وفِيمَ كان الغضب والإنكار، والإلحاح والإصرار، وإضاعة الليل والنهار ما دام الأمر سينتهي إلى الإذعان والإقرار؟! وفِيمَ كان التلويح بالاستقالة ما دام الأمر سينتهي إلى العدول عن الاستقالة في غير فوز ولا انتصار؟! وما الذي حمل وزير الحقانية على أن يكتب إلى رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يوافق ما دام سينتهي آخر الأمر إلى أن يوافق؟!

    مسائل كنا نحب أن نفهمها، ولكن متى وُفِّق المصريون في هذه الأيام إلى أن يفهموا شيئًا من أمر الوزارة إذا أرادوا أن يفهموه، إنما أمور الوزارة ألغاز وأحاجٍ لا يقدر على فهمها إلا الراسخون في العلم، والواقفون على دخائل الأمور، كما يقولون.

    ثم أصبح الناس يوم الاثنين فإذا ما كان يُقال مساء الأحد يُعدَل عنه بعض الشيء، وإذا الصحف تتحدث بأنه لا يُصوَّر الأمر على حقيقته.

    ولكن هناك شيئًا حدث اليوم وهو يصور الأمر على حقيقته من غير شك؛ فقد أُجِّلَتْ قضية المعاشات إلى يوم ٢٧ أكتوبر المقبل. ومعنى هذا التأجيل أن الأزمة قد حُلَّتْ حلًّا مؤقتًا اليوم، فلن يعدل القضاة المصريون في هذا العام القضائي عن الجلوس في الدائرة الأولى، ما دامت هذه القضية قد أُجِّلَتْ.

    وإذن؛ فهل تأخذ الحكومة في مفاوضات سياسية كما يريد رئيس محكمة الاستئناف لتحل هذه المسألة قبل أن ينتهي الصيف، وإذن فقد انهزمت الوزارة من غير شك، أم هل تأبى الحكومة أن تدخل في مفاوضات سياسية وتصر على أن تحل المسألة فورًا بحيث تضمن منذ الآن الاعتراف للقضاة المصريين بحقهم في رياسة الدوائر على أن يُعمَل بذلك منذ يبدأ العام القضائي المقبل؟

    سؤال ليس من اليسير أن نجيب عليه الآن وإن كان كل شيء يدل على أن الظاهر أن الوزارة ستسلك الطريق الأولى، فتدخل في مفاوضات سياسية بعد أن كانت تأبى الدخول فيها، وتقبل ما يريده رئيس محكمة الاستئناف بعد أن كانت تأباه أشد الإباء.

    ومما يدل على هذا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر هذا التأجيل نفسه، فقد كان يُقال إن بعض الجهات الأجنبية لم تكن تحب التأجيل الطويل ولكن الوزارة ألحت فيه حتى ظفرت به، فهل يدل هذا إلا على أن الوزارة تريد أن يتسع أمامها الوقت لعل المفاوضات أن تطول، ولعلها أن لا تنقضي في أسابيع؟!

    ومما يدل على ذلك أيضا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر الرد على رئيس محكمة الاستئناف، فقد كان يُقال إن وزير الحقانية فرغ من هذا الرد، وأفرغه في صيغة حازمة وهَمَّ أن يرسله، ثم قيل له في ذلك: انتظر. فانتظر، ثم قامت اعتراضات من بعض الجهات الأجنبية على بعض ما في هذا الكتاب من العبارات وأُرِيدَ من الوزير تغييرها فأبى الوزير هذا التغيير.

    وأظنك توافقني على أن الوزير الذي يهم بإرسال كتاب ثم يؤخر إرساله، وعلى أن الوزير الذي يتم رده ثم لا يستطيع أن يبلغه؛ لأن بعض الجهات الأجنبية تعترض على بعض ما جاء فيه، أظنك توافقني على أن الوزير الذي يتورط في هذا كله ليس هو الذي يستطيع أن يحل هذه الأزمة حلًّا حازمًا حاسمًا سريعًا كما يريد المصريون.

    ومعنى هذا أن الوزارة قد تخففت من هذا العبء الثقيل بما انتهت إليه من تأجيل طويل؛ فكسبت الوقت واستطاعت التنفس، وستترك المسألة في أكبر الظن للمفاوضات السياسية التي قد يُبدَأ بها الآن، وقد يُبدَأ بها بعد حين، والتي تدع المسألة كلها خاضعة لما تضمره الأقدار، ومعنى ذلك أن الوزارة — إن صح هذا كله — قد غيرت موقفها تغييرًا تامًّا، فقبلت ما لم تكن تقبل، وأذعنت لما لم تكن تذعن له، ورضيت أن تجادل فيما لم تكن ترضى الجدال فيه، وأصبح من الجائز أن تدخل في مفاوضات لا يُقدَّر لها النجاح، ويومئذ يعود القضاة المصريون إلى حيث كانوا أمس، ويبقى القضاة المصريون حيث هم الآن، ويصبح موقف الوزارة المصرية من الضعف والاضطراب بحيث لا تحب وزارة أن تقف.

    وإذن؛ ففِيمَ كان هذا الضجيج والعجيج؟! وفيم اتخذت الوزارة لغة الحزم، ولبست ثوب الصرامة ما دامت تنتهي آخر الأمر إلى هذا التسليم والإذعان؟!

    لن تستطيع الوزارة أن تزعم أنها لم تجد من المصريين نصرًا ولا تأييدًا، وقد منحها المصريون من النصر والتأييد ما لم تظفر به من قبل، وما كان يكفي لتقف موقفًا أدنى إلى الحزم والمحافظة على الكرامة والحق، ولكن الوزارة لم تنتفع بهذا النصر، ولم تستفد من هذا التأييد، ولعلها كانت تضيق بهما أشد الضيق، ولعلها كانت تكرههما أشد الكره، ولعلها كانت تؤثر ألا يمنحها المصريون منهما شيئًا.

    فالمصريون يحرجونها حين يحسنون بها الظن وينتظرون منها الخير، ويُقدِّرون أنها تستطيع أن تحفظ الحق أو تؤيد الاستقلال.

    والمصريون يحرجونها حين ينتظرون منها المعجزات، وقد أعلن رئيسها أنه لم يأتِ لإحداث المعجزات، ومتى وُفِّقَتْ هذه الوزارة إلى تحقيق مطلب من مطالب المصريين، أو رد حق من حقوق المصريين، أو حفظ كرامة من كرامات المصريين؟!

    سَلْها ماذا صنعت في مسألة الدين العام، وسل رئيسها ماذا صنع في هذه الأزمة التي أثارها بينه وبين المندوب السامي حول التقاليد، وسلها ماذا صنعت في قصة السماسرة، وسلها ماذا صنعت فيما كان بين وزير الداخلية ومدير شركة النور. سلها ماذا صنعت في أي مشكلة من المشكلات الداخلية أو الخارجية؛ فسترى أنها لم تصنع شيئًا، وإن زعم أنصارها أنها صنعت كل شيء.

    هي وزارة قاصرة لا تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الثقال التي يجب أن تنهض بها الوزارات، لا تستطيع أن تتحمل تبعات الحكم، إما لأنها لا تظفر بتأييد الشعب، وإما لأنها لا تستطيع احتمال هذا التأييد حين تتيحه لها الظروف والمصادفات. هي وزارة قاصرة لا تستطيع إلا أن تختلف إلى الدواوين، وأن يضطرب أعضاؤها في أقطار الأرض، ومن حولهم الأنصار والأعوان؛ ليقول الناس إنهم وزراء ليس غير.

    ومن يدري؟! لعل الظروف السيئة التي تحيط بمصر منذ أعوام تريد أن تجعل أمور هذا البلد البائس إلى وزارات من هذا الطراز لتفسد هذه الأمور وتضطرب، ثم نقرأ بعد ذلك في التيمس والديلي تلغراف والمورننج بوست ما نقرؤه من أن المصريين لا يصلحون للاستقلال، ولا يستطيعون أن يستغنوا عن معونة الإنجليز.

  • امتحان (٢)

    امتحان (٢)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٣ مارس ١٩٣٤

    أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.

    ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.

    والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.

    ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.

    ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!

    قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.

    وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.

    بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.

    نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.

    هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال.