حديث الوادي
إسراف…
من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
ويل للناس من الإسراف…
[طه حسين]
حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.
Tag: public administration
-
فساد
حديث المساء: فساد
طه حسين
كوكب الشرق
٣٠ ديسمبر ١٩٣٣
فسادٌ تضيق النفس بالتفكير فيه، وتتأذى الألسنة بالحديث عنه، وتشمئز الآذان من الاستماع إليه. لكني مع ذلك مضطر إلى أن أتحدث فيه إلى القراء وإلى أن أتحدث فيه بعد القراء أو قبلهم إلى رجلين مترفين لا يحبان الأحاديث التي تعافها النفوس، وتكرهها الألسنة، وتمقتها الأسماع. وهما الرجل الطيب رئيس الوزراء والرجل العظيم وزير المالية. فقد يكون من الخير ومن إيثار العافية أن ينأى الإنسان بنفسه عن الفساد، وأن ينفر من التفكير فيه والحديث عنه، والاستماع له، ولكن الذين يشغلون أنفسهم بالحياة العامة لا ينبغي لهم أن ينأوا عن ذكر الفساد الذي يمس أمور الناس ما داموا يرجون من ذكره إصلاحًا له ومحوًا لإثاره. وإني لأكره هذه الأحاديث التي لا يُذكر فيها إلا العبث بأموال الدولة والإهدار لمرافق الناس والتضييع لحقوقهم، ولكني مع ذلك مضطر إلى أن ألم بهذه الأحاديث من حين إلى حين، لعل الله أن يعطف قلوب سادتنا الذين يقدرون على الإصلاح، فيرفقوا بهذا الشعب ويردوا عنه، ولو قليلًا، مما يلم به ويلح عليه من السيئات والآثام. ومن المحقق أن الوزراء لم يتولوا مناصبهم ليسمعوا ثناءًا خالصًا متصلًا، وتقريظًا عذبًا غير مقطوع، ولا ليختلفوا إلى مكاتبهم يأمرون وينهون، ويتلقون طاعة المطيع وإذعان المذعن، وإنما تولوا مناصبهم ليشرفوا على أمور الشعب بالعدل والقسط، وليقوِّموا المعوج ويعاقبوا المسيء، فهم بذلك خليقون ألا يعافوا الفساد إذاعرضت عليهم صوره أو ألقيت إليهم أحاديثه، بل هم خليقون أن يهاجموا هذا الفساد ويصارعوه لعلهم أن يصرعوه ويكشفوا ضره عن الناس.
والفساد الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم إلى وزير المالية وإلى رئيس الوزراء عظيم محرج حقًّا؛ لأنه متردد بين الصدق والكذب، وهو فساد على كل حال، إن صدق كان فسادًا عظيمًا يدل على أن أمور الدولة وأدوات الحكم لم تبق معرضة للخطر فحسب، وإنما هي غارقة في الخطر، قد أخذها الشر من جميع نواحيها. وإن لم يصدق كان دليلًا على أن الأخلاق في بعض البيئات الحكومية، قد انتهت إلى أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه من النكر والسوء. رجل كتب إليَّ — وأمثاله كثيرون يكتبون إليَّ — بغير إمضاء منذ أيام يقص عليَّ أخبارًا تتصل بمصلحة من مصالح الحكومة، من هذه المصالح التي تتشرف برياسة الرجل العظيم وزير المالية، وزعم لي هذا الكاتب أن أخباره صحيحة لا غبار عليها، ولا شك فيها، وفي هذه الأخبار اتهام لبعض الموظفين باستغلال مناصبهم للاستفادة مما تحت أيديهم من حقوق الدولة والناس. أرض تشترى بغير حق وبأثمان بخسة زهيدة لا قيمة لها، وتستصلح بغير حق وتستصلح على حساب الدولة. وتعاون بين بعض الموظفين على مثل هذه الآثام، كل يخدم صاحبه ويحسن إليه، وكل يسيء بهذا الإحسان إلى الحكومة وإلى الأمة وإلى أخلاقه بنوع خاص، وواضح جدًّا أن مثل هذه الكتب المهملة التي لا يستطيع أصحابها أن يمضوها ولا أن يحتملوا تبعة ما فيها من الأخبار، خليقة ألا يقف عندها الصحفي ولا يحفل بما فيها، فضلًا عن أن ينقله إلى قرائه. ولكن هذه الأخبار التي كانت تصل إليَّ في كتب مهملة غير ممضاة كانت تذاع في صحف أخرى مطابقة أو مقاربة لما في هذه الكتب، وكانت توجه فيها الأسئلة إلى الوزراء، وكان الناس يتحدثون فيها ويكثرون الحديث. وكنت أنا مع ذلك أهملها وآمر بتمزيقها أو تحريقها. فلما كان أمس وصل إليَّ كتاب من هذه الكتب يزعم صاحبه أنه كتبه إليَّ يوضح فيه ما كتب إليَّ من أسبوعين، أو منذ عشرة أيام، ثم مضى يذكر موظفًا من الموظفين، ويضيف إليه أمورًا أقل ما توصف به أنها جنايات على حقوق الدولة وعلى حقوق الناس، وأنها مفسدة للأخلاق، لا لأخلاق الذي يقترفها وحده، بل لأخلاق الذين يعينونه عليها، ويشاركونه فيها، بل لأخلاق الذين يحيطون بهذا الموظف، ويتصلون به، ويعملون معه من قريب أو بعيد، إن كان ما يضاف إليه من الآثام صحيحًا، والكاتب يفصل هذه الآثام تفصيلًا ويتحدث عنها حديث العالم بها، المطلع على أسرارها ودقائقها الذي كأنه يراها كل يوم، فيضيق بما يرى منها، ويود لو استطاع أن يمحوها محوًا ويأخذ من يقترفونها بأشد العقاب. يذكر موظفًا اشترى أرضًا بغير حق، وبثمن بخس، وكان بعض هذه الأرض قد طال إهماله؛ لأنه موضوع خلاف بين الحكومة وبعض الأفراد. فلما اشتراه هذا الموظف، إن كان قد اشتراه، أمر فأصلح له على حساب الدولة، وبأموال الدولة وأدواتها، بل زرع له على حساب الدولة فيما يقول هذا الكاتب المجهول. والكاتب يذكر فنًّا غريبًا من فنون الفساد، فهو يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — كان يمتحن العمال ليتبين أنهم لن يدلوا عليه، ولن يتحدثوا بما يعملون له إن سألهم عن ذلك سائل. والكاتب يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — قد قضى أشهر الصيف أو بعض أشهر الصيف على ساحل البحر في ناحية من نواحي الدلتا تظله خيام الدولة، وتظل معه أسرته، تخدمه خدم الدولة، وتخدم معه أسرته. وكان هذا الموظف — إن صح ما يقول الكاتب المجهول، وأرجو أن لا يكون صحيحًا — يلم بالقاهرة في الشهر يومًا أو يومين يأتي ويعود في سيارة من سيارات الدولة، ثم لا يمنعه ذلك — إن صح ما يقوله الكاتب المجهول، وأنا أرجو دائمًا أن لا يكون صحيحًا — من أن يأذن لنفسه بنفسه في قبض بدل السفر وأجر السفر كأنه إنما سافر لمصلحة من مصالح الدولة وكأنه إنما أقام هذه الأيام الطوال لعمل من أعمال الدولة.
والكاتب المجهول لا يقف عند هذا الحد، بل يذكر موظفًا آخر كبيرًا يسميه باسمه، كما سمى ذلك الموظف باسمه، ويضيف إليه أمورًا ليست أقل خطرًا مما أضاف إلى صاحبه، ويزعم — وأرجو أن لا يكون صادقًا — أن هذين الموظفين قد تعاونا، ولكن لا على البر والتقوى، بل على الإثم والعدوان، والكاتب المجهول يطلب أن تتخذ هذه الحوادث التي يرويها موضوعًا لحملة قوية يُحارب بها هذا الفساد، ويُحارب بها المفسدون، وهو يرى أن الوزارة لو ألَّفت لجنة للتحقيق فإن هذه اللجنة لن تجد مشقة ما في الكشف عن حقائق هذا الشر وآثاره بشرط أن يوقف عن العمل جماعة من الموظفين الذين اشتركوا في هذه الأثام واحتملوا الكثير من أوزارها.
وكأن هذا الكاتب المجهول قد أحس أني لا أستطيع أن أعنى بكلامه ما دمت لا أعرفه وما دام لا يسمي نفسه ولا يظهر استعدادًا لاحتمال ما في قوله من التبعات، فهو يطلب إليَّ في آخر الكتاب أن أحول رسالته إلى وزارة المالية إن رأيت منفعة في ذلك؛ ليقرأها الوزير وليرى فيها رأيه، وأنا مستجيب لدعائه ومرسل رسالته اليوم إلى وزير المالية؛ ليقرأها وليرى فيها رأيه، وأنا أعتقد أن كثيرًا من أمثال هذه الرسالة يصل إلى وزير المالية، وإلى غيره من الوزراء، وإلى كثير من كبار الموظفين. ولكن الذي يعنيني والذي كتبت من أجله هذا الفصل هو ما أشرت إليه آنفًا من أن مثل هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون لا تخلو من إحدى اثنتين، فإما أن تكون صحيحة، وإذن فأمور الدولة قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، وإما أن تكون مكذوبة، وإذن فأخلاق فريق من الموظفين قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، فأمر هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون فساد كله، فساد في حال الصدق، فساد في حال الكذب، وهذا الفساد نفسه هو الذي ينبغي أن نفكر فيه، فلو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة، قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص، لما اقتُرفت مثل هذه الآثام، إن كانت قد اقترفت، ولما وجد بين الموظفين من يسعى بالكذب ويعيش للوشاية، ويتخذ النميمة أسلوبًا من أساليب الانتقام وضربًا من ضروب الكيد، ولو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص لما أمن موظف آثم من العقاب، إن وجد هذا الموظف الآثم، ولما خفي على الحكومة أولئك الذين يسعون بالناس، ويقولون فيهم غير الحق، ويسيئون بالسعاية والوشاية إلى بلادهم وإلى أنفسهم في غير حذر ولا احتياط. ولكن أمور الحكم عندنا مضطربة أشد الاضطراب ملتوية أشد الالتواء. الوزراء مشغولون بالسياسة وبالسياسة الحزبية التي لا خطر لها، ولا نفع فيها، والبرلمان مشغول مع الوزراء بالسياسة وبالسياسة التي يشتغل بها الوزراء، وأمور الحكم متروكة للموظفين يصرفونها كما يريدون أو كما يستطيعون، لا يخضعون في ذلك لمراقبة قوية دقيقة تضطرهم إلى الدقة والحذر والاحتياط، والمصريون يشقون بهذا ويجنون ثماره المرة في كل يوم، والأجانب ينظرون ويسخرون، والإنجليز يرون وينتظرون اليوم الذي يعلنون فيه أنهم قد تركوا للمصريين أمورهم فلم يحسنوا القيام عليها، فلا بد لهم من الرجوع إلى الاستئثار بهذه الأمور.
أليس رئيس الوزراء ووزير المالية وزملاؤهما يرون معنا أن هذه الحال أشد خطرًا وأبعد في حياتنا أثرًا، وأحق بعنايتهم وبعناية البرلمان من إبعاد صدقي باشا عن السياسة، ومن نصب الحرب لنقابة المحامين؟ -
ثقافة٢
حديث اليوم: ثقافة
طه حسين
جريدة السياسة
٢٥ يوليو ١٩٣٢
بين الذين يفهمون التعليم على وجهه، ويقدِّرون عمله في تكوين الشعب، ويقدِّرون كذلك الصلة بينه وبين ما للشعب من مثل عليا. بين هؤلاء الناس وبين وزارة المعارف خلافٌ واسع، بعيد عميق في الثقافة المصرية: ما هي؟ وعلى أي شيء تعتمد؟ وماذا يجب أن تكون؟
ومصدر هذا الخلاف أن وزارة المعارف لم تضع هذه المسائل يومًا ما موضع البحث والتفكير؛ لأنها فيما يظهر أضيق عقلًا من أن تستطيع التفكير في مثل هذه الموضوعات، وهي ترى الذين يفكِّرون في الثقافة المصرية وفي دعائمها وفي مستقبلها جماعة من المتحذلقين الذين يفلسفون في الهواء، ويضيعون وقتهم ووقت القرَّاء فيما لا يُغني ولا يفيد.
وأنا أحدثك عن تجربة، حين أقول لك: إنك ستشعر بشيءٍ كثيرٍ من السأم والملل، ثم من اليأس والقنوط، حين تتحدث إلى رجال التعليم في وزارة المعارف في هذه المسائل التي أشرت إليها آنفًا؛ لأنك ستجد قومًا لا يفهمونك، ولا يستطيعون أن يفهموك. ومن العسير على من لم يفهمك أن يستمع لك، وإذن فستجد إعراضًا وازورارًا. فإن كان محدثك على شيءٍ من الأدب وحسن الذوق، صرفك عن هذا الحديث للفكاهة والمزاح، وقدَّم إليك السيجارة، وطلب لك القهوة، وقال لك ضاحكًا: «هذه مسائل سابقة لأوانها، والخير أن ينتظر بها حتى يتم الاستقلال.» وإن كان يحدثك جافيًا، صفيق النفس غليظ الذوق، تركك تقول، وتثاءب وتمطَّى ولعب بما يجد أمامه على المائدة من قلم أو ورق أو كتاب، حتى تشعر بأنك إنما تتحدث إلى نفسك؛ لأن جليسك لا يُصغي إليك، فتغير موضوع الحديث، وحينئذٍ يقبل عليك صاحبك طلق الوجه وضَّاح الأسارير.
وقد لقيت الرجلين في وزارة المعارف، وبلوتهما، وحاولت أن أصل معهما إلى شيء، فلم أوفق في ذلك إلى خيرٍ قليلٍ أو كثيرٍ.
ذلك أن وزارة المعارف منذ الاحتلال مضت على أن التعليم وسيلة لتكوين الموظفين. ثم كثر عدد المتعلمين حتى تجاوز عدد الوظائف، وأخذت الصحف تنشر فصولًا ومقالات تبيِّن فيها أن وقف التعليم على تكوين الموظفين سيئة من سيئات الاحتلال، وأصبح مما يتحلى به الرجل المستنير أن يسجِّل على الإنجليز هذه السيئة، ويؤكد أن للتعليم أغراضًا أخرى غير هذا الغرض اليسير. فمشت وزارة المعارف وراء الصحف، وقال رجالها بهذا الرأي — لأنهم مستنيرون — ولكنهم لم يبحثوا عن هذه الأغراض الأخرى، ولم يحاولوا لها تحديدًا. ولقد دُهشت في أول هذه السنة الدراسية لحديث كان بين وزير المعارف وبيني في أمر الطلاب الذين كانت وزارة المعارف تحشدهم حشدًا في مدرسة التجارة العليا. سألت الوزير: «وماذا يصنع هؤلاء الطلبة الذي يُحشرون مئات في هذه المدرسة إذا أتموا دروسهم. فالذي نراه في البلاد الأخرى أن المدارس الفنية الخصوصية العليا لا تقبل الطلاب إلَّا بمقدار، وأن الجامعات وحدها هي التي تقبلهم بغير حساب؛ لأن الجامعات تبيح العلم للناس ليس غير. أمَّا هذه المدارس فتهيئ طلابها لأعمال خاصة، فيجب أن يكون عدد هؤلاء الطلاب ملائمًا للحاجة». قال الوزير: إنما الذي يعنيني هو أن أخفف الضغط على الوزارة، وأزيل سخط الناس الذين لا يعرفون أين يضعون أبناءهم بعد أن ظفروا بالبكلوريا. فأمَّا مستقبلهم بعد أن يتموا دراستهم فلا شأن لي به، وإنما ينبغي أن يتعلم الناس على حسابهم هم. إن التعليم العالي ليس كنزًا ينبغي أن يتهالكوا عليه!
فوزير المعارف إذن كان يشتغل بالسياسة لا بالتعليم حين كان يحشد الطلاب في مدرسة التجارة حشدًا. كان يريد أن يريح الحكومة — ولو مؤقتًا — من سخط الساخطين واحتجاج المحتجين. فأمَّا مستقبل هؤلاء الطلبة، فأمَّا تعليمهم فشيءٌ لا يعنيه. وقد نتج عن هذا أن أصبحت مدرسة التجارة مدرستين: تعمل إحداهما في وجه النهار، والأخرى في قفاه، ولم يكد يزاد عدد الأساتذة. فأشفق معي على هؤلاء الأساتذة المساكين الذين يرددون الكلام الواحد في اليوم الواحد مرات عدة، ووزير المعارف مع ذلك أوسع الناس في وزارته عقلًا، وأبعدهم أفقًا، وأكثرهم حديثًا في مثل هذه الأشياء، فاحكم بعد هذا على حظِّ وزارة المعارف من سعة العقل وبُعد الأفق وصحة التفكير.
ومضت وزارة المعارف منذ الاحتلال على أن التعليم يجب أن يكون إنجليزيًّا؛ لأن الإنجليز أرادوا هذا، وقاوموا الثقافة الفرنسية حتى طردوها من مدارس الحكومة، ثم أعلن الاستقلال وتحدثت الصحف بأن الثقافة الإنجليزية وحدها لا تكفي، وأن شيئًا من اللغة الفرنسية لو أُعيد إلى المدارس لكان مفيدًا. فقاومت وزارة المعارف هذه الفكرة ما استطاعت إلى مقاومتها سبيلًا لترضي هذه الناحية التي أشرت إليها في مقال أمس. وأنا أعرف وزيرين لقيا من هذه المقاومة شرًّا كثيرًا عرَّضهما لكثيرٍ من المكروه. فأمَّا أحدهما فعلي ماهر باشا، الذي أقبل إلى وزارة المعارف متحمسًا للثقافة اللاتينية، مدافعًا عنها، مُصرًّا على تقويتها، وخُيِّل إليه أنه يستطيع ذلك، وأنه مستقل بشئون التعليم، واندفع فأمر بتعليم اللاتينية في بعض المدارس الثانوية، واليونانية في بعضها الآخر، والفرنسية فيها جميعًا. فلم يلبث حتى عرف أن استقلاله مشكوك فيه، وأن اليونانية واللاتينية ضربٌ من الترف يجب أن يُباح للأوروبيين دون المصريين، وأن الفرنسية يجب أن تُعلَّم، ولكن بمقدار. ورأى الرجل نفسه بين الاستقالة أو الإذعان، فأذعن ومحيت اللاتينية واليونانية، وفرق أساتذتهما في الأقاليم يعلِّمون الفرنسية تعليمًا متواضعًا.
وأمَّا الوزير الآخر، فمراد سيد أحمد باشا. أقبل مؤمنًا بالثقافة اللاتينية، مشجعًا لها، وللغة الفرنسية بنوع خاص. وقد راعه وراع رئيس الوزراء أن الحكومة عندما أتمت الدستور الجديد لم توفق إلى من يترجمه إلى العربية والإنجليزية إلَّا بعد مشقة وعناء. فأراد مراد باشا أن يقوِّي دراسة اللغات، وأن يشجع تعليم اللغة الفرنسية. ولم يزد الرجل على أن فكر وقدر، وعرض تفكيره وتقديره على رئيس الوزراء، فكاد يوافقه ويؤيده، ولكن الذين وقفوا لماهر باشا عادوا فوقفوا لمراد باشا. وقد قيل لي: إن إصلاح الشطط الذي تورط فيه مراد باشا قد كلَّف رئيس الوزراء تعبًا غير قليل. والذين وضعوا العقاب في سبيل الوزيرين المتحمسين للثقافة اللاتينية ليسوا بعيدين عن وزارة المعارف، وليسوا كارهين للثقافة اللاتينية، ولا محبِّين للثقافة الإنجليزية؛ لأنهم يجهلون الثقافتين جميعًا، وإنما هم قوم لا يقبلون على أمر من أمور التعليم حتى يتساءلوا: ماذا ترى هذه الناحية في هذا الأمر؟ وماذا ترى تلك الناحية في هذا الأمر؟ وهم لا يسألون أنفسهم: أين منفعة الأمة في هذا الأمر؟
ولست أعرف بيئة من بيئات الحكومة المصرية ضعف فيها الشعور بالاستقلال منذ إعلانه، واشتد فيها الحرص على تعرف رأي الإنجليز في جملة الأشياء وتفصيلها كوزارة المعارف. وحديث ذلك يطول، وتفصيله ليس مما يرفع رأس المصري أو يحقق كرامته.
في وزارة المعارف إذن سياسة ترمي إلى فرض الثقافة الإنجليزية على هذا البلد، ووزارة المعارف تؤيد هذه السياسة؛ لأن تأييدها يرضي الإنجليز، ولأن الثقافات جميعًا تستوي عند وزارة المعارف، لا يُرجَّح إحداها على الأخرى، إلَّا ما يحقق نفعًا قريبًا. وأي شيءٍ أدنى إلى تحقيق النفع القريب من إرضاء الإنجليز؟ ومع ذلك فمن الإثم الوطني، ومن الجناية على هذا الشعب، أن تُفرض على المصريين ثقافة بعينها. إنما يجب أن تكون للمصريين ثقافتهم المصرية الخالصة. وهذه الثقافة المصرية الخالصة إنما توجد يوم يُباح للمصريين أن يردوا ما يشاءون من الثقافات، وأن يأخذوا العلم حيث يريدون هم لا حيث يُراد لهم.
يُباح للمصريين أن يشتروا ما يحتاجون إليه من المتاع الأجنبي من الإنجليز والفرنسيين والألمان والإيطاليين، لا يقيد حريتهم في هذا شيء إلَّا التنافس بين هذه الأمم، أيها يستطيع أن يرضي المشتري بجودة المتاع وقلة الثمن وحسن المعاملة. فيجب أن يُباح لهم أخذ ما يحتاجون إليه من الثقافات عند هذه الأمم كلها، يختارون هم ولا تختار لهم الحكومة.
وماذا يكون رأيك لو أن الحكومة فرضت علينا ألَّا نشتري إلَّا من الإنجليز، ولا نتصل إلَّا بالإنجليز، ولا نسافر إلَّا لبلاد الإنجليز؟ هي لا تستطيع أن تفرض علينا هذا، ولكنها استطاعت إلى الآن بفضل الاحتلال من جهة، وبفضل مصالح الإنجليز بعد الاستقلال من جهة أخرى، وبفضل إهمالنا للتعليم من جهة ثالثة، استطاعت أن تفرض علينا اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية. فمن أراد منَّا لغة أخرى أو ثقافة أخرى، فليس له أن يطلبهما في مدارس الدولة، وإنما عليه أن يطلبهما في المدارس الحرة الأجنبية.
أيسر مبادئ الحرية السياسية يلزم الحكومة بألا تفرض على البلاد ثقافة أجنبية بعينها في التعليم العام، ويلزمها بأن يكون التعليم باللغة العربية في جميع فروعه، وأن تكون اللغات الحية الراقية كلها أو على الأقل أرقاها ممثلة في مدارس الدولة، يختار منها التلاميذ والآباء ما يشاءون. وأيسر حظ من الفطنة والتقدير للمنفعة الوطنية يلزم الحكومة ألَّا تفرض الثقافة الإنجليزية على البلاد فرضًا، فنحن نريد الاستقلال، ونريد أن نستخلصه من الإنجليز، فمن الخير أن تكون أمام تلاميذنا مُثُل عليا للفن والأدب والعلم والحياة غير المثل الإنجليزية.
أعتقد أن مما لا خير فيه أن نفاضل بين ثقافة وثقافة، فلكل ثقافة قيمتها ومميزاتها. ونحن في حاجة إلى أن نأخذ من كل شيءٍ أحسنه. فلننصرف إذن عن هذه المفاضلة السخيفة بين الثقافة اللاتينية والإنجليزية، ولنوجه جهودنا إلى تكوين ثقافة مصرية خالصة تستمد غذاءها من العلم الحر بالثقافات الإنسانية القديمة والحديثة عامة.
وإني لأسعد الناس يوم أرى حكومة مصرية تأخذ من الشجاعة حظًّا يمكنها من أن تسوي بين اللغات والآداب الإنجليزية والفرنسية والألمانية في مدارس الدولة، وتدع للتلاميذ وآبائهم حق الاختيار. ولكني واثقٌ بأن هذه الحكومة لن تكون حكومة صاحب الدولة صدقي باشا. -
في وزارة المعارف حركة الإصلاح
في وزارة المعارف: حركة الإصلاح
طه حسين
جريدة السياسة
١٠ أكتوبر ١٩٢٣
أنشأ وزير المعارف مكتبه الفني، فحمِدنا له إنشاء هذا المكتب، وانتظرنا من ورائه الخير الكثير، وما نزال نحمَد إنشاء هذا المكتب، ونعتقد أنه سيكون مصدر خير كثير للعلم والتعليم، وما نزال نرجو من وزير المعارف كثيرًا ونُلِحُّ عليه في أن لا يكتفي بإنشاء هذا المكتب الفني، بل يضيف إليه ما لا بدَّ منه من ضروب الإصلاح. وقد اقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يغير نظام المجلس الأعلى للمعارف وتأليفه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يكوِّن إدارات مستقلة للتعليم على اختلاف أنواعه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يمنح المدارس العالية نوعًا من الاستقلال بأمورها يمكِّنها من أن تدير شئونها التعليمية، وأن تنتخب عميدها أو ناظرها كما يقولون.
اقترحنا هذا كله، وما نزال نُلِحُّ في اقتراحه. ونعتقد أن وزير المعارف سيقدر هذه الاقتراحات ويفكر فيها؟ ويشجعنا على هذا الأمل إنشاء المكتب الفني نفسه؛ فإن من شأن هذا المكتب أن يدرس مثل هذه الاقتراحات درسًا صادقًا صحيحًا. ويُخيَّل إلينا أن هذا المكتب الفني إذا أمعَن النظر في هذه الاقتراحات رأى أننا لا نطلب إلى وزير المعارف أن يبتدع شيئًا غير معروف في وزارات المعارف الشرقية، وإنما نطلب إليه أن ينحو نحو هذه الوزارات، وأن ينظِّم وزارته تنظيمًا يكفل لها النفع والإنتاج من جهة، ويعصمها من العبث بالعلم والتعليم والمعلمين من جهة أخرى. وقد يستطيع المكتب الفني أن ينظر في تاريخ التعليم في الأمم الأوروبية والأمريكية المختلفة؛ ليرى نتائج هذه النظم التي نقترحها. وليقارن بين هذه النتائج وبين ما أنتجه نظامنا التعليمي العقيم الذي لم يكن يُنتظر منه أن ينتج خيرًا، والذي لم يُوضع لينتج خيرًا.
ولقد قرأنا هذا الكتاب الذي أذاعه وزير المعارف في نظَّار المدارس يطلب إليهم أن يرفعوا اقتراحاتهم في شأن التعليم وإصلاحه إلى هذا المكتب الفني، ويعدهم بأن هذه الاقتراحات ستدرس وتمحَّص وتقدَّر قدرها، وينفذ منها ما يظهر أن فيه الخير. وهذه خطوة صالحة في السبيل التي ندعو إليها، وهي استشارة المعلمين في أمر التعليم، فليس لنا إلَّا أن نحمَد لوزير المعارف اعترافه بأن المعلمين قد يكون لهم رأي في التعليم يَحسُن أن يظهروه ويَحسُن أن يدرس وأن يؤخذ به أحيانًا. هذه خُطوة صالحة، ولكنَّا لا نريد — ويقيننا أن وزير المعارف لا يريد — أن تقف الوزارة من استشارة المعلمين عند هذا الحد، وإنما نريد أن يخطو وزير المعارف الخطوة الثانية وهي تغيير نظام المجلس الأعلى وتأليفه من جماعة تكون الكثرة المطلقة فيها للمعلمين.
بل نحن نريد أن يخطو وزير المعارف خطوة أخرى، فلا يقصر دعوته على نُظَّار المدارس ولا على المعلمين في مدارس الحكومة، وإنما يجعل هذه الدعوة عامة موجَّهة إلى كل الذين يستطيعون أن يفهموا التعليم ويشيروا فيه؛ بحيث يستطيع هؤلاء أن يرفعوا اقتراحاتهم في أمر التعليم إلى المكتب الفني، وهم واثقون بأن هذا المجلس سيدرسها ويمحِّصها ويقدِّرها قدرها. نرجو ذلك ونعتقد أن الوزير لا يأباه، وأن هذه الاقتراحات الكثيرة المختلفة التي نشرتها لنا «السياسة» والتي ستنشرها لنا «السياسة» ستنال من المكتب الفني شيئًا من العناية، فتُدرس وتُمحَّص ويُنفَّذ منها ما يظهر أن فيه الخير وما يكون تنفيذه يسيرًا لا تعترضه العقبات العسيرة.
وربما كان من الحق علينا ألَّا نتعجل وزير المعارف في إصلاح وزارته وتنظيمها؛ فإن إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين، بل قد يكون أصعب من كل إصلاح، نعلم ذلك فلا نتعجل الوزير وإنما نكتفي منه بهذا الشعور الذي نجِده في كل يوم، وهو الشعور بأن الوزير مريد للخير جادٌّ فيه، وأن الأدلة تقوم في كل يوم على أنه لا يكتفي بحسن النية وإنما يضيف إليه حسن العمل؛ فقد أنشأ هذا المكتب وطلب إلى المعلمين أن يمدُّوه بالاقتراحات. ونقرأ اليوم في الصحف أنه سيُلحق بهذا المكتب مكتبًا آخر للترجمة العلمية والفنية، سينفع وزارة المعارف ومدارسها نفعًا لا شكَّ فيه. وقد رأينا موقف الوزير في أمر هذا المشروع المشوه، مشروع مدرسة البنات، وأنه قد أرجأه إلى أن يستشير الفنيين فيه، ورأينا موقف الوزير في إنصاف بعض الكفايات التي ظلمتها السلطة المركزية السابقة في وزارة التعليم، وقد يكون من الحق علينا أن نشكر لوزير المعارف بنوع خاص عملًا جديدًا أذاعته الصحف، نشكره بنوع خاص لأنه تنفيذ لاقتراح اقترحناه على وزير المعارف السابق في هذه الصحيفة، أو ألححنا فيه، فلم يحفل به وزير المعارف السابق أو مشيروه، وحفل به معالي زكي باشا أبو السعود، فهو خليقٌ أن نشكره.
اقترحنا على وزارة المعارف أن تستشير الأجانب الذي يشتغلون بالتعليم في مصر في أمر تعميم التعليم الأوَّلِي، وأن تضمَّ نفرًا من هؤلاء الأجانب إلى اللجنة التي ألفتها للنظر في تعميم التعليم الأولي. ونقرأ في الصحف اليوم أن قد بُدئ في تنفيذ هذا الاقتراح، فاعتزم وزير المعارف أن يضمَّ إلى هذه اللجنة أمريكيًّا وإيطاليًّا وفرنسيًّا، وفي اللجنة إنجليزي. وهذا خير، ولكنَّا نريد ألَّا يضم الأجانب إلى هذه اللجنة لأنهم أجانب، بل لأنهم أخِصَّائيون في التعليم. نريد ذلك ونرجو أن يختار وزير المعارف هؤلاء الأجانب من بين الذين يُشرِفون على المدارس الأميركية والإيطالية والفرنسية.
على أننا نريد أن نختم هذه الكلمة التي نستغربها نحن لأنها تخلو من النقد ولا تكاد تشتمل إلَّا على الثناء، نريد أن نختم هذه الكلمة باقتراح يسير لا يكلِّف الوزير ولا الوزارة مشقة ولا عناء. وفيه الخير للوزراء وللناس، وهو أن تكون الصلة بين الوزارة وبين الرأي العام قوية متينة؛ بحيث ينشر على هذا الرأي العام في بلاغات واضحة جلية ما تعمل الوزارة وما تعتزم أن تعمل في أمر الإصلاح. هذا خيرٌ؛ لأنه يُحسن ظن الناس بالوزارة ويُشجِّع الناس على أن يعينوا الوزارة ويتيح للناس أن يفهموا في غير غموض ولا اضطراب ما تريد الوزارة أن تعمَل. وودِدْنا لو بدأ الوزير فأنبأنا عن مكتب الترجمة هذا الذي يُنشئه أو يريد أن ينشئه: ما هو؟ وما عمله؟ وما الغرض الصحيح من إنشائه؟