Tag: power politics

  • اللاعبون بالنفوس

    اللاعبون بالنفوس
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٥ يناير ١٩٥٦

    ما أكثر ما عقدت الإنسانية بهيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها من أمل، وما بذلت في إنشائهما من جهد، وما أنفقت وتنفق عليهما من مال! وما أيسر وأهون ما جَنَت الإنسانية منهما منذ أُنشِئَا إلى أن أَنفَقا من عمرهما عشر سنين، لم يُغنيا فيها عن الناس شيئًا، ولم يَكُفَّا فيها عن الناس شرًّا. وإنما أغريا بينهم بالعداوة والبغضاء، وملآ قلوبهم حفيظة وضغينة وحقدًا، وأطمعا الظالمين في الظلم حتى تجاوزوا فيه كل حَدٍّ، وأيأسا المظلومين من العدل حتى استيئَسوا منه، واتخذوا التشاؤم والريب وسوء الظن أساسًا لحياتهم، وقِوامًا لكل صلة بينهم وبين غيرهم من الناس.

    هم أولئك الذين كلَّفتهم الإنسانية أن يقيموا الحق بين شعوبها وأن يُنشئوا لها سلامًا كاملًا شاملًا قوامُه العدل الذي يأخذ للضعيف من القوي، وينصف المظلوم من الظالم، ويؤمِّن الناس جميعًا من الخوف والبغي والعدوان. فلم يصنعوا من ذلك شيئًا، بل لم يحاولوا أن يصنعوا من ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يؤمنوا بذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، وإنما أقبلوا على أداء مهمتهم هذه الخطيرة ممثِّلين يُحسنون التمثيل أحيانًا ويخطئونه أحيانًا أخرى، ويَملَئون قلوب الناس في كل يوم حسرة وألمًا، ويُذيقونهم في كل يوم مرارة الآمال الخائبة والأماني الكاذبة، وأريدُ بهم هؤلاء الذين تأتلف منهم هيئة الأمم المتحدة بين عام وعام، وهؤلاء الذين يأتلف منهم مجلس الأمن بين حين وحين.

    لقد اجتمعت هيئة الأمم في آخر الصيف الماضي وعُرضت عليها فيما عُرض عليها من المشكلات مشكلةُ الجزائر، وما يُصب على أهلها من البأس وما يُدبَّر لهم من الكيد وما يُسفك من دمائهم ويُزهق من نفوسهم؛ لأنهم يطالبون بأن يكونوا أحرارًا وبأن يأمنوا من الخوف ويُعصموا من البغي، ويظفروا بالكرامة التي قرر مَوْثِقُ هيئة الأمم أنها حق للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه ينتمي إلى هذه الدولة أو تلك ويعيش في هذا القطر أو ذاك.

    وكانت هذه المشكلة قضية بين شعب ضعيف هو الشعب الجزائري، ودولة قوية هي فرنسا، وخُيِّل إلى الناس أن هيئة الأمم قد أخذت موثقها مأخذ الجِدِّ، وأزمعت أن تقيم العدل بين الخَصمين دون أن تحفل بأن أحدهما ضعيف والآخر قوي، فقبلت مشكلة الجزائر بين ما كان ينبغي أن تدرسه من المشكلات في دورتها تلك، وشاع الفرح في أقطار الأرض، وأشعرت قلوب الناس غبطة وأملًا، وانطلقت ألسنتهم بأن العدل محقَّق من غير شك، وإنْ سعى إلى الناس في بطءٍ وأناة. ولكن الخصم القوي ثار ثائرُه وفار فائرُه وأخذته العزة بالإثم، فاستكبر حتى على القضاء، وأبى أن يقف موقف المتهم وأن يدافع عن نفسه أمام خصم ضعيف لا يملك حولًا ولا طَوْلًا؛ فترك هيئة الأمم تدور في غير مدار وتهيم في غير سبيل، وعاد إلى باريس غاضبًا مُغاضبًا معتمدًا على قوته، معتزًّا ببأسه متحديًا بما يملك من وسائل البطش والتنكيل. وما هي إلا أن تضيق هيئة الأمم بهذه الغضبة، ثم تضطرب لها، ثم تذعن بما لم يكن بُدٌّ من الإذعان له؛ فتؤجل القضية إلى غير موعد، وتسعى إلى فرنسا مترضية مستعطفة، وتخلي بين الجزائريين وبين الموت يتخطَّفهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وخلَّت بينهم وبين الظلم يُصَبُّ عليهم حين يصبحون وحين يمسون، وأذنت للعدل في أن يعود إلى مضجعه، فينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام، أو لا تُتاح له في يوم من الأيام.

    وعادت فرنسا إلى هيئة الأمم موفورة منصورة، قد رفعت رأسها مكابرة ومدت يدها مصافِحة، واطمأنت الهيئة كل الاطمئنان؛ فقد عاد الحبيب إلى الحبيب، ورضي الصديق عن الصديق، واجتمع الشمل بعد تفرُّقه، ورضيت هيئة الأمم بالعافية، وظلت الدماء تجري في الجزائر أنهارًا، وجعلنا نقرأ في الصحف الفرنسية نفسها أن مائة من الجزائريين قُتلوا في الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي، ثم نقرأ في بعض البرقيات أن أكثر من ثلاثمائة من الجزائريين قُتِلوا في ذلك الأسبوع نفسه.

    وليس بشيء من ذلك بأس ما دامت فرنسا راضية عن هيئة الأمم، وما دامت هيئة الأمم راضية عن فرنسا، فأما النفوس المُزْهَقَة والدماء المُرَاقة والأسر المُفجَعة، فأدوات للَعِب الأقوياء لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ومنذ أيام اجتمع مجلس الأمن، وما أدراك ما مجلس الأمن؛ هو الهيئة العليا التي تكبح بغي البغاة، وتكف طغيان الطغاة، وتعاقب المعتدين على عُدوانهم، وتجعلهم نَكَالًا للناس في أقطار الأرض كلها. اجتمع هذا المجلس الخطير، وعُرضت عليه قضية من الخزي للإنسانية المتحضرة أن توجد، ومن الخزي للإنسانية المتحضرة أن تكون موضوع أخذٍ وردٍّ، وأن يجرى فيها خصام أو جدال. فقد أراد الكبار أن يلعبوا بالصغار، فأزعجوا الآمنين الوادعين عمَّا كانوا فيه من أمن ودَعة، وسلطوا عليهم لعبتهم تسفك دماءهم وتذبح أبناءهم وتُخرجهم من ديارهم وتشرِّدهم في الأرض كل مشرَّد، وجعلوا ينظرون إليها وهي تفعل ذلك بمعونتهم وتأييدهم فرحين مبتهجين، قد أنشَئوا دولة من لا شيء، وحكَّموها في النفوس والدماء والأموال، وفرضوها على التاريخ فرضًا، ثم جعلوا يُدلِّلونها حتى استحبت الطغيان وكلفت باستباحة ما لا يُباح وانتهاك الحرمات وإهدار الحقوق. وخطر لهذه اللعبة ذات يوم أن تُغير على جارتها سوريا، وأن تأخذها على غِرَّة فتقتل وتنهب وتأسر، وتعود قوتها المغيرة مطمئنة راضية كأنها لم تصنع شيئًا ولم تقترف إثمًا ولم تهدر حقًّا. وما لها لا تفعل وقد مُدَّت لها أسباب العدوان، وأُطمِعَت في الأمن من العواقب وأُبيح لها ما لا يُباح لغيرها من الآثام.

    وعُرض الأمر على مجلس الأمن، ففكَّر وقدَّر، وأقبل وأدبر، وتقدم وتأخر، ثم قضى وقرَّر أن إسرائيل مذنبة، ولكنها لا تُعاقب على الذنب، جانية ولكنها لا تؤخذ بجنايتها، مدانة ولكنها تُلام وتُنذَر، ثم يكتفي باللوم والإنذار، ولا يتجاوز ذلك؛ ففيه الكفاية وأكثر من الكفاية.

    وقال قائل لمجلس الأمن من أعضائه: فلا أقل من أن تؤخذ إسرائيل بتعويض سوريا عمن قُتل من أبنائها وما ضُيِّع من أموالها، فليس في ذلك عقوبة، ولكن فيه شيئًا من إنصاف. ولكن المجلس أبى ولجَّ في الإباء، ووضع أعضاؤه القضاة أصابعهم في آذانهم وقالوا: حسبنا أن ندين إسرائيل؛ فإدانتها شيء عظيم. ثم تفرق مجلس الأمن بعد أن أذِن للعدل في أن يعود إلى مضجعه لينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام أو لا تُتاح له آخر الدهر.

    فأما النفوس التي أُزهقت، والدماء التي أُريقت، والأسر التي فُجعت، والحقوق التي أُهدرت؛ فأدوات للعب لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ألا يزال العرب يعتمدون على اللاعبين بالنفوس لإنصاف المظلومين من الظالمين؟ وألم يأنِ لهم أن يُنصِفوا أنفسهم بأنفسهم بعد أن أسفر الصبح لذي عينين؟

  • العالم الجديد

    العالم الجديد
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٢ أغسطس ١٩٤٥

    كانت أيامًا خطيرة حقًّا في تاريخ العالم الجديد، هذه هي التي بدأت يوم الخميس الماضي ٢ أغسطس، وانتهت يوم الخميس ٩ أغسطس.

    ففي اليوم الثاني من هذا الشهر أعلن رؤساء الدول الثلاث الكبرى بعض ما اتخذوا من قرارات في اجتماعهم ببوتسدام، وفي السابع من هذا الشهر عرف العالم هذا الحدث الخطير، حدث استعمال القنابل الذرية على أنها وسيلة من وسائل التعجيل بإنهاء الحرب. وفي اليوم التاسع من هذا الشهر عرف العالم أن روسيا قد أعلنت الحرب على اليابان، وكذلك يسعى العالم القديم سعيًا سريعًا نحو غايته، وهي الفناء في العالم الجديد الذي ينتظر أن يقوم مقامه بما يهيأ له من نظم، وبما يرسم له من خطط، وبما يؤمل فيه من إصلاح شامل وأمن كامل وسلام طويل.

    ولست أدري إلى أي حدٍّ يحسن التفاؤل، ولا إلى أي حدٍّ يفرض التشاؤم على الذين يحسنون التفكير فيما كان والتقدير فيما هو كائن، والتنبؤ بما يمكن أن يكون؟ فقد رأى بعض فلاسفة التاريخ منذ زمن طويل أن حياة الناس يشبه بعضها بعضًا كما تشبه القطرة من الماء قطرة من الماء، وأن حياة الناس يباين بعضها بعضًا كما يكون التباين بين الليل والنهار، وأن تاريخ هذا النوع الإنساني يقوم على هذين القانونين الخطيرين؛ قانون التوافق من جهة، وقانون التخالف من جهة أخرى. فبحكم قانون التوافق يكون التفاهم بين الأفراد والجماعات، ويكون التعاون بين الأمم والشعوب، ويتم ما يتم من رقي الحضارة وتقدم المعرفة وتسلط الإنسان على ما يعترض سبيله من المصاعب والعقبات، وبحكم قانون التخالف يكون افتراق الكلمة وانشقاق العصا بين الأفراد والجماعات في الوطن الواحد، ثم يكون تباين المنافع وتغاير الأهواء وتدابر المصالح، وما ينشأ عن ذلك من التنافس والخصام والحرب.

    وليس من سبيل فيما يظهر إلى أن يخلص النوع الإنساني خلوصًا تامًّا من سلطان هذين القانونين أحدهما أو كليهما، وإنما هو خاضع لهما في جميع الأوقات وفي جميع الظروف. وكل ما في الأمر أن هذين القانونين يختصمان، فيسود أحدهما حينًا ويسود أحدهما الآخر مرة أخرى.

    وواضح جدَّا أننا نعيش الآن في عصر يسود فيه قانون التخالف. فلم تكن الحرب العالمية الأولى، ولم تكن الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التنافس بين الحربين إلَّا مظاهر لهذه السيادة البغيضة. ولست من الذين يكلفون بفلسفة التاريخ أو يؤمنون بقوانينها هذه العامة التي ترسل إرسالًا وتخلب العقول بما يظهر عليها من مظاهر الدقة والشمول. ولكن من المحقق أن العصر الذي نعيش فيه ليس بعصر اتفاق ووئام، وإنما هو عصر اختلاف وخصام. وقد قيل لنا في أول القرن: إن الحرب العالمية الأولى ستقضي على أسباب الفرقة، وسترد العالم إلى الوفاق الكامل والأمن المطمئن والأمل العريض والنشاط الخصب. فلما لم تحقق تلك الحرب هذه الوعود الخلَّابة ولم يستقر السلم في الأرض؛ قال القائلون: إنها لم تنتهِ في سنة ١٩١٨، وإنما كانت هدنة بين الحربين، ثم استؤنف الخصام. وقيل لنا بعد ذلك: إن انهيار ألمانيا، وخضوعها الكامل لسلطان المنتصرين، واحتلال جيوشهم المظفرة أرضها في الشرق والغرب؛ هو الذي سيبلغ الحرب غايتها، وسيقر السلام على الأرض، وسيضع الأساس المتين للعالم الجديد.

    وقد انهارت ألمانيا واحتلت الجيوش المنتصرة أرضها كلها، واجتمع رؤساء الدول المنتصرة في عاصمتها؛ ليضعوا أساس الصلح، وليحكِّموا نظام السلم. ولكن يقال لنا: إن الحرب لم تبلغ غايتها بعد، فما زالت اليابان تقاوم في أقصى الشرق، ولا بدَّ من أن تنهار كما انهارت ألمانيا؛ ليكون الحديث عن السلم صريحًا صحيحًا منتجًا. كل هذا قيل، وكل هذا ما زال يقال. وقد حرص الإنجليز والأمريكيون والصين على أن يفرغوا من حرب اليابان؛ ليعجِّلوا وصول العالم إلى هذا السلام الذي يتحرق شوقًا إليه، فأرسلوا إلى اليابان إنذارًا نهائيًّا خطيرًا يطلبون إليها فيه أن تسلم كما سلَّمت حليفتها الهتلرية بلا قيد ولا شرط. فلما أبت رموها بقنبلتين هائلتين في أقل من أسبوع، بل في أقل من ثلاثة أيام … رموها بالقنبلة الذرية يوم الإثنين الماضي، ثم رموها بإعلان الحرب الروسية عليها يوم الأربعاء. وهم الآن ينتظرون أن تتدبر اليابان عاقبة أمرها. فإما أن تستسلم بلا قيد ولا شرط فيعود السلام الشامل، وإمَّا أن تصرَّ على العناد فتصب عليها القنابل الذرية صبًّا، وتغزوها جيوش الحلفاء من كل وجه، والغاية محققة لا شك فيها وهي انهزام اليابان واستسلامها في أقرب وقت ممكن.

    وكذلك نخرج — بإذن الله — من سلطان قانون التخالف لندخل — بإذن الله — في قانون التوافق في ظل ذلك السلطان، يسيطر على العالم سلام قوامه النظام والانسجام والوئام الذي لا يعرف اختلافًا ولا افتراقًا. وكذلك تجري الأمور ميسرة سهلة في أحاديث الناس حين يتحدثون، وعلى أقلام الكتَّاب حين يكتبون، ونستطيع أن نتمثل باسمين مطمئنين قول الشاعر القديم:

    منى إن تكن حقًّا تكُن أحسن المنىوإلَّا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
    وأكبر الظن أن هذه المنى ليست حقًّا، وأن قانون التخالف جزءٌ مقوم للطبيعة الإنسانية، وأن منافع الأفراد والجماعات ومنافع الأمم والشعوب ستصطدم دائمًا في ظل السلم ما دامت الدولة متعبة مكدودة. فإذا استراحت واستجمعت واستردت قوتها الحربية والاقتصادية ظهر التنافس العنيف والتخاصم المخيف، وصرح قانون التخالف عن نفسه واستؤنف الاصطدام المسلح. وقال لنا القائلون: إن الحرب الثانية لم تنهِ الحرب، وإنما وصلت بالعالم إلى هدنة طويلة أو قصيرة، كتلك الهدنة التي كانت بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٣٩. ذلك أن كل ما أعلن من القرارات التي اتخذت في بوتسدام لا يدل على أن الإنسانية قد رُدَّت إلى العقل، وثابت إلى الرشد، وآثرت العافية، ووضعت الأسس لسلام متصل صحيح. وما أحب أن أعرض لهذه القرارات التي اتخذها الرؤساء الثلاثة بشأن الشعب الألماني، فهم منتصرون قد لقوا من ألمانيا المحاربة هولًا عظيمًا، وهم مضطرون إلى أن يقسوا على هذا الشعب الظالم كما قسا على شعوبهم وعلى غيرها من الشعوب، وهم مضطرون إلى أن يجرِّدوه من السلاح تجريدًا تامًّا، ويمرنوه على الحضارة تمرينًا دقيقًا، ويغيِّروا عقليته التي أفسدها الطغيان. ولست أدري أينجحون في ذلك أم يخفقون؟ ولكني أفهم هذه المحاولة وأكاد أجد ما يسوغها. أمَّا الذي أريد أن أعرض له هو هذه المواقف التي اتخذها الرؤساء الثلاثة من أنفسهم أولًا ومن حلفائهم ثانيًا، ومن الأمم الأخرى المحايدة آخر الأمر. فهم قد وقفوا من أنفسهم موقفًا فيه كثيرٌ جدًّا من الأثرة وقليلٌ جدًّا من القصد، فأعطوا أنفسهم ما استطاعوا أن يعطوها، ولم يكادوا يعطون غيرهم شيئًا. ومن الحق أن بريطانيا العظمى وأمريكا لم تأخذا شيئًا من الأرض الألمانية، بل تكتفيان بالاحتلال الذي يقصر أو يطول، ولكن روسيا قد أخذت لنفسها جزءًا من ألمانيا، وفيه مدينة كونجسبرج مدينة الفيلسوف الألماني العظيم كانت، وأعطت جزءًا آخر لبولندا لتعوضها عما أخذت منها في الشرق حين غيرت الحدود. فأمَّا مصانع الألمان فقد قسمت بين الدول الثلاث تقسيمًا تفوقت فيه روسيا؛ لأنها احتملت من الشر أكثر مما احتمل حليفاتها، وواضح جدًّا أن هذا التقسيم الأثِر لن يُحفظ ألمانيا وحدها، ولكنه يترك في نفس الحلفاء الآخرين الذين مستهم الحرب بمثل ما مسَّت به غيرهم من الأذى آثارًا خطرة على السلام المستقبل. ومهما يكن من شيء فلن يستطيع أحد أن يقول إن فرنسا وبلجيكا وهولندا واليونان راضية كل الرضا عن هذا المذهب الذي ذهبه الرؤساء الثلاثة في بوتسدام. أمَّا الأمم الأخرى المنبثة في أقطار الأرض، فقد كان موقف الرؤساء الثلاثة منها غريبًا أيضًا لا يخلو من هذه الأثرة الظاهرة. فرومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا خاضعة للنفوذ الروسي ما في ذلك شك، والنمسا موضع خلاف بسيط. أمَّا الشرق الأدنى فلم يجهر الرؤساء برأيهم فيه؛ لأن فيه مشكلات لم تستطع حكومة العمال الجديدة فيما يظهر أن تقطع فيها برأي قبل أن تدرس وتقلب وجوه التفكير. فلروسيا مطالب عند الترك ونظرة خاصة إلى المضايق … وفي البلاد العربية مشكلات خطيرة ليست مشكلة فلسطين أقلها خطرًا. وإذن، فالتمهل فيها خير وحلَّها شيئًا فشيئًا أدنى إلى اليسر وأقرب إلى النجح. وأمَّا مسألة إيران، فلم يقل المؤتمرون فيها شيئًا، ولكن ظهر اليوم أنهم قد اتفقوا بشأنها على المقدمات الأولى التي تعلل الأطفال، ولكنها لا تقيد المستقبل تقييدًا خطيرًا، فسيجلو الحلفاء عن طهران فورًا، فأمَّا الجلاء عن إيران فمسألة فيها نظر يمكن البحث عنها بعد أن تستسلم اليابان. وكذلك وُضعت للعالم الجديد أسس لا تختلف عن أسس العالم القديم؛ لأنها تقوم قبل كل شيء على الأثرة التي يشتد لها التنافس من جهة، وعلى التوازن الدولي الذي يخيف بعض المنتصرين من بعض من جهة أخرى، ثم على المساومة والمداورة التي تؤجل حل المشكلات المعقدة من جهة ثالثة. وواضح جدًّا أن ما ظفرت به روسيا من التفوق قد كان ثمنًا معجلًا لما قرأنا من إعلان روسيا الحرب على اليابان اليوم. فأمَّا الثمن المؤجل فستنكشف عنه الأيام في تركيا أو في إيران أو فيهما معًا، وفي الشرق الأقصى على كل حال. والنتيجة الواضحة لكل هذا هو أن من الممكن أن يظفر العالم بسلام طويل، ولكنه سيكون كالسلام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم، قوامه القوة والتفوق والبأس، وقد استأثرت الدول الثلاث بالقوة والتفوق والبأس، فستفرض سلمها على الإنسانية، وأقول: سلمها، وأنا أريد ما أقول. لن تفرض على الإنسانية سلامًا إنسانيًّا يستمتع به الناس جميعًا في حدود العدل والمساواة، ولكنها ستفرض عليها سلامًا سكسونيًّا روسيًّا يظل شاملًا ما استقامت الأمور بين الروس والسكسون، فأمَّا سائر أمم الأرض فليس عليها إلَّا أن تسمع وتطيع، فإن أبت فالقنبلة الذرية موجودة تستطيع أن ترد العقل إلى المجانين، وأن تحبب الأمن والنظام إلى الذين يخطر لهم أن يكدروا صفو الأمن والنظام. ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي أن نلقيها على أنفسنا هي هذه، أيهما سيكون أقوى سلطانًا على الناس وأمضى أثرًا في توجيه الإنسانية: قوة القنبلة الذرية أم قوة الحق والعدل والمساواة؟

  • طبيعة الأشياء

    طبيعة الأشياء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ فبراير ١٩٤٥

    وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.

    وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.

    وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.

    أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.

    وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.

    ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.

    وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.

    وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.

    وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟

    وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.

    فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.

    وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.

    ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.

    وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.

    وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.

    ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.

    وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.

    وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.

    وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.

    وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:

    وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

    متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ