الناصريزم
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ أغسطس ١٩٥٧
هذه كلمة شائعة في غرب أوروبا وفي شمال أمريكا، ويكثر استعمالها في فرنسا خاصة، وعسى أن تكون هي التي ابتكرتها.
ففي الفرنسيين بقية من ذكاء، وفي لغتهم فضل من مرونة، وهم من أجل ذلك أبرع الناس في ابتكار الألفاظ، يسبق إلى ذهن كاتب من كُتَّابهم أو عالم من علمائهم أو رجل من رجال السياسة فيهم، فما أسرع ما يلتمس اللفظ الذي يؤدِّي به هذا المعنى، فإن لم يجده في اللغة التي تنطق بها الألسنة وتجري بها الأقلام ولا في المعاجم، ابتكر له من عند نفسه لفظًا يؤدِّي به ما يريد، وقَبِل الناس منه لفظه هذا في غير مشقة ولا مقاومة.
ولا أعرف أمة معاصرة تناظر الفرنسيين في تطويع لغتها لما تريد، إلا الأمة العربية التي ابتكرت ألوفًا من الألفاظ حين كانت حضارتها مزدهرة، وحين عرضت لها معانٍ كثيرة لم يكن للعرب بها عهدٌ من قبلُ. وما زال المثقفون الممتازون من العرب يبتكرون الألفاظ حين يحتاجون إليها، ولا يجدونها في أحاديث الناس ولا في بطون الكتب.
ومعنى هذه الكلمة التي ابتكرها الفرنسيون — في أكبر الظن — وأخذتها عنهم الأمم الغربية في أوروبا وأمريكا، وهو كل ما يدعو إليه ويجد في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية، بشرط أن يسبغ الفرنسيون وأضرابهم على هذا الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية لونًا يرونه في أعينهم وقلوبهم قاتمًا ويراه الشرقيون مشرقًا زاهيًا.
دلائل اللفظ اليسير
فمقاومة الاستعمار في مصر، ودعوة الأمم المغلوبة إلى مقاومته، والثبات أمام الأمم القوية الظالمة، ورفض ما تحاوله من التدخُّل السافر أو المنقب، واسترداد الحق من الغاصب له مهما يكن قويًّا غنيًّا، ورفض الانقياد لما يريده الأقوياء ويجمعون به بين حين وحين من ترهيب بالقوة والبأس والمقاطعة الاقتصادية، أو إغراء بالمال وما يشبه المال من كل ما تستجيب له النفوس الضعيفة والقلوب التي برِئت من الإيمان بالوطن والثقة بالنفس والاعتداد بالكرامة والاستمساك بحق الإنسان في الحياة الحرة المبرَّأة من كل خضوع أو خنوع.
كل هذا يدل عليه الفرنسيون وأضرابهم بهذا اللفظ اليسير القريب الواضح، وهو «ناصريزم». واللفظ كما ترى قد أُخِذَ من اسم رئيس الجمهورية، وأضيفت إليه هذه الحروف الأخيرة التي تُصطنع للدلالة على المذاهب والنظر والعقائد في العلوم والديانات والفلسفة. وكل هذا الذي يدعو إليه ويجدُّ في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية بغيضٌ بالطبع إلى الغرب الأوروبي والأمريكي؛ لأنه مقاومة لما في طبيعة الغرب للطموح دائمًا إلى الاستطالة والاستعلاء وبسط السلطان والاستئثار بالخير. وما دامت هذه الدعوة إلى التحرُّر بغيضة، فكل استجابة لها بغيضة أيضًا، وكل انتشار لها خطر يجب على الغرب أن يقاومه ويجِدَّ في محوه من الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
كلمة أخرى
ولكن هناك كلمة أخرى لم يجدها الغرب بعدُ؛ لأنه لم يشعر إلى الآن بأنه مريض وبأن مرضه هذا جديد لم يُعرف من قبلُ ولم يدرسه الأطباء النفسيون، ولم يدرسه أصحاب التحليل النفسي الفردي أو الاجتماعي، وهذا اللفظ هو «الناصريت».
والذين يعرفون اللغات الأوروبية، يعرفون بالطبع أن هذه الحروف التي أُضيفت الآن إلى اسم رئيس الجمهورية، تدل عند الأطباء على أسماء الأدواء والعلل التي تصيب بعض أعضاء الجسم.
ونفوس الغربيين وساستهم خاصة مصابة بداء في هذه الأيام يأتيهم من رئيس الجمهورية المصرية، وهو بالطبع لم يُصِبْ أعضاءهم الظاهرة، وإنما أصاب أعضاءهم وملَكاتهم الباطنة؛ ففي قلوبهم مرضٌ هو بُغْضُ جمال عبد الناصر، وفي عقولهم مرضٌ هو اتهام جمال عبد الناصر بكل شَرٍّ يأتيهم من الأمم التي خضعت لسلطانهم حينًا ثم أخذت تثور به وتتمرد عليه في هذه الأيام.
فرئيس الجمهورية المصرية هو مصدر ما أصاب الإمبراطورية الفرنسية وما لا يزال يصيبهم إلى الآن، وهو مصدر ما أصاب الإنجليز في بعض مستعمراتهم البعيدة وما لا يزال يصيبهم في قبرص وفي عمان وفي البحرين وفي مواضع أخرى من الأرض كان الاستعمار البريطاني فيه مستقرًّا ثم أصبح قلقًا مضطربًا. وكل ما يحدث في العالم العربي الشرقي والغربي إنما يدور حول رئيس الجمهورية المصرية وما يصدر عنه أو يوجَّه إليه. فإذا انحرف الأردن عن الغرب، فتخلَّص من المعاهدة البريطانية، وحرر جيشه من قيادة الإنجليز؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا تشددت تونس أو مراكش في الانتصار للجزائر، أو غضبت تونس أو مراكش لاختطاف الزعماء الجزائريين؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا استمسك لبنان بما بينه وبين فرنسا وأمريكا من صلة؛ فهذا موجه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به غيظه والكيد له والتأليب عليه. وإذا مال الأردن إلى أمريكا وتأثَّر بإغرائها وقَبِل مالها وأفسد من أجل ذلك حياته الخاصة، فشرد بعض المواطنين وحبس بعضهم الآخر، وأقال حكم الشعب الأردني؛ فهذا موجَّه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به إساءته وإثارته وإشعاره بأنه ليس مسيطرًا على الأمم العربية كلها. وإذا حاول العراق في هذه الأيام تيسير الأمر بينه وبين مصر، فلم يُفسِد الإذاعة المصرية ولم يقاومها؛ فهذا كيدٌ من رئيس الجمهورية المصرية للبريطانيين والأمريكيين.
الكارثة الكبرى
ولا يحسب القارئ أني أغلو أو أتكثر، وإنما هي حقائق التفكير الغربي في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، كما تُصوِّره الصحف والمجلات وبعض الكتب التي تصدر في هذه البلاد.
والكارثة الكبرى عند الغربيين — وعليهم أيضًا — هي أن هذه الدعوة التي يدعو بها رئيس الجمهورية المصرية قد تجاوزت العالم العربي شرقه وغربه، واستجابت لها أمم أخرى في مؤتمر باندونج، وأصبحت لها كتلة تدعو بها في هيئة الأمم المتحدة، وهي كتلة الأمم الآسيوية الأفريقية.
ومعنى هذا كله أن رئيس الجمهورية المصرية قد أصبح علة تُنَغِّصُ على ساسة الغرب حياتهم أيقاظًا وأحلامهم نيامًا، وأشد أمم الغرب تأثُّرًا بهذه العلة هي الأمة الفرنسية التي أصاب ساستها وكثيرًا من كُتَّابها وأدبائها شيءٌ يشبه الحُمَّى. ولهذه الحُمى الناصرية في فرنسا أوقات تشتد فيها حتى تتجاوز الأربعين وأوقات أخرى تخِف فيها، ولكن حرارتها لا تصل إلى الطور الطبيعي في يوم من الأيام؛ فأعياد الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها، حتى أخرجت بعض الكُتَّاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان، كان أروع مظاهره في مقال نشرته جريدة الفيجارو للكاتب الفرنسي المعروف فرنسوا بونسيه، وهو رجل عُرِفَ بحدة الذكاء ونفوذ البصيرة وسعة الثقافة وعمقها.
الحمى الهاذية
كان سفيرًا لفرنسا في برلين أيام هتلر، وحين كان يهيئ للحرب العالمية الأخيرة. وما أعرف أحدًا برع في تصوير هتلر أثناء هدوئه وأثناء غضبه وأثناء ثورته كما برع فيه هذا الكاتب. وما أعرف أحدًا نصح لحكومته أحسن النصح وأخلصه كما فعل هذا الكاتب حين كان هتلر يتهيَّأ للحرب. ولكن هذا الكاتب اشترى — فيما يظهر — طائفة لا بأس بها من أسهم الشركة القديمة للقناة، وكانت هذه الأسهم — فيما يظهر أيضًا — تعود عليه في كل عام بمال كثير، فصدمه تأميم القناة في العام الماضي صدمة أذهلته، ولم يبرأ من ذهوله بعدُ.
وقد كتب في الأسبوع الماضي مقالًا نُشر في الفيجارو، وأشهد أنه مقال رائع حقًّا يصور الحمى الهاذية أروع الصورة وأبغضها إلى النفوس. ولست أدري أَقَرَأَ المصريون هذا المقال أم لم يقرأه، ولكني أؤكد أني لو كنت رئيسًا للتحرير في إحدى الصحف المصرية لترجمت هذا المقال؛ ليعرف المصريون كيف ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان.
بلاء التحرر
وهذه الحمى التي تأتي الفرنسيين من رئيس الجمهورية المصرية، لم تكد تهدأ حتى أخذت تصعد في هذه الأيام؛ ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستجتمع في الشهر المقبل، وأن الكتلة الآسيوية الأفريقية ستثير فيها مشكلة الجزائر، وأن أمريكا لا تُخفي ضيقها بعجز الفرنسيين عن حل هذه المشكلة. ومصدر هذا كله بالطبع رئيس الجمهورية المصرية؛ فهو المسئول الوحيد عند الفرنسيين — وعند غيرهم من أمم الغرب أيضًا — عن هذا البلاء العظيم الذي يُسمَّى التحرر، ويريد أن يرد إلى الأمم المغلوبة حقها الكامل في أن تحيا كما تشاء هي لا كما يشاء الأقوياء الأغنياء.
وهذه الكتلة الآسيوية الأفريقية قوية — فيما يظهر — وفيها كثير من المكر وكثير من الدهاء، فليس غريبًا أن يضع الفرنسيون أيديهم على صدورهم إشفاقًا من أن تنتصر هذه الكتلة في هيئة الأمم المتحدة؛ فتظفر بحكم الجزائر أو بحكمٍ على فرنسا، وهذه هي الكارثة التي لا يرى الفرنسيون كارثة أعظم منها خطرًا.
الداء ذو وجهين
وكذلك أصبح اسم رئيس الجمهورية يدل على مذهب بغيض في الغرب، ويدل في الوقت نفسه على علة مُفسِدة لتفكير الغرب وحكمه على كثير من الأشياء. والغربيون لا يشكُّون في أن رئيس الجمهورية المصرية يحاول أن ينشئ إمبراطورية عظيمة تجمع الأمة العربية كلها تحت لواء واحد. والفرنسيون لا يشكُّون في أن تأييد مصر للجزائر لا يُراد به وجه الله ولا وجه الجزائر؛ وإنما يُراد به وجه الإمبراطورية المصرية، ويُراد به أن تستأثر مصر بالجزائر من دون فرنسا. وما أعرف أن الهذيان يصل بالناس إلى مثل هذا الحد، ولكن هذا الذي نراه الآن في الغرب والذي لا يحققه المصريون؛ لأنهم لا يقرءون الصحف الأجنبية، ولأن صحفهم العربية لا تصوره لهم كما ينبغي، بل لعلها لا تعرفه؛ لأنها مشغولة عنه بأحداث العالم العربي.
أقول: إن هذا الداء الذي أصاب التفكير الغربي، والذي نراه في الصحف والمجلات والكتب شيءٌ ذو وجهين؛ أحدهما يَسُرُّ ويغر، والآخر يحزن ويسوء؛ فقد يسرُّ المصريين — وقد يَغرُّهم أيضًا — أن يعلموا أن الغرب مشغول بهم مبغض لهم مشفق منهم. ولكن حياة الأمم لا تقوم على السرور والغرور، وإنما تقوم على تقدير الأشياء كما ينبغي أن تُقَدَّرَ، وعلى العلم بحقائقها والانتفاع بما ينفع منها والاحتياط لما يكون منها ضارًّا أو معرضًا للخطر. وليس يضر مصر ولا يسوءُها أن تبغضها هذه الحكومة أو تلك من حكومات الغرب؛ فإن الحكومات تذهب وتجيء. وإنما الشر كل الشر والخطر كل الخطر هو أن يشيع بغض مصر والتنكُّر لها والاحتياط منها في أعماق الشعوب الغربية من كان منها مخاصمًا لنا ومن كان منها متحفظًا معنا.
يجب مقاومة السخف
فليس لمصر مصلحة مطلقًا في أن تفهمها الشعوب على غير حقيقتها وتظن بها الظنون. والمصريون قد يضحكون حين يُذكر لهم إنشاء هذه الإمبراطورية العربية الضخمة؛ يضحكون من هذا لأنه سُخف في نفسه، ولأن مصر التي بذلت ما بذلت من الجهد لتحقيق استقلال السودان ليست هي التي تحلم بإنشاء الإمبراطوريات في هذا الوقت الذي تنهار فيه إمبراطوريات عظمى. ولكن الواقع هو أن كثيرين جدًّا من أهل الغرب مؤمنون بهذه السخافة؛ فقد أفسدت السياسة تفكيرهم، فلم يُفَرِّقُوا بين الممكن وغير الممكن، وليس لنا بُدٌّ من أن نقاوم هذا السخف الشائع بنفس القوة وبنفس الحزم اللذين نقاوم بهما الاستعمار. وكم أحب أن تهتم لهذا الأمر وزارة الخارجية من ناحية، وإدارة الاستعلامات من ناحية ثانية، والصحافة والإذاعة من ناحية ثالثة. ولا بد من أن نصل إلى إشعار الشعوب الغربية بأن ساستها يُضلِّلونها ويكذبون عليها، وبأن مصر لا تطمع في شيء قريب من حدودها أو بعيد عنها، ولا تريد إلا أن تعيش عزيزة كريمة على نفسها وعلى الناس، وأن تعيش الأمم من حولها عيشة قوامها العزة والكرامة؛ فمصر لم تؤثِر نفسها بخير قط، وهي إذ طالبت بأن ترد الحقوق إلى أهلها في الجزائر وغيرها، فإنما تحب لإخوانها من الناس ما تحب لنفسها، مستجيبة بذلك لما فُطرت عليه من الإيثار ولما يدعو إليه القرآن والإنجيل.
Tag: Political Terminology
-
الناصريزم
-
الديمقراطية والاستقلال
الديمقراطية والاستقلال
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢ سبتمبر ١٩٤٥
حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.
وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.
والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.
فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.
وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.
والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.
وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.
وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.
فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.
ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.
وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.
وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.
وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.
فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.
وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.
وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.
ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!
فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.
وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.
أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.
فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.
هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال.