Tag: Prime Minister statement

  • موقف٤

    حديث الوادي
    موقف . . .
    – ٤ –
    أصبح منذ اليوم، بل أمسى منذ أمس واضحاً كل الوضوح، جلياً كل الجلاء، لا يثير حيرة ولا شكاً، ولا يغشاه غموض ولا إبهام، وبطل هذا الوضوح الواضح، وهذا الجلاء الجلي، هو رئيس الوزراء، وكم في الدنيا من أعاجيب، فقد أصبح رئيس وزرائنا الرجل الطيب بطلاً من أبطال الوضوح ومشرقاً من مشارق النور، ومصدراً من مصادر الاطمئنان، ومبعثاً للإيمان واليقين.
    لا تنكر شيئاً فليس ينبغي لك أن تنكر شيئاً، وإنما أنت رجل مصري، خلقت لتؤمن إن طلب إليك الإيمان، ولتطمئن إن طلب إليك الاطمئنان، كما أنك رجل مصري خلقت لتأتمر إن صدر إليك الأمر، ولتنتهِ إن وصل إليك النهي، فإن خالفت، فقد تلقى من الشطط ما تطيق وما لا تطيق.
    نعم أصبح موقف مصر السياسي واضحاً بعد أن كان غامضاً، وسهلاً بعد أن كان حرجاً، ويسيراً بعد أن كان دقيقاً، لأن رئيس وزرائنا الرجل الطيب أراد أن يكون هذا كله فكان. والناس الذين يعقلون ويفقهون، يعلمون حق العلم أن الأمور إذا تعقدت لا تحل بهذا اليسر، وأن المشكلات إذا ثارت لا تنتهي بهذه السهولة، وأن الحرج إذا اشتد لا ينفرج بكلمة يقولها رئيس الوزراء وإن كان رجلاً طيباً، وإن كان اسمه عبد الفتاح يحيى باشا، ولكن الأمور في مصر تجري كما قلنا لك ألف مرة ومرة، على غير ما تجري عليه في سائر البلاد. فلتتعقد الأمور وليشتد الحرج ولتزدحم المشكلات، وليمتلئ الجو بالأنباء والأحاديث، وليجرِ خيال الناس في غير طريق، وإلى غير أمد، ولتنطلق ألسنة الناس بالممكن والمستحيل، فكلمة واحدة يلقيها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، خليقة أن تمحو هذا كله، وأن ترد الجو صحواً صفواً، كأن شيئاً لم يكن؛ ذلك لأن رئيس وزرائنا رجل طيب، وفي كلماته بركة خليقة بأن تبدد الغيوم، وتذود السحاب، وتهدئ العواصف، وتقر القلوب في الصدور، والعقول في الرؤوس والألسنة في الأفواه، والغريب أن المصريين على اختلافهم لم يؤمنوا بهذه البركة إلى الآن، ولم يرفعوا رئيس وزرائهم الرجل الطيب إلى مرتبة القديسين وأصحاب الكرامات.
    وأغرب من هذا أن تتعرض حقوق مصر للخطر، وأن تعيش مصر أياماً، مملوءة بالحرج، لم تعشها منذ عهد بعيد في تاريخها الحديث، وأن تحدث، في مصر أحداث لم يعرف لها نظير أيام الحماية، ولا قبل أيام الحماية، وأن نجد رئيس الوزراء مع ذلك سبيلاً إلى أن يقول ويعمل، ما يدعو إلى المزاح، وما يثير الميل إلى الفكاهة، وما يكره الناس على أن يبتسموا، بل على أن يغرقوا في الضحك أي إغراق.
    فرئيس الوزراء يوافقنا على أن ما ألقاه إلى "المقطم" أمس من الحديث لم يكن جداً، وإنما كان لوناً من ألوان الدعابة لا يمحو شكاً ولا يزيل ريباً، ولا يرد الناس إلى ثقة ولا إلى اطمئنان، ورئيس الوزراء يعذر الناس من غير شك حين يعلم أنهم قرأوا هذا الحديث فرفعوا الأكتاف وهزوا الرؤوس، وقال عقلاؤهم ما أجدر الوزراء المصريين أن يذكروا أنهم لا يحكمون أطفالاً، ولا أغراراً، وإنما يحكمون رجالاً راشدين، ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه كان بين اثنتين حين تحدث إلى "المقطم" أمس؛ فإما أنه كان يسخر من الناس، ويعلم أنهم لم يؤمنوا لما يقول، وإما أنه كان سيئ الرأي في الناس، يراهم من السذاجة والبله بحيث يصدقون ما ليس إلى تصديقه سبيل.
    ما هذا الكلام الذي يلقى في غير تحقيق ولا احتياط؟ ليست في مصر أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذن ففيم نشاط الإنجليز الذي لم يعهد مثله من قبل، وفيم التفتيش على الشرطة في ثكناتها وأقسامها؟ وفيم زيارة نائب المندوب السامي لدولة توفيق نسيم باشا؟ وفيم غداء الأمير محمد علي على مائدة المندوب السامي؟ وفيم لقاء نائب المندوب السامي لرئيس الوزراء؟ وفيم سعي المستشار المالي بين دار المندوب السامي ورئاسة الوزراء؟ وفيم اجتماعات الوزراء على انتظار، وفيم اجتماعات الوزراء أحزاباً وشيعاً عند هذا الوزير أو ذاك؟ وفيم اتصال الرسائل البرقية بين دار المندوب السامي ووزارة الخارجية البريطانية؟ وفيم إلحاح بعض النواب من أنصار الوزارة عليها بالسؤال؟ وفيم اجتماع بعض النواب وإشفاق إدارة الأمن العام من هذا الاجتماع وتقدمها إلى بعض أصحاب الصحف ألا ينشروا ما قد يقره المجتمعون؟ وفيم سفر بعض النواب للقاء رئيس الوزراء، واعتذار رئيس الوزراء من لقائهم مكتفياً بما ألقاه إلى "المقطم" من حديث؟ فيم هذا كله، وفيم غير هذا كله مما لا نبيح لأنفسنا التحدث فيه، إذا لم تكن هناك أزمة ولا شيء يشبه الأزمة، وإذا لم يكن هناك خلاف بين الوزارة والإنجليز؟ ألم يكن أكرم لرئيس الوزراء وللشعب المصري أن ينظر رئيس الحكومة إلى الشعب كما ينظر الحاكم الرشيد إلى شعب رشيد، فينبئه بما يستطيع أن ينبئه به من حقيقة الأمر، ولا يخفي عليه الأمر إخفاءً، ولا يتحدث إليه كما يتحدث الكبار إلى الصغار، أو كما يتحدث الآباء إلى الأطفال؟ فما نظن رئيس الوزراء أرشد ولا أقدر على فهم السياسة والنهوض بأثقالها من كثير جداً من هؤلاء المصريين الذين يخفي رئيس الوزراء عليهم أمور السياسة إخفاءً، ويبعدهم عنها إبعاداً.
    ليست هناك أزمة، ولا شيء يشبه الأزمة، وإذاً فما هي هذه الجملة التي جاءت في آخر حديث رئيس الوزراء، والتي أضافها رئيس الوزراء إلى حديثه إضافة، واستوقف من أجلها مندوب "المقطم"، والتي يزعم فيها أنه سيعمل مع زملائه لصيانة حقوق الوطن والعرش؟ فحقوق الوطن والعرش معرضة إذاً للخطر، محتاجة إذاً إلى أن تصان. فما عسى أن يكون هذا الخطر؟ ومم يجب أن تصان هذه الحقوق؟ أليس رئيس الوزراء يوافقنا على أن حديثه لم يجل غموضاً، ولم يمح شكاً، ولم يزد على أن أضحك الناس، وإن كان الضحك لا يحسن في مثل هذه الظروف؟، قد يكون رئيس الوزراء حريصاً على ألا يقول شيئاً في هذه الأيام، بحق أو بغير حق، فقد كان الأكرم له وللناس أن يعلن إلى مندوب "المقطم" أنه لا يستطيع الآن أن يقول شيئاً، أو أنه يرى أن المصلحة تقضي عليه الآن ألا يقول شيئاً. كان هذا أكرم لرئيس الوزراء، وأكرم للناس من هذا الحديث الذي لم يتحدث بشيء. متى يعرف الحكم أن وقت الاستخفاف بأحلام الشعب قد انقضى وأن الشعوب لا ترضى من وزرائها في هذا العصر إلا الجد والصراحة والإخلاص؟ الناس إذاً يعلمون حق العلم أن الموقف ما زال دقيقاً أشد الدقة، حرجاً أشد الحرج، والناس إذاً يقدرون أن حفلات العيد ستنقضي اليوم، وأن الأيام القليلة المقبلة ستلقي على الموقف من الضوء ما لم يلقه حديث رئيس الوزراء.
    طه حسين
    (★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.