Tag: Professional Ethics

  • خطاب من طه حسين أمام مجلس الدولة

    طاب من طه حسين أمام مجلس الدولة
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ٩ مايو ١٩٥٣

    نُظرت أول أمس أمام محكمة القضاء الإداري الدعوى التي رفعها الدكتور سيد محمد باشا مدير المنطقة الشمالية للتعليم ضد وزارة المعارف، وطلب فيها إلغاء حركة ترقيات تخطته، وقال المدعي: إنه عندما تخطته حركة الترقيات أرسل كتابًا شخصيًّا إلى الدكتور طه حسين — وزير المعارف وقتذاك — عتب عليه فيه تصرُّفه معه.

    وقد رد الدكتور طه حسين عليه بالكتاب التالي:

    سيدي الأستاذ سيد محمد باشا … تلقيتُ كتابكم، ولو استمعت لما أثاره من الغضب في نفسي لعاقبتكم عليه، ولو استمعت كذلك لما قُدِّم إليَّ من شكوى أثناء عملكم بالمراقبة العامة للمستخدَمين أو المراقبة العامة للتعليم الحر؛ لأبعدتكم عن الوزارة … ولكن الله يقول: ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ). فعسى ألا تعود إلى كتابة مثل ما كتبت فتتعرض لما لا أحب أن تتعرض له. وقد كنَّا أزمعنا نقلك إلى الزقازيق تنفيذًا لما قدمنا إليك من وعد، وقد هممت أن أعدل هذا النقل وأدعك حيث أنت، ولكن الآية الكريمة التي تلوتُها آنفًا تحملني على ألَّا أغيِّر عملًا أردت به الخير لما قدمتَ من إساءة … فاستأنف عملك الجديد راضيًا مرضيًّا؛ وإلا فعليك وحدك تبعة ما تعمل وما تقول … ولك تحياتي خالصة. وزير المعارف (إمضاء)

  • القلق الخطر …!

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

  • تحقيق

    حديث اليوم: تحقيق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٣٢

    في وزارة المعارف تحقيق عظيم الخطر، بعيد الأثر، مروع الذين يحسن ظنهم بالأمور العامة في مصر، فيحسبون أن فيها تعليمًا ووزارة للتعليم.

    في وزارة المعارف تحقيق لا تشرف عليه كله وزارة المعارف، وإنما تشرف عليه لجنة نصفها من الوزارة، ونصفها الآخر موزع بين إدارة الجامعة، وإدارة الأوقاف الملكية، وإدارة المعاهد الدينية. ومعنى هذا أن وزارة المعارف لا تثق بنفسها، ولا تطمئن إلى أهلها، ولا ترى أن تكون لجنتها من الذين يشرفون فيها على التعليم؛ حتى تضمَّ إليهم قومًا آخرين، وحتى تجعلَ الأمر في هذه اللجنة مناصفةً بحيث لا يستطيع رجال الوزارة وحدهم أن يكوِّنوا أغلبية في اللجنة أو يستقلوا فيها برأي قاطع.

    وزارة المعارف إذن تنكر نفسها، وتستطيع أن تصدقني حين أؤكد لك أنها لم توفق في شيء كما وفقت في هذا الإنكار. هي جديرة أن لا تثق بنفسها، جديرة ألَّا يثق بها الناس؛ لأنها فقدت فيما يظهر كل ما يحمل على الثقة، أو يدعو إلى الاطمئنان. ولست أنا الذي يزعم ذلك أو يدعيه، وإنما الوزارة هي التي تؤكده وتقيد عليه ألف دليل.

    انظر إليها تؤلف لجنتها على هذا النحو، فثبت للذكي والغبي أنها لا تطمئن إلى رجالها، ولا تأمن إن جعلت اللجنة كلها أو أكثرها منهم أن يجوروا في الحكم، وأن يحابوا وزارتهم ويقولوا فيها غير الحق. والوزارة تريد الحق، وتريده كله، وتريده صارمًا قاطعًا؛ لأنها تريد أن تحدد التبعات وتعاقب المقصرين عقابًا يضمن لها حسن النتائج في الأعوام المقبلة.

    ثم انظر إليها في هذا التحقيق نفسه مع من تحقق، وعلى من تقيم هذه القيامة، وحول من تثير هذه الضجة، وفيمن تثير هذه الشكوك المخزية؟ في هيئة التدريس كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة النظار كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة التفتيش كلها في المدارس الثانوية، ثم في مراقب التعليم الثانوي ومساعده.

    المعلمون والنظار والمفتشون والمراقب ومساعده، كل هؤلاء خاضعون الآن لتحقيق تجريه معهم لجنة نصفها من غير رجال الوزارة، ثم تزعم لي بعد ذلك أن وزارة المعارف خليقة أن تثق بنفسها أو أن يثق بها الناس؟!

    ولمن يعمل هذا التحقيق؟ لوزير المعارف ووكيلها. وأين وزير المعارف ووكيلها؟ ذهب أحدهما إلى فرنسا ليستشفي، وذهب الآخر إلى إنجلترا ليستريح فيما يُقال. ألست ترى معي أن أقل ما توصف به وزارة المعارف وهي بهذه الحال أنها مضحكة. وإذا كانت وزارة المعارف مضحكة، فلا ينبغي أن تنتظر منها تعليمًا ولا تربية؛ لأن التعليم والتربية ليسا من الكوميديا في شيء.

    تأمر وزارة المعارف بالتحقيق مع المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، وتنسى أن تأمر بالتحقيق مع الوزير ووكيل الوزارة. فهما وحدهما اللذان ينبغي أن يُسألَا، وأن يكون معهما التحقيق. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها؛ لما قبل مجلس الوزراء من وزير أن يأمر بالتحقيق في أمر التعليم الثانوي كله حتى إذا أمضى قراره هذا ركب البحر إلى فرنسا ليستشفي ويستريح. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها، ولو أن مصالح الناس تُرعى في هذا البلد — كما تُرعى في البلاد الأخرى — لما سمح مجلس الوزراء بأن يشرف على التعليم وكيل لا يكاد يقترح إنشاء هذه اللجنة حتى يركب البحر إلى إنجلترا ليستريح إن صحَّ أنه ذاهب ليستريح.

    وأين كان وزير المعارف ووكيله وسكرتير الوزارة العام طوال السنة؟ أين كانوا من المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، ليتعرفوا أمرهم اليوم وليسألوا لجنة مختلطة أن تبيِّن لهم أدَّى هؤلاء الناس واجبهم أم قصَّروا فيه؟

    الذي أعلمه أن هؤلاء الثلاثة قضوا عامهم في وزارة المعارف، وكانوا يتصلون كل يوم بالمراقب ومساعده، وكان هذا المراقب يعرض عليهم كل يوم شئون التعليم الثانوي على اختلافها. وإذن ففيمَ التحقيق وفيمَ السؤال؟ وفيم هذه الفضيحة التي لا تحتملها وزارة تقدر نفسها وكرامتها لو أن رئيس الوزراء ملتفت إلى وزارته غير منهمك في طلب المفاوضات أو الطيران إلى الحدود؟

    إلَّا أن الأمر في وزارة المعارف لا يحتاج إلى تحقيق، وهو لا يحتاج إلى تحقيق من هذا النوع على الأقل، وإنما يحتاج إلى تحقيق آخر يأمر به مجلس الوزراء أو البرلمان؛ ذلك أن وزارة المعارف مشغولة بالديوان عن التعليم. وإذا قلت إنها مشغولة بالديوان، فمعنى ذلك أنها مشغولة عن التعليم بأمرين: أحدهما السياسة، والآخر الخصومة بين كبار الموظفين.

    فأمَّا السياسة، فهي في وزارة المعارف فنون وألوان. وتستطيع أن تصدقني؛ فأنا أحدثك عن علم: في وزارة المعارف لون من السياسة يُراد به الإعلان عن الحكومة، وإقامة الأدلة على أن الناس قد أحبوها وانصرفوا إليها عن المعارضة، ويظهر هذا اللون حين يتفضل الوزير بزيارة المدارس والمعاهد، فتُهيأ له الخطب والقصائد، ثم ترسل البلاغات بعد ذلك إلى الصحف.

    وفي وزارة المعارف لون من السياسة الحسيبة حين يتعقب الموظف؛ لأنه كان فيما مضى من الزمان سعدي اللون أو دستوري الهوى. وفي وزارة المعارف لون آخر من السياسة، لا أسميه ولا أستطيع أن أطيل القول فيه، وإنما يستطيع تفصيله وكيل الوزارة ووزير المعارف السابق ورئيس الوزراء وأشخاص آخرون مصريون وغير مصريين.

    ثم في وزارة المعارف تنافسٌ بين كبار الموظفين وأوساطهم. يستقيم الأمر بين الوزير والوكيل حينًا، فيعوج بين الوزير وخصوم الوكيل، وهم كثيرون. ثم يعوج الأمر بين الوزير ووكيله، فيستقيم في الحال بين الوزير وخصوم الوكيل. وخصوم الوكيل هؤلاء من كبار الموظفين وأوساطهم. فإذا سألت عن صغار الموظفين ماذا يصنعون، فهم يسعون بين أولئك وهؤلاء بالخير والشر، ويحملون إليهم المنكر والمعروف.

    أحسَّ وزير المعارف في الصيف الماضي حاجة ديوان الوزارة إلى شيءٍ من الإصلاح، ورأى خصومة شديدة بين كبيرين في الوزارة يُفسد لها أمر الديوان، فخطر له أن يفصل أمر الإدارة عن أمر التعليم. ولم تكد تظهر هذه الفكرة البريئة التي لم يُرد بها الوزير إلَّا الخير، حتى فسد الجو في الوزارة فسادًا تامًّا، وكانت حرب شعواء صمَّاء، عنيفة حقية، بين المراقبين ومساعدي المراقبين؛ أيهم يكون له الفن؟ وأيهم تكون له الإدارة؟ وكانت هذه الحرب سجالًا، ينتصر فيها فريقٌ، فتنشر الصحف أن فلانًا سيكون مراقبًا عامًّا للتعليم، ثم ينتصر الفريق الآخر، فتنشر الصحف أن تعيين فلان هذا لم يتقرر بعد، ويتضاحك صغار الموظفين في الديوان حين يقرءون هذه الأنباء المتناقضة.

    فأمَّا المعلِّمون والنظَّار والمفتِّشون، فكانوا يؤدون واجباتهم المختلفة كما يستطيعون، لا يلتفت إليهم أحد، ولا يحفل بهم إنسان.

    وإذا شُغِل رجال الديوان بالسياسة والكيد، وانصرفوا عن أمور التعليم، فبأي حقٍّ يلام المعلم أو الناظر أو المفتش أو المراقب إذا ساءت نتيجة الامتحان؟ وما قيمة اللجان التي تؤلف في الوزارة أو خارجها؟ أو التي تتناول هؤلاء المظلومين بالسؤال والاستجواب، ثم باللوم والعقاب، وهم أبرياء لا إثم عليهم ولا تثريب؟!

    لست أزعم أن هيئة التعليم الثانوي عندنا تحقق المثل الأعلى في الكفاية والعناية بأداء الواجب، بل هي مع الأسف الشديد بعيدة جدًّا عن هذا المثل الأعلى، ولكنها على كل حال أقل الناس استحقاقًا للوم واحتمال التبعة حين تسوء نتيجة الامتحان.

    وأخرى قد كثر الكلام فيها، ولكنها لن تُوفَّى حقَّها مهما يكثر فيها الكلام، وهي الضعف الخلقي عند الذين يشرفون على التعليم. فهؤلاء الناس الذين يُحارب بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكبر بغضهم لبعض، يخاف بعضهم بعضًا إلى حد غريب! وهم يضحُّون في سبيل هذا الخوف بشيءٍ كثيرٍ مما لا يحب الرجل العادي أن يضحي به إلَّا نادرًا.

    أذكر أني حين نقلت إلى وزارة المعارف، وذهبت إليها مغاضبًا للوزير، أعرض عن لقائي فيها قومٌ كانوا يظهرون لي المودة، وشيئًا فوق المودة، حين كانت الصلات بيني وبين الوزير حسنة. فلم أنكر منهم ذلك لأني جربت إقبالهم وانصرافهم مع تغير الوزارات، ولكن واحدًا منهم رأى أن الأمر بينه وبيني لا يحتمل مثل هذا الإعراض، فأخذ شجاعته بيديه — كما يقول الفرنسيون — وجاءني في غرفتي زائرًا، وإنه يشرب القهوة ويحرق السيجارة، ويخوض في أمر الوزارة إذ فتح باب الغرفة، ثم أغلق، ونظر الخادم بين ذلك كأنه يريد أن يعرف من بالغرفة. هنا وقف زائري فجأة كأنما دُفع إلى الوقوف دفعًا عنيفًا، ثم قال: «يا خبر أسود، هم يتجسسون على من يزورك، لن تراني بعد اليوم.» وقد صدق، فلم أره إلى الآن وكثيرًا ما كنت أراه، ولم أسمع صوته إلى الآن وكثيرًا ما كان يتحدث إليَّ بالتليفون، وهو على ذلك من أشجع رجال التعليم في وزارة المعارف!

    كلا، لا يصلح الأمر في وزارة المعارف بالتحقيق، ولو قامت به لجنة مختلطة، ولو أمر به مجلس الوزراء أو البرلمان. وإنما وزارة المعارف في حاجة إلى التغيير، في حاجة إلى أن تنشأ من جديد. في حاجة إلى أن يدعها هذا الجيل الذي كوَّنه دنلوب والمغربي باشا وعبد الفتاح باشا صبري، ويستخلف عليها جيل جديد لم يتأثَّر بهؤلاء الثلاثة. يومئذ لا تحسن نتيجة الامتحان وحدها، وإنما يحسن التعليم نفسه في جوهره، وتحسن الأخلاق، وتستطيع مصر أن تنتظر الخير من وزارة التعليم، فأمَّا قبل ذلك فلا.

  • في وزارة المعارف هل أنصف المعلمون؟

    في وزارة المعارف:
    هل أنصف المعلمون؟
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ ديسمبر ١٩٢٣

    أعترف مخلصًا أني كنت مطمئنًا الاطمئنان كله، معتقدًا أن قد أُنصِف المعلمون، وأُصلح من أمرهم ما كانوا يريدون إصلاحه بعد تلك الضجة العنيفة التي حدثت في الصيف الماضي حول المعلمين وقضيتهم، وبعد أن أزيلت من وزارة المعارف تلك السلطة المركزية التي طالما شكا منها المعلمون وغير المعلمين، وبعد أن أُسندت أمور هذه الوزارة إلى صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود، فأظهر من حب الإصلاح والرغبة فيه، ومن الميل إلى الإنصاف والحرص عليه ما سجَّلناه له غير مرة مُغتبطين به، مُثْنينَ عليه.

    كنت أعتقد أن المعلمين قد أُنصِفوا فاستقبلوا عامهم الدراسي الجديد وقلوبهم مطمئنة، ونفوسهم راضية، وجهودهم كلها موقوفة على التعليم، وكنت أعتقد أن وزير المعارف قد أنصَفهم فيمن أنصف من رجال المعارف، ثم اعتزَّ بإنصافه إياهم وعطفه عليهم فكلفهم هذه الأعمال الإضافية التي كلَّفهم إياها، والتي اقتضاها توسيع المدارس وزيادة الفصول فيها، وكنت أعتقد أن المعلمين قد اغتبطوا بهذا الإنصاف وابتهجوا له، فوجدوا من هذا الابتهاج قوة أعانتهم على قبول هذا التكليف الجديد راضين مستبشرين.

    وكنت أقول في نفسي: لقد وُفِّق وزير المعارف فحقق التعاون الصحيح والثقة الصحيحة بينه وبين المعلمين في المدارس، والمشرفين على أمور التعليم في الوزارة. ولكن مُعلمَينِ أقبلا إليَّ أمس، فكان بينهما وبيني حديث أقل ما ترك في نفسي أن الأمر شيءٌ من الأسى والشعور بخيبة الأمل، فلم يَصلُح أمر المعلمين، وما زالت «قضيتهم» إلى اليوم بحيث تركناها في الصيف الماضي موضوع النزاع بين وزارة المعارف ووزارة المالية.

    وما لي أقص عليك أمر المعلمين وأحدهم يقصه عليَّ في هذا الكتاب الذي أرجو أن يقرأ وزير المعارف ما نقتطف منه:

    … في شهر أغسطس الماضي، أُلقيت مقاليد الأمور في وزارة المعارف إلى صاحب المعالي، الرجل الفاضل أحمد زكي أبو السعود باشا، فاستبشر المدرسون وأمَّلوا خيرًا على يديه، واطمأنت نفوسهم، وسافر وفد نائب عنهم وتشرف بمقابلة معاليه، وبسطوا له شكاتهم، فطيَّب خاطرهم، ووعدهم بالسعي في رفع الحيف الواقع عليهم. مرَّ شهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، وفي آخره تشرف الوفد مرة ثانية بالمثول بين يديه مذكِّرًا ما وعد، ومشيرًا بكل تواضع إلى ما يبذله المدرِّسون الآن من الجهود التي تقصم الظهور لزيادة الحصص، وتضاعف عدد التلاميذ في الفصول المدرسية، وقد فعلوا ذلك عن طيب خاطر، وتلبية لنداء الواجب، فأجابهم أن يتركوه يعمل في جو هادئ. انقضى شهر أكتوبر، وتلاه نوفمبر، فأخذت الهموم تساور نفوس المدرسين، ويشتد بهم القلق، فتوجه وفد منهم وطرق هذه المرة باب سعادة سكرتير الوزارة العام، فأبى أن يجيبهم بأكثر من أن معالي الوزير مهتم بأمرهم. انصرم شهر نوفمبر وانتصف شهر ديسمبر الآن، ولكن بدل أن يظهر شيء يريحهم وتهدأ له نفوسهم راجت إشاعات السوء، وامتلأ الجو بما يثير التشاؤم ويبعث الجزع في النفوس. ولا أجزم بصحة ما يُقال أو ما يُشاع، إنما يصح — على الأقل — أن أتمثل بقول القائل: لا دُخان بلا نار، أم يرى سيدي أن أتفاءل خيرًا رغم العبر الماضية؟ أتعلم، يا سيدي الأستاذ، من واضع المذكرة الأولى لتحسين حال المدرسين؟ هو صاحب الدولة يحيي إبراهيم باشا، رئيس الوزراء الحالي. أتعلم من أرسل المذكرة الثانية؟ معالي محمد توفيق رفعت باشا، وزير الخارجية الآن، والثالثة؟ معالي أحمد زكي أبو السعود باشا، وزير المعارف، وإلى من أرسلت؟ إلى معالي أحمد حشمت باشا، وزير المعارف الأسبق، والمالية حاليًّا. فهل يتنزل سيدي الدكتور ويبين لي السر في الإحجام عن إنصاف المعلمين، ومعظم وزرائنا الحاليين ممن خبروا وزارة المعارف وعرفوا شيئًا عنها، وأقروا المدرسين على عدالة مطالبهم؟ إني لمنتظر حتى يتفضل عليَّ سيدي بحل هذا اللغز، فيضيف بذلك فضلًا على أفضاله السابقة التي لا أنساها ولا ينساها له مدرس في مصرنا. ولكن إذا سمح لي وأفسح صدره بأن أسبقه بذكر سبب واحد لا أملك نفسي عن ذكره، ولا أستطيع أن أكتمه عنه انتظارًا لحله العتيد؛ كنت له من الشاكرين، ألا وهو أن المدرسين مستضعفون من الجميع. هذا ما أعتقده وما خبرته بعد طول الزمن في مزاولة هذه المهنة — مهنة التعليم — بوزارة المعارف. لا ألقي الكلام على عواهنه، ولا أتجنى على أحد. فهذا ما قد صرَّح به أقطاب الوزارة في مواقف عدة، والواقع يثبته ولا يدع مجالًا للشك فيه، ورغم ذلك كله؛ فإني منتظر وكلي آذان صاغية لما تدلُون به من الأسباب، وأقبلوا فائق التحيات. المدرس

    وأي وجه للغرابة في أن يعتقد أقطاب وزارة المعارف، وأقطاب وزارة المالية، وأقطاب الوزارات الأخرى، وغيرهم من الأقطاب، ومن ليسوا أقطابًا، أن المعلمين مستضعفون؟ وصناعة التعليم — كما قلت غير مرة — تضطر صاحبها إلى أن يكون مستضعفًا؛ فليس من اليسير أن تجمع بين الحرص على العلم وإتقان التعليم، وبين الشره إلى المال والتهالك عليه، وليس من اليسير أن تعاشر كتب الفلاسفة وآثار العلماء ثم تكون مع هذه المعاشرة وقحًا سمجًا تدافع، لا أقول عن حقك، بل أقول عن هواك في شدة وعنف، يُظهِرانك مظهر القوي وإن كنت ضعيفًا، ويَقفانك موقف المحق وإن كنت مبطلًا. ليس من اليسير أن تكون معلِّمًا شريفًا وأن تكون مع ذلك شرهًا أو وقحًا أو سمجًا. وإذا لم يكن الرجل على حظٍّ من هذه الخصال السيئة؛ فقلَّما ينجح، وقلَّما يُوفَّق إذا فسد الأمر، واضطربت النُّظم الخُلقية، وقامت المنفعة والمحاباة مقام الحق والإنصاف.

    نعم، عسيرٌ جدًّا على المعلم إذا كان شريفًا أن يُوفَّق إلى الحياة الراضية الهادئة في مثل هذه الأيام التي يُهضم فيها حق الرجل الكريم، ويُزدرَى فيها مكان الرجل الشريف، ولسنا نستطيع أن
    ننصح للمعلمين بأن ينزلوا عن خلالهم الطاهرة الشريفة ليفوزوا بنعمة العيش ولقمته، فهم غير قادرين على هذا من جهة، ومنفعة مصر وحياتها المقبلة وحسن تأديب شبابها، كل ذلك رهين بأن يظل المعلمون محتفظين بحظهم من الكرامة والحياة.

    إذن، فما الذي يحل مشكلة المعلمين؟ وهل قضي علينا حقًّا أن نيأس من الحق والعدل والإنصاف في هذه البلاد؟ وهل قُضِيَ علينا حقًّا أن نشهد في كل يوم هذه المشاهد المؤلمة، وأن نرى في كل يوم أموال الدولة تُبعثر يمينًا وشمالًا، وتنثر في كل وجه، فلا تصيب أو لا تكاد تصيب إلَّا من أتاحت له المصادفة أن يرضى عنه فلان أو فلان من هؤلاء السادة الذين يُدبِّرون أمورنا في هذه الأيام العوجاء؟ وأين مكان رجل كوزير المعارف، وما عهدناه إلَّا مُنْصفًا مؤثرًا للعدل، مُحْتفِظًا لوزارته بحقِّها من الكرامة. ألا يستطيع مثل هذا الرجل الخيِّر أن يكون مصدرًا للخير، فيرفع الضير عن طائفة خليقة حقًّا بأن لا تشقى؟ أيُّ حقٍّ أن يشقى المعلمون بالعلم والتعليم، وأن يسعد الجهلاء بالجهل والغرور؟

    يجب أن نُنْصِف وزير المعارف كما يُنصفه المعلمون أنفسهم، فيظهر أنه جادٌّ، ويظهر أنه ما زال يَجِدُّ في إنصاف معلميه، ولكن وزارة المالية تأبى أو تتردد أو تماطل، والفصول تتغير، ويُقبل الشتاء على أثر الصيف، وتتجدد حاجات المعلمين وأبنائهم وأسرهم، فلا يجدون ما يدفعون به هذه الحاجات إلَّا وعودًا وأمانيَ: انتظروا، دعوني أعمل في جو هادئ. إن الوزير مهتمٌّ بأمركم.

    ولكن هذه الكلمات مهما تكن حلوة أو مرة، وهذه الوعود مهما تكن مقوية للأمل أو مُضعِفة له؛ فلن تمكِّن المعلم من أن يشتري ثياب الشتاء لنفسه ولمن يعول.

    إني لأخجل حين أكتب مثل هذا عن المعلمين، فإن للأستاذ حياءٌ يحول بينه وبين أن يظهر للناس من أمره مثل هذا، وإن من الخزي والعار أن يشكو المعلمون في مصر فقرًا أو سوءَ حال. فهل أستطيع أن أعتمد على وزير المعارف في ألَّا يردد المعلمون مثل هذه الشكاة التي تُؤلِمُهم ولا تُشرِّف مصر؟
    أمَّا أنا فثقتي بوزير المعارف قوية، وأعتقد أنَّا لن نحتاج إلى أن نشكو مرة أخرى.