بين الجد والمزاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٥ أبريل ١٩٤٥
ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.
وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.
وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.
وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.
وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.
وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.
وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.
فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.
والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.
على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.
ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.
وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.
وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.
ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.
أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟
ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟
ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.
وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى.
Tag: political transparency
-
بين الجد والمزاح
-
غرابيل٢
حديث الوادي
غرابيل…
لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.
ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.
كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.
وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.
فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.
فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.
كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.
وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.
وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.
وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.
ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.
وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ . -
مداورة
حديث المساء: مداورة
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ فبراير ١٩٣٤
وقد تكلم صدقي باشا آخر الأمر بعد أنْ آثر الصمت وتعلق به وألح فيه، وكان الذي أخرجه عن هذا الصمت كلام نشرته المقطم مساء أمس، وظن صدقي باشا أنه أوحي به إلى المقطم، بل قال صدقي باشا: إنه سمع منذ أيام أنَّ الوحي سيهبط على المقطم بهذا الكلام.
فلما هبط الوحي على المقطم — إنْ صح ما قاله صدقي باشا — لم يجد محب الصمت بدًّا من أنْ يخرج عن الصمت، ولم يجد الدكتاتور العظيم مندوحة عن أنْ يقبل هذا التحدي، وأنْ يرد على كلام بكلام، ولا ينبغي أنْ تنخدع بما قاله صدقي باشا، فإن صدقي باشا لم يقل في حقيقة الأمر شيئًا، إنما أحس أنَّ وحيًا هبط على المقطم، فأنزل هو وحيًا على الأهرام، واستحال الأمر إلى خصومة بالوحي، وحرب بالكلام بين شخص مستتر يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يوحي إلى الأهرام.
فأما مصر ومصالحها، فأما العدل والحق وكرامتهما، فأما حقيقة الأمر فيما يتصل بصدقي باشا من قصة الكورنيش، فأما رأى الناس في رجل أشرف على أمور الدولة أكثر من ثلاثة أعوام، وكثرت حوله الأنباء والإشاعات، وأثار خصومه حوله الشكوك والريب والظنون، فكل هذه أمور لا قيمة لها ولا خطر، ما دام شخص مستتر يستطيع أنْ يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يستطيع أن يوحي إلى الأهرام، وما دام القُرَّاء يستطيعون أنْ يقرءوا ما يوحي به هذا وذاك، وأن يلاحظوا أنَّ موحي المقطم كان لبقًا، وأنَّ موحي الأهرام كان رشيقًا مداورًا، وما دام الأمر كله يستطيع أنْ يستحيل إلى خصومة كلامية تعتمد على التصريح والتلميح، ويقضي القُرَّاء فيها بالمهارة لهذا الموحي أو ذاك.
إنَّ من المؤلم حقًّا أنْ تستحيل أمور مصر إلى هذا اللغو، وأنْ يراد بالمصريين أنْ يقنعوا بهذا الفن من فنون المزاح في أشد المسائل بعدًا عن اللغو والمزاح. إنَّ الفرنسيين لم يكتفوا بالغمز واللمز تنشرهما صحف المساء والصباح حين ظهرت في بيئتهم تلك الفضائح المالية، وإنما تجاوز الأمر عندهم صحف الصباح والمساء إلى الوزارة، ثم إلى البرلمان، ثم إلى القضاء، ثم إلى الشارع … وانتهى الأمر عندهم إلى ما هو معروف من سقوط وزارتين، ومن حركة عنيفة قمعت بالحديد والنار في باريس وغير باريس، ومن تعرض النظام السياسي كله للخطر، ولم ينته الأمر في فرنسا بعد … والله يعلم متى ينتهي، وإلام ينتهي، وكيف ينتهي.
ونحن — والحمد لله — متواضعون، نقدر ما بيننا وبين فرنسا من الفروق، ونعلم حق العلم أننا نطلب المحال إنْ أردنا أنْ تستقيل وزارة لقصة الكورنيش كما استقالت وزارة لقصة استافسكي، ونحن أبعد الناس عن أنْ نطلب مثل ما فعله الفرنسيون، إنما نطلب شيئًا يسيرًا جدًّا … شيئًا من أيسر حقوقنا أنْ نطلبه، ومن الغريب ألا نُجاب إليه … نطلب أنْ يُسأل الذين يحتملون التبعات عما يحملون من التبعات، نطلب أنْ يُسأل الذين ينفقون الأموال العامة عما ينفقون من هذه الأموال، نطلب أنْ تمحى الشكوك والظنون عن الذين ينهضون بأمور الدولة، ويتشرفون برياسة الوزارة.
نطلب ألَّا تسوء آراء الناس في رؤساء الوزارات والوزراء، وألَّا يقول بعضهم لبعض: لقد كثرت الأحاديث والإشاعات حول فلان فلم يستطع — أو لم يرد — أنْ يثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات، ولم تستطع الدولة — أو لم ترد — أنْ تثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات … نطلب آخر الأمر ألا يمتاز صدقي باشا من بقية المصريين، وأن يُسأل صدقي باشا عما يُضاف إليه، كما يُسأل المصريون عما يضاف إليهم، وأن يثبت آخر الأمر في وضوح وجلاء أنَّ صدقي باشا رجل سياسي لا غبار عليه، وأنَّ الذين يقولون في صدقي ما يقولون إنما يتجنون عليه، ويتهمونه بما هو بريء منه؛ كيدًا له، وإغراء به، وتأليبًا عليه.
هذا هو الذي نطلبه، وهو — كما ترى — شيء يسير لا خطر له بالقياس إلى ما طلبه الفرنسيون، وما يزالون يطلبونه، ومع ذلك فنحن لا نُجاب إلى هذا الذي نطلبه، لا تُجيبنا إليه الدولة لأمر يعلمه الله، وتعلمه هي، ولا يُجيبنا إليه صدقي باشا لأمر يعلمه الله، ويعلمه هو … والظريف مع ذلك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت» فيذكر الديمقراطية الصحيحة، ويذكر التنفيذ الصحيح للدستور، وهو يعلم حق العلم أنه قادر — إنْ أراد — على أنْ يحقق الديمقراطية الصحيحة حين يُسوِّي بين نفسه وبين المصريين، وحين يقدم إلى اللجنة ما تنتظر أنْ يقدم إليها من البيان، أو حين يطلب إلى البرلمان أنْ يؤلف لجنة تسأله وتسمع منه، فصدقي باشا يفسد الديمقراطية حين لا يُمكِّنها من نفسه، وهو مع ذلك يدعو إلى هذه الديمقراطية، ويعلن أنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية إنْ كان المصريون يريدون الاستقلال.
والدولة تعلم من ذلك ما يعلمه صدقي باشا، ولكنها تقف من ذلك موقف صدقي باشا نفسه … تريد أنْ تعرف الحق، وأن تعرِّفه للناس، ولكنها لا تسعى إلى معرفة هذا الحق، ولا إلى تعريفه للناس، ونحن بعد هذا وذاك نعيش في بلد ديمقراطي فيه دستور يجعل الناس سواء أمام القانون، ويجعل الوزراء مسئولين عن أعمالهم أمام البرلمان.
وأغرب من هذا وذاك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت»، فيعلن أنه قد أراد بتغيير النظام تقوية الأمة، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة فيها، وتمكينها من كسب الاستقلال، وهو يقف موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف المحارب للديمقراطية، الخارج عليها، المُضْعِف للأمة، المباعد بينها وبين الاستقلال، المباعد بينها وبين احترام الإنجليز وغير الإنجليز.
أعلن صدقي باشا في الصحف أنه مستعد لأن يقدم إلى لجنة الكورنيش من البيانات ما تحتاج إليه؛ ليثبت أنَّ الصلة بينه وبين مقاول الكورنيش صلة نقية لا غبار عليها، ثم ظهر أنَّ لجنة الكورنيش لا تستطيع سؤاله، فطلبنا إليه نحن أنْ يقدم إليها ما وعد بتقديمه من البيان، وألححنا عليه في هذا الطلب، ثم خيرناه بين هذا وبين الالتجاء إلى البرلمان؛ ليؤلف لجنة تنظر فيما عنده من بيان، ولكن صدقي باشا لم يصنع شيئًا، ولم يختر شيئًا، بل آثر الصمت، ونسى الوعد الذي كان قد وعد به حين كان يصول ويجول في الصحف، وطلبنا إلى الحكومة أن تهيئ لسؤال صدقي باشا في البرلمان، فلم تصنع الحكومة شيئًا، وطلبنا إلى البرلمان أن يسأل صدقي باشا، فلم يصنع البرلمان شيئًا، وسجلنا بعد ذلك أنَّ صدقي باشا رجل ممتاز، وأن امتيازه هذا مخالف للدستور والقانون، وأن الذين يطلبون إلغاء امتيازات الأجانب خليقون أن يطلبوا قبل ذلك إلغاء امتيازات المصريين؛ فلم يصنع أحد شيئًا.
ثم نشرت أمس تلك الأسطر التي نشرت في المقطم، فتحرك صدقي باشا، وليته لم يتحرك، وكتب صدقي باشا، وليته لم يكتب؛ لأنه لم يزد على أنْ أثبت أنه رجل ممتاز تميزه الظروف، أو يميز نفسه من المصريين جميعًا، ويتحدى الحكومة القائمة، ويتحدى معها البرلمان فيما يظهر، ويتحدى الدولة كلها هادئًا مطمئنًا، مزينًا ثغره بابتسامته الساحرة التي يكثر عنها حديث الناس.
نشرت المقطم أنَّ اللجنة تنتظر أنْ يرسل إليها صدقي باشا ما وعد بإرساله من بيان، فقال صدقي باشا: إنَّ مركزه لا يسمح له بأن يرسل إلى اللجنة بيانًا ما. ومعنى ذلك أنَّ صدقي باشا قد استكشف في آخر الأمر كما استكشفت الدولة في آخر الأمر أيضًا أن ليس للجنة سبيل عليه. وكان صدقي باشا في أول الأمر يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فوعد بأن يقدم إليها كل ما تحتاج إليه من البيان، فلما ظهرت له جلية الأمر في مركزه ابتلع وعده ابتلاعًا، وأعلن أنه لا يستطيع أنْ يقدم إلى اللجنة بيانًا ما، وكانت الدولة في أول الأمر تظن — فيما يظهر — أنَّ للجنة سبيلًا على صدقي باشا، فلما ظهرت لها جلية الأمر اكتفت بهذه الأسطر التي نشرت في المقطم أمس، ورد عليها صدقي باشا بهذا الرد الذي نُشِرَ في الأهرام صباح اليوم.
ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فصدقي باشا رجل متفضل على اللجنة لا يريد أنْ يتركها حائرة هائمة، ومن حقه أنْ يفعل إنْ أراد، فليس للجنة سبيل عليه، ولكنه يتفضل عليها وعلى الحكومة، وعلى رئيسها الرجل الطيب، فيطلع صديقًا من أصدقائه الذين لهم مكانة في الحكم، والذين ترجع إليهم اللجنة فيما عنده من المستندات، ويكتفي بذلك، ويريد أنْ تكتفي اللجنة منه بذلك، فأي فضل يشبه هذا الفضل؟ وأي طول يشبه هذا الطول؟ إنَّ صدقي باشا لرفيق باللجنة شفيق على الحكومة؛ كان يستطيع ألَّا يحفل باللجنة ولا بالحكومة، ولكنه مع ذلك تفضل فأظهر ما عنده من المستندات لصديق في الحكومة ترجع اللجنة إليه.
أرأيت جراءة تشبه هذه الجراءة؟! أرأيت تحديًا يشبه هذا التحدي؟! أرأيت استخفافًا بالوزارة واللجنة والمصالح العامة يشبه هذا الاستخفاف؟ مئات الألوف من الجنيهات تُنْفق، ويشك الناس، وتشك الحكومة في طريقة إنفاقها، وتؤلف لتحقيق ذلك لجنة، ولكن صدقي باشا يكتفي بأن يظهر ما عنده من المستندات لرجل من الأصدقاء؛ ليتحدث عنها إلى الحكومة أو إلى اللجنة. مسألة يُطلب فيها التحقيق الرسمي، فيعالجها صدقي باشا بالطريقة العرفية. وهو في هذا العلاج متفضل متبرع لا سلطان لأحد عليه، بل هو ينتظر أن تشكره اللجنة، وأنْ تشكره الحكومة؛ لأنه أظهر ما عنده من المستندات لبعض الأصدقاء.
وقل بعد ذلك: إننا نعيش في بلد ديمقراطي يخضع لأحكام الدستور، ويجعل الناس سواء أمام القانون، ويُسأل فيه الوزراء أمام البرلمان، وتحاط فيه الأموال العامة بما شئت وما لم تشأ من ألوان الحماية والرعاية. قُلْ هذا كله ولا تخف أنْ يضحك منك الناس، ولا تخف أنْ يضحك منك الأجانب بنوع خاص، ولا تخف أنْ يضحك منك الفرنسيون، ولا تشك في أنَّ حياتنا الحاضرة تضمن لنا احترام الإنجليز وإقناعهم بأننا قوم أحرار، وبأننا أهل لمفاوضتهم، وأهل لكسب الاستقلال.
ويقرأ الرجل الطيب هذا الكلام الذي يكتبه صدقي باشا في الأهرام، فيبلع ريقه، وينظر في المرآة، ويذهب إلى المحطة ليأخذ القطار إلى الإسكندرية. ومن يدري؟! لعله يؤخر سفر القطار دقائق في هذا اليوم كما أخَّره دقائق منذ أيام.
ونشرت المقطم أنَّ صدقي باشا كان قد وعد بتقديم البيان إلى اللجنة في الصحف، وكان قد أفهم بعض أعضاء اللجنة أنه مستعد لتقديم هذا البيان، فينشر صدقي باشا في الأهرام أنه لم «يتشرف» بلقاء أحد من أعضاء اللجنة، ولم يعده بتقديم هذا البيان. وما رأي صدقي باشا في وعده الذي سجله على نفسه في الصحف، والذي لا يستطيع محوه ولا إنكاره؟ لماذا عدل عن هذا الوعد وأعرض عن تقديم البيان؟ لأنه كان يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فلما ظهر له أنه محمي من سؤال اللجنة صال وجال، واسترد وعده الذي كان سبق بتقديمه في الصحف.
وما رأى صدقي باشا في أننا نؤكد له ونحن واثقون بما نقول، أنه قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة وأفهمه أنه مستعد لتقديم البيان، ولسنا نزعم أنه لقي أحدًا من أعضاء اللجنة، ولكننا نزعم أنه اتصل ببعض أعضاء اللجنة، ونظن صدقي باشا يوافقنا على أنَّ من الممكن أنْ يتصل بعض الناس ببعض دون أنْ يلقى بعض الناس بعضًا، ومن الممكن أنْ يتحدث بعضهم إلى بعض دون أنْ يرى بعضهم وجوه بعض.
فنحن — إذن — نؤكد أنَّ صدقي باشا قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة، وقد وعد بتقديم البيان إذا لم يقدمه المقاول، فما بال صدقي باشا يعدل الآن عن هذا الوعد الشفهي كما عدل عن ذلك الوعد الكتابي؟ ليس في الأمر شيء غريب، فصدقي باشا واثق بأن اللجنة لا تستطيع أنْ تسأله، وصدقي باشا لهذا لا يقدم إلى اللجنة بيانًا، وحسبه أنْ يتفضل، فيظهر ما عنده من المستندات لصديق يسعى بينه وبين اللجنة سعيًا عرفيًّا، قوامه المودة وحب الإصلاح.
ولا يشير صدقي باشا إلى اللجنة البرلمانية … ولم يُشِر إليها، ولم يفكر أحد فيها، وليس لأحد عليه أنْ يحمله على أنْ يقدم نفسه إلى التحقيق ما دامت الدولة لا تدعوه إلى التحقيق. صدقي باشا — إذن — رجل متفوق الآن … متفوق على خصومه الذين أثاروا حوله ما أثاروا، وأرادوا به ما أرادوا، ثم ردوا عنه خاسئين، متفوق على الوزارة التي لا تستطيع — أو لا تريد — أنْ تسأله عن شيء، متفوق على البرلمان الذي لا يريد أنْ يسأله عن شيء، متفوق على المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة موقفه من قصة الكورنيش، ولا يجدون إلى ذلك سبيلًا، ونحن مع هذا كله بلد ديمقراطي خاضع لحكم الدستور، يستوي الناس جميعًا فيه أمام القانون، ويُسأل الوزراء فيه أمام البرلمان. والغريب أننا نقول ذلك ونكتبه ولا نستحي، وأنَّ صدقي باشا نفسه يتحدث بذلك إلى الإنجليز. -
بلاغة
حديث المساء: بلاغة
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ نوفمبر ١٩٣٣
إذا كنت معارضًا للوزارة فقدمت إليها السؤال عن بعض الأعمال، فمن حق البلاغة عليك أن تكون واضحًا صريحًا، وأن تكون مستقصيًا دقيقًا، وأن تضطر الوزارة إلى أن تجيب في غير عوج ولا التواء، وفي غير مداورة ولا مراوغة، أو إلى أن تخرج فتؤثر الصمت، ويكون صمتها اعترافًا وإقرارًا، ويسجل الناس لك أنك كنت سائلًا بليغًا محرجًا.
وإذا أرادت الوزارة أن تجيب على سؤال من هذه الأسئلة المحرجة البليغة، فمن حق البلاغة عليها أن تكون واضحة صريحة، وأن تكون دقيقة مستقيمة، وأن يكون جوابها على قدر السؤال، لا يتجاوزه عرضًا ولا طولًا، وأن يكون جوابها قويًّا في غير عنف، هينًا في غير ضعف، يقيم عليك الحجة، ويضطرك إلى السكوت، فيسجل الناس للوزارة أنها كانت بليغة قد أحرجت سائلها إحراجًا، وأفحمته إفحامًا، واضطرته إلى الانقطاع والتسليم.
وقد ثارت في هذه الأيام خصومة بيانية بين الوزارة ومعارضيها، على اختلاف أنواعهم، فأنت تعلم أن المعارضين أشكال وألوان؛ فمنهم المعارضون المعارضون، الذين لا يعرفون إلا المعارضة، ولا يرضون غير المعارضة؛ لأنهم يخاصمون الوزارة القائمة، خصومة أساسية لا سبيل معها إلى تعاون أو وفاق، ومنهم المعارضون الذين كانوا صديقًا أمس، فانقلبوا عدوًّا اليوم، ولعلهم أن يعودوا صديقًا غدًا إن أشرقت شمس غد على الوزارة وهي قائمة في مناصب الحكم.
ومنهم المعارضون بين بين، أولئك الذين يُظْهِرون المعارضة، ويخفون التأييد، ويلقون الأمة بوجه، والوزارة بوجه آخر.
وبين هؤلاء المعارضين، على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وبين الوزارة ثارت في هذه الأيام خصومة عنيفة معقدة في البلاغة والبيان، فألقى المعارضون على الوزارة وابلًا من الأسئلة الواضحة الصريحة القوية المحرجة، وقرأ الناس هذه الأسئلة فسجلوا لها البلاغة تسجيلًا، وأجابت الوزارة على هذه الأسئلة كلها إجابات واضحة صريحة مستقيمة غير ملتوية، أفحمتهم إفحامًا، وأحرجتهم إحراجًا، فسجل الناس للوزارة أنها أبلغ من خصومها، وأملك منهم لأعنة البيان، وأقدر منهم على تصريف الكلام.
وقد تصطنع البلاغة وتريد أن تحرجني، كما كان يريد المعارضون أن يحرجوا الوزارة، فتلقي عليَّ سؤالًا واضحًا صريحًا، دقيقًا مستقيمًا: أين هذه الأجوبة المفحمة التي ألقتها الوزارة إلى الناس؟ ولكنك تستطيع يا سيدي أن تثق بأنك لن تصل من إحراجي إلى بعض ما تريد، فأنت بين اثنتين: إما أن تكون قارئًا للصحف، وإما أن تكون معرضًا عن هذه الصحف، فإن تكن الثانية فليس بينك وبيني حوار، ولست أقبل منك سؤالًا، ولست ألقي إليك جوابًا، بل أنا واثق بأنك لم تسألني؛ لأنك لا تقرأ الصحف، فلست تعرف من هذه الخصومة بين الوزارة والمعارضين شيئًا، وإن تكن الأولى فحدثني عن أسئلة المعارضين للوزارة؛ أحدثك عن أجوبة الوزارة لهؤلاء المعارضين.
سأل سائل: هل ضارب صدقي باشا في القطن؟ فقال قائل: نعم، وقال قائل: بل ضارب مرتين، وقال قائل: بل ضارب ثلاث مرات، وقال قائل: ضاربت مثله الوزارة القائمة، وألح السائلون على الوزارة أن تبين جلية الأمر في هذا كله.
فأجابتهم الوزارة أمس بجوابين لا بجوابٍ واحد في بلاغين رسميين، لا في بلاغٍ واحدٍ، أجابتهم الوزارة بأن الجهاد قد نشرت كلامًا عن بعض الطير التي ترسلها المعاهد العلمية، وتضع في أرجلها بطاقات معدنية إلى بعض الأقطار لدرسها وتعرف أحوالها. وطلبت الجهاد إلى الذين تقع عليهم أو تقع لهم هذه الطير أن يكتبوا إلى المعاهد التي أرسلتها، أو أن يكتبوا إلى الجهاد لتكتب عنهم إلى المعاهد التي أرسلتها.
ووزارة الزراعة تعلن أن حديقة الحيوانات في الجيزة هي المختصة بهذه الأبحاث العلمية، فينبغي أن ترسل إليها الطير، وأن يكتب إليها الناس لتتوسط بينهم وبين المعاهد العلمية التي أرسلت الطير. فهذا جواب.
وأحسبك لا تشك ولا ترتاب، ولا تجادل ولا تمتر في أنه محرج حقًّا، مفحم حقًّا، ملزم للحجة حقًّا، تسأل عن القطن والمضاربة فيه أكانت مرة؟ أكانت مرتين؟ أكانت ثلاث مرات؟ أكانت من صدقي باشا وحده؟ أكانت من وزير المالية الجديد أيضًا؟ فيقال لك في ابتسامة رشيقة أنيقة: ما أنت وذاك؟ ما عنايتك بما لا علم لك به، ولا شأن لك فيه؟ ما إضاعتك الوقت على نفسك وعلى الوزارة فيما لا ينبغي أن تخوض فيه. نشرت الجهاد أن بعض المعاهد العلمية ترسل الطير إلى بعض الأقطار، وتضع في أرجلها بطاقات معدنية، إلى آخر الحديث.
وليس الجواب الثاني بأقل بلاغة من الجواب الأول؛ فقد نشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا عند بحيرة المنزلة، ووزارة الزراعة تكذب هذا الخبر، وتعلن أنها اتصلت بمديرية الدقهلية، فعرفت منها أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا بريًّا، وأنه قد صِيد منذ أكثر من عام.
وسأل سائلٌ عن وزير الزراعة نفسه: أقذف وزير الزراعة السابق أم لم يقذفه؟ فقال قائل: بل قذفه ونشر هذا القذف في الصحف، وامتلأت به أفواه الناس، وهمَّ بعض الناس بالإصلاح بين القاذف والمقذوف، فأبى القاذف ورضي المقذوف، وألحَّ الناس على الوزارة يسألونها أن تبين لهم جلية الأمر، فأجابتهم الوزارة أمس بهذين الجوابين المقنعين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وسأل سائل عن قصة الكورنيش، وما ضاع فيها من المال، وما احتملت الإسكندرية فيها من نفقات؟ وعمن أضاع هذا المال؟ ومن حمل المدينة هذه النفقات؟ فأجابته الوزارة أمس: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وسأل سائلٌ عن المديرين الذين كانوا يسخرون النواب؟ وسأل سائلٌ آخر عن وزير الداخلية: أكان يغري النواب؟ وسأل سائلٌ آخر عن وزير الزراعة: هل أدَّى الضرائب؟ وسأل سائلٌ رابعٌ عن وزير الزراعة: ماذا صنع بما كان قد حجز في سبيل الضرائب؟ فأجابتهم الوزارة جميعًا أمس بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وزعمت الصحف أن بين وزير المالية ووكيلها خلافًا عنيفًا، وأن بين مستشار المالية ووزيرها خلافًا عنيفًا، وأن وزير المالية قد ينقل إلى وزارة الخارجية، وأن الإنجليز قد دخلوا في الأمر، وأن الإنجليز قد دخلوا بين فريقي حزب الشعب، وأن وزير المالية يأبى أن يُنقل، وأن خصوم الوزير يلحون في نقله؟ فأجابت الوزارة على هذا كله بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وقد أصبحنا اليوم فإذا الصحف تنبئنا بأن الإنجليز قد أرسلوا مذكرة إلى رئيس الوزراء يسألون عن مجلس الوزراء: أمتضامن هو مع وزير المالية فيما صرح به من أنه لن يدفع إلا وَرِقًا، ومن أنه لن يُفاوِض؛ لأن من المفاوضة أخذًا وعطاءً، وليس عنده ما يعطيه؟ وكنا ننتظر أن ترد الوزارة على الإنجليز، كما ردت على المصريين بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
ولكن الصحف أنبأتنا بأن رئيس الوزراء قد رد على دار المندوب السامي، فلم يذكر المعاهد التي ترسل الطير، ولم يذكر الشاب الذي صاد فهدًا، وإنما تخفف من وزير المالية وألقاه من وراء ظهره، وأعلن إلى الإنجليز أن مجلس الوزراء لا يشاركه في الرأي، ولا يؤيده فيما قال. ومعنى هذا أن الإنجليز من هذا العنصر الممتاز الذي لا ينبغي أن تتحدث إليه الوزارات فيما نشرت الجهاد عن المعاهد التي ترسل الطير، وما نشرت مجلة الهلال المصورة عن الشاب الذي صاد فهدًا.
فإذا سألنا نحن رئيس الوزراء: أحق هذه الأنباء؟ وإذا سألنا رئيس الوزراء: كيف يجحد مجلس الوزراء عضوًا من أعضائه ثم يبقيه ولا يقيله، ولا يكلفه أن يستقيل؟ فستجيبنا الوزارة من غير شكٍّ ولا ريبٍ: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا؛ فإذا هو قط.
هذه البلاغة خليقةٌ بالتفكير والتقدير؛ لأنها لا تفحم الخصوم فحسب، وإنما تملأ قلوبهم عظةً واعتبارًا، وتذكرهم بأن التواضع فضيلة، وأن الكبرياء رذيلة، وأن المصريين لم يخلقوا للسياسة وأحاديثها، ولا للإدارة ومراقبتها، ولا للمال وتدبيره، فهم حين يسمون إلى هذه الأشياء كلها يتكبرون، ويتجاوزون حدودهم، ويعدون أطوارهم، ويستحقون أن تؤدبهم الوزارة فتحسن تأديبهم، وأن تردهم الوزارة إلى ما ينبغي أن يسألوا عنه، ويتحدثوا فيه، وهو ما نشرته الجهاد من أن بعض المعاهد ترسل الطير، وما نشرته المجلة المصورة من أن شابًّا صاد فهدًا، وما استكشفته وزارة الزراعة من أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.
وهذه البلاغة تذكر المصريين بتلك القصة التي سمعوها جميعًا من أمهاتهم وجدَّاتهم، حين كانوا أطفالًا يلعبون، وتستخفهم الأحاديث، وهي قصة هذا الشاب الذي دخل مدينة فرأى رءوسًا إنسانية معلقة على قصر الملك تبلغ التسعة والتسعين، فسأل بائع الفاكهة عن هذه الرءوس، فأجابه: إن العنب يباع رطل بدرهم، وإن التفاح يباع بدرهمين، وسأل بائع الخضر عن هذه الرءوس، فأنبأه بثمن الكراث، والبصل، والثوم، والباذنجان.
وما زال يلم بالناس يسألهم عن الرءوس، وكلهم يتحدثون إليه في غير الرءوس، حتى هداه الله إلى حلاق يُؤثر الحق، فقصَّ عليه قصة الرءوس كما هي، ويظهر أن هذا الحلاق لم يوجد في مصر بعدُ، فسيسأل الناس عن كل ما يعنيهم من أمر السياسة والإدارة والمال، فلا يسمعون إلا حديث المعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا فظهر أنه قط.
والذين ذهبوا إلى باريس، واختلفوا إلى بعض ملاعب الهزل، سيذكرون من غير شك حين يقرءون هذين الجوابين البليغين على أسئلة الناس تلك الأغنية الطريفة الظريفة التي ظهرت منذ أعوام، فلم يبق باريسي، بل لم يبق فرنسي إلا حفظها وغناها، حتى أصبحت الآن عبارة من العبارات الشائعة العامة، التي يجاب بها الرجل حين يسأل عما لا يعنيه، فيقال له: أتراني سألتك عن جدتك هل تركب الدراجة؟
فليس لقصة المصريين مع الوزارة فيما يظهر إلا هذا الجواب، وليس حديث المعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا فإذا هو قط إلا صورة طبق الأصل لأغنية الفرنسيين تلك: أتراني سألتك عن جدتك هل تركب الدراجة؟ وأظرف من هذا كله، وأوقع في القلوب، وأشد إثارةً للإعجاب، وأدعى إلى الفتنة وسحر العقول، أن يلهم الله وزارة الزراعة هذين الجوابين، فتُجلى الغمرة عن الوزارة كلها، وتكشف الغمة عن نفسها، وعن رئيس الوزراء، وعن وزير المالية، بل عن الإنجليز، بل عن كل من سيُلقى عليه السؤال في شأنٍ من الشئون فيأبى أن يجيب، فسيقول أولئك جميعًا كلما سُئلوا عما لا يحبون الخوض فيه: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.
ألستَ توافقني، أيها القارئ العزيز، على أن الوزارة قد وُفِّقت إلى الجواب البليغ المقنع المحرج على كل ما وجه الناس، وما سيوجهون إليها من سؤال؟ أما أنا فأؤكد لك أني لو كنت مكان رئيس الوزراء لاعتزلت الرياسة، ولاقترحتُ أن تُسند إلى المنزلاوي بك؛ فهو أهلها، وهو أحق بها، وأقدر على احتمال أعبائها، وحسبك أن مصر منذ عرفت الوزارات لم تظفر بهذا الوزير اللبق الفصيح البليغ، الذي يسأل عن معضلات السياسة ومشكلات الإدارة ومخزيات المال فيجيب: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.
أيها المصريون، دونكم حديث للمعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا، فأشغلوا بهما أنفسكم عن الشئون العامة، وليشغل بهما أدباؤكم وشعراؤكم ومغنوكم، وليكن هذان الحديثان فكاهة فصل الشتاء. نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن الفهد لم يكن إلا قطًّا، واستكشفت وزارة الزراعة أيضًا أن هذين الحديثين هما خير ما يُردُّ به على المعارضين! -
موقفان
موقفان
الناس يقولون، ويسرفون في القول، ويؤكدون ويلحون في التأكيد أن صاحب المعالي وزير الأشغال لا يحب خزان جبل الأولياء، ولا يطمئن إليه، ولا يرى — على أقل تقدير — العجلة في إقامته وتشييده، وتكلف ما سيتكلفه من النفقات في تلك الإقامة وهذا التشييد، وفي هذه الأيام التي تشتد فيها الحاجة، لا أقول إلى الاقتصاد والتدبير، بل إلى البخل والتقتير.
والناس يذكرون لانصراف وزير الأشغال عن هذا الخزان وتنكره له أسبابًا فنية، أفهم بعضها في مشقة وعسر، ولا أفهم من بعضها الآخر شيئًا. والناس يزعمون أن وزير الأشغال يرى — كما يرى غيره من الفنيين — أن في إقامة هذا الخزان خطرًا غير قليل، وعبثًا لا حد له إذا لم تتخذ ضروب من الاحتياط في مهم أمره، فتقوى قناطر وجسور، وتعمق ترع، وتوسع أقنية، إلى غير هذا الكلام الذي هو أشبه بالعبرية أو السريانية أو لغات الواق واق، ولكنه يرضي خصوم الخزان ويدفعهم إلى المضي في المطالبة بالعدول عن الخزان، أو اصطناع الريث والأناة في إقامته.
على أن وزير الأشغال تفضل فأراح أنصار الخزان وخصومه من الجدال والنضال حول رأيه في إقامة الخزان اليوم أو غدًا، وبعد أعوام، أو العدول عنه جملة.
أراح الوزير خصوم الخزان، لأنه كذب تكذيبًا صريحًا كل ما ذاع وشاع، وملأ الأسماع من تردد الحكومة ومن رأيه هو في خزان جبل الأولياء: أيقام أم ينام؟
فلن يتناقش الناس منذ اليوم في موقف وزير الأشغال من الخزان، ولن يحتج به الخصوم والأنصار، ولن يتكلف الأنصار الحيل والأعذار للوزير الذي يعمل في وزارة لا يتفق معها في الرأي، وفي أشد المسائل اتصالًا به، بل في مسألة يجب أن يكون أمرها إليه قبل كل إنسان.
فرغ الناس من هذا كله بهذا البلاغ اللبق الظريف المرن الذي أصدره وزير الأشغال، وإن كان الذين يريدون أن يفهموا — ليفهموا ليس غير، لا ليخاصموا ولا ليؤيدوا — لم يتبينوا في جلاء رأي الوزير فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين فنه، وفيما بينه وبين تقديره لحاجة مصر وطاقتها ومنفعتها.
لم يفهم هؤلاء الناس رأي الوزير: أهو من أنصار الخزان أم من خصومه؟ وإنما فهموا — وهذا يكفي — من الجهة العملية أن الوزير لا يعارض ولا يمانع في إقامة الخزان، وأنه لم يحل ولن يحول دون الحكومة وما تريد من ذلك. وهذا معقول، فقد اتخذت الحكومة قرارها، ووزير الأشغال بعيد عن الحكم، فهو إذن لا يحتمل تبعة هذا القرار. وقد لا يكون من الظرف ولا من حسن المجاملة أن يأتي فيعطل شيئًا أو يحاول تعطيل شيء مضت فيه الوزارة قبل أن يشترك فيها.
هذا إذن شيء مفروغ منه. أظهر وزير الأشغال موقفه من حيث إنه وزير، واحتفظ برأيه الخاص لما بينه وبين اللّٰه. ولعله ذكر وهو يصدر هذا البلاغ قول الشاعر القديم:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد؟
ولكن الناس لم يكونوا يتحدثون عن وزير الأشغال وحده، ولا عن مجلس الوزراء وحده، وإنما كانوا يتحدثون عن المستشار المالي الإنجليزي أيضًا.
كانوا وما زالوا يقولون ويؤكدون ويلحون في القول والتأكيد إن المستشار المالي يرى أن طاقتنا المالية لا تسمح بإقامة هذا الخزان الآن. والمستشار المالي — كوزير الأشغال — له بالطبع موقفان قد يتفقان فيصبحان موقفًا واحدًا، وقد يختلفان فيشتد بينهما الاختلاف: أحدهما موقفه فيما بينه وبين نفسه، والآخر موقفه فيما بينه وبين الحكومة التي يعمل فيها ويشير عليها.
وقد يكون المستشار المالي ميالًا جدًا إلى إقامة الخزان لأنه إنجليزي لا يستطيع أن يهمل منافع الإنجليز، ولا أن يمحو العاطفة الإنجليزية من نفسه. والناس يقولون إن للإنجليز في إقامة هذا الخزان منفعة واضحة لا تحتمل الشك. ولكن المستشار المالي رجل يقدر فيما يظهر موقفه الفني وما يقتضيه هذا الموقف من النصح والأمانة، وهو يعلم أن المستشار مأمون، فيظهر أنه لم يتردد — رغم إنجليزيته — في أن يشير على مصر بالتأني في إقامة هذا الخزان، لأن طاقتنا المالية لا تسمح بمثل هذه المغامرة الآن.
يعجبني جدًا هذا النحو من الشجاعة الذي يتيح للرجل أن يحب الشيء ويتمناه، ويحرص عليه، ولا يتردد مع هذا — بل رغم هذا — في أن ينصح بالعدول عنه، لأن الأمانة الفنية تأمره بذلك، فهو يؤثر أمانته الفنية على إرضاء ميوله الخاصة وعواطفه القومية. والناس يؤكدون ويلحون في التأكيد أن المستشار المالي قد وقف من خزان جبل الأولياء موقفًا أقل ما يوصف به أن فيه نصحًا للحكومة المصرية بالتريث والأناة.
وليس يعنيني أن يكون المستشار المالي قد قدم هذه النصيحة وهو يتمنى أن تقبل لتتحقق منفعة مصر، أو ترفض لتتحقق منفعة الإنجليز، وإنما الذي يعنيني أنه قدم هذه النصيحة بالفعل، وأنه أظهر للحكومة المصرية منذ قدم نصيحته هذه واجبًا واضحًا جليًا.
وقد يكون من الحق على الحكومة — لنفسها أولًا، ولمصر ثانيًا، وللإنجليز ثالثًا — أن تصدر بلاغًا تريح الناس فيه من الكلام حول موقف المستشار المالي في هذه المسألة، كما أراحهم من الكلام حول موقف وزير الأشغال.
فهل نصح المستشار المالي بالتأني في إقامة الخزان؟ فإن كان الجواب: نعم، فيجب أن يعلمه الناس، ويجب أن تبين الحكومة حججها أو معاذيرها في الإعراض عن هذه النصيحة. وإن كان الجواب: لا، فيجب أن يعلمها الناس حتى لا يوصف المستشار المالي بغير ما فيه، وحتى لا تتهم الحكومة بأنها تعرض عن نصيحة قد يكون فيها الخير، وبأنها تميل إلى إرضاء الإنجليز أكثر مما يميل الإنجليز إلى إرضاء أنفسهم.
لقد أزعج الحزبان المؤتلفان رئيس الوزراء — على حاجته الشديدة إلى الراحة والهدوء — حين ثارت الخصومة في مجلس النواب بين الاتحاديين والشعبيين حول إعانة الأوبرا، ونستطيع أن نؤكد للحكومة أن موقف المستشار المالي من خزان جبل الأولياء له خطره، وهو خليق بأن يتحدث فيه إلى رئيس الوزراء — على شدة حاجته إلى الراحة والهدوء — وهو خليق أن يسأل رئيس الوزراء عن الطريقة المثلى المعقولة التي ينبغي أن تسلك لتجليته وتوضيحه أمام الرأي العام.
لقد كان وزير الأشغال لبقًا ظريفًا في بيان موقفه هو، ولكن بيان موقف المستشار المالي يحتاج فيما يظهر إلى لباقة رئيس الوزراء نفسه. فلعلنا نقرأ اليوم أو غدًا بلاغًا يكشف للناس عن وجه الحق في هذه المسألة: أقال فيها المستشار شيئًا أم لم يقل؟ فإن تكن الأولى، فماذا قال؟
كوكب الشرق في ١١ – ٣ – ١٩٣٣