الأم وابنها
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣٠ مايو ١٩٥٨
كأنما كانا على ميعاد، فالأم الحَنون وهي فرنسا — كما تُسمَّى في بعض البيئات اللبنانية — ثائرة في غرب البحر، وهي تشغل العالم بثورتها تلك، والابن البارُّ — وهو لبنان بالطبع — ثائر في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو يشغل العالم بثورته أيضًا.
ومظهر الثورتين مختلف فيما ترى العين وتسمع الأذن، ولكن الغاية من الثورتين واحدة، وستتكشف الأيام عن عواقب هاتين الثورتين. أما في غرب البحر الأبيض المتوسط، فالجيش هو الذي بدأ الثورة في الجزائر مطالبًا بأن ينهض شارل دي جول بأعباء الحكم، ونهوض شارل دي جول بأعباء الحكم معناه وقف الحياة الدستورية، وصرف النواب والشيوخ إلى شئونهم الخاصة يدبرونها كما يشاءون أو كما يستطيعون، وصرف رئيس الجمهورية إلى شئونه الخاصة يدبرها كما يشاء أو كما يستطيع، واستئثار الجنرال دي جول بشئون الحكم كلها يأخذها بالقوة ويديرها بالقوة ويسيطر على الشعب الفرنسي سيطرة الحزم والعزم؛ ليعلمه كيف تكون الطاعة وكيف يكون الإذعان، وليوجهه بعد ذلك إلى قمع الثورة في الجزائر، وإلى أخذ ما بقي لفرنسا من المستعمرات بالشدة التي تُعلِّمها كيف تذعن وتطيع وكيف تيأس من الحرية وتكف نفسها عن الطموح إلى الاستقلال، ثم ليعيد إلى فرنسا — فيما يزعم — بأسها وهيبتها، ويفرض إكبارها وإجلالها على العالم كله، ويؤدب تلك الأقطار التي كانت خاضعة لسلطان فرنسا ثم ظفرت بالاستقلال في أيام الضعف والفتور، يؤدبها أدبًا يصدها عما تطالب به من جلاء الجند الفرنسيين عن تونس ومراكش، وأدبًا يُعلِّم دول الهند الصينية كيف تؤمن بأن الحياة في ظل فرنسا أجدر بها وأنفع لها وأجدى عليها من الحياة في ظل الاستقلال.
كذلك يظن الجنرال دي جول ويظن دعاته وأتباعه ومعاونوه، فطبيعة الأشياء وقوانين التقدم والرقي وهذه الأصول التي تدعو إلى أن يكون للشعوب المستضعفة حقها في شيء من العزة والقوة وتقرير المصير.
كل هذه الأشياء لا تثبت أمام الجنرال دي جول، وهو الذي لم تثبت أمامه قوة مهما تكن. أليس قد خلق فرنسا خلقًا جديدًا، ورد إليها الإيمان باستقلالها والثقة بنفسها، وأجلى عنها جيوش هتلر. ولا عبرة بما يقول التاريخ ولا بما يتحدث به الناس من أن الجيوش الأمريكية والإنجليزية هي التي أجلت الألمان عن الأرض الفرنسية، وأن فلول الجيش الفرنسي لم تعد إلى المشاركة في الحرب إلا متأخرة، ذلك أن الجنرال دي جول قد استقر في نفسه أنه الرجل القوي الذي لا يشبهه أحد في قوة العزيمة وسداد الرأي ومواجهة المشكلات وحل المعضلات والنفوذ من الخطوب، وهو من أجْل ذلك لا يزيد حين يتولى الحكم على أن ينفذ ما كلفته الأقدار من إنقاذ فرنسا من نفسها وإخراجها من ضعفها وردها إلى ما كانت عليه أو إلى خير مما كانت عليه قبل أن تدركها الهزيمة. ولكن الشعب الفرنسي نفسه لا يريد هذا الإنقاذ ولا يحب إلا أن يظل كما هو، وأن يخلص من هذه المشكلات الخارجية السخيفة التي تُسفك فيها دماء أبنائه وينفق عليها حر أمواله، لا يحب إلا أن يعيش خالصًا لحياته التي يرضاها، حياة الدعة والرخاء والاستمتاع بطيبات الحياة ما وجد إلى هذا الاستمتاع سبيلًا.
فالجيش إذن ومعه الجنرال دي جول ثائران على الشعب لا على هذه الحكومة أو تلك من حكومات فرنسا، هما ثائران يريدان أن يقويا هذا الشعب على رغمه وأن يردا إليه بأسًا وقوة قد زهدا فيهما وانصرف عنهما.
والشعب يريد أن يقاوم وأن يدافع عن حياته الهادئة الراضية المطمئنة، ولكنه لا يملك من وسائل المقاومة إلا الصياح والجلبة والاحتجاج والإنكار والمظاهرات والتجمع في شوارع باريس.
هذه حال الأم الحنون. أما الابن البار في شرق البحر الأبيض المتوسط، فأمره مختلف في مظهره، وهو في حقيقته مشبه لأمر أمه الحنون الرءوم، ظاهر أمره أن الشعب ثائر بالحكومة يريد أن يزيل رئيس الجمهورية ووزراءه عن مناصبهم.
وهو من أجل ذلك يجمع الجموع ويأخذ المدن والقرى ويكاد يحصر رئيس الجمهورية ووزراءه في العاصمة، وقد يتحدث بالزحف على العاصمة. والحكومة تدافع عن نفسها بما تملك من قوة وبما تستمد من عون العاطفين عليها والمؤيدين لها في الشرق العربي وفي الغرب الأمريكي البريطاني والفرنسي أيضًا، لولا أن الأم الحنون الرءوم مشغولة بنفسها لا تملك أن تسعف ابنها بالقوة، فهي تسعفه بالرأي والمشورة، ولكن واقع الأمر في لبنان لا يختلف عن واقع الأمر في فرنسا.
والثورة في لبنان لا تأتي من الشعب في حقيقة الأمر، ولكن تأتي من رئيس الدولة ووزرائه؛ ذلك أن الشعب لم يرد أن يغير الدستور ولا أن يبدل شيئًا من شئون الحكم، وإنما الرئيس والوزراء هم الذين همُّوا به وكادوا ينفذون ما أرادوا.
والسؤال الذي يجب أن يُلقى وأن يكون الجواب عليه صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، هو: مَن الذي يملك تغيير الدستور وتبديل الأوضاع، أهو الشعب الذي هو مصدر السلطات والذي وُضِع الدستور له وصدر باسمه، والذي ليس مصدر السلطة التشريعية وحدها بل هو مصدر السلطة التنفيذية والقضائية أيضًا؟
والأصل كذلك أن الشعب هو السيد وأن رئيس الجمهورية ووزرائه خدام لهذا الشعب. فإذا أراد الخدام أن يطغوا على سيدهم وأن يغيروا حياته على رغمه، فحق الشعب في المقاومة وحقه في إزالة المعتدين عليه ومحاكمتهم وعقابهم على ما هموا به — هذا الحق واضح لا يجادل فيه إلا المحمقون.
وأغرب ما في الثورة اللبنانية أن الخدام الثائرين بالشعب الكائدين له المعتدين على حقه في السيادة يستنجدون بغيرهم من الحكومات؛ فتسرع إلى إنجادهم وترسل إليهم الرجال وأدوات القتال والفتك دون أن يجد هؤلاء المنجِدون من الشرقيين والغربيين حرجًا في أنفسهم من نصرة الجور على العدل والباطل على الحق والظالم على المظلوم.
ولا يجد خدام لبنان في أنفسهم حرجًا من هذا التدخل الأجنبي بينهم وبين سيدهم الشعب، فإذا لزمت الجمهورية العربية المتحدة الحياد وآثرت موقف الحق والعدل وأبت أن تدخل في شئون بلد مستقل؛ شكاها خدام لبنان إلى مجلس الأمن أولًا وإلى الجامعة العربية ثانيًا. ذلك لأنهم يؤمنون بأن من ليس معهم فهو عليهم، ولو قد أسرعت الجمهورية العربية المتحدة إلى نجدتهم وأرسلت إليهم رجالًا وسلاحًا، لحمدوا لها ذلك أصدق الحمد، وشكروا لها ذلك أجمل الشكر، وأثنوا عليها من أجل ذلك أذكى الثناء. ولست أدري لِمَ لَمْ تصنع الأم الحنون صنيع الابن البار، فتشكو الجمهورية العربية المتحدة إلى مجلس الأمن، فمن يدري لعل رئيس هذه الجمهورية أن يكون قد أغرى الجيش الفرنسي في الجزائر والجنرال دي جول في فرنسا بالثورة، أو لعله أن يكون قد أغرى الشعب الفرنسي بمقاومة هذه الثورة؛ فهذه الجمهورية ورئيسها هما الأصل في كل مشكلة تُثار أو يمكن أن تُثار في أي مكان من الأرض في الشرق والغرب.
وكم كنت أود أن تصنع الأم صنيع ابنها فتشكونا إلى مجلس الأمن، فحياة الناس في هذه الأيام محتاجة إلى ما يُضحك. أو أن يصنع الابن صنيع أمه فيكف عن هذا السخف ولا يجمع مجلس الأمن ومجلس الجامعة في غير طائل.
ولكن عقول الناس ليست في أيدينا ولا في أيديهم، وإنما هي في أيدي هذه الأهواء المختلفة المتناقضة.
فلنضحك الآن من صنيع الابن، فعسى أن تُضحكنا الأم بمثل هذا الصنيع أو بشيء أدعى منه إلى الضحك والتسلية.
Tag: popular resistance
-
الأم وابنها
-
سخرية …
حديث المساء: سخرية …
طه حسين
كوكب الشرق
٦ نوفمبر ١٩٣٣
كان هشام بن عبد الملك قد أسرف في ظلم ابن أخيه الوليد بن يزيد، وكان ولي عهده، حتى أزعجه عن
دار الخلافة، واضطره إلى أن يعيش في البادية عيشة أقرب إلى حياة الطريد الشريد، لا يصحبه إلا
نفر قليل من خدمه ومواليه الذين أذن لهم هشام في مصاحبته بعد مشقة وعسر.
وكان هشام قد قتَّر على ولي العهد في الرزق تقتيرًا شديدًا، وضرب أنصاره وأولياءه وألقاهم في
غيابات السجن، حتى كانت محنة الوليد في نفسه وفي أصفيائه منكرة قاسية.
فلما مرض هشام مرضه الذي مات فيه، وثقلت عليه العلة، طلب شيئًا من خزائن الدولة؛ فلم يجبه
الخازن إلى ما طلب إليه، فقال هشام: كأنما كنا خزَّانًا للوليد.
ثم مات هشام، وأُسلمت أمور الدولة وأموالها للوليد، فلم تبق في يده إلا زمنًا قصيرًا؛ لأن
الأمر نقل عنه في تلك المأساة التي يعرفها الناس.
وكذلك أنفق هشام أعوامًا وأعوامًا يضطهد الوليد، ويسرف عليه، ويهيئ لنقل ولاية العهد إلى
ابنه، فلم يبلغ من ذلك شيئًا، ولم يدركه الموت حتى أحس لذع الخيبة وألم الإخفاق، وعلم أنه لم
يزد على أن كان خازنًا للوليد.
وكان صدقي باشا شديدًا قاسيًا على زميله عبد الفتاح يحيى باشا: يُعرض عن نصحه، ولا يسمع
لرأيه، ولا يأبه لمعونته، ولا يُقدِّر مكانته منه في الوزارة، حتى إذا ضاق بما كان يجد من خلاف
عبد الفتاح باشا واعتداده بنفسه أخرجه من الوزارة إخراجًا، ولم يحفل باستقالته من حزب الشعب حين
استقال منه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة لم تبلغ العام وإذا صدقي باشا قد أُبعِد عن الوزارة،
وإذا عبد الفتاح يحيى باشا قد ارتقى إلى الوزارة.
وما هي إلا أيام أخرى حتى يلتمس صدقي باشا من أعضاء الحزب بعض ما يريد فيأبون عليه، وينصرفون
عنه، وإذا هو يشعر بلذعة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وإذا هو يقول في نفسه ولأصفيائه: كأنما كنا
نبني لعبد الفتاح باشا يحيى.
ثم يطول الذل، ويثقل الحمل، وتفسد الأمور في السر والجهر، ويقسم بعض أعضاء الحزب ليخرجن الأعز
منها الأذل، وينتهي الأمر بصدقي باشا إلى أن يسعى إلى عبد الفتاح يحيى باشا ليبلغه أنه سيستقيل
من رياسة حزب الشعب، ثم ينصرف عنه، فيدعو مجلس إدارة الحزب وينبئهم بما كان بينه وبين نائبه،
ويعلن إليهم أنه مستقيل، وتبر يمين أولئك الذين أقسموا ليخرجن الأعز منها الأذل، ويعود الرجل
إلى داره، فيُلقي العصا، وتستقر به النوى، بعد رحلة طويلة جدًّا، شاقة جدًّا، في طريق عسيرة
جدًّا، ملتوية جدًّا، كان يقدر أنها ستنتهي به إلى الفوز والعز والمجد، فانتهت به إلى الخيبة
والذل والهوان، حتى على أقرب الناس إليه، وأعطف الناس عليه.
وأصبح ذلك الجبار العنيد الذي وثب ذات يوم يتحدى شعبًا بأسره، رجلًا هينًا يسيرًا لا يحفل به
أحد، ولا يفكر فيه أحد، ولا يحسب له أحد حسابًا! وما أعرف أن حياة سياسية ختمت بشرٍّ مما ختمت
به حياة هذا الرجل: ألغى دستورًا وأقام دستورًا، فرق برلمانًا وجمع برلمانًا، وفرض نفسه — وهو
رجل واحد — على شعب يتألف من الملايين أكثر من ثلاثة أعوام.
ثم انتهى به الأمر إلى حيث أصبح يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه أحد، وينهى فلا يلقى
إلا هز الرءوس ورفع الأكتاف، ويسعى فلا يدري أيضع رجليه على أرض ثابتة مطمئنة، أم يضع رجليه على
أرض مزلزلة مضطربة توشك أن تزول، ويستيقظ فلا يسمع إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد، وينام
فلا يحلم إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد؛ أشباح مخيفة مروعة توقظه إذا نام، وتداعبه إذا
استيقظ، حتى يأخذه هذا النوم الثقيل الممض الذي لا راحة فيه ولا هدوء.
وكذلك ينتهي الغرور بالمغرورين، وكذلك ينتهي الطغيان بالطغاة، وكذلك يختم العدوان سيرة
المعتدين، وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وعلى أمثاله من الضعفاء والأقوياء أبلغ الدروس
وأقساها، فتنبئهم بأن الفرد ضعيف مهما يُسرف في القوة، ويُغرق في البطش، ويغل في العدوان؛ لأنه
فرد لا أكثر ولا أقل، وأن الشعب قوي مهما يتسلط عليه المتسلطون، عزيز مهما يحاول إذلاله
المذلون؛ لأنه شعب وكفى، لأن حياته أطول من حياة الفرد، لأن حياته أوسع من حياة الفرد، لأن قوته
أبقى على الزمن من قوة الفرد، لأنه متصل بالتاريخ الذي مضى، متصل بالتاريخ الذي سيأتي، جامع بين
ما في الماضي والحاضر والمستقبل من أسباب الحياة والقوة والبقاء.
وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وأمثاله من الطغاة والقساة أبلغ الدروس، وأقوم العظات،
فتنبئهم بأن الذين يظلمون الشعوب يجنون على أنفسهم أكثر مما يجنون على أممهم؛ لأن بقاء الشعوب
وقوتها، وأملها في المستقبل، واعتزازها بالماضي، كل ذلك يمنحها من القوة ما يُمكِّنها من
الاحتمال، وما يُمكِّنها من المقاومة، وما يكفل لها الانتصار والفوز، على حين لا يجد الظالمون
من ماضيهم عزاءً، ولا في مستقبلهم رجاءً، ولا في حاضرهم واقيًا من هذا السخط الشعبي العنيف
العام الشامل، الذي هو مظهر من مظاهر سخط الله.
ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا في داره، بعد أن تخلى عنه كل شيء،
وتخلى هو عن كل شيء، وبعد أن أقام ما أقام، وشيد ما شيد، ثم تخلَّى عما أقام وشيد، أو تخلَّى
عنه ما أقام وما شيد؛ ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وبم تضطرب الخواطر في نفسه الكئيبة الحزينة: أن
للنفوس نظرات قوية حادة تخترق الحجب والأستار، وتبلغ ما في أعماق الضمائر وقرارات القلوب، وأن
الناس أرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا ليروا في نفسه معاني مظلمة قاتمة كأنها أشخاص الحزن
واليأس والندم!
إنه ليفكر في خيبة الآمل فتُحدِّثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من خيبة، بأنه طمع فيما لا
مطمع فيه، وسعى إلى ما لا يُمكن أن يُنال. إنه سيفكر في قوم أحسن إليهم فأساءوا إليه، ورفق بهم
فقسوا عليه، وقدم إليهم الصنيعة فجزوه بالجحود، فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من
الجحود؛ لأنه حمل أصحابه هؤلاء على أن يسيئوا إلى قوم أحسنوا إليهم، ويجحدوا قومًا قدَّموا
إليهم المعروف، فهو الذي أغراهم بما يلقى منهم اليوم.
إنه ليفكر في قومٍ تولوا الحكم كرامًا، وخرجوا من الحكم كرامًا، وثبتوا لألوان الظلم والقهر
وضروب العنف والعسف، فلم تزدهم المحن على إلحاحها واشتدادها إلا عزة وكرامة وارتفاع شأن، لم
تتخل عنهم أحزابهم، ولم يتخلوا هم عن أحزابهم، لم ينصرف عنهم الناس ولم ينصرفوا هم عن الناس،
إنما أحسوا من أحزابهم حبًّا وتأييدًا، وأحسوا من الناس إكبارًا وإعظامًا؛ فمضوا في طريقهم
أُباة للضيم، وحماةً للمجد، حراصًا على خدمة الشعب، سعداء بثقة الشعب بهم، وتأييد الشعب لهم،
واستعداد الشعب لفدائهم بالأنفس والأموال.
فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما يحس من لذع الآلام، وحسرة الخذلان، ومضاضة العزلة، وعما
يشعر به من أن أحدًا لا يفكر فيه، ومن أنه لا يستطيع أن يفكر في أحد؛ لأنه سلك طريقًا لا تحبها
الشعوب ولا ترضاها، وسار سيرة لا تطمئن إليها الأمم، ولا تثق بأصحابها، ولم يدع رجلًا خليقًا
بالوفاء وشكر الجميل إلا اصطنع عنده ما لا يدعو إلى وفاء، ولا إلى شكر جميل، ولم يدع رجلًا
خليقًا بالجحود والعقوق إلا اصطنع عنده المعروف، وأهدى إليه الإحسان، ولأنه آمن بنفسه أكثر مما
ينبغي أن يؤمن الناس بأنفسهم، واطمأن إلى غيره أكثر مما ينبغي أن يطمئن الناس إلى غيرهم، ووثق
بالأجنبي أكثر مما ينبغي أن يثق الناس بالأجنبي، وأسلم نفسه للحظ أكثر مما ينبغي أن يسلم الناس
أنفسهم للحظ.
فهو خليقٌ أن يجني ما جنى، وهو خليق أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
ألف حزبًا عماده الحكم، فتخلى عنه هذا الحزب حين تخلى عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد
أقبل على الحكم مناهضًا للشعب، فلم يحفل به الشعب حين أدبر عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان
قد أقام حياته السياسية على المداورات والمناورات، وعلى الأثرة وحب النفس، فانتهى من المداورات
والمناورات إلى العجز والانقطاع، وانتهى من الأثرة وحب النفس إلى أن فقد حب الناس له وعطفهم
عليه.
ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم هذا الرجل ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وكيف يشقى
هذا الرجل، وكيف يجني هذا الرجل ثمرة ما قدم إلى نفسه وإلى مواطنيه!
إن في هذا كله لعظة لو أن الناس يتعظون، وعبرة لو أن الناس يعتبرون، ولكن أمثال صدقي باشا في
الناس كثيرون يغرهم الغرور، وتدعوهم المغامرة فيمضون فيها لا يفكرون ولا يُقدِّرون، حتى تنتهي
بهم إلى هذه العاقبة القاسية.
والغريب أن أمثال صدقي باشا لا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يقدم كل واحد منهم وكأن الأيام لم
تُلقِ الدروس، ولم تُقدِّم العظات، وكأن الطغاة لم يلقوا عاقبة الطغيان، وكأن المغرورين لم
يبوءوا بعاقبة الغرور. إنما الشعوب وحدها هي التي تستفيد من هذه العظات، وهي التي تنتفع بهذه
العبر؛ لأنها تنظر فترى أنها أعظم قوة، وأقدر على المقاومة والبقاء والفوز من الفرد مهما يكن،
ومهما يعظم سلطانه، ومهما تواته الظروف.
ترى ذلك فتعتز به وتتعزى، وتستزيد به من إيمانها بنفسها، وحرصها على حقها، ومقاومتها للطغاة
والظالمين، فإذا كان أمثال صدقي باشا من المصريين لا يتعظون بموعظة صدقي باشا؛ فإن الأمة
المصرية كلها متعظة بهذه الموعظة، متحدية الذين سيسيرون سيرة صدقي باشا، كما تحدت صدقي من قبل،
واثقةً بأنها ستفوز عليهم كما فازت على صدقي باشا الآن.