تكريم المعلمين
طه حسين
مجلة المقتطف
نوفمبر ١٩٥٠
ألقى حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين بك وزير المعارف العمومية كلمة خالدة في الحفل الذي أقامه لتكريم رجال التعليم مساء يوم الجمعة ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٥٠، تكليلًا لما أحرزوه من نجاح في الموسم الدراسي الحاضر. نقتطف منها النبذ الآتية:
أيها الزملاء الأعزاء …
لكم أخلصُ التحية وأصدقُ الشكر على ما تفضلتم به من الاستجابة لهذه الدعوة، والحق إني حين دعوتكم إلى هذا الاجتماع العائلي كما يُقال في هذه الأيام لم أُرِدْ إلَّا إلى شيءٍ واحد، هو أن أبلغكم شكر الحكومة على ما قمتم به جميعًا من جهدٍ وما احتملتم من مشقةٍ، وتهنئة الحكومة على ما انتهيتم إليه من نتيجة، وما أُتيح لكم من ظفر، لا أعرف أنكم قد سُبقتم إليه في الأعوام الماضية، ولا أريد أن أخصَّ منكم بالشكر والتهنئة أحدًا؛ فأنتم جميعًا من حضر منكم هنا ومن لم يتح له أن يحضر، من كان منكم في مناصب الإشراف على التعليم في الوزارة والمناطق ومن كان منكم مباشرًا لشئون التعليم من أقرب مناهجه ووسائله؛ كل منكم قد بَذَلَ الإخلاص الذي لم يكن ينتظر من رجال العلم غيره، وكل منكم قد بذل الجهد الذي يكافئ هذا الإخلاص، وكل منكم قد شارك فيما أُتيح لنا من هذا الفوز الذي يراه غيرنا عظيمًا، ولا أراه إلا متواضعًا يسيرًا، ولأنه ليس إلَّا الخطوة الأولى، والخطوة القصيرة، والخطوة التي ينبغي أن تتبعها خطوات طوال أوسع في شئون نشر العلم وإنقاذ مصر من الجهل، وتمكينها من أن تكون بلدًا له حقُّه في الحرية الكاملة، وحقُّه في الشرف الذي يلائم قيمه، ويلائم مستقبله السعيد إن شاء الله.
أيها الزملاء …
إنَّا — نحن جماعة المعلمين — ينبغي أن نكون أول من ينتفع بالعلم، ننتفع به قبل أن ننفع به تلاميذنا، وأول ما ينبغي للمعلم الذي يريد أن ينفع وأن ينتفع هو ألَّا يزدهيه الغرور، وألَّا يشغله الفوز اليوم عن الجهد الذي ينتظره غدًا، وألَّا يطمئنَّ إلى ما يُتاح له من بلوغ الغاية؛ فنحن لم نبلغ بعد غاية، وإنما ابتدأنا الطريق، والطريق أمامنا طويلة بعيدة شاقة، ولا بدَّ لنا بإذن الله أن نمضي إلى أمام حتى تبلغ مصر غايتها، إن لم يكن بلوغها في عصرنا ففي عصور أقرب وأدنى إلينا مما كان الناس يظنون قبل أن يُختم هذا الصيف.
عود إلى الماضي إني لأذكر وفي نفسي — ولا أقول على شفتي — أذكر وفي نفسي ابتسامة ليس فيها سخرية، وليس فيها غرور، وليس فيها اعتداد بما بذلنا جميعًا من جهد. أذكر ذلك الكلام الذي كان يُقال منذ عام حين كان المصريون يشكون أزمة المدارس وأزمة القبول فيها، وحين كان اللوم يُساق عنيفًا شديدًا إلى وزارة المعارف، وحين كان المشرفون على وزارة المعارف يعتذرون بأن الأمة تطلب إلى الوزارة فوق ما تُطيق. أذكر هذا، وأذكر الفصول التي كنت أكتبها من قمم الجبال، كما كنت أكتبها من سواحل البحر، أبيِّن فيها أن الوزارة قادرة على أن تواجه أزمة التعليم إن خلصت النية وصفت القلوب، ورُوعيت المصلحة العامة وحدها، ولم يُراع معها شيءٌ آخر. ولست أخفي عليكم أني حين نهضت بشئون وزارة المعارف كنت أشفق على نفسي من هذا الكلام الذي أرسلته من قمم الجبال. كنت أشفق على نفسي من أن أكون قد أسرفت عليها وعلى الوزارة في حسن الظن، ولكنكم حميتموني من هذا الإشفاق، وصدقتم ما تقدمت به من وعد، وأتحتم لي أن أكون راضيًا مبتهجًا مرفوع الرأس، أقول للمكابرين: انظروا، فهذه أزمة التعليم قد حُلَّت في هذا العام، وحلُّها في هذا العام دليلٌ على أنه لا ينبغي أن توجد في مصر أزمة تعليم.
حلَّت أزمة التعليم لكم أنتم جميعًا الشكر على أنكم قد أعدتم إليَّ ثقتي بنفسي، ومكَّنتموني من أن أَعِدَ وأنا مطمئن إلى أن وعدي لن يسقط في الهواء، وإلى أن كلامي الذي أرسله من قمم الجبال لا يذهب مع الريح، وإنما تتلقاه آذان تحسن الاستماع، وقلوب تحسن الفهم، ونفوس تحسن الاتِّعاظ بما مضى والتفكير فيما هو مقبل، وعزائم لا تحب الكلل ولا الكسل إلَّا أن تضطر إليهما اضطرارًا. أيها الزملاء … لا تنتظروا مني أن أقول لكم اطمئنوا وارضوا؛ فلست أُبْغِض في الحياة شيئًا كما أبغض الاطمئنان والرضا، وإنما أنا قلق دائمًا، مقلق دائمًا، ساخطٌ دائمًا، مثيرٌ للسخط من حولي، أعتقد أن الذي يرضى ويطمئن إنما هو الكَسِل الوَكِل الذي لا أمل له في مجد ولا في عزة. وإذا أُتيح للأشخاص أن يتواضعوا وأن يزهدوا في المجد، فلا ينبغي أن يُتاح هذا للأمم، ولا ينبغي للأمم أن تتواضع ولا أن ترضى ولا أن تطمئنَّ، وإنما يجب أن تمضي دائمًا إلى أمام، وكلما بلغت أملًا وجب عليها أن تطلب أملًا آخر، وكلما حققت غاية وجب عليها أن تحقق غايات أخرى. فحياة الأمم على هذا النحو أشد أعدائها الرضا وأعظم خصومها التواضع. والشعب الراضي المطمئن القانع بما أُتيح له إنما هو الذليل الذي قد تم نضجه للاستعمار والاستعباد. وما أشك في أن واحدًا منكم يحب لمصر الاستعباد والاستعمار. أحبب إليَّ أيها الزملاء بهذا الاجتماع الذي إن صوَّر شيئًا، فإنما يصوِّر الإخاء بين الوزير وزملائه وأعوانه من المعلمين ورجال التعليم، وإن صوَّر شيئًا فإما يصوِّر التعاون بين الحكومة والذين يعاونونها على خدمة المصلحة العامة. هذا الاجتماع الذي يصوِّر أن الوزارة ليست أمرًا ولا نهيًا ولا تسلطًا، وإنما هي تعاون وتآزر على البرِّ والتقوى وعلى خدمة الشعب.
لست آمرًا ولا ناهيًا أيها الزملاء … ثقوا بأني ما دمت لكم وزيرًا فلن أكون عليكم آمرًا ولا ناهيًا، وإنما أنا ممثلكم في مجلس الوزراء، وممثلكم في البرلمان، أعينكم على تحقيق آمالكم، أدافع عنكم إن احتجتم إلى من يدافع عنكم، أنصف منكم من ألحَّ عليه الظلم حتى أصبح شديد الظمأ للإنصاف، أنصفه بالإرادة والنية الخالصة والجهد في إنصافه حتى أبلغ ما أريد من إنصافه بالفعل. وإذا تحدثت إليكم في هذا كله، فإني لا أتحدث به عن نفسي وحدها، وإنما أتحدث به عن الحكومة كلها، عن رئيس الوزراء وعن زملائه جميعًا. فهم لا يتولون أمور الناس ليحكموا أو ليأمروا أو لينهوا، وإنما يتولونها ليصلحوا ما وسعهم الإصلاح، وليدفعوا من الشر ما لا بدَّ من دفعه، ويجلبوا من الخير ما لا بدَّ من جلبه، لا يستعلون ولا يستكبرون ولا يتسلطون. هم منكم وأنتم منهم، تقولون لهم فيسمعون، ويقولون فتسرعون إلى المعونة وبذل الجهد الصادق. أحبب إليَّ بهذا التجاوب بين الحاكمين والمحكومين كما يُقال، أو بين الذين وكلت إليهم الديمقراطية أن يقودوا السفينة وبين الذين كلفتهم الديمقراطية أن يعينوا قادة السفينة. أحبب إليَّ بهذا التعاون بينكم وبيني وبيننا جميعًا، وبين رئيس الوزراء وزملائه، على ما كُلِّفنا أن نعمل له ونجدَّ فيه، وهو إنقاذ مصر من الجهل ما امتدت لنا الأسباب، وما اتسعت لنا القوى، وما أتاحت لنا الظروف. أحبب إليَّ بهذا التعاون. ها أنتم هؤلاء في وزارتكم، لستم في حضرة الوزير، وإنما الوزير هو الذي أقبل يسعى إليكم ويقدم إليكم الشكر خالصًا. لستم في حضرته وإنما هو في حضرتكم. هذه لغة لا أفهم غيرها، ولا أحب أن أفهم غيرها، ولا أريد لكم أن تقبلوا غيرها من الوزراء مهما يكونوا، قد استجبتم للحكومة حين دعتكم إلى النشاط في تيسير التعليم، وقد يسَّرتم التعليم كما استطعتم بمقدار ما سمحت لكم ظروف الميزانية، وبمقدار ما سمحت لكم الظروف كلها. والنجح الذي أُتيح لكم اليوم سيُتاح لكم أكثر منه في اليوم المقبل، وستمضي الأمور على هذا النحو حتى نستطيع — ولا أقول أن نرضى عمَّا نجحنا — وإنما نرضى عمَّا بذلنا من جهد، ونعتقد مخلصين أننا لم نخيِّب الآمال ولم نكذب الظنون، ولم نخدع الشعب، وإنما وعدناه فوفينا، وقلنا له فصدقنا ما قلنا له.
كرامة المعلمين ولست أستطيع أن أختم هذه التحية وهذا الشكر دون أن أتحدث إليكم عن بعض شئونكم، وعن شأن واحد منها بصفة خاصة، وهو كرامة المعلم — لا أقول كرامة المعلم على نفسه — وإنما أقول كرامة المعلم على الدولة التي تأتمنه على أبناء الشعب، وتكل إليه مستقبل الأجيال، وكلكم يعرف رأيي في حقوق المعلمين. وأقسم لو استطعت ألَّا أترك من المعلمين مظلومًا إلَّا أنصفته، ولا متأخرًا إلَّا قدمته، ولا طالبًا إلا أجبته إلى ما يطلب، ولا ساخطًا إلَّا أرضيته، لكنت أسعد الناس في هذه الدنيا. واختتم معالي الوزير كلمته الخالدة بأن عاهد نفسه والحاضرين على تحقيق الآمال، داعيًا لجلالة الملك المعظم.
Tag: public administration
-
تفصيلات
تفصيلات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ يونيو ١٩٤٥
يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:
إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.
فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.
وقديمًا قال الشاعر العربي:
والشيء تحقره وقد ينمي
فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.
والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.
وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.
وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.
فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.
وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.
فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.
وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.
كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.
قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.
فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!
فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.
هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.
فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!
ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.
فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.
وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!
وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.
وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.
ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.
فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.
ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!
وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!
وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين. -
تضحية
حديث الوادي
تضحية . . .
والمضحون هم الوزراء، وأي الناس أحب للتضحية وأرغب فيها، وأحرص عليها من الوزراء؟ لقد أقاموا على ذلك أدلة ناصعة، وبراهين ساطعة، وحججًا قاطعة، فهم في التضحية منذ نهضوا بأعباء الحكم، لا يقبل عليهم الصباح إلا أقبلوا عليها، ولا يقبل عليهم المساء إلا دفعوا إليها، هم مضحون حين يعملون، ومضحون حين يستريحون، هم مضحون حين يصحون، ومضحون حين يمرضون، ومضحون بنوع خاص حين يبقون في مناصب الحكم، على حين يزهدهم كل شيء في مناصب الحكم. وحين يمضون في تصريف الأمور على حين ينفرهم كل شيء من تصريف الأمور. وما رأيك في قوم يريدون الخير كل الخير لبلادهم، فلا يستطيعون أن يبلغوا منه شيئًا، ولكنهم مع ذلك يبقون في مناصبهم، ويختلفون إلى دواوينهم، لا حبًا للبقاء في المناصب، ولا إيثارًا للاختلاف إلى الدواوين، ولكن تضحية في سبيل هذا البلد، الذي يوشك إن تخلوا عن مناصب الحكم فيه أن يلتمس الوزراء فلا يجدهم، وأن يلتمس الأكفاء فلا يظفر بهم وأن يتعرض للأهوال فلا يجد بين أبنائه من يدفع عنه الأهوال. أتظن أن رئيس الوزراء الرجل الطيب يبقى في منصبه محبًا له، راغبًا فيه بعد أن أصابه ما أصابه من الإخفاق، وناله ما ناله من الفشل، وقضى الله عليه بما قضى من العجز عن حل المشكلات، التي كان يريد جاهدًا أن يحلها بالطرق العملية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يحلها بالطرق السياسية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يستسلم لله، ويذعن لحكم القضاء، ويحلها بالصبر عليها، والاحتمال لها، وانتظار ما ستتكشف عنه الأيام لعل هذه المشكلات أن تحل نفسها بنفسها أو أن ينزل لها ملك من السماء أو يخرج لها عفريت من الأرض فيحلها ذلك بإذن الله، أو يحلها هذا بإذن الشيطان.
أتظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب يبقى في منصبه مع هذا الهم الثقيل حبًا للمنصب أو رغبة فيه؟ كلا إنما هي التضحية والتضحية وحدها، والتضحية بالصحة وراحة البال، وبطيب النفس وقرة العين في ذات الوطن الذي لا يهمل أمره إلا الكافرون بالنعمة، والجاحدون للجميل. وقل مثل ذلك في وزرائنا جميعًا، فهم لا يبقون في مناصبهم حبًا لها، ولا إيثارًا لما تفيض عليهم من جاه وسلطان، ولا حرصًا على ما تغل لهم من نعمة ومال، وإنما هي التضحية والتضحية وحدها، تبقيهم في المناصب وهم للمناصب كارهون. إني لأعرف كثيرين من المصريين لم يناموا الليل أمس حبًا للوزراء، ورفقًا بالوزراء، وعطفًا على الوزراء، ودعاء للوزراء، وشكرًا لهم على ما يقدمون لمصر من تضحية، وشكرًا لله على ما يلهمهم من حب التضحية في سبيل مصر. وإني لأعرف كثيرين من المصريين قد أنفقوا سواد الليل يبتهلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إليه في أن يمنح وزراءنا القدرة على احتمال هذه الأثقال، التي يأخذون بها أنفسهم أخذًا على حين قد فشت الأثرة في الناس وذاع بينهم الكسل، فهم يتخففون من الأثقال، ويفرون من التكاليف. أمِن المصريين من قرأ «عدية يس» طول الليل، ومنهم من قرأ الفاتحة يرددها طول الليل، ومنهم من قرأ سورة الإخلاص يرددها منذ أظلم الليل إلى أن أسفر الصبح، ومنهم من قرأ الأوراد، ومنهم من تلا العزائم، ومنهم من اصطنع الطلاسم، كلهم يتوسلون إلى الله في أن يعين الوزراء على احتمال ما يحتملون، والصبر على ما يأخذون أنفسهم به من المكروه، ذلك أنهم قرأوا صحف المساء ورأوا فيها أن وزراءنا قد رأوا حال مصر، وأحسوا حاجتها إلى بقائهم فيها، وعنايتهم بها وسهرهم على منافعها، فقرروا وما أخطر ما قرروا، وأزمعوا وما جَلَّ ما أزمعوا، قرروا البقاء، لا في مناصبهم فهم مشدودون إلى مناصبهم بالأمراس، ولكن في مصر، أثناء الصيف، قرروا ألا يسافر أحد منهم إلى أوروبا، حرموا على أنفسهم عبور البحر، وزيارة باريس، والاستمتاع بمناظر الجبال الخضراء، والاستشفاء بمياه الينابيع والاستراحة إلى هذه الألوان من الجمال التي كانوا يستريحون إليها كل عام، إذا أقبل الصيف. قرروا أن يقيموا في الإسكندرية، وأن يكتفوا هذا العام بنسيمها الذي يقول الناس عنه أنه عليل، وما هو بالعليل، وببحرها الذي يقول الناس إنه جميل، وما هو بالجميل، وبما تقدم الإسكندرية إلى المصطافين مما يسميه الناس لذة، وراحة، ونعيمًا، وما هو باللذة ولا بالراحة ولا بالنعيم، وإنما هو الألم والتعب والبؤس. وقرروا أن يكتفوا بما يكلفون الدولة في سبيل اصطيافهم في الإسكندرية، من هذا المال الزهيد، الضئيل الذي تنفقه عليهم وعلى من يتبعهم من الموظفين كبارًا وصغارًا. وألا يحملوها نفقات أخرى، هي التي يفرضها السفر إلى أوروبا، والاختلاف إلى مدنها الكبرى.
ثم قرروا إذا لم يكن بد من تغيير الهواء والترفيه على النفس، وتبديل ما تقع العين عليه من المناظر، أن يعمدوا إلى سفينة من سفن الدولة، فيقضوا عليها يومًا أو بعض يوم، يتنزهون بها في البحر أو يذهبون بها إلى الحدود. قرر الوزراء هذا كله لا زهدًا في السفر ولا رغبة عن الراحة ولا كراهية لعبور البحر، ولكن تضحية في سبيل مصر لأن مصر محتاجة إليهم، مفتونة بهم، لا تستطيع على فراقهم صبرًا، ولا تجد بدًا من أن تحس بقاءهم فيها، حين تسطع شمس النهار، وتتألق نجوم الليل. أفرأيت تضحية تشبه هذه التضحية؟ أفرأيت إيثارًا يقارب هذا الإيثار؟ أفرأيت وطنية تعدل هذه الوطنية؟ أفرأيت وزراء يقاسون إلى هؤلاء الوزراء؟ كلا. ولا نصدق هؤلاء الكاشحين الذين يطوون قلوبهم على البغض والحقد ويلوون ألسنتهم بالكلام في غير بصيرة ولا فهم، يزعمون أن أحداثًا ستحدث وأن خطوبًا ستلم، وأن أخطارًا ستحدق وأن الضرورة وحدها هي التي تكره الوزراء على البقاء، أثناء الصيف. كلا. ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين ينطلقون في الأندية ويطلقون ألسنتهم بأن وزراءنا لا يريدون أن يبرحوا الأرض قبل أن يبرحها المندوب السامي، فإذا سافر المندوب السامي آخر هذا الشهر، انقضى فصل الإجازات، ولم يجد وزراؤنا بدًا من البقاء فوزراؤنا أكبر وأكرم على أنفسهم من أن يجعلوا سفرهم وإقامتهم رهينين بممثل أجنبي وإن كان هذا الممثل هو المندوب السامي.
ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين يتحدثون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم بأن وزراءنا يجدون ريح الاستقالة، فهم يريدون أن ينتظروها في مصر حتى تبلغهم، وهم مطمئنون، وهم يكرهون أن يسافروا وأن تدركهم الاستقالة، وهم غائبون متفرقون.
لا نصدق شيئًا من هذا، وصدق ما قلته لك، فوزراؤنا يبقون في مناصبهم مضحين، ويبقون في مصر أثناء الصيف مضحين، وهم إن سافروا واستمتعوا بلذات أوروبا ونعيمها فيسافرون مضحين أيضًا، لأنهم قد فطروا على التضحية، لا يعرفون غيرها، ولا يحبون شيئًا سواها، ولا يميلون إلا إليها.
فادع الله لهم معي بطول البقاء في الأرض، لا في المناصب، فأمر المناصب شيء آخر، وهو أهون شيء على الوزراء . .
طه حسين
الوادي، ٨/٩/ ١٩٣٤ . -
أخلاق٢
حديث الوادي
أخلاق
دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب، فيلجأون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بد بعد أن بلغت المحنة السياسية ما بلغت، وبعد أن فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أن يصوره من قانون.
ونعوذ بالله أن نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القومية في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه. ولم تخل منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أن نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسية وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز. فهؤلاء كأولئك قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًا. وحديثهم أيضًا طويل ثقيل لا نريد أن نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أن نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس. فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي المقطم، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ. ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أن الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من العلة، فقال قائلون إن الموظف معذور إن خالف القانون ليطيع الرئيس، لأنه في
حاجة إلى أن يعيش، ولأنه لا يأمل، إن لم يُضَحِّ بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء، أن يُقصى عن منصبه، ويضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون إن ضعف الموظفين، وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم، لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أن يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أن يعاقب المرؤوس الذي ينفذ هذا الأمر، لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أن الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.
وليس من الممكن أن يتفق الفريقان المختصمان. فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس، وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أن يحيوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان. وكل ذلك يدفعهم إلى أن يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون فيجب عليهم أن يطيعوا، مكرهون، فيجب عليهم أن يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات». والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر الذي يغريه بالطغيان حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إن قدر فليس لقدرته حد، وإن استطاع فليس لاستطاعته قيد. ويخيل إليه أن القوة فرصة تتاح فيجب أن تنتهز، وإن من الحمق أن يقدر ثم لا يعمل وإن كان هذا العمل مخالفًا للقانون.
كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أن تأمن ضعف الموظفين وضعف الرؤساء إلى حد بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أن الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا كما سألوا صديق بك، لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًا، ولكان خيرها أعظم من شرها، لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين من الرؤساء والمرؤوسين أن القانون فوق الأشخاص وأن منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأن المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش كما جرت وكما أرادت الحكومة أن يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراء بالشر وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أن يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أن يحتاطوا لأنفسهم فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.
نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أن مدارسنا ومعاهدنا تُلقَى في روع الأطفال والشبان أن الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأن الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب، لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون. ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس شريكان يتعاونان على العمل. لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة هي منفعة الشعب. فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة إلا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقَى في روع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف، فأبناؤنا يعلمون الطاعة أكثر مما يعلمون الحرية، وأبناؤنا يعلمون الخضوع أكثر مما يعلمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان.
والمُثل التي تُقدَّم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.
وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تُلقَى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون ليرضوا الرؤساء ويضحوا بمنافع الشعب، ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين ولم نكن نستطيع إلا الطاعة والإذعان»!
طه حسين
الوادى، ٢٤ يوليه ١٩٣٤. -
استقالة٢
حديث الوادي
استقالة…
لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
طه حسين
حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤. -
صبريات
حديث الوادي
صبريات . . .
وزير ماليتنا النابغة، صبري بك بين اثنين، فأما أن يكون ساذجاً طيب القلب، مسرفاً في السذاجة وطيبة القلب، يصدق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعاً، لا فرق في الاستمتاع به، بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشوراً حازماً، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطأوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا، وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار الملاك. وأعضاء الهيئات النيابية لا يقدمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يقدم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء. فلم يرد وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء، وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاءً في الهيئات النيابية، فأذاع منشوره الحازم البديع.
فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويقدم على ما أقدم عليه مخلصاً فيما أظهر من الحزم والعزم، فأني أسف أشد الأسف أن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل. فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يوضع في الكتب وتجرى به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديداً، ولم يبق بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها، كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يقال للناس، ويذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء، ولا لكبار الموظفين. وأما أن يكون وزير ماليتنا ماهراً قد فاق
الناس جميعاً في المهارة، وبارعاً قد بذ الناس جميعاً في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، مايراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه، بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره. وهو فيما يظهر نظر أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضى أحداً. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيؤخذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يمهل الأقوياء إهمالاً، وتمد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء. فإذا كانت هذه حال الوزير، فأني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائباً بعد يومين أو ثلاثة أيام، أن يستقيل. فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة، والظروف السياسية في هذه الأيام. ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.
وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجاً، لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكراً، لأن المكر لا يباح لرجال الحكم، إلا أن يصب على خصوم الوزارة صباً، ويرسل عليهم إرسالاً، ويخلق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.
ومع هذا فلن يستقيل وزير المالية، إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير، إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة. ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثاً. هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان. وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالاً بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي. أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح. وما دام وزير المالية لن يقدم استقالته من تلقاء نفسه. فهو آمن من أن يكره على الاستقالة اكراهاً من قبل رئيس الوزراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء، قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثاراً لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجةً منه أو سياسة. وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين. فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها، لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل. فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.
ومعنى هذا كله، أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يمنحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضى خصومها، ومعارضيها. أفظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة. لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معاً؟ كلا. فغضب خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها، وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغضب أنصار الوزارة أنصار الوزارة لن يسقطها لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيتحدث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسمياً، ولن يبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد، ذلك لأن ماش خير من لاش، ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير المالية يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكاً قد يغير الأمور كلها تغييراً خطيراً. فلتبق الأمور إذن كما هي، ولتمض الأمور إذن كما تمضي حتى تستطيع الظروف أن تنكشف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا تظهر الصبريات البارعة حقاً.
فمنشور وزير المالية تحد حازم لحياتنا السياسية الحاضرة. هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها، من رجل كان ينبغي أن يكون لها عماداً وقواماً. وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقى وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير
المالية أن يعتذر. وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى عليها الكثرة ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به، من بين كبار الملاك، وأعضاء الهيئات النيابية. ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تصلح ما أفسد، وتقوم ما أعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح، وهذا التقويم، قوة تمكنها من البقاء. أما نحن فلانشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفاً يفسد عليها الأمر إفساداً. ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقاً، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه، لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل، أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٨ يونية ١٩٣٤. -
خصام
حديث المساء: خصام
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٤
خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون. -
مقاطعة …
حديث المساء: مقاطعة …
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ يناير ١٩٣٤
يجب أن نهنئ بها رئيس مشروع القرش إذا كان الشرُّ مما يُهَنَّأ به؛ فقد وفِّق صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم — مع الأسف الشديد — من حمل الناس على مقاطعة هذا المشروع والانصراف عنه، إلى شيء كثير جدًّا لم يكن ليوفق إلى بعضه لو أنه دعا إلى المقاطعة جهرة، ورغب الناس فيها ترغيبًا، وألح عليهم فيها إلحاحًا.
نعم، يجب أن نهنئ رئيس مشروع القرش بهذه النتيجة السيئة التي انتهى إليها المشروع هذا العام، إذا كانت النتائج السيئة من الأشياء التي يُهَنَّأ بها الناس، ومَنْ يدري؟ فقد يكون بين الناس مَنْ يحرصون على أن يُهنِّئوا بالخير، فإن لم يوفقوا إليه، فهم حراص على أن يهنِّئوا بالشر؛ لأنهم يريدون أن يهنئوا على كل حال. وقد حفظت لنا الأساطير قصة ذلك الرجل اليوناني الذي أراد أن يذكره التاريخ رغم أنفه؛ فعمد إلى دار من دور الكتب فخمة ضخمة، فحرقها تحريقًا ليقول التاريخ عنه شيئًا، والنحويون يستشهدون في النحو ببيت لا يخلو من ظرف يجريه مجرى الأمثال:
إذا أنت لم تنفع فضُرْ فإنما يُرْجَى الفتى كيما يضر وينفع
وقد كان رئيس مشروع القرش نافعًا من غير شك، حين كان يعصم مشروع القرش من عبث السياسة، ويمضي به في الطريق البريئة التي أرادها له الشباب الأبرياء، فلما أَخَذَت السياسة الآثمة تندس إلى هذا المشروع، نَبَّهَ الناس الرئيس إلى ذلك، فتنبأ على استحياء، وأظهر العناية بما نَبَّهَهُ الناس إليه؛ ولكنها — مع الأسف — لم تكن إلا عناية ظاهرة لم تُغْنِ عن الحقائق الواقعة المؤلمة شيئًا، فظلت السياسة تمضي في طريقها إلى هذا المشروع حتى أصابته بعللها وآثامها، وحتى جعل الذين ينشطون له، ويحدبون عليه، يرون ويسمعون ما كان يؤذيهم في آرائهم وعواطفهم ومُثُلهم الوطنية العليا.
هنالك أَلَحُّوا على رئيسهم أن يرد عنهم إثم السياسة وكيد السياسة، وأن يحفظ عليهم عملهم اقتصاديًّا بريئًا، شابًّا مثلهم، نقيًّا مثلهم، خالصًا مثلهم للوطن، ولكن الرئيس أعرض عنهم إعراضًا، وتجافى عن دعائهم المتصل وندائهم الملح؛ فاضطروا إلى أن يعصموا أنفسهم بأنفسهم من السياسة الآثمة، وإلى أن ينجوا بقلوبهم ونفوسهم وضمائرهم من هذا الفساد، ثم لم يكتفوا بهذه النجاة، ومتى اكتفى الشباب بالقليل؟ ومتى قنع الشباب باليسير؟
لم يكتفوا بنجاة أنفسهم، بل أرادوا أن ينجوا مواطنيهم أيضًا من هذه السياسة الخفية، التي لا تستطيع أن تظهر للناس جهرة؛ فتسعى إليهم من وراء ستار، والتي لا تستطيع أن تلقى الناس وجهًا لوجه؛ فتندس إليهم من طريق الدين، ومن طريق الاقتصاد، ومن طريق الألفاظ الضخمة التي لا تدل على شيء؛ هنالك استقال الشباب من المشروع وأعرضوا عن تأييده، ودعوا مواطنيه إلى أن يقاوموه حتى يعود بريئًا كما بدأ بريئًا، وحتى يخلص للشعب كما بدأ للشعب، وحتى يرتفع عن خدمة الأغراض الخفية لأولئك الذين يتجرون بكل شيء، ويستغلون كل شيء.
هنالك ظهر شيء لم يكن يُقدِّره الكائدون لهذا المشروع، والصائدون في الماء العكر. هنالك ظهر أن الشباب وإن كان هادئًا مستقرًّا لم ينس شبابه، ولم ينس قوته، ولم ينس جرأته في الحق، ولم ينخدع عن الذين يمكرون به ويريدون به السوء. نعم، وهنالك ظهر أن الشباب ما زال قادرًا على أن يريد فيفعل، وعلى أن يقول فيصدق، وعلى أن يدعو فيستجيب له الناس. نعم، وهنالك ظهر أن هذا العنف الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية جهرة، وأن هذا الكيد الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية غيلة؛ لم يبلغا من الحرية شيئًا في نفوس الشباب؛ لأن الحرية لا تقتل، ولأن الحرية لا تغتال، ولأن الحرية لا تخدع عن نفسها، ولأن الحرية جذوة مقدسة خالدة ليس إلى إخمادها من سبيل.
نعم، وهنالك ظهر أن جماعة الشباب ما زالت كما كانت على عهد مصر بها، لا تخدع عن الحق، ولا تدفع إلى الباطل، ولا تبلغ منها الألاعيب؛ وهنالك اضطر الكائدون لمشروع القرش، والذين اتخذوه وسيلة للسياسة إلى أن يُلْقُوا به في أحضان هذه الأحزاب التي لا قوة لها إلا بالسلطان، ولا وجود لها إلا بالسلطان، ولا سند لها من حب الشعب وتأييد الجمهور.
هنالك التمسوا لهذا المشروع دعاة وأنصارًا من الاتحاديين والشعبيين، هنالك التجئوا إلى صحف الاتحاديين والشعبيين لتؤيده وتذود عنه، بعد أن أعرضت عنه الصحف الوطنية، كما أعرض عنه شباب الوطن. هنالك نهضت الحكومة تحوط المشروع وتحميه، وهنالك أصبح المشروع عملًا حكوميًّا، أو شيئًا يشبه العمل الحكومي، ورئيس المشروع يسمع ويرى، ورئيس المشروع يشهد هذه المأساة المحزنة التي انتزعت من يد الشعب عملًا من أعمال الشعب، وألقت في أحضان الحكومة عملًا ما كان ينبغي أن تُشْرِفَ الحكومة عليه.
فإذا كان مثل هذه النتيجة شيئًا يُهنَّأ به صاحبه؛ فإِنَّا نُقدِّم لصاحب السعادة علي باشا إبراهيم أصدق التهنئة؛ لأنه قد وُفِّق إلى هذه النتيجة حقًّا. هذا الجمال الرائع جمال الشباب المخلص قد اندفع إلى العمل النافع يستحيل الآن إلى جمال آخر ليس أقل من ذلك الجمال روعة، إلى جمال الشباب اليقظ يدافع عن نفسه، ويرد عن إخلاصه وحريته وصفاء ضميره كيد الكائدين، وعبث العابثين.
إن رئيس المشروع ليعلم حق العلم أن الشر المحض لا يوجد في الأرض، فرُبَّ شرٍّ أنتج خيرًا، ورُبَّ ضرٍّ انتهى إلى نفع. وقد أُرِيدَ بالشباب شرٌّ فَجَنَى منه الشباب خيرًا، أُرِيْدَ بالشباب أن ينقاد لأغراض السياسة وكيد أصحاب الكيد؛ فأظهر الشباب أنه ليس سهل القياد. وليس هذا بالشيء القليل. أريد بالشباب أن يكون أداة من أدوات الفساد، فأظهر الشباب أنه لن يكون إلا أداة من أدوات الإصلاح، وليس هذا بالشيء القليل، فإذا كان صاحب السعادة علي باشا إبراهيم حريصًا على أن نُهنِّئه، فقد نستطيع أن نُهنِّئه؛ لأن موقفه الغريب قد أظهر لأصحاب الأغراض والمطامع أن الشباب المصري أعزُّ من أن يطمع فيه.
وبعدُ، فكم كنا نحب لطبيبنا الفذ، وجراحنا البارع، ومدير جامعتنا الناشئة أن يكون عمله كله خيرًا، وأن يكون ذكره كله حسنًا، وأن يكون حديث الناس عنه كله ثناء، فقد كان طبيبنا الفذ وجراحنا البارع خليقًا بهذا كله؛ له مكانته العليا في الطب والجراحة، لا في مصر وحدها، بل في غيرها من أقطار الأرض في الشرق والغرب، له على كثير من المصريين يد الطبيب المسعف المنقذ، وله على مصر كلها يد الرجل الذي جعل لها اسمًا حسنًا في الطب والجراحة؛ فكان خليقًا أن يكتفي بهذا، وأن يستزيد منه، وكان خليقًا أن لا يلقى من مصر إلا ما هو أهل له من الحب والإعجاب والثناء، ولكنه أبى إلا أن يتجاوز الطب والجراحة، وأبى إلا أن يتورط في الإدارة والسياسة، وأبى إلا أن يُعَرِّضَ نفسه لنتائج هذا التورط؛ فيجعل للنقد واللوم وسوء الظن على نفسه سبيلًا.
لقد كان سعد — رحمه الله — أنصح لعلي باشا إبراهيم، وأرفق به من علي باشا إبراهيم، حين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يرشح نفسه لمجلس النواب، وحين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يكون عضوًا في مجلس الشيوخ.
فليت علي باشا إبراهيم انتفع بنصيحة سعد؛ فوقف نفسه وجهده على الجراحة والطب، ولم يتورط فيما تورط فيه من الإدارة والسياسة، ولم يتعرض لما تعرض له من الزلل الذي يدعو إلى النقد واللوم.
على أن الرجل الذكي الحازم هو الذي لا يستكبر على الحق، ولا يدفعه العناد إلى اللجاج في الباطل، والمضي في الخطأ، وما زالت نصيحة سعد — رحمه الله — قائمة، وما زال الدكتور علي باشا إبراهيم قادرًا على أن ينتفع بها، وما زال الذين يحبونه — وهم كثيرون، ونحن من أشدهم حبًّا له، وضنًّا به على سخف الحياة — ينصحون له كما نصح له سعد بأن يخلص للطب والجراحة، ويدع السياسة والإدارة للذين يحسنونهما، ويحسنون حمل أثقالهما، ويصبرون على نارهما وعلى ما تجران من مكروه.
هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع، وهو الآن يستريح في أسوان في الوقت الذي يعاني الشباب فيه ما يعاني من آثار تلك السياسة الطائشة التي لم يستطع لها دفعًا، هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع أن ينتهز فرصة هذه الراحة؛ ليفكر ويقدر لعله يقتنع بأن سعدًا — رحمه الله — قد نصح له، وبأنه يحسن إذا استقال من مشروع القرش، وترك أمره للذين يحسنون النهوض به؟
سيقول قوم للدكتور علي باشا إبراهيم: لا بأس عليه؛ فإن المقاطعة لمشروع القرش لن تضره ولن تؤذيه، سيعرض عنه الشباب، ولكن ستؤيده الإدارة، سيعرض عنه الجمهور، ولكن ستغنيه الحكومة، فلا تخف ولا تستقل؛ فسيجمع المشروع قروشًا إن لم تجئ من أفراد الشعب؛ فستجيء من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم.
سيقول قوم من الناس هذا الكلام للدكتور علي باشا إبراهيم، ولكنا نحب أن يعلم أنا نكره له حقًّا أن يكون أداة من هذه الأدوات التي تعمل لحزب الشعب وحزب الاتحاد، وقوم آخرين يشبهون حزب الشعب وحزب الاتحاد؛ فليتقِ الله في نفسه، وفي أمته، فإن الله لم يرد له أن يكون رجلًا حزبيًّا، وإنما أراد له أن يكون للمصريين جميعًا، ليرحْ نفسه إذن من مشروع القرش، وليفرغ للطب وكلية الطب؛ فذلك خير له وللناس.