شهرية السياسة الدولية ٢
طه حسين
الكاتب المصري
يناير ١٩٤٧
يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.
وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.
أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.
وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.
والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.
وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.
فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.
وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.
وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.
ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به.
Tag: Post-war Diplomacy
-
شهرية السياسة الدولية٢
-
مجلس الخوف …
مجلس الخوف …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٧ أبريل ١٩٤٦
كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب. -
أزمتان
أزمتان
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٠ مارس ١٩٤٦
ليس من اليسير في هذا الطور الحديث من أطوار العالم أن تُحدَّد مواضع العلل التي تصيب السياسة الدولية، فأي أزمة تُثار في أي مكان، ولأي سبب من الأسباب تُحْدِث أثرها فورًا في الحياة السياسية لهذا العالم الجديد الذي أُلْغِي فيه الزمان والمكان، وأصبح على رغمه كائنًا واحدًا يتأثر كله بما يصيب أي جزء من أجزائه من العلل والآفات.
وليس من شك في أن إحدى الأزمتين اللتين أُرِيدُ أن أتحدث عنهما الآن قد نشأت في الشرق الآسيوي، وليس من شك كذلك في أن الأزمة الثانية قد نشأت في الغرب الأوروبي، ولكن من المحقق أن العالم كله متأثر بهاتين الأزمتين في هذه الأيام تأثرًا شديدًا، وأن مراكز هذا التأثر تقع في موسكو، ولندرة، وواشنطون، وباريس، وغيرها من العواصم التي يمكن أن يكون لها شأن في السياسة العالمية من قريب أو من بعيد.
أما الأزمة الأولى، فهي هذه التي أُثِيرَتْ في إيران منذ ظهرت الحركة الاستقلالية في أذربيجان، وقد كان من الطبيعي ألا تتجاوز الأزمة حدودها المعقولة، فهناك قسم من أقسام إيران يريد أن يحقق استقلاله الداخلي؛ لأنه ليس راضيًا عن النظام السياسي والاجتماعي في وطنه الخاص، وفي الوطن الإيراني كله، وقد همت الحكومة المركزية في طهران أن ترد هذا الإقليم إلى الطاعة، وطبيعة السيادة الإيرانية تقتضي أن يُترَك مثل هذا الأمر للإيرانيين يدبرونه كما يشاءون، أو كما يستطيعون … فإما أن تكون الحكومة المركزية عظيمة القوة شديدة البأس، فترد الأمر إلى نصابه وتُكْرِه الثائرين على الإذعان، وإما أن تكون هذه الحكومة ضعيفة متراخية فيظفر الثائرون بما يريدون.
هذه طبيعة الأشياء، ولكن إيران لم تكن خالصة لنفسها حين ثار الساخطون من أهل أذربيجان، وإنما كان الروسيون يحتلونها في الشمال، وكان البريطانيون والأمريكيون يحتلونها في الجنوب.
وكان هذا الاحتلال أثرًا من آثار الحرب قد نظمته معاهدة بين الحلفاء والإمبراطورية الإيرانية، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة على أن هذا الاحتلال لا يمس السيادة الوطنية، كما نُصَّ فيها أيضًا على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد أن تضع الحرب العالمية أوزارها بستة أشهر، فلما همَّتْ حكومة طهران أن ترسل قواتها لترد أهل الشمال إلى الطاعة أَبَتْ عليها روسيا هذا التصرف الذي هو من أخص مظاهر السيادة الوطنية، ثم تجاوزت الإباء إلى المنع المادي، فوقفت للقوات الإيرانية تريد أن تردها عن أذربيجان، واضطرت هذه القوات إلى أن تعود، كما اضطرت القوات المرابطة في أذربيجان إلى أن تستسلم، وكذلك خُولِفَتِ المعاهدة بأن أصبح الاحتلال الروسي مناقضًا للسياسة الوطنية، مانعًا لها من أن تظهر في أيسر مظاهرها، وهو إقرار النظام في أرض الوطن.
وقد اشتد الجدال في هذه المشكلة بين إيران وروسيا من جهة، وبين الحلفاء أنفسهم من جهة أخرى.
ولكن هذا الجدال لم يُغْنِ شيئًا، فقد استمسكت روسيا بموقفها مُحتجَّة بأن تدخُّل الحكومة المركزية قد ينشأ عنه إخلال بالأمن وسفك للدماء، وأنها تريد أن تمنع ذلك في الجزء الذي تحتله من إيران. وقد كانت أمريكا أسرع الدول المتحالفة إلى إيثار العافية، فنفضت يدها من احتلال إيران، واستردَّتْ قُوَّتَها قبل حلول الموعد المضروب لذلك، وأصبحت بذلك قادرة على أن تتكلم غير مهتمة ولا متعرضة للريب والشكوك.
أما بريطانيا العظمى فقد أيدت إيران في موقفها، واحتفظت بقُوَّتِها المحتلة في الجنوب، وظهر للناس في وضوح وجلاء أن في الأمر تنافسًا خطيرًا بين البريطانيين والروسيين، وأن أولئك لا يريدون أن يجلوا إلا إذا جلا هؤلاء.
وأسباب هذا التنافس أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالتنافس بين الدولتين قديم لمكان إيران بالقياس إلى الهند من جهة، وبالقياس إلى الشرق العربي من جهة أخرى، وبالقياس إلى تركيا وروسيا من جهة ثالثة، ولمكان منابع البترول في إيران أيضًا، ولأن الإنجليز والأمريكيين قد استأثروا بخط من البترول الإيراني، فمن الطبيعي أن يطمع الروس في أن يستأثروا منه بنصيب أيضًا.
وكذلك ظهر التنافس عنيفًا بين الدولتين الحليفتين في وقت كان يُظَنُّ فيه أن مثل هذا التنافس قد انقضى عهده، وجعل البريطانيون من جهة يتهمون الروسيين بالتوسع والجشع، كما جعل الروسيون يتهمون البريطانيين بالتسلط والقهر وتأييد النظم الرجعية في إيران وغير إيران.
ثم انعقدت جماعة الأمم المتحدة في لندرة، وانْتُخِب مجلس الأمن، فأثار الإيرانيون مشكلتهم في الهيئتين، وظن الروسيون أن الإنجليز هم الذين دفعوا إلى هذه الإثارة، فكالوا حلفاءهم صاعًا بصاع، وأثاروا بأنفسهم مشكلة اليونان ومشكلة إندونسيا.
والقراء يعلمون ما كان من الجدل حول هذه المشكلات، ويعلمون أن التجربة دلت على أن هاتين الهيئتين الدوليتين لم تبلغا سن الرشد بعد، ولم تستطيعا التغلب على ما يُثار أمامهما من المصاعب. وهما من أجل ذلك لم يقضيا في المشكلة الإيرانية، وإنما طلبا إلى الطرفين المختصمين أن يتفاوضا، وأن يظهرا مجلس الأمن على تطور المفاوضات.
وقد استقالت وزارة في إيران وقامت مقامها وزارة أخرى، وذهب رئيس الوزارة الجديدة إلى موسكو وأخذ في المفاوضات، ولكن الزمن لا يستقر ولا يحب الوقوف، وإنما هو ماضٍ في طريقه دائمًا يسبق الحوادث ولا تسبقه الحوادث، أو يسبق إرادة الناس ولا تسبقه إرادة الناس؛ ولذلك جاء اليوم الثاني من شهر مارس قبل أن تتم المفاوضات أو تنتهي إلى غايتها، وأصبح محتومًا على الحلفاء أن يوفوا بالعهد ويجلوا جنودهم عن إيران، فأما البريطانيون فقد جلوا بالفعل، وأما الروسيون فقد أظهروا استعدادهم للجلاء ثم قرروا البقاء.
وكذلك ظهر أن إحدى الحليفتين قد احترمت المعاهدة، وهي بريطانيا العظمى، وأن الأخرى لم تحترمها، وهي روسيا. ونشأ عن ذلك ما يسميه البريطانيون أخطر أزمة أُثِيرَتْ بعد الحرب، وهذا واضح؛ فقد كان الناس يعتقدون أن المنتصرين لن يُقْدِموا على نقض المعاهدات، ولا نكث العهود المبرمة؛ فإقدام روسيا على ما أقدمت عليه يلغي كل ثقة لا في الوعود المبذولة، فقد ضاعت الثقة في الوعود منذ زمن بعيد، بل في المعاهدات المبرمة، وإذا ضاعت الثقة في المعاهدات فقد أصبح النظام الدولي كله عبثًا.
ولذلك طلب البريطانيون والأمريكيون إلى موسكو أن توضح لهم حقيقة الموقف الروسي ومداه، وما زالت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية تنتظران هذا التوضيح، فلننتظر معهما، فقد يكون لروسيا ما تقوله، وقد يكون من سبق الحوادث أن نقضي في الأمر بغير علم.
ولكن هذه القصة الإيرانية وغيرها من القصص قد أظهرت في وضوح أن الأمور لا تجري سلسة هينة بين الحلفاء الثلاثة، وليس أدل على هذا من ذلك التهديد الذي صرح به وزير الخارجية الأمريكية منذ أيام حين أعلن أن أمريكا لن تقر العدوان ولن تسمح به، ومن هذا التهديد الذي صرح به المسيو تشرشل حين خطب في أمريكا يوم الثلاثاء، فطلب تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية لصيانة العالم المسيحي من خطر الشيوعية الدولية.
وخطاب المستر تشرشل خطير حقًّا، وهو في الوقت نفسه متهافت حقًّا … خطير؛ لأن هذا التحالف موجه ضد روسيا، ما في ذلك شك، ومتهافت ضعيف؛ لأن مستر تشرشل يريد أن تقوى جماعة الأمم المتحدة، وأن يكون لها جيش مشترك يكفل الأمن العالمي، ويريد في الوقت نفسه أن يطوي عن جماعة الأمم المتحدة أسرار القنبلة الذرية، فكأنه يريد أن تصبح هذه الجماعة أداة في أيدي السكسونيين يسيطرون بها على العالم.
وواضح أن روسيا لن تقر شيئًا كهذا، وأن أوروبا قد تكون لها كلمتها وإن كانت ضعيفة، وأن الأمم الأخرى غير الأوروبية مضطرة إلى أن تقف موقف الارتياب من هذا كله، ومن جماعة الأمم المتحدة نفسها التي تذكرنا بالعصور القديمة حين كانت الشعوب المتأخرة تصنع آلهتها بأيديها. فجماعة الأمم المتحدة لا قيمة لها إذا لم تستمد قوتها من إخلاص القلوب في حب الحق، والعدل، والمساواة …
هذه إحدى الأزمتين، أما الأزمة الثانية فتقع كما قلت في غرب أوروبا، حيث يقوم النظام الفاشي في إسبانيا، والناس جميعًا يعلمون أن الثورة الفاشية في إسبانيا هي التي دفعت أوروبا إلى الحرب الثانية. وقد انتهت الحرب، وكان من الطبيعي أن ينهار النظام الفاشي في إسبانيا كما انهار في كل مكان. ولكن الجنرال فرانكو ما زال مسيطرًا على أمر الشعب الإسباني العظيم، وصفوة هذا الشعب مفرقة في أقطار الأرض … يريد أكثرها العودة إلى النظام الديمقراطي الجمهوري، ويريد أقلها العودة إلى النظام الديمقراطي الملكي.
وقد حاول الحلفاء أن يُغيِّروا هذا النظام بالحسنى فلم ينجحوا، وهمت فرنسا الآن أن تصطنع شيئًا من الحزم، وأن تَحْمِل بريطانيا العظمى وأمريكا على مشاركتها في ذلك، ولكنها لم تظفر منها إلا بأيسر المشاركة في الرأي. فأما روسيا فبغضها لفرانكو معروف، وليس بينها وبينه صلات سياسية، وكل ما وصلت إليه الديمقراطية في غرب أوروبا وفي أمريكا هو أنها أنذرت الشعب الإسباني بأنها لا تقر نظامه القائم، وطلبت إليه أن ينشئ لنفسه حكومة ديمقراطية، وإلى هذا الحد يقف التدخل البريطاني الأمريكي.
أما فرنسا، فحكومتها متأثرة بالرأي العام، وهي من أجل ذاك أغلقت الحدود بينها وبين إسبانيا، وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى قطع العلاقات السياسية.
أما هذا التردد البريطاني الأمريكي فتعليله بسيط جدًّا، يرجع إلى المنافع المادية من جهة، وإلى الإشفاق من إسراع الديمقراطية الإسبانية نحو الشمال، ومن تكوُّن كتلة شيوعية خطيرة في غرب أوروبا.
وكذلك نلاحظ أن حب المنتصرين للديمقراطية مهما يكن قويًّا شديد الحرارة، فإن المنافع الاقتصادية وخوف التطرف من جهة أخرى يعرفان كيف يُلطِّفان هذه الحرارة، ويَرُدَّانها إلى القصد والاعتدال. -
بين بين …
بين بين …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٦ يناير ١٩٤٦
كان العالم خائفًا أشدَّ الخوف حين أخفق اجتماع لندرة في الخريف، ثم أمن العالم بعض الأمن حين نجح اجتماع موسكو في أول الشتاء، ثم عاد العالم إلى قلقه أو عاد القلق إلى العالم، ولمَّا يمضِ على اجتماع موسكو إلا أيام.
ومعنى هذا كله أن العالم مضطرب بين الخوف والأمن، وبين اليأس والرجاء، وأن هذا الاضطراب طبيعة مقومة للحياة الدولية، بل للحياة الإنسانية كلها؛ حتى تستقر الأمور في يوم من الأيام، إن قُدِّر للأمور أن تستقر بعد هذه الحرب الهائلة.
وليس كثيرًا أن يظل العالم قلقًا مضطربًا عامًا أو عامين بعد حرب منكرة اتصلت ستة أعوام. وأظن أن العالم يستطيع أن يحمد الله على السلامة إن ظفر باستقرار الأمور فيه بعد عام أو عامين من انقضاء هذه الحرب الثانية التي زلزلت حياة الناس كلهم زلزالًا شديدًا في السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية، بل في تقديرهم للأشياء وحكمهم عليها.
وليس المهم هو أن نعرف أن الوقت الذي سينفقه العالم في هذا الاضطراب سيكون طويلًا أو قصيرًا، وإنما المهم هو أن نتبيَّن الأسباب والعلل التي تدعو إلى هذا الاضطراب، وأن نتثبت بعد ذلك — إن أمكن التثبت من شيء في هذه الحياة — من أن العالم لن يُدفع إلى حرب ثالثة قبل أن يُتاح له من الراحة حظٌّ معقول.
وقد كان معروفًا أن أهم الأسباب الظاهرة لإخفاق وزراء الخارجية حين اجتمعوا في لندرة حرص الروسيين على الاستمساك بقرارات القرم وبوتسدام، وهي التي تقضي بأن يستأثر المنتصرون بكل شيء، وأن تكون فرنسا والصين في المنزلة الثانية بعد هؤلاء المنتصرين، تشاركان في بعض الأمر، وتردَّان عن بعضه الآخر، وأن ترتب الدول بعد ذلك درجات ومنازل بعضها فوق بعض.
وقد حاول البريطانيون والأمريكيون أن يشركوا فرنسا والصين في ظواهر الأمر كله؛ ليستعينوا بهما على التخفيف من حدة النفوذ الروسي العظيم، ولكنهم لم يظفروا من ذلك بشيء؛ فتفرق المؤتمرون دون أن يصنعوا شيئًا، وجعل بعضهم يكيد لبعض جهرة حينًا وخفية أحيانًا أخرى. ثم تبيَّن لهم أن الأمور لا تستطيع أن تمضي، ولا أن تستقيم على هذا النحو من الخلاف والكيد، فاضطروا إلى أن يستأنفوا الاجتماع في موسكو دون أن تشهد فرنسا والصين هذا الاجتماع. لعلهم أن يصلوا — حين يخلو بعضهم إلى بعض — إلى اتفاق كامل أو منقوص. وقد اجتمعوا، وتناقشوا، واتفقوا كما قال رئيس وزرائنا، ولكن على بعض الأمر دون بعضه الآخر.
وقد كان بسمارك فيما يُقال يشبِّه الدولة العثمانية بالخرشوف الذي لا يُؤكَل مرة واحدة، وإنما يُؤكَل ورقة ورقة. فقد يظهر أن المنتصرين قد عادوا إلى مذهب بسمارك، فشبَّهوا موضوع الخلاف بينهم بالخرشوف، وجعلوا يأكلونه ورقة ورقة، أو يحلونه شيئًا فشيئًا.
وليس من شك في أنهم — أثناء اجتماعهم في موسكو — قد أكلوا من هذا الخرشوف بعض أوراقه، وحلوا من أمورهم المعقدة بعض مشكلاتها؛ فتفاءلوا وابتهجوا، وشاركهم العالم في التفاؤل والابتهاج.
ومن المفيد أن تعرف أوراق الخرشوف التي أكلوها، وتتبين المشكلات التي حلُّوها أو أوشكوا أن يحلوها.
فالمشكلة الأولى بين هذه المشكلات هي المحافظة على قرارات القرم وبوتسدام، وقد حُلَّت هذه المشكلة أو كادت تُحَلُّ على نحو رائع حقًّا، انتصر فيه الروسيون انتصارًا شاملًا؛ فأُبْعِدَتِ الصين عن المشاركة في أمور أوروبا كلها، وأُبْعِدَتْ فرنسا عن المشاركة في شئون البلقان. وقد رضيت الصين بما قُسِمَ لها، وتردَّدَتْ فرنسا بين الرضا والسخط، ولكنها ستضطر آخر الأمر إلى أن ترضى، فقد ينبغي أن تملك من القوة والبأس ما يمكنها من تأييد سخطها بقوة السلاح، وما زال بينها وبين ذلك أمدٌ بعيدٌ.
وكذلك خلصت أوروبا للأوروبيين، وخلصت فنلندا للروسيين والبريطانيين من دون الأمريكيين، وخلصت بلاد البلقان للدول الثلاث الكبرى من دون فرنسا، وخلصت إيطاليا وألمانيا والنمسا للدول الثلاث الكبرى ومعها فرنسا.
وليس هذا بالشيء القليل، فقد ينبغي أن يدبر المنتصرون أمورهم في عقر دارهم كما يُقال، قبل أن يدبروها من وراء البحار. وليس قليلًا أن يتفق المنتصرون اتفاقًا ما على شئون أوروبا بعد أن كانوا لا يتفقون على شيء، فاجتماع موسكو قد أتاح لهم أن يخطوا خطوة قصيرة، ولكنها خطوة في سبيل الوفاق.
وهناك مشكلة ثانية أُتِيحَ لهم أن يحلوها أو يوفقوا إلى محاولة لها، وهي مشكلة اعتراف البريطانيين والأمريكيين بحكومات البلقان. فقد كانت هذه الحكومات خاضعة للنفوذ الروسي المطلق، وكان الحلفاء الغربيون يأبون الاعتراف بها؛ لأنها تخضع للنظام الشيوعي أكثر مما ينبغي. فقد أُتيح لهم الآن أن يجدوا مخرجًا من هذا الحرج، فقبل الروسيون أن تُمثَّل الأحزاب الديمقراطية المعتدلة في هذه الحكومات تمثيلًا ما وإن كان ضئيلًا كل الضآلة، وقبل الحلفاء الغربيون أن يعترفوا بهذه الحكومات بعد أن يتحقق هذا التمثيل، ثم أخذوا يعاونون روسيا بالفعل على تحقيقه.
وقد يجد المنتصرون هنا أو هناك عقبة تنغص عليهم هذا الاتفاق، فقد تستعصي فرنسا مثلًا، ولكنها ستلين آخر الأمر … وقد تستعصي الشعوب البلقانية الجامحة، ولكن الروسيين سيقنعونها بالمرونة إلى أن تستقر الأمور. وهناك مشكلة أخرى لم يجهر الحلفاء بأنهم قد حلوها، أو بأنهم يوشكون أن يحلوها، ولكن كل شيء يدل على أنهم يسعون في سبيل هذا الحل.
فهذه الدولة الفاشية التي تقوم في الطرف الغربي لأوروبا — على حين أن الدكتاتورية قد انهارت في كل مكان — لا ينبغي أن تُترَك متحدية للديمقراطية المنتصرة. والناس يعلمون أن ليست هناك صلات سياسية بين روسيا وإسبانيا، وأن الصلات السياسية قائمة بين الحلفاء الغربيين وحكومة الجنرال فرانكو، فلا بدَّ أن يزول التناقض بين المنتصرين.
وضرورات الحرب هي التي قضت على الحلفاء الغربيين بمصانعة الجنرال فرانكو ما دام محتفظًا بالحياد، وإن كان هذا الحياد مريبًا. فأمَّا وقد انقضت الحرب، وانتهت مناوراتها، وسيطرت الديمقراطية في كل مكان؛ فلا ينبغي أن يستمر هذا التحدي، ولا أقل من أن يقطع المنتصرون جميعًا علاقاتهم مع الجنرال فرانكو؛ لتضطر إسبانيا إلى أن تحيي النظام الديمقراطي في أرضها.
وبذلك تُنسَّق السياسة الأوروبية، وتتقارب فيها وجهات النظر، وتستطيع أوروبا المتضامنة على نحو ما أن تواجه المشكلات العالمية الأخرى، يقودها المنتصرون العظام إلى قهر المستضعفين الصغار. فالمنتصرون العظام كما ترى لم يتفقوا كل الاتفاق، ولم يختلفوا كل الاختلاف، ولكنهم بين بين!
وأوروبا — كما ترى — ليست آمنة كل الأمن، ولا خائفة كل الخوف … ليست يائسة كل اليأس، ولا آملة كل الأمل، ولكنها بين بين.
وقد استطاع المنتصرون العظام أن يحلوا مشكلات أخرى خارج أوروبا؛ لأن حلها كان شيئًا لا بد منه، وهم لم يحلوها حلًّا تامًّا، ولم يتركوها على ما كانت عليه من التعقيد، وإنما وصلوا إلى شيء بين بين. فقد أعادوا تنظيم الإشراف على اليابان بطريقة لا ترضي الروسيين كل الرضا، ولا تغضب الأمريكيين كل الغضب، ولكنها طريقة بين بين … تزيد من نفوذ الروسيين، وتحتفظ للجنرال ماك أرثر بسلطانه كاملًا.
وكادوا يوفقون بين المصالح الروسية والمصالح الأمريكية في الصين إلى أجل مسمى. وليس المهم هو أن تُحَلَّ المشكلات حلًّا حاسمًا، وإنما المهم هو أن يُؤخَذ في حلِّها، وأن يصل الحلفاء إلى موقف بين بين.
وهم قد وصلوا إلى اتفاق بشأن كوريا يجعلها مستقلة تشبه المستعمرة، ومستعمرة تشبه الدول المستقلة، ليست خالصة لنفسها من دون الناس، ولا خالصة لدولة أخرى من سائر المنتصرين، وإنما هي شيءٌ بين ذلك إلى أجل مسمى معلوم.
فإذا ابتهج وزير الخارجية الأمريكية، ورضي وزير الخارجية البريطانية، واستبشر وزير الخارجية الروسية؛ فمن حقِّهم جميعًا أن يبتهجوا، ويرضوا، ويستبشروا؛ لأنهم قد خرجوا من موقف الجمود والهمود الذي اضطروا إليه في الخريف إلى شيءٍ من الحركة والنشاط، قد دُفِعُوا إليه في الشتاء.
ولكن لم يكد وزير الخارجية الأمريكية يصل إلى واشنجطون، حتى تعرض لنقدٍ شديدٍ جدًّا. ولم يكن حظ زميله البريطاني خيرًا من حظه، فالرأي العام ساخط في أمريكا قلق في بريطانيا العظمى. وهذا أيضًا شيءٌ طبيعيٌّ لا غرابة فيه، فقد انتصرت روسيا في اجتماع موسكو إلى حد بعيد، وطبيعي أن يضيق بذلك المحافظون والمعتدلون في أمريكا وبريطانيا العظمى.
على أن اجتماع موسكو لم يستطع أن يحل مشكلتين أخريين حلًّا تامًّا أو مقاربًا، وهما مشكلتا إيران وتركيا. وفي إيران منابع البترول، وفي تركيا مفتاح البحر الأبيض المتوسط الشرقي، فلا غرابة في أن يتشاءم المحافظون والمعتدلون في أمريكا وفي غرب أوروبا. فأمَّا الإيرانيون والترك أنفسهم فأمرهم أهون من أن يُؤبَه له، وأيسر من أن يُلتفَت إليه … قد يضيق الإيرانيون بهذه المشكلات التي تأتيهم من تنافس المنتصرين حول وطنهم الذي يعيشون فيه، وثرائهم الذي يعيشون منه، ولكن هذا ليس شيئًا ذا خطر، فرضا الإيرانيين وسخطهم سواء، وإنما المهم هو أن يتفق المنتصرون على شئون إيران وإن لم تتفق معهم إيران على شئونها.
وكذلك الترك، قد يغضبون وقد يرضون، وقد يظهرون استعدادهم للحرب أو للسلم، ولكن المهم هو أن يتفق المنتصرون فيما بينهم.
ومن أجل هذا ظهرت في الجو العالمي فكرتان قيمتان كل القيمة؛ إحداهما: فكرة اللجنة الثلاثية التي تذهب إلى إيران لتحقق ثم تشير، لا على الإيرانيين بل على المنتصرين.
وقد أراد المستر بيفن أن يكون رفيقًا رشيقًا، وأن يفاوض حكومة إيران في إرسال هذه اللجنة إلى بلادها، ولكن يُقال إن الرفيق مولوتوف أبى حتى هذا الرفق، ولم يرضَ إلَّا أن يكون صريحًا. فشئون إيران تهم المنتصرين أكثر مما تهم الإيرانيين أنفسهم!
الفكرة الثانية: هي التي أخذت تظهر في اللحظات الأخيرة، وهي أن المفاوضات قد تحل الخلاف بين الروسيين والترك، وفي المفاوضات أخذ وعطاء، وواضح أن الروسيين لن يعطوا شيئًا، وأنهم لن يرضوا إلَّا إذا أخذوا شيئًا.
ومن الطبيعي أن هذه الفكرة إنما جاءت من المنتصرين، فمن يدري؟! لعل البريطانيين والأمريكيين أن يكونوا واسطة خير بين الترك والروس، فإنْ قَبِلَ الترك مشورتهم رَضِيَتْ روسيا، وقنعت تركيا بما كُتِبَ لها وبما كُتِبَ عليها، وإن رفض الترك هذه المشورة خُلِّيَ بينها وبين الرُّوس لتجرب حظها، ونتيجة التجربة معروفة لا شك فيها.
وقد تسأل عن شئون الشرق العربي، ما خطبها في كل هذه الأحاديث التي أُثِيرَتْ في موسكو، وما زالت تُثار في العواصم الكبرى الثلاث؟ والجواب عن هذا السؤال يسير جدًّا؛ فالشرق العربي آخر شيء يُفكَّر فيه، وإن كان المنتصرون لم ينسوه، ولا يمكن أن ينسوه؛ لأن فيه مصالح ومرافق ليس إلى نسيانها من سبيل. -
بعد الاتفاق …
بعد الاتفاق …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣٠ ديسمبر ١٩٤٥
يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.
والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.
فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.
وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.
وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.
على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.
وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.
كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.
وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.
وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.
سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.
وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!
على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.
وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.
فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا. -
مساومات٢
مساومات (٢)
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٦ ديسمبر ١٩٤٥
يقول الشاعر القديم: إن الحرب أولها كلام، ومن الممكن أن يُقال أيضًا: إن الحرب آخرها كلام؛ فقد اختصم الناس في الأعوام التي سبقت الحرب لعلهم يردون ألمانيا عن طغيانها، وهم يختصمون الآن فيما بينهم لعلهم يردون أنفسهم عن الغلو والطموح إلى البطش والعدوان. والواقع أن حرب الكلام طبيعة إنسانية تلازم الإنسان في كل زمان ومكان، تنفرد بالسيطرة حين يسكت السلاح، وتشارك في السيطرة حين ينطق السلاح أيضًا؛ فليس من المحقق أن صوت المدافع وأزيز الطائرات يضطران الناس إلى السكوت، وإنما الناس في حرب كلامية متصلة.
ولعل هذه الحرب أن تشتط وتبلغ أقصى غاياتها حين يتكلم الحديد والنار، ولا سيما بعد أن اختُرع الراديو، وأصبح أداة من أدوات الحرب الكلامية لا تُجارى ولا تُبارى، كما أن حرب البر والبحر والجو تأخذ أشكالًا مختلفة، فيها التقدم والتأخر والانتظار، والتماس الحيلة، والدوران حول المراكز الحرجة، فكذلك حرب الكلام فيها الإقدام والإحجام، وفيها المداورة والمناورة، وفيها الإسراع والأناة.
ومدار الحرب بالكلام أو بالسلاح على المساومة، فليست حياة الأمم كلها إلا مساومة مستمرة، كل يريد أكثر مما يستطيع أن ينال، وكل يجاهد في سبيل ما يستطيع، ومن هذه الإرادة المسرفة، ومن هذا الجهاد المتصل يكون الاصطدام بين المجاهدين بالقول دائمًا، وبالقوة المهلكة أحيانًا. وقد خرجنا من أزمة القوة المهلكة، وعدنا إلى هذه الحرب السلمية، إن صح أن تكون الحرب سلمية. هذه الحرب التي تقوم على الأخذ والرد، وعلى المحاورات التي لا تنقضي، والمناقشات التي لا آخر لها. ومدار هذه الحرب كمدار الحرب الأخرى هي المساومة على حقوق الشعوب، فأي المتحاربين تفوق، فهو الظافر المنتصر المستأثر بأعظم حظ ممكن من الظلم.
وقد اشتدت الحرب الكلامية في لندرة منذ حين أثناء اجتماع وزراء الخارجية، فكان الهجوم والدفاع، وكان الصدام والصراع، ثم انصرف المختصمون، ولن يلقى أحد منهم كيدًا. دافعت روسيا عن قرارات مؤتمر القرم، ومؤتمر بوتسدام، وعن استئثار الدول الثلاث الكبرى وحدها بالقضاء في بعض المشكلات من دون فرنسا والصين، واجتهدت بريطانيا العظمى وأمريكا في تيسير هذه القرارات، وإشراك فرنسا والصين في صلح البلقان، فلم تلن روسيا ولم تهن، وإنما استمسكت برأيها وأصرت، وأخفق المؤتمر إخفاقه ذلك المعروف.
ومضت أشهر على هذا الإخفاق كثر فيها الكلام هنا وهناك. واشتد فيها الجدل بين موسكو ولندرة وواشنجطون، وكثرت فيها الأحداث في الشرق والغرب، ثم ننظر فإذا العالم يُفاجأ بأن مؤتمرًا سيعقد في موسكو، وبأن هذا المؤتمر لن يشهده إلا وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى.
وإذن فأي الفريقين ظفر بالفوز في هذه المفاجأة؟! أهم الإنجليز والأمريكيون الذين كانوا يريدون أن تشترك فرنسا والصين في معاهدة الصلح البلقانية، أم هم الروس الذين كانوا يأبون أن تشترك فرنسا والصين في هذه المعاهدات؟!
مسألة فيها نظر، ولكن ظاهرها على كل حالٍ يدل دلالة واضحة على أن الروس هم الذين كسبوا الموقعة. فأما الاجتماع الذي سيعقد في موسكو، فلن تشترك فيه فرنسا والصين، ومهما تكن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع، ومهما تكن التأكيدات التي أُعطيت لفرنسا من أصدقائها الإنجليز بأن المجتمعين في موسكو لن يمسوا مصالحها وهي غائبة، فقد انتصرت وجهة النظر الروسية انتصارًا مبينًا.
انتصرت؛ لأن العالم ظل كما أرادت روسيا أن يكون، منقسمًا إلى هذه الطبقات الأربع: طبقة الدول الكبرى؛ وهي: روسيا وبريطانيا العظمى وأمريكا وحدها، وطبقة الدول الكبيرة؛ وهي: هذه الدول الثلاث مضافًا إليها فرنسا والصين، وطبقة الدول المتوسطة؛ وهي: هذه الدول التي لا تشترك في مؤتمر وزراء الخارجية، ثم طبقة الدول الصغيرة، وهي هذه التي يقضى في أمرها دون أن تُستأمر أو تُستشار، سواء أكانت منتصرة أم منهزمة أم محررة.
وإذن فالطبقة الأولى من طبقات الدول في العالم هي التي أرادتها روسيا مكونة من ثلاث لا من خمس، وأغرب ما في الأمر أن الانتصار الروسي في هذه المسألة يأبى إلا أن يكون تامًّا شاملًا، فالاجتماع لن يكون في لندرة؛ لأن لندرة قريبة جدًّا من باريس، والاجتماع لن يكون في واشنجطون؛ لأن واشنجطون بعيدة جدًّا على الرفيق مولوتوف، بينما الاجتماع ينعقد في موسكو.
فسيسعى إذن ممثلو العصبة السكسونية إلى عاصمة روسيا السوفيتية، ولم تعلن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع إعلانًا رسميًّا، ولكنها توشك أن تكون معروفة، فهي المسائل التي سيشتد فيها الخلاف بين السادة المنتصرين: مسألة الطاقة الذرية، ومسألة إيران، ومسائل البلقان على الأقل. وقد كان مستر تشرشل لبقًا كل اللباقة، ماهرًا كل المهارة، ماكرًا بعض المكر حين هنَّأ خصمه المستر بيفن بسفره إلى موسكو في مجلس العموم مساء الأربعاء.
ففي هذا السفر مصلحة لائتلاف المنتصرين، وتجنب لخطر الانقسام، وفي هذا السفر عدول من المستر بيفن عن موقفه ذاك العنيف في لندرة، حين أبى أن يقبل الرأي الروسي، وحين اضطر الرفيق مولوتوف في بعض المناقشات إلى أن يهم بمغادرة الغرفة التي كانت تجري فيها المناقشات.
لقد تشدد المستر بيفن ما وسعه التشدد في لندرة، ثم لان المستر بيفن ما وسعه اللين، وقرر السفر إلى موسكو وهنَّأه المستر بهذا اللين في لباقة ومهارة، ما نشك في أن المستر بيفن قدرهما وهو يقول في نفسه: لا بد مما ليس منه بد.
ومع ذلك، فقد كان هذا الاجتماع الجديد من غير شك نتيجة لمساومات طويلة جرى بعضها جهرة، وجرى بعضها الآخر في الخفاء، وكان من أهم هذه المساومات قصة القنبلة الذرية التي سافر من أجلها رئيس الوزارة البريطانية إلى أمريكا، والتي انتهى الأمر فيها إلى الاحتفاظ بأسرار هذه القنبلة للسكسونيين دون غيرهم من المنتصرين؛ حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وحتى تعرب روسيا عن نياتها ومطالبها في صراحة وجلاء.
ولكن روسيا لم تعرب إلى الآن عن مطالبها، وما زال الخيط الأبيض متلبسًا بالخيط الأسود، لم يتبين أحدهما من صاحبه، وكان من هذه المساومات ذلك النذير الخطير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم البريطاني، حين طلب أن يُعاد النظر في ميثاق سان فرانسيسكو، وأن يُلغَى ما تقرر فيه من حق الاعتراض.
وكانت روسيا هي التي فرضت حق الاعتراض هذا لتضمن به السيطرة للدول الخمس على بقية العالم، فإذا أُلغي حق الاعتراض، وصار الأمر إلى الكثرة من أعضاء مجلس الأمن، عاد العالم إلى نظام عصبة الأمم، واضطرت روسيا إلى العزلة، وتأهب العالم للحرب الثالثة. وقد سُمي هذا النذير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم قنبلة، سماه بهذا الاسم محرر جريدة الموند الفرنسية، وسماه بهذا الاسم صديقنا الأستاذ محمود عزمي في يوم واحد تقريبًا.
ومع ذلك فقد انفجرت هذه القنبلة ولم تؤذ أحدًا، والدليل على ذلك أن روسيا لم تغير موقفها، ولم تتحول عن رأيها، وإنما ظل الرفيق مولوتوف في موسكو ينتظر زيارة حليفيه السكسونيين.
وكان من هذه المساومات أيضًا ما تقدمت به أمريكا من جلاء الجيوش المتحالفة عن إيران قبل أن ينقضي العام، ولكن روسيا أجابت بأنها لا تستطيع أن تجلو قبل إبان الجلاء في مارس المقبل، واضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تسير سيرة روسيا وتعلق جلاءها على إيران بجلاء حلفائها الروس، وكذلك لم تُجْدِ المساومات العنيفة شيئًا، ولم يستطع التهديد الظاهر والتهديد الخفي أن يزحزحا روسيا عن موقفها، وهو موقف قوامه الحزم الصارم والمجاملة الرقيقة، وإذا لم تُجْدِ المساومة العنيفة، ففي المساومة الهينة اللينة متَّسع للجميع. وأول هذه المساومة الهينة أن تُجرى في موسكو، لا في لندرة ولا في واشنجطون. وهناك يمكن أن تُتَناوَل المسائل الشائكة بأيدٍ رفيقة لبقة، فيأخذ كل حليف شيئًا ويعطي شيئًا.
والمحقق أن روسيا لن تأخذ من الإنجليز ولا من الأمريكيين شيئًا، وأن الإنجليز والأمريكيين لن يأخذوا من روسيا شيئًا، وإنما يكون الأخذ والعطاء على حساب الدول الأخرى، سواء منها الدول المنتصرة أو المحررة. وأول هذا الأخذ والعطاء إبعاد فرنسا والصين عن المشاركة في بعض المسائل العليا؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنتصرين.
فإذا استطاع الحلفاء الثلاثة أن يتفقوا على مشكلات البلقان، وأن يجدوا حلًّا لمشكلة إيران، وأن يضعوا أساسًا للاتفاق على مشكلات الشرق الأقصى؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنهزمين، وعلى حساب الأمم المحررة، وعلى حساب الأمم التي أعانت الحلفاء ويسَّرت لهم النصر.
وكذلك يدور الأمر كله على المساومة، مساومة بالموت والدمار حين كانت الحرب قائمة، ومساومة بالنذير والوعيد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ومساومة بالأماني والآمال حين لا يجدي النذير، ولا يغني التهديد، واستذلال الضعفاء على كل حال. وأغرب ما في الأمر أن من الناس من لا يزالون يضللون أنفسهم بالأوهام، ويعتقدون أن النظم القائمة في العالم الآن تستطيع أن تكون وسائل منتجة؛ لتحقيق العدل والإنصاف والمساواة. أمَّا أنا فقد اعتقدت ذلك وقتًا ما، ولكني مضطر الآن إلى الشك فيه، وإلى الإيمان بأن تحقيق العدل في الأرض غاية يجب أن يسعى الإنسان إليها ما وجد إلى السعي سبيلًا، ولكن الوسيلة إلى هذه الغاية هي أن تُرد أمور الشعوب إلى الشعوب، أو قل هي أن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها. ولن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها إلا إذا ملكت من قوة النفس، وقوة اليد، وقوة اللسان ما يمكنها من أن تقول: لا. -
مساومات
مساومات
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٣ سبتمبر ١٩٤٥
لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.
وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.
ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.
وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.
ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.
وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.
وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.
وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.
وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟
وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.
أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.
وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.
وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!
والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.
وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.
هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.
واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.
والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.
فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء -
ماذا قال
ماذا قال
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ أغسطس ١٩٤٥
نستطيع أن نؤكد أن رئيس الوزراء لم يقُل شيئًا أمس حين تحدَّث إلى مجلس البرلمان في الحقوق المصرية. ونريد أنه لم يقُل شيئًا ذا خطر يمكن أن نعتد به، أو أن نطمئن إليه. فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء وغيره من زملائه يرون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين مواطنيهم، وفيما بينهم وبين الإنجليز: أن لمصر حقها الكامل في الاستقلال الصحيح، وفيما يستتبعه من الجلاء، ومن أن يخلص وادي النيل كله لسكان وادي النيل.
المصريون جميعًا يعلمون ذلك حق العلم، وهم لم يكونوا ينتظرون من دولة النقراشي باشا أن يُنبئهم برأيه في المسألة المصرية، ولا أن يتحدث إليهم بإيمانه بحق الوطن في أن يستقل استقلالًا كاملًا كريمًا، وإنما كانوا يطلبون إليه، وما زالوا يطلبون إليه، أن ينبئهم بما صنعت حكومته لتحقيق هذا الاستقلال فورًا، وبما اعتزمت حكومته أن تصنع لتحقيق هذا الاستقلال فورًا.
هذا هو الذي طلبه المصريون، وما زالوا يطلبونه إلى رئيس الوزراء، ومن أجل ذلك نأسف أشد الأسف حين يقرر أن رئيس الوزراء لم يقُل أمس شيئًا لمجلس الشيوخ، ولا لمجلس النوَّاب. فهو قد أنكر أن تكون الحقوق المصرية موضوع استجواب في أحد المجلسين؛ لأن المصريين جميعًا متفقون عليها. وله الحق في هذا الإنكار لولا أن أحدًا لم يتَّخذ هذه الحقوق موضوعًا للاستجواب، وإنما كان موضوع الاستجواب، وسيظل موضوع الاستجواب: ما صنعت الحكومة وما تريد أن تصنع لتجعل المطالب المصرية حقائق واقعة لا شك فيها ولا اختلاف عليها بين المصريين والإنجليز، أو بين المصريين والأجانب مهما يكونوا.
المصريون إذن لم يختلفوا في حقوقهم، ولم يسألوا رئيس الوزراء عن رأيه في هذه الحقوق، وإنما طلبوا إليه أن ينبئهم بأنه فعل شيئًا للظَّفَر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لم يفعل شيئًا، وطلبوا إليه أن ينبئهم بأنه يريد أن يفعل شيئًا للظفر بهذه الحقوق، وقد أنبأهم بأنه لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح ليفاوض في الظفر بهذه الحقوق، لن يتوانى عن انتهاز أي فرصة تسنح، ولكن متى تسنح هذه الفرصة؟ وكيف تسنح هذه الفرصة؟ ومن الذي يخلق هذه الفرصة؟ أتسنح هذه الفرصة اليوم؟ أتسنح غدًا؟ أتسنح بعد شهر؟ أتسنح بعد أعوام؟ هذا هو الذي لم يقُلْه رئيس الوزراء، وإنما انتظر أن يرى مصر مستمتعة بحقوقها بعد وقت قريب. والوقت القريب هذا قد يقصُر حتى يصبح ساعات، وقد يطول حتى يصبح أعوامًا، وقد يطول حتى يصبح عشرات من السنين؛ لأن القرب والبعد أمور إضافية إذا قيست إلى الزمن، وإذا قيست إلى حياة الأمم.
فرئيس الوزراء إذن لم يقُل شيئًا في هذا أيضًا. وكيف تسنح الفرصة؟ أتسنح مصادفة حين يخطر لها أن تسنح؟ أتهبط من السماء؟ أتنجم من الأرض؟ أتسنح ليلة القدر؟ أم تسنح لأننا نريد أن توجد، ونريد أن ننتهزها؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا. ومن الذي يخلق الفرصة؟ أنخلقها نحن؟ وما لنا لم نخلقها إلى الآن! أيخلقها الإنجليز؟ فإننا نستطيع أن ننتظر طويلًا إن أردنا أن نصدر في ذلك عن رضى الإنجليز. أيخلقها الأمريكيون؟ أيخلقها الروس؟ أيخلقها اليونان؟ وما شأن أولئك فيما بيننا وبين الإنجليز؟ من الذي يخلق الفرصة؟ في هذا أيضًا لم يقُل رئيس الوزراء شيئًا، وإنما أكد لنا رئيس الوزراء أنه لا يتوقع من الإنجليز معارضة أو ممانعة في استمتاع مصر بحقوقها كاملة، وإذن فما الذي ينتظر رئيس الوزراء ليطلب إلى الإنجليز التخلية بيننا وبين هذا الاستقلال الذي لا يتوقع منهم التواءً به أو معارضة فيه، وأغرب ما في الأمر أن يتلو رئيس الوزراء على المجلسين جوابه الذي هو أشبه بشهادة المسلم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وبصلاة المسيحي حين يقول فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس: «أبانا الذي في السماء.» ويظن أنه بهذه الشهادة قد أرضى المصريين؛ فهو يرى رأيهم في الاستقلال يطلبه كما يطلبونه، وينتظره كما ينتظرونه، ولم ينسَ رئيس الوزراء إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لم يرقوا به إلى رياسة الوزراء ليقول لهم أخر الأمر إني أحب ما تحبون وأنتظر ما تنتظرون، وإنما رفعوه إلى منصب الحكم ليبلغ بهم غايتهم ويحقق لهم أملهم، ويطلب إلى الإنجليز التخلية بينهم وبين استقلالهم. والظريف أن مجلس النوَّاب انتقل إلى جدول الأعمال، وظن نقيب الصحفيين أنه انتصر؛ لأن مجلس النوَّاب لم يوافق على جواب رئيس الوزراء؛ أي لأن مجلس النوَّاب وقف موقفًا سلبيًّا في هذا الأمر الخطير!
معذرة يا سيدي النائب النقيب. قد كان ينبغي أن يقرر مجلس النوَّاب بإجماع الآراء تكليف الحكومة أن تتدخل فورًا مع الإنجليز في المفاوضة لتحقيق الاستقلال؛ لتعرف مصر ما يُراد بها، وليعرف المصريون أين يُساقون، فأما المطاولة والمماطلة، والمواقف السلبية، وانتظار الفرص والثقة بحسن نية الحليفة فكلام كان يُقال، ولا ينبغي أن يُكتفى بقوله الآن. لقد سمع مجلس النوَّاب، وقرأ النوَّاب في الصحف أن إيران لم تنتظر، ولم تتربص، ولم تتوقع، وإنما طالبت بالجلاء، ولمَّا تنتهي الحرب بعدُ.
ولقد سمع النوَّاب وقرءوا أن سوريا ولبنان يطالبان بالجلاء، ويبلغان منه ما يريدان، ومصر تعينهما على ذلك. ويعينها عليه رئيس الوزراء نفسه، وهما لم ينتظرا، ولم يتوقعا، وإنما همَّا ثم فعلا، وأعانهما على العزم والفعل رئيس الوزراء. فما باله يرى ويعين فيما يتصل بسوريا ولبنان، ثم ينتظر الفرصة ويتوقع حسن النية فيما يتصل بمصر؟!
وقد سمع النوَّاب وقرءوا ما كان في مؤتمر سان فرانسيسكو من الخطوب، وما كان في مؤتمر برلين من الخطوب أيضًا، وعرف النوَّاب كما عرف رئيس الوزراء أن هذه الظروف هي التي ينبغي أن يكون فيها العمل، وأن الانتظار تقصير في هذه الأيام، وأن الإبطاء قد يعرِّض إلى ضياع الحقوق.
وما أشك في أن رئيس الوزراء لا يجب أن يُتهم بالتقصير، ولا يريد أن تضيع الحقوق؛ وإذن ففيمَ الصمت، وفيم الانتظار، وفيمَ التعلل بالآمال؟!
أليس غريبًا أن تصدر «الإجيبشيان» أمس، ويتكلم رئيس الوزراء أمس أيضًا، فإذا روح «الإجيبشيان» جازيت وروح الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء يتفقان على أن الانتظار خير، وعلى أن المسألة مسألة وقت؟! هل يعلم رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان، والمصريون جميعًا أن العالم الخارجي تحدث عن مذكرة الوفد، وتحدث أيضًا عن أن الحكومة المصرية ستطالب بالجلاء؟ فماذا عسى أن يقول العالم الخارجي؟ سيقول بالطبع إن السياسة قضت على الحكومة المصرية أن تستأني وتنتظر حتى تسنح الفرصة. فأما الأمة المصرية فإنها لا تستأني ولا تنتظر، وإنما تطالب بالحق كاملًا، وتسعى إليه في غير ريث ولا مهل.
وإذن فبين الأمة والحكومة اختلاف؛ أمة تسعى وحكومة تنتظر، ومن يدري لعل يومًا يأتي تتفق فيه الأمة والحكومة، فلا تمضي إحداهما وتقف الأخرى. -
كلام وأحلام
كلام وأحلام
طه حسين
جريدة البلاغ
١٧ مايو ١٩٤٥
يقول المثل العربي القديم: إن الحرب أولها كلام.
ويظهر أن الحرب آخرها كلام أيضًا؛ فقد كثر الحوار واشتد الجدال في أقطار الأرض كلها قبل أن تنتهي الحرب بوقت طويل، وقد انقطع دوي المدافع في أوروبا وانتهى تبادل الموت بين المتحاربين، ولكن حرب الكلام لم تزدد إلَّا اضطرامًا واحتدامًا.
وما من شك في أنها ستمعن في الاضطرام والاحتدام كلما تقدمت الأيام حتى ينعقد مؤتمر الصلح وينتهي إلى القرارات التي يمكن أن ينتهي إليها.
ومن يدري؟! لعل هذا أيضًا لا يضع حدًّا للحرب الكلامية؛ فحاجة من عاش لا تنقضي، وآمال الناس لا تُضبَط، ومطامعهم لا تُحَدُّ، ولا بدَّ لهم من أن يختصموا. وهم سعداء كل السعادة حين ينتهي اختصامهم إلى مثل ما هم فيه الآن من اختلاف الرأي، وتباين الأهواء، والازدحام على المطامع والمآرب. ولا يتجاوز ذلك إلى مثل ما كانوا فيه في هذه الأعوام الأخيرة من تهادي الموت، وتقارب الدمار، وإسراف بعضهم في إثناء بعض.
والأمريكيون يحبون الإحصاء ويغلون في حبه ويقحمونه في كل شيء، وهم قد أحصوا المشكلات التي يواجهها المنتصرون في أوروبا، فرأوها تنيف على الثلاثين. منها ما يتصل بشرق أوروبا، ومنها ما يتصل بغرب أوروبا، ومنها ما يتصل بأوروبا الوسطى، ومنها ما يتصل بأوروبا الجنوبية، ومنها ما يتصل بأقطار أخرى يفصلها البحر عن أوروبا، ولكن بينهم وبين أوروبا أسبابًا لا تريد ولا ينبغي أن تنقطع.
والعالم الحديث يحب التخصص ويحرص عليه، وليس من شك في أن بين الذين يُعنَون بسياسة هذه المشكلات التي نيفت على الثلاثين طوائف تحرص على التخصص، فتؤثر كل واحدة منها أن تفرغ لمشكلة من المشكلات أو لجماعة من هذه المشكلات، تقتلها بحثًا ودرسًا وتمحيصًا، وتستكشف من أسرارها وغوامضها ما يزيد حرب الكلام اضطرامًا واحتدامًا. ولكن هؤلاء المتخصصين لم يستطيعوا بعد أن يمتازوا، ولا أن يرفعوا صوتهم فوق الأصوات، وإنما نحن الآن في طور الاختلاط الذي يعرض فيه كل إنسان لكل شيء، ويكتب فيه كل كاتب في كل موضوع. وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلم تنتهِ الحرب الأوروبية إلَّا منذ أسبوع.
وعلى كل حال، فهناك مراكز أساسية لهذه الحرب الكلامية الخطيرة، وهي: لندرة، وموسكو، وواشنطون، وباريس. وقد كان يظن أن سان فرنسيسكو ستكون أهم هذه المراكز وقتًا ما، ولكن سان فرنسيسكو لم تلبث أن فقدت خطورتها حين انتهت الحرب الأوروبية، فتفرق عنها وزراء الخارجية للدول الكبرى، وعادوا إلى بلادهم يشرفون من قرب على إدارة الحرب الكلامية الظاهرة والخفية بعد أن انتقلت إليهم أمور الحرب من زملاءهم وزراء الدفاع والهجوم، وأصبحت سان فرنسيسكو الآن في المنزلة الثانية أو الثالثة، يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمل.
وليس أدلُّ على ذلك من أن المسائل الكبرى التي كانت تُدرَس في سان فرنسسكو ويشتد حولها الخلاف والجدال قد سافرت هي أيضًا مع وزراء الخارجية إلى المراكز الكبرى لحرب السياسة والكلام، وأصبحت من الأمور التي لا تشترك في درسها الأمم الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وإنما تتأثر بدرسها والقضاء فيها الدول الكبرى وحدها.
وهذه الدول الكبرى كانت أربعًا؛ وهي: بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا والصين. فأصبحت خمسًا بعد أن رُدَّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي بقرار إجماعي من مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسسكو.
والظريف الطريف في هذا أن الوفد الكندي هو الذي اقترح أن يُرَدَّ هذا المركز إلى فرنسا، وأن الوفد الذي أيَّده في هذا الاقتراح هو وفد أفريقيا الجنوبية، وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن المارشال سمطس هو الذي يرأس وفد أفريقيا الجنوبية، والمارشال سمطس هو الذي ألقى منذ حين حديثًا لم ينسَه الناس بعد ولم تنسَه فرنسا بعد، وقد أعلن فيه أن فرنسا قد فقدت مكانها بين الدول العظمى إلى وقتٍ بعيدٍ جدًّا. فمن الطريف أن يكون المارشال سمطس هو الذي يؤيد الاقتراح الذي يردُّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي الممتاز. وهذا يدل على شيئين؛ أحدهما: أن حقائق الحياة أقوى جدًّا من تفكير الناس وتقديرهم. والثاني: أن الناس لم يخطئوا حين قدروا أن المارشال سمطس سياسي عظيم؛ لأنه يلائم بين آرائه وبين حقائق الحياة، ولا يمتنع من الرجوع عن الخطأ حين يظهر له أنه كان مخطئًا.
وربما دلَّ هذا على شيءٍ آخر ينبغي أن نتدبره نحن ونطيل التفكير فيه، وهو أن اليأس إن كان بغيضًا خطرًا بالقياس إلى الأفراد، فهو سخيف كل السخف بالقياس إلى الشعوب.
ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كان الألمانيون يحتلون فرنسا كلها ويسيطرون على أمرها سيطرة تامة، وكان الحلفاء يتهيأون للغزو، وكان الألمانيون يسخرون من هذا الغزو ويرونه مغامرة صائرة إلى الإخفاق.
ثم بدأ هذا الغزو في يونيو، وحررت باريس نفسها في أغسطس، ولم يتم العام دورته حتى أصبح المغلوب غير الغالب، وأصبحت فرنسا كما كانت إحدى الدول الكبرى، وأصبحت ألمانيا محتلة كلها يشارك الفرنسيون أنفسهم في احتلالها. فإذا كان هناك شيءٌ ينبغي أن تتجنبه الأمم، وأن ترد عنه ردًّا عنيفًا، فإنما هو اليأس الذي لا يلائم الشعوب الحية ذات المجد القديم وذات الثقة بقدرتها على الحياة.
أقول هذا وأنا أفكر في حلمٍ مَرَّ ببعض النفوس في مصر أثناء الحرب؛ لكثرة ما احتملت مصر من المشقة وما بذلت من الجهد وما سمعت من الشكر والاعتراف بالجميل، وما تلقَّتْ من الوعود، وما زُيِّن لها من الأماني، فقد وجدت بين المصريين من اتسعت آمالهم إلى أبعد حدٍّ. فقدروا أن انتهاء الحرب لن يكفل لهم استكمال الاستقلال فحسب، ولكنه سيكفل لهم شيئًا آخر أعظم خطرًا من استكمال الاستقلال، وهو الاشتراك الفعلي الخطير في تدبير الشئون العالمية الكبرى. ولم يكن هذا الحلم غريبًا ولا شاذًّا؛ فقد كانت مصر نقطة عظيمة الخطر حقًّا في مصير الحرب، وقد عرفت كيف تَفِي لحلفائها، وكيف تحمي ظهورهم حين كان الألمان يسرعون إلى الإسكندرية وإلى وادي النيل، وكيف تشد أزرهم حين ولى الألمان مدبرين، وكيف تمنحهم الود حين قلَّ الأصدقاء، وكيف يثبت قلبها حين تخلعت القلوب.
كل ذلك قد كان، وكل ذلك عرفه الحلفاء جميعًا وشكروه لمصر شكرًا مجددًا متصلًا.
وكان هؤلاء المصريون يعتقدون أن هذا كله لن يذهب مع الريح، ولن يُكافأ بكلمات الشكر وألفاظ الثناء وحدها. وكانوا واثقين بأن انتهاء الحرب سيكون من آثاره الأولى أن تُرَدَّ إلى مصر حقوقها الكاملة في وادي النيل كله، وأن تُدْعَى مصر إلى الاشتراك في تدبير الشئون العالمية الكبرى على أنها تستحق ذلك استحقاقًا لمركزها الجغرافي من جهة، ولوفائها بالعهد حين قلَّ الأوفياء بالعهد من جهة أخرى، ولمستقبلها الخطير، سواء أراد الناس أو لم يريدوا من جهة ثالثة.
ولست أعتقد ولا أقول إن الأيام قد كذبت هذه الأحلام؛ فإن الحرب لم تَنْتَهِ في أوروبا إلَّا منذ أسبوع، والأسبوع شيءٌ قليلٌ في تاريخ الناس، وإنما أتمنى أن تنبئنا الأيام والأسابيع المقبلة بخير مما نبأتنا به الأيام والأسابيع الماضية، وقد كان من الخير أن تقول السياسة العالمية شيئًا في استكمال الاستقلال المصري، وأن يقول حلفاؤنا فيه شيئًا بنوع خاص، واستكمال الاستقلال المصري لا شأن له بمؤتمر الصلح ولا بمؤتمر سان فرنسيسكو، فهو ليس قضية معلقة بيننا وبين المحور المنهزم، وليس قضية معلقة بيننا وبين الروس والأمريكيين والفرنسيين والصينيين، وإنما هو شيءٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين وحدهم. وقد أثبتت الحرب وأهوالها أن كل شيءٍ بيننا وبين البريطانيين يجب أن يقوم على المودة وعلى التكافؤ في الأخذ والعطاء.
ولكن شيئًا لم يُقَلْ إلى الآن، فلننتظر حازمين عازمين واثقين بأن هذا الشيء يجب أن يُقال، ويجب أن يصبح حقيقة واقعة.
وكان هؤلاء المصريون يُقدِّرون أن مصر لن تكون عضوًا مؤسسًا في جمعية الأمم المتحدة وحدها، بل ستكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، سواء تألف من أحد عشر عضوًا أو أكثر من ذلك أو أقل.
وقد يبدو هذا غريبًا عند الذين ينظرون إلى الأمور نظرة الشك، وقد يضحك من هذا بعض الأقوياء الذين تغرهم القوة فتغريهم بالاستطالة والاستعلاء، ولكن هذا الحلم ملائم كل الملائمة لحقائق الأشياء ولطبيعة السلم إن أُريد التماس السلم الصحيحة، فقد أظهرت الحرب ألَّا سبيل إلى السلم في أوروبا ولا في الشرق القريب أو البعيد إذا لم تكن شئون البحر الأبيض المتوسط مستقرة آمنة، وألَّا سبيل إلى أن تستقر شئون البحر الأبيض المتوسط وتأمن إلَّا إذا شاركت مصر في إقرارها وتأمينها.
وهناك سبيلان لمشاركة مصر في إقرار هذه الشئون وتأمينها، إحداهما لا أمل فيها، وهي إكراه مصر على هذه المشاركة بالقهر والقسر والاستعلاء، فقد انقضت الأيام التي كان يمكن أن تُساس فيها مصر بما لا تريد، والثانية أن تكون هذه المشاركة نتيجة للحرية الكاملة والرغبة الصادقة والاقتناع بأن مصر مؤثر خطير في شئون الحرب والسلم في هذا الجزء من أجزاء الأرض.
إذن؛ فلا غرابةَ في أن تُستشار مصر في كل ما يتصل بشئون البحر الأبيض المتوسط، ولا غرابة في أن تشير مصر في كل هذه الشئون.
وسبيل ذلك أن تكون مصر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فلم يَقُل أحد ولن يقول أحد إن الحرب قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن السلم قد استقرت في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آخر الدهر، وإنما الذي يُقال هو أن الحرب قد انتهت الآن وتركت أوتارًا وحفائظَ وضغائنَ وأحقادًا ومطامعَ، وكل هذا خليق أن يعيدها يومًا ما إلَّا أن يحسن الاحتياط لذلك، ولن يحسن الاحتياط لذلك إذا أهملت مصر ولم تَرْعَ حقوقها وكرامتها وآمالها.
وأعود فأقول إن هذه الأحلام قد يضحك منها الشاكون، ويسخر منها الأقوياء الظافرون، ولكنها مع ذلك ملائمة أدق الملاءمة وأصدقها لحقائق الأشياء.
ومهما يكن رأي الشاكين والظافرين، ومهما يكن رأي بعض الصحفيين الأجانب الذين ينظرون إلى هذه الأحاديث نظرة لا تخلو من بعض الإشفاق ولا تخلو من بعض المكر، ويرون أنها أحاديث تصور المهارة أكثر مما تصور الحق الواقع.
مهما يكن رأي أولئك وهؤلاء، فإن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن علينا نحن الذين يبصرون الشعب المصري بحقوقه وواجباته، ويكشفون له عن آماله وأمانيه أن نقول للشعب المصري في صراحة وحزم وعزم إن من حقه أن يظفر باستقلاله كاملًا لوادي النيل، وإن من حقه أن يشارك مشاركة فعلية دائمة في تدبير أمور السلم، وإن من الواجب عليه لنفسه وللحضارة أن يعمل ويأمل ويجد في الظفر بهذه الحقوق والنهوض بهذه الواجبات. -
حادثان
حادثان
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ مارس ١٩٤٥
ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.
ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.
فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.
ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.
كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.
وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.
فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.
وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.
فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.
ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.
وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.
ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.
وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.
ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.