Tag: public administration

  • إسراف

    حديث الوادي
    إسراف…
    من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
    ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
    ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
    هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
    والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
    ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
    ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
    ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
    ويل للناس من الإسراف…
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.

  • فساد

    حديث المساء: فساد

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣٠ ديسمبر ١٩٣٣

    فسادٌ تضيق النفس بالتفكير فيه، وتتأذى الألسنة بالحديث عنه، وتشمئز الآذان من الاستماع إليه. لكني مع ذلك مضطر إلى أن أتحدث فيه إلى القراء وإلى أن أتحدث فيه بعد القراء أو قبلهم إلى رجلين مترفين لا يحبان الأحاديث التي تعافها النفوس، وتكرهها الألسنة، وتمقتها الأسماع. وهما الرجل الطيب رئيس الوزراء والرجل العظيم وزير المالية. فقد يكون من الخير ومن إيثار العافية أن ينأى الإنسان بنفسه عن الفساد، وأن ينفر من التفكير فيه والحديث عنه، والاستماع له، ولكن الذين يشغلون أنفسهم بالحياة العامة لا ينبغي لهم أن ينأوا عن ذكر الفساد الذي يمس أمور الناس ما داموا يرجون من ذكره إصلاحًا له ومحوًا لإثاره. وإني لأكره هذه الأحاديث التي لا يُذكر فيها إلا العبث بأموال الدولة والإهدار لمرافق الناس والتضييع لحقوقهم، ولكني مع ذلك مضطر إلى أن ألم بهذه الأحاديث من حين إلى حين، لعل الله أن يعطف قلوب سادتنا الذين يقدرون على الإصلاح، فيرفقوا بهذا الشعب ويردوا عنه، ولو قليلًا، مما يلم به ويلح عليه من السيئات والآثام. ومن المحقق أن الوزراء لم يتولوا مناصبهم ليسمعوا ثناءًا خالصًا متصلًا، وتقريظًا عذبًا غير مقطوع، ولا ليختلفوا إلى مكاتبهم يأمرون وينهون، ويتلقون طاعة المطيع وإذعان المذعن، وإنما تولوا مناصبهم ليشرفوا على أمور الشعب بالعدل والقسط، وليقوِّموا المعوج ويعاقبوا المسيء، فهم بذلك خليقون ألا يعافوا الفساد إذاعرضت عليهم صوره أو ألقيت إليهم أحاديثه، بل هم خليقون أن يهاجموا هذا الفساد ويصارعوه لعلهم أن يصرعوه ويكشفوا ضره عن الناس.

    والفساد الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم إلى وزير المالية وإلى رئيس الوزراء عظيم محرج حقًّا؛ لأنه متردد بين الصدق والكذب، وهو فساد على كل حال، إن صدق كان فسادًا عظيمًا يدل على أن أمور الدولة وأدوات الحكم لم تبق معرضة للخطر فحسب، وإنما هي غارقة في الخطر، قد أخذها الشر من جميع نواحيها. وإن لم يصدق كان دليلًا على أن الأخلاق في بعض البيئات الحكومية، قد انتهت إلى أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه من النكر والسوء. رجل كتب إليَّ — وأمثاله كثيرون يكتبون إليَّ — بغير إمضاء منذ أيام يقص عليَّ أخبارًا تتصل بمصلحة من مصالح الحكومة، من هذه المصالح التي تتشرف برياسة الرجل العظيم وزير المالية، وزعم لي هذا الكاتب أن أخباره صحيحة لا غبار عليها، ولا شك فيها، وفي هذه الأخبار اتهام لبعض الموظفين باستغلال مناصبهم للاستفادة مما تحت أيديهم من حقوق الدولة والناس. أرض تشترى بغير حق وبأثمان بخسة زهيدة لا قيمة لها، وتستصلح بغير حق وتستصلح على حساب الدولة. وتعاون بين بعض الموظفين على مثل هذه الآثام، كل يخدم صاحبه ويحسن إليه، وكل يسيء بهذا الإحسان إلى الحكومة وإلى الأمة وإلى أخلاقه بنوع خاص، وواضح جدًّا أن مثل هذه الكتب المهملة التي لا يستطيع أصحابها أن يمضوها ولا أن يحتملوا تبعة ما فيها من الأخبار، خليقة ألا يقف عندها الصحفي ولا يحفل بما فيها، فضلًا عن أن ينقله إلى قرائه. ولكن هذه الأخبار التي كانت تصل إليَّ في كتب مهملة غير ممضاة كانت تذاع في صحف أخرى مطابقة أو مقاربة لما في هذه الكتب، وكانت توجه فيها الأسئلة إلى الوزراء، وكان الناس يتحدثون فيها ويكثرون الحديث. وكنت أنا مع ذلك أهملها وآمر بتمزيقها أو تحريقها. فلما كان أمس وصل إليَّ كتاب من هذه الكتب يزعم صاحبه أنه كتبه إليَّ يوضح فيه ما كتب إليَّ من أسبوعين، أو منذ عشرة أيام، ثم مضى يذكر موظفًا من الموظفين، ويضيف إليه أمورًا أقل ما توصف به أنها جنايات على حقوق الدولة وعلى حقوق الناس، وأنها مفسدة للأخلاق، لا لأخلاق الذي يقترفها وحده، بل لأخلاق الذين يعينونه عليها، ويشاركونه فيها، بل لأخلاق الذين يحيطون بهذا الموظف، ويتصلون به، ويعملون معه من قريب أو بعيد، إن كان ما يضاف إليه من الآثام صحيحًا، والكاتب يفصل هذه الآثام تفصيلًا ويتحدث عنها حديث العالم بها، المطلع على أسرارها ودقائقها الذي كأنه يراها كل يوم، فيضيق بما يرى منها، ويود لو استطاع أن يمحوها محوًا ويأخذ من يقترفونها بأشد العقاب. يذكر موظفًا اشترى أرضًا بغير حق، وبثمن بخس، وكان بعض هذه الأرض قد طال إهماله؛ لأنه موضوع خلاف بين الحكومة وبعض الأفراد. فلما اشتراه هذا الموظف، إن كان قد اشتراه، أمر فأصلح له على حساب الدولة، وبأموال الدولة وأدواتها، بل زرع له على حساب الدولة فيما يقول هذا الكاتب المجهول. والكاتب يذكر فنًّا غريبًا من فنون الفساد، فهو يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — كان يمتحن العمال ليتبين أنهم لن يدلوا عليه، ولن يتحدثوا بما يعملون له إن سألهم عن ذلك سائل. والكاتب يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — قد قضى أشهر الصيف أو بعض أشهر الصيف على ساحل البحر في ناحية من نواحي الدلتا تظله خيام الدولة، وتظل معه أسرته، تخدمه خدم الدولة، وتخدم معه أسرته. وكان هذا الموظف — إن صح ما يقول الكاتب المجهول، وأرجو أن لا يكون صحيحًا — يلم بالقاهرة في الشهر يومًا أو يومين يأتي ويعود في سيارة من سيارات الدولة، ثم لا يمنعه ذلك — إن صح ما يقوله الكاتب المجهول، وأنا أرجو دائمًا أن لا يكون صحيحًا — من أن يأذن لنفسه بنفسه في قبض بدل السفر وأجر السفر كأنه إنما سافر لمصلحة من مصالح الدولة وكأنه إنما أقام هذه الأيام الطوال لعمل من أعمال الدولة.

    والكاتب المجهول لا يقف عند هذا الحد، بل يذكر موظفًا آخر كبيرًا يسميه باسمه، كما سمى ذلك الموظف باسمه، ويضيف إليه أمورًا ليست أقل خطرًا مما أضاف إلى صاحبه، ويزعم — وأرجو أن لا يكون صادقًا — أن هذين الموظفين قد تعاونا، ولكن لا على البر والتقوى، بل على الإثم والعدوان، والكاتب المجهول يطلب أن تتخذ هذه الحوادث التي يرويها موضوعًا لحملة قوية يُحارب بها هذا الفساد، ويُحارب بها المفسدون، وهو يرى أن الوزارة لو ألَّفت لجنة للتحقيق فإن هذه اللجنة لن تجد مشقة ما في الكشف عن حقائق هذا الشر وآثاره بشرط أن يوقف عن العمل جماعة من الموظفين الذين اشتركوا في هذه الأثام واحتملوا الكثير من أوزارها.

    وكأن هذا الكاتب المجهول قد أحس أني لا أستطيع أن أعنى بكلامه ما دمت لا أعرفه وما دام لا يسمي نفسه ولا يظهر استعدادًا لاحتمال ما في قوله من التبعات، فهو يطلب إليَّ في آخر الكتاب أن أحول رسالته إلى وزارة المالية إن رأيت منفعة في ذلك؛ ليقرأها الوزير وليرى فيها رأيه، وأنا مستجيب لدعائه ومرسل رسالته اليوم إلى وزير المالية؛ ليقرأها وليرى فيها رأيه، وأنا أعتقد أن كثيرًا من أمثال هذه الرسالة يصل إلى وزير المالية، وإلى غيره من الوزراء، وإلى كثير من كبار الموظفين. ولكن الذي يعنيني والذي كتبت من أجله هذا الفصل هو ما أشرت إليه آنفًا من أن مثل هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون لا تخلو من إحدى اثنتين، فإما أن تكون صحيحة، وإذن فأمور الدولة قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، وإما أن تكون مكذوبة، وإذن فأخلاق فريق من الموظفين قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، فأمر هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون فساد كله، فساد في حال الصدق، فساد في حال الكذب، وهذا الفساد نفسه هو الذي ينبغي أن نفكر فيه، فلو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة، قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص، لما اقتُرفت مثل هذه الآثام، إن كانت قد اقترفت، ولما وجد بين الموظفين من يسعى بالكذب ويعيش للوشاية، ويتخذ النميمة أسلوبًا من أساليب الانتقام وضربًا من ضروب الكيد، ولو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص لما أمن موظف آثم من العقاب، إن وجد هذا الموظف الآثم، ولما خفي على الحكومة أولئك الذين يسعون بالناس، ويقولون فيهم غير الحق، ويسيئون بالسعاية والوشاية إلى بلادهم وإلى أنفسهم في غير حذر ولا احتياط. ولكن أمور الحكم عندنا مضطربة أشد الاضطراب ملتوية أشد الالتواء. الوزراء مشغولون بالسياسة وبالسياسة الحزبية التي لا خطر لها، ولا نفع فيها، والبرلمان مشغول مع الوزراء بالسياسة وبالسياسة التي يشتغل بها الوزراء، وأمور الحكم متروكة للموظفين يصرفونها كما يريدون أو كما يستطيعون، لا يخضعون في ذلك لمراقبة قوية دقيقة تضطرهم إلى الدقة والحذر والاحتياط، والمصريون يشقون بهذا ويجنون ثماره المرة في كل يوم، والأجانب ينظرون ويسخرون، والإنجليز يرون وينتظرون اليوم الذي يعلنون فيه أنهم قد تركوا للمصريين أمورهم فلم يحسنوا القيام عليها، فلا بد لهم من الرجوع إلى الاستئثار بهذه الأمور.

    أليس رئيس الوزراء ووزير المالية وزملاؤهما يرون معنا أن هذه الحال أشد خطرًا وأبعد في حياتنا أثرًا، وأحق بعنايتهم وبعناية البرلمان من إبعاد صدقي باشا عن السياسة، ومن نصب الحرب لنقابة المحامين؟

  • مريض

    حديث المساء: مريض

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ ديسمبر ١٩٣٣

    ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.

    في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.

    أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.

    ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.

    ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.

    وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟

    هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.

    ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.

    وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.

    أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.

    سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!

  • نزاهة

    حديث المساء: نزاهة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أكتوبر ١٩٣٣

    أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.

    وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.

    ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.

    نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.

    ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.

    أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.

    فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.

    أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.

    وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.

    وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.

    ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.

  • مليونان …

    حديث المساء: مليونان …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أكتوبر ١٩٣٣

    أما أحدهما فتفضل به ديكتاتورنا العظيم على الرعية البائسة قبل أن يبرح مصر في الربيع الماضي ليستشفي ويستريح، ويستعد للاستقالة أو للإقالة، وأما الآخر فيريد أن يتفضل به وزير المالية الجديد على الرعية البائسة؛ ليكون فاتحة خير ووسيلة من وسائل الدعاية للوزارة الجديدة.

    ومما لا شك فيه أن الدكتاتور المستقيل لم يَنْسَ الدعاية واستبقاء الذكر الحسن في نفوس الرعية البائسة حين طابت نفسه الكبيرة للرعية الصغيرة عن هذا المليون، ومما لا شك فيه أيضًا أن وزير ماليتنا العظيم لا ينسى الدعاية وكسب الأعوان والأنصار حين تطيب نفسه الغنية لهذه الرعية المحرومة عن هذا المليون.

    ومن المحقق أن صدقي باشا لم يَسْتَفِدْ من المليون الذي نزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة، ومن المحقق أيضًا أن صبري بك لن يستفيد من هذا المليون الذي ينزل عنه دعاية واسعة ولا ضيقة. فقد لقي الشعب مليون صدقي باشا بالفتور وسيلقى مليون صبري بك بالفتور، والله يعلم كيف وُزِّع مليون صدقي باشا، والله يعلم كيف يُوزَّع مليون صبري بك.

    ولكن الأمر الذي يستحق التفكير والتدبر، ويدعو إلى الروية والتأمل هو أن هذين الرجلين العظيمين يجدان الملايين في سهولة ويسر، يتمناهما أو يتمنى بعضهما كثير من وزراء الدول الغنية الكبرى. فقد وجد صدقي باشا مليونًا في أعقاب الميزانية الماضية، واقتصد صبري بك فيما يُقال مليونًا من صلب الميزانية الحاضرة، وكلا الرجلين لم يخفض ولم يفكر في تخفيض مرتبات الموظفين، وكلا الرجلين لم يعدل ولم يفكر في العدول عن المشروعات الكبرى التي تدفع إليها الدولة دفعًا، سواء أكانت هذه المشروعات مفيدة أو غير مفيدة.

    والناس جميعًا يعلمون أن هذين الرجلين العظيمين مهما يكن حظهما من الكفاية وطول الباع، وسعة الاطلاع، والقدرة على الابتداع، فالله عز وجل لم يمنحهما القدرة على أن يخلقا شيئًا من لا شيء، ولا على أن يقولا للملايين كوني فتكون.

    وإذن؛ فقد كان عند هذين الرجلين العظيمين مقدار من المال لا بأس به لم تحتَجْ إليه الدولة في العام الماضي، فتفضل به صدقي باشا على الشعب، وأي شعب؟! ولا تحتاج إليه الدولة في هذا العام فيتفضل به صبري بك على الشعب، وسنرى أي شعب.

    وهذا المقدار يجب أن يكون قد أُخِذَ من الرعية؛ لأن الله لم يُعوِّد وزارتنا ولا غيرها من الوزارات أن يمطر عليها ذهبًا أو فضة أو ورقًا، وإذا كان هذا المقدار قد أُخِذَ من الرعية، والرعية بائسة يائسة، معدمة محرومة، يلتمس كثير منها قوت أبنائه وبناته فلا يجد، بعد الجهد والمشقة وبعد الكد وطول العناء، فقد يكون من الواضح فيما أظن أن الدولة تقسو وتسرف في القسوة، وتشط وتغلو في الشطط لتكلف الجائع المحروم، والمعدم البائس أن يقدم إليها من المال ما تحتاج إليه وما لا تحتاج إليه وما يحتاج هو إلى جزء يسير منه ليعيش.

    ومعنى ذلك أن الدولة لا تجبي الضرائب، أو قُلْ لا تجبي من الضرائب ما يكافئ حاجتها للقيام على مرافق الناس ومصالحهم، وإنما تستصفي أموالهم استصفاءً، وتمتص دماءهم امتصاصًا، وتعرق لحمهم عرقًا. حتى لا تدع لهم إلا الجلد اللاصق بالعظم، لا أكثر من ذلك. ولو استطاعت أن تدع لهم أقل من ذلك لفعلت. ومعنى ذلك أن هذه السياط التي كانت تُسلَّط على ظهور المعسرين لعجزهم عن أداء ما تطلب الدولة إليهم من المال، لم تكن سياط الحق الذي يضطر إلى العزم والحزم، ولا سياط العدل الذي يلجأ إلى الشدة والعنف، وإنما كانت سياط الظلم الصارخ، والجور الذي لم يكن يستحي أن يبدي وجهه القبيح المنكر للناس في ضوء النهار.

    ومعنى ذلك أن هؤلاء الفقراء والأغنياء، وهؤلاء المعسرين والموسرين الذين تُحجَز حاصلاتهم الزراعية في غير حق لاستيفاء ما تطلب الدولة من المال، إنما يتكلفون نتائج هذا الحجز ويحتملون أثقاله المادية والمعنوية في غير حاجة من الدولة ملجئة ولا ضرورة للدولة ماسة، بل لأن الدولة تريد أن تجمع المال، وأن تجمع المال ليس غير، وأن تجمع المال مهما يكلفها جمعه من قهر للناس وقسوة عليهم، ومن تجاوز للقانون وخروج على المألوف في تنفيذ القانون.

    ومعنى ذلك أيضًا أن الوزارة السابقة قد كانت تفهم عمل الحكومة فهمًا خاطئًا، وكانت تقدر، فيما يظهر، أن الحكومة إنما هي أداة من أدوات الدولة لجمع المال على أي نحو لجلب المال من أي طريق، لا أن الحكومة أداة من أدوات الدولة لخدمة الشعب والترفيه عليه، ولتحقيق مصالح الناس وتيسير أمورهم.

    وإذا كان هذا هو فهم الوزارة السابقة للحكم، وتقدير الوزارة السابقة للصلة بين الدولة وبين الشعب؛ فليس غريبًا بحال من الأحوال أن تنتهي هذه السياسة بالشعب إلى هذه الحال المنكرة التي هو فيها، وأن تنتهي بالوزارة السابقة إلى هذا المصير المنكر الذي انتهت إليه، وأن تفسد رأي الناس في الوزارة، بل رأي الناس في المبادئ التي تقوم عليها الوزارة، وأن تمحو من نفوس الناس ما ينبغي أن يقوم عليه الحكم لا أقول من الحب والمودة، بل أقول من الثقة وحسن الظن اللذين يجعلان الناس بمأمن من الظلم والجور، واللذين يملآن قلوب الناس اطمئنانًا إلى أن الحكومة تخدمهم ولا تظلمهم، وإلى أنها لا تجبي منهم المال إلا بمقدار الضرورة التي تدعو إليها مرافقهم ومصالحهم.

    ثم ليس غريبًا أن تسرف الوزارة السابقة فيما أسرفت فيه من إنفاق المال بغير حساب فيما لا ينفع ولا يفيد، أو فيما يمكن تأجيله والانتظار به أعوامًا طوالًا.

    نعم؛ وليس غريبًا أن تُعقَد المؤتمرات في مصر ويُرسَل المندوبون لحضور المؤتمرات في غير مصر، وأن تحيي الأوبرا فصلها الأنيق الملهى في ليالي الشتاء، وأن تُقام العمارات الشاهقة في غير حاجة إليها، وأن يُدعى الأجانب لإلقاء المحاضرات، أو لغير إلقاء المحاضرات، وأن تَعْبُر أموالنا البحر لتنصب في خزائن الصحف الأوروبية، ولتسبغ على مفوضياتنا ألوانًا زاهية من الترف.

    ليس شيء من هذا غريبًا ما دامت الدولة تجمع المال على النحو الذي كانت تجمعه عليه، وتسرف في إنفاق المال على هذا النحو الذي كانت تسرف في إنفاقه عليه، حتى إذا دار العام المالي وجد صدقي باشا بعد الإسراف والتبذير مليونًا ينزل عنه هدية لمن أراد أن يشملهم بعطفه قبل أن يسافر للاستشفاء، ثم لا يكاد ينتصف العام المالي، والحكومة مسرفةٌ ما شاء لها الإسراف في المال تنفقه عن يمين وشمال حتى يستطيع الوزير الجديد أن يجد مليونًا يريد أن يهديه إلى الناس دون أن يمس مرتبات الموظفين، ودون أن يمس المشروعات الكبرى. ولعله أن يكون قد اقتصد هذا المليون من نفقات الحبر، والورق، وأقلام الرصاص!

    والنتيجة الواضحة الجليلة لهذا كله محزنة حقًّا، تدمي القلوب وتمزق الأفئدة وتظهر حياة هذا الشعب المسكين في صورة من البؤس والشقاء لا يستريح إليها ضمير الرجل المتحضر، ولا تطمئن إليها نفس الإنسان المهذب. فإن الدولة التي تظفر بالملايين بعد هذا الإسراف الذي نحن فيه يجب أن تكون غنية حقًّا، وقد قلنا منذ أشهر، وما زلنا نقول اليوم، إن إسراف الدولة في الغنى حين يسرف الشعب في الفقر والبؤس لا يدل على حكم مستقيم يعتمد على العدل والإنصاف ورحمة الناس والرفق بهم، وإنما يدل على شيء آخر نكره أن نسميه باسمه القبيح. فإذا قُدِّرَتْ مصروفات الدولة بهذه الملايين التي تُقدَّر بها في كل عام، ثم أمكن أن يُؤخَذ منها مليون بهذه السهولة التي دُهِش لها المستشار المالي الإنجليزي فيما تقول الأهرام أمس؛ فليس من شك في أن الاقتصاد الصحيح والتدبير النزيه ينتهيان إلى تخفيض هذه المصروفات تخفيضًا عظيمًا جدًّا يريح دافع الضرائب من كثير من هذه الأعباء الثقال التي تنوء به وتضطره إلى شر حال.

    يجب إذن أن يفيق المصريون، وأن يفكروا في هذا البلاء الثقيل الذي ينغص عليهم حياتهم ويفسد عليهم أمورهم، وأن يسألوا أنفسهم كيف كان البرلمان يراقب الوزارة في شئون الميزانية، وكيف استطاع البرلمان أن يدع هذه الميزانية تمضي كما مضت، وكيف قيل له أن الوزارة قد احتملت من المشقة والجهد شيئًا عظيمًا لتصل إلى موازنة هذه الميزانية إلى تحقيق التكافؤ الدقيق بين الدخل والخرج. فلو قد كان هذا الكلام حقًّا لما كان من الممكن أن يظفر صدقي باشا بمليونه ذاك آخر العام، وأن يظفر صبري بك بمليونه هذا في منتصف العام.

    نعم؛ ويجب أن يفيق المصريون ويسألوا أنفسهم كيف استطاع وزير المالية الجديد أن يدبر هذا المليون، ما دام البلاغ الرسمي ينبئنا بتدبيره. فنحن بين اثنتين إما أن يكون صبري بك قد اقتصده من أشياء ليس منها بد، فهو إذن مخطئٌ خطأً شديدًا معرض مصالح الدولة للخطر، وإما أن يكون قد اقتصده من أشياء لا تدعو إليها الحاجة ولا تلجئ إليها الضرورة؛ وإذن فقد كان صدقي باشا مسرفًا في مال الأمة، سيئ التقدير لهذا التكافؤ بين الدخل والخرج.

    وكم نحب أن نسمع رأي صدقي باشا في هذا المليون الجديد الذي اقتصده صبري بك في أقل من أسبوع؛ فقد كان صدقي باشا في أول عهد هذه الوزارة بالحكم يوحي إلى صحيفته أن تحذر وزير المالية الجديد من الوعد بالاقتصاد؛ لأن الاقتصاد لا سبيل إليه. فنحب أن نعلم كيف اقتصد وزير المالية هذا المليون، وماذا يرى صدقي باشا في هذا الاقتصاد.

    ونحب قبل كل شيء وبعد كل شيء، أن يتنبه المصريون إلى أن ألوانًا من العبث الخطر تحيط بهم وبمرافقهم؛ فهؤلاء قوم يعصرونهم عصرًا، ويرهقونهم إرهاقًا، ويكلفونهم من المال فوق ما يطيقون، ثم يسرفون فيما يجمعون من المال ما وسعهم الإسراف، ثم إذا احتاجوا إلى الدعاية واستعطاف القلوب عليهم ردوا على هذا الشعب المحروم في شيء من الأنفة والكبرياء، وإظهار التفضل والعطف ببعض ما أخذوا منه بالقوة والعنف والبطش وتسليط العذاب.

    كلا؛ لم يُهْدِ صدقي باشا مليونه ذاك إلى أحد وإنما رد ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ، ولن يهدي صبري بك مليونه هذا إلى أحد، وإنما يرد بعض ما لم يكن ينبغي أن يؤخذ.

    ولو استقامت أمور الناس في هذا البلد التعس لرُدَّ عليهم أكثر مما يُهْدَى إليهم الآن، ولَسُئِل الوزراء عن هذا العذاب الذي يُسلَّط على الناس في جمع أموال تقوم البراهين في كل يوم على أنها أكثر جدًّا مما تحتاج إليه الحكومة.

    ولكن كيف تستقيم أمور الناس، وهم ليسوا من تدبيرها في شيء؟!

  • شكوى٢

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

  • ثقافة٢

    حديث اليوم: ثقافة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٥ يوليو ١٩٣٢

    بين الذين يفهمون التعليم على وجهه، ويقدِّرون عمله في تكوين الشعب، ويقدِّرون كذلك الصلة بينه وبين ما للشعب من مثل عليا. بين هؤلاء الناس وبين وزارة المعارف خلافٌ واسع، بعيد عميق في الثقافة المصرية: ما هي؟ وعلى أي شيء تعتمد؟ وماذا يجب أن تكون؟

    ومصدر هذا الخلاف أن وزارة المعارف لم تضع هذه المسائل يومًا ما موضع البحث والتفكير؛ لأنها فيما يظهر أضيق عقلًا من أن تستطيع التفكير في مثل هذه الموضوعات، وهي ترى الذين يفكِّرون في الثقافة المصرية وفي دعائمها وفي مستقبلها جماعة من المتحذلقين الذين يفلسفون في الهواء، ويضيعون وقتهم ووقت القرَّاء فيما لا يُغني ولا يفيد.

    وأنا أحدثك عن تجربة، حين أقول لك: إنك ستشعر بشيءٍ كثيرٍ من السأم والملل، ثم من اليأس والقنوط، حين تتحدث إلى رجال التعليم في وزارة المعارف في هذه المسائل التي أشرت إليها آنفًا؛ لأنك ستجد قومًا لا يفهمونك، ولا يستطيعون أن يفهموك. ومن العسير على من لم يفهمك أن يستمع لك، وإذن فستجد إعراضًا وازورارًا. فإن كان محدثك على شيءٍ من الأدب وحسن الذوق، صرفك عن هذا الحديث للفكاهة والمزاح، وقدَّم إليك السيجارة، وطلب لك القهوة، وقال لك ضاحكًا: «هذه مسائل سابقة لأوانها، والخير أن ينتظر بها حتى يتم الاستقلال.» وإن كان يحدثك جافيًا، صفيق النفس غليظ الذوق، تركك تقول، وتثاءب وتمطَّى ولعب بما يجد أمامه على المائدة من قلم أو ورق أو كتاب، حتى تشعر بأنك إنما تتحدث إلى نفسك؛ لأن جليسك لا يُصغي إليك، فتغير موضوع الحديث، وحينئذٍ يقبل عليك صاحبك طلق الوجه وضَّاح الأسارير.

    وقد لقيت الرجلين في وزارة المعارف، وبلوتهما، وحاولت أن أصل معهما إلى شيء، فلم أوفق في ذلك إلى خيرٍ قليلٍ أو كثيرٍ.

    ذلك أن وزارة المعارف منذ الاحتلال مضت على أن التعليم وسيلة لتكوين الموظفين. ثم كثر عدد المتعلمين حتى تجاوز عدد الوظائف، وأخذت الصحف تنشر فصولًا ومقالات تبيِّن فيها أن وقف التعليم على تكوين الموظفين سيئة من سيئات الاحتلال، وأصبح مما يتحلى به الرجل المستنير أن يسجِّل على الإنجليز هذه السيئة، ويؤكد أن للتعليم أغراضًا أخرى غير هذا الغرض اليسير. فمشت وزارة المعارف وراء الصحف، وقال رجالها بهذا الرأي — لأنهم مستنيرون — ولكنهم لم يبحثوا عن هذه الأغراض الأخرى، ولم يحاولوا لها تحديدًا. ولقد دُهشت في أول هذه السنة الدراسية لحديث كان بين وزير المعارف وبيني في أمر الطلاب الذين كانت وزارة المعارف تحشدهم حشدًا في مدرسة التجارة العليا. سألت الوزير: «وماذا يصنع هؤلاء الطلبة الذي يُحشرون مئات في هذه المدرسة إذا أتموا دروسهم. فالذي نراه في البلاد الأخرى أن المدارس الفنية الخصوصية العليا لا تقبل الطلاب إلَّا بمقدار، وأن الجامعات وحدها هي التي تقبلهم بغير حساب؛ لأن الجامعات تبيح العلم للناس ليس غير. أمَّا هذه المدارس فتهيئ طلابها لأعمال خاصة، فيجب أن يكون عدد هؤلاء الطلاب ملائمًا للحاجة». قال الوزير: إنما الذي يعنيني هو أن أخفف الضغط على الوزارة، وأزيل سخط الناس الذين لا يعرفون أين يضعون أبناءهم بعد أن ظفروا بالبكلوريا. فأمَّا مستقبلهم بعد أن يتموا دراستهم فلا شأن لي به، وإنما ينبغي أن يتعلم الناس على حسابهم هم. إن التعليم العالي ليس كنزًا ينبغي أن يتهالكوا عليه!

    فوزير المعارف إذن كان يشتغل بالسياسة لا بالتعليم حين كان يحشد الطلاب في مدرسة التجارة حشدًا. كان يريد أن يريح الحكومة — ولو مؤقتًا — من سخط الساخطين واحتجاج المحتجين. فأمَّا مستقبل هؤلاء الطلبة، فأمَّا تعليمهم فشيءٌ لا يعنيه. وقد نتج عن هذا أن أصبحت مدرسة التجارة مدرستين: تعمل إحداهما في وجه النهار، والأخرى في قفاه، ولم يكد يزاد عدد الأساتذة. فأشفق معي على هؤلاء الأساتذة المساكين الذين يرددون الكلام الواحد في اليوم الواحد مرات عدة، ووزير المعارف مع ذلك أوسع الناس في وزارته عقلًا، وأبعدهم أفقًا، وأكثرهم حديثًا في مثل هذه الأشياء، فاحكم بعد هذا على حظِّ وزارة المعارف من سعة العقل وبُعد الأفق وصحة التفكير.

    ومضت وزارة المعارف منذ الاحتلال على أن التعليم يجب أن يكون إنجليزيًّا؛ لأن الإنجليز أرادوا هذا، وقاوموا الثقافة الفرنسية حتى طردوها من مدارس الحكومة، ثم أعلن الاستقلال وتحدثت الصحف بأن الثقافة الإنجليزية وحدها لا تكفي، وأن شيئًا من اللغة الفرنسية لو أُعيد إلى المدارس لكان مفيدًا. فقاومت وزارة المعارف هذه الفكرة ما استطاعت إلى مقاومتها سبيلًا لترضي هذه الناحية التي أشرت إليها في مقال أمس. وأنا أعرف وزيرين لقيا من هذه المقاومة شرًّا كثيرًا عرَّضهما لكثيرٍ من المكروه. فأمَّا أحدهما فعلي ماهر باشا، الذي أقبل إلى وزارة المعارف متحمسًا للثقافة اللاتينية، مدافعًا عنها، مُصرًّا على تقويتها، وخُيِّل إليه أنه يستطيع ذلك، وأنه مستقل بشئون التعليم، واندفع فأمر بتعليم اللاتينية في بعض المدارس الثانوية، واليونانية في بعضها الآخر، والفرنسية فيها جميعًا. فلم يلبث حتى عرف أن استقلاله مشكوك فيه، وأن اليونانية واللاتينية ضربٌ من الترف يجب أن يُباح للأوروبيين دون المصريين، وأن الفرنسية يجب أن تُعلَّم، ولكن بمقدار. ورأى الرجل نفسه بين الاستقالة أو الإذعان، فأذعن ومحيت اللاتينية واليونانية، وفرق أساتذتهما في الأقاليم يعلِّمون الفرنسية تعليمًا متواضعًا.

    وأمَّا الوزير الآخر، فمراد سيد أحمد باشا. أقبل مؤمنًا بالثقافة اللاتينية، مشجعًا لها، وللغة الفرنسية بنوع خاص. وقد راعه وراع رئيس الوزراء أن الحكومة عندما أتمت الدستور الجديد لم توفق إلى من يترجمه إلى العربية والإنجليزية إلَّا بعد مشقة وعناء. فأراد مراد باشا أن يقوِّي دراسة اللغات، وأن يشجع تعليم اللغة الفرنسية. ولم يزد الرجل على أن فكر وقدر، وعرض تفكيره وتقديره على رئيس الوزراء، فكاد يوافقه ويؤيده، ولكن الذين وقفوا لماهر باشا عادوا فوقفوا لمراد باشا. وقد قيل لي: إن إصلاح الشطط الذي تورط فيه مراد باشا قد كلَّف رئيس الوزراء تعبًا غير قليل. والذين وضعوا العقاب في سبيل الوزيرين المتحمسين للثقافة اللاتينية ليسوا بعيدين عن وزارة المعارف، وليسوا كارهين للثقافة اللاتينية، ولا محبِّين للثقافة الإنجليزية؛ لأنهم يجهلون الثقافتين جميعًا، وإنما هم قوم لا يقبلون على أمر من أمور التعليم حتى يتساءلوا: ماذا ترى هذه الناحية في هذا الأمر؟ وماذا ترى تلك الناحية في هذا الأمر؟ وهم لا يسألون أنفسهم: أين منفعة الأمة في هذا الأمر؟

    ولست أعرف بيئة من بيئات الحكومة المصرية ضعف فيها الشعور بالاستقلال منذ إعلانه، واشتد فيها الحرص على تعرف رأي الإنجليز في جملة الأشياء وتفصيلها كوزارة المعارف. وحديث ذلك يطول، وتفصيله ليس مما يرفع رأس المصري أو يحقق كرامته.

    في وزارة المعارف إذن سياسة ترمي إلى فرض الثقافة الإنجليزية على هذا البلد، ووزارة المعارف تؤيد هذه السياسة؛ لأن تأييدها يرضي الإنجليز، ولأن الثقافات جميعًا تستوي عند وزارة المعارف، لا يُرجَّح إحداها على الأخرى، إلَّا ما يحقق نفعًا قريبًا. وأي شيءٍ أدنى إلى تحقيق النفع القريب من إرضاء الإنجليز؟ ومع ذلك فمن الإثم الوطني، ومن الجناية على هذا الشعب، أن تُفرض على المصريين ثقافة بعينها. إنما يجب أن تكون للمصريين ثقافتهم المصرية الخالصة. وهذه الثقافة المصرية الخالصة إنما توجد يوم يُباح للمصريين أن يردوا ما يشاءون من الثقافات، وأن يأخذوا العلم حيث يريدون هم لا حيث يُراد لهم.

    يُباح للمصريين أن يشتروا ما يحتاجون إليه من المتاع الأجنبي من الإنجليز والفرنسيين والألمان والإيطاليين، لا يقيد حريتهم في هذا شيء إلَّا التنافس بين هذه الأمم، أيها يستطيع أن يرضي المشتري بجودة المتاع وقلة الثمن وحسن المعاملة. فيجب أن يُباح لهم أخذ ما يحتاجون إليه من الثقافات عند هذه الأمم كلها، يختارون هم ولا تختار لهم الحكومة.

    وماذا يكون رأيك لو أن الحكومة فرضت علينا ألَّا نشتري إلَّا من الإنجليز، ولا نتصل إلَّا بالإنجليز، ولا نسافر إلَّا لبلاد الإنجليز؟ هي لا تستطيع أن تفرض علينا هذا، ولكنها استطاعت إلى الآن بفضل الاحتلال من جهة، وبفضل مصالح الإنجليز بعد الاستقلال من جهة أخرى، وبفضل إهمالنا للتعليم من جهة ثالثة، استطاعت أن تفرض علينا اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية. فمن أراد منَّا لغة أخرى أو ثقافة أخرى، فليس له أن يطلبهما في مدارس الدولة، وإنما عليه أن يطلبهما في المدارس الحرة الأجنبية.

    أيسر مبادئ الحرية السياسية يلزم الحكومة بألا تفرض على البلاد ثقافة أجنبية بعينها في التعليم العام، ويلزمها بأن يكون التعليم باللغة العربية في جميع فروعه، وأن تكون اللغات الحية الراقية كلها أو على الأقل أرقاها ممثلة في مدارس الدولة، يختار منها التلاميذ والآباء ما يشاءون. وأيسر حظ من الفطنة والتقدير للمنفعة الوطنية يلزم الحكومة ألَّا تفرض الثقافة الإنجليزية على البلاد فرضًا، فنحن نريد الاستقلال، ونريد أن نستخلصه من الإنجليز، فمن الخير أن تكون أمام تلاميذنا مُثُل عليا للفن والأدب والعلم والحياة غير المثل الإنجليزية.

    أعتقد أن مما لا خير فيه أن نفاضل بين ثقافة وثقافة، فلكل ثقافة قيمتها ومميزاتها. ونحن في حاجة إلى أن نأخذ من كل شيءٍ أحسنه. فلننصرف إذن عن هذه المفاضلة السخيفة بين الثقافة اللاتينية والإنجليزية، ولنوجه جهودنا إلى تكوين ثقافة مصرية خالصة تستمد غذاءها من العلم الحر بالثقافات الإنسانية القديمة والحديثة عامة.

    وإني لأسعد الناس يوم أرى حكومة مصرية تأخذ من الشجاعة حظًّا يمكنها من أن تسوي بين اللغات والآداب الإنجليزية والفرنسية والألمانية في مدارس الدولة، وتدع للتلاميذ وآبائهم حق الاختيار. ولكني واثقٌ بأن هذه الحكومة لن تكون حكومة صاحب الدولة صدقي باشا.

  • سياسة التعليم لذلك الأستاذ الناقد٢

    سياسة التعليم: لذلك الأستاذ الناقد (٢)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٤ أغسطس ١٩٢٤

    كنت أريد أن أخصص هذه الكلمة لطائفة من الخواطر عرضت لي أثناء سياحتي هذه. لكني أُنفِق جزءًا من الوقت في قراءة الصحف المصرية التي تصل إليَّ. ولذيذةٌ جدًّا قراءة هذه الصحف المصرية في هذا الجو الذي أعيش فيه الآن، حيث لا أسمع كلمة عربية إلا من صاحبي، وحيث لا أشعر بما يشعر به المصري في مصر من اشتراك الحس والعاطفة والرأي بينه وبين مواطنيه، وحيث أشعر بالعزلة المطلقة في كثير من الشئون، وحيث أسمع الفرنسيين من حولي يتناقشون في شئونهم المختلفة في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، في رفق إذا تناقشوا في أدب أو علم أو فن أو في شيء يقرب من ذلك، وفي عنف إذا تناقشوا في السياسة. والفرنسيون يتناقشون في السياسة كثيرًا هذه الأيام؛ لأن موقفهم السياسي يدعو إلى المناقشة، فهناك أحزاب كانت تحكم فنالتها الهزيمة الانتخابية، وهناك أحزاب كانت تعارض فنالها النصر الانتخابي، فهي الآن تصرِّف أمور الحكم، فحكَّام الأمس معارضو اليوم، ومعارضو أمس حكَّام اليوم. ولذيذٌ جدًّا أن تسمع هؤلاء الناس يتناقشون، ولكني سأحدثك عن هذا في غير هذا المقال.

    قلت إني أقرأ الصحف العربية التي تصل إليَّ من مصر، وقد قرأت فيما قرأت نبأً دعاني إلى التفكير ففكرت، واضطرني إلى الكتابة فأنا أكتب الآن.

    قرأت أن البرلمان المصري قد أقرَّ وزارة المعارف على إلغاء مجلسها الأعلى وإنشاء لجنة فنية تقوم مقامها. وقرأت المرسوم الذي صدر بإنشاء هذه اللجنة وتنظيمها، وقرأت فصولًا في «السياسة» تناول كاتبها هذا الموضوع بالبحث والنقد.

    وفي الحق إن هذا النبأ لم يدهشني في نفسه، فأنا أعلمه منذ وثبت الوزارة السعدية إلى مناصب الحكم! نعم، لم يكد رئيس الوزراء يؤلِّف وزارته ويذيع برنامجه ويتقبل تهنئة المهنئين حتى لقيت صديقًا من السعديين المخلصين الذين لا تمنعهم سعديتهم الخالصة أن يكون بينهم وبين غير السعديين ولاء، وكان صديقي هذا من أصحاب المكانة في وزارة المعارف، فتحدثنا عن وزارة المعارف.

    وعلمت من هذا الحديث أن الوزارة السعدية تكره نظام التعليم، أو بعبارة أصح تكره النظام الذي بدأ في إيجاده زكي باشا أبو السعود في وزارة التعليم، وأنها تريد أن تنقض هذا النظام كله فتلغي ما تم منه وتعدل عما لم يتم. وكان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه سياسة التعليم إلى وجهتين قيمتين: الأولى أنه أنشأ المكتب الفني، الثانية أنه اعترف باستقلال التعليم العالي، أو اعترف بحق هذا التعليم العالي في الاستقلال، وأخذ يهيئ له الوسائل ويمهد إليه السبل. فلم يكن بدٌّ للوزارة السعدية من أن تنقُضَ هذا النظام وتستبدل منه نظامًا آخر.

    فبدأت بهذا المكتب الفني فشلَّته وحرمته من كل سلطان، حتى إن أعضاءه كانوا لا يجدون لأنفسهم في الوزارة عملًا، ثم تحوَّلت أعمال المكتب الفني كلها إلى وكيل الوزارة وسكرتيرها العام. ثم فكرت الوزارة السعدية في أن تخلص من استقلال التعليم، فسلكت إلى ذلك سُبُلًا مختلفة: الأولى أنها أسدلت على مشروع الجامعة ستارًا كثيفًا، وراوغت كلما سئلت عنه في البرلمان. وليس لهذا كله سبب إلا أن مشروع الجامعة كان يقضي بالاستقلال التام للتعليم العالي، وأن وزارة المعارف السعدية لم تكن تستطيع أن تتصوَّر استقلال التعليم، وإنما كانت تريد أن يخضع لها كل شيء خضوعًا تامًّا، لا فرق في ذلك بين التعليم وغير التعليم من مرافق الدولة، ولا فرق في ذلك بين التعليم العالي وغيره من أنواع التعليم.

    ولعل القارئ يذكر هذه الكلمة الغريبة التي قالها في مجلس النوَّاب صاحب الدولة رئيس الوزراء حين ذُكرت الجامعة. وهي أنه لا يفهم معنى الجامعة، ولا يفهم فائدة الجامعة للأمة … ولعل القارئ يذكر أنَّا كتبنا حول هذه الكلمة فصلًا فسَّرناها فيه تفسيرًا نعتقد أنه لا يحتمل الشك، ونعيده الآن تذكرةً وتبصرةً، وهو أن الوزارة السعدية تكره الجامعة وتتلكأ في إنشائها، لا لشيء إلا لأن الجامعة بطبيعتها مستقلة في أمر التعليم، كما أن المحكمة لطبيعتها مستقلة في أمر القضاء. وكل وزارة نشأت وقامت على هذا النحو الذي نشأت عليه الوزارة السعدية فهي منصرفة بطبعها عن هذه الهيئات المستقلة التي لا تخضع لسلطان الحكومة خضوعًا تامًّا. ولكن زكي باشا أبو السعود كان قد مضى في تحقيق الاستقلال للتعليم العالي إلى أمدٍ غير بعيد؛ فأنشأ المجالس الإدارية للمدارس العليا ومنحها استقلالًا داخليًّا يوشك أن يكون تامًّا، وأصدر بذلك قوانين لم يكن بدٌّ من إلغائها أو من إيجاد طريقة للتخلص منها، فلم يكن لوزارة المعارف السعدية بدٌّ من أن تخلص من هذا الاستقلال الداخلي الذي منحه زكي باشا أبو السعود للمدارس العليا. وكيف تخلص من هذا الاستقلال؟ الأمر يسير! فيكفي أن تقرأ المرسوم الذي صدر بإنشاء اللجنة الفنية التي تخلف المجلس الأعلى لتفهم كيف قضت الوزارة السعدية على استقلال التعليم.

    ذلك أن قرارات هذه المجالس الإدارية للمدارس العليا تعرض بحكم هذا المرسوم على هذه اللجنة الفنية فترى فيها رأيها. وهذه اللجنة الفنية نفسها ليست مستقلة وإنما آراؤها وقراراتها جميعًا خاضعة كل الخضوع لإرادة الوزير. وإذن فقرارات المجلس الأعلى خاضعة للجنة الفنية، وقرارات هذه اللجنة خاضعة للوزير. وإذن فالوزير هو كل شيء، لا في المسائل الإدارية ولا في المسائل المالية ولا في نحو هذه المسائل مما يمس نظام التعليم عن بعد، بل في نظام التعليم نفسه، بل في جوهر التعليم. وإذن فهذا الوزير البرلماني الذي هو بحكم الدستور وبحكم الحياة البرلمانية خاضع للظروف السياسية وصروفها، يرقى اليوم إلى منصب الوزير ليتركه غدًا. هذا الوزير الذي لا يستطيع أن يضمن البقاء في منصبه يسيطر على سياسة التعليم في جميع فروعه. فإذا كان الوزير من أولي الرأي في التعليم فوضع له سياسة ما وأخذ في تنفيذها ثم أصابته المحن البرلمانية فنزل عن منصبه فليس ما يضمن أن الوزير الذي سيخلفه سيمضي في تنفيذ سياسته. وأكبر الظن أن هذا الوزير سيلغي ما أقرَّ الوزير السابق كما ألغى صاحب الدولة سعيد باشا ما أقر صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود.

    يجب أن نكون منصفين وأن نرد الأمور إلى نصابها، وأن نقول الحق، ولكن في رفق ولطف. فنحن مدينون بهذا الرفق واللطف للمرحوم عاطف باشا بركات. الناس جميعًا يعلمون أن عاطف باشا بركات كان رأس وزارة المعارف وقلبها، به تشعر وزارة المعارف، وبه تفكر وزارة المعارف، وإليه تنتهي أمور وزارة المعارف. وإن صاحب الدولة سعيد باشا كان يقوم من هذه الوزارة مقام غيره من الوزراء الدستوريين. كان يؤمن بكفاية عاطف باشا بركات ومقدرته الفنية، فيكل إليه الأمور الفنية كلها ويمثل هو وزارته في مجلس الوزراء وفي البرلمان تمثيلًا سياسيًّا لا أكثر ولا أقل.

    وإذن فالذي أحدث هذا التغير في وزارة المعارف هو في حقيقة الأمر عاطف باشا بركات، وإن كان المسئول عنه هو صاحب الدولة سعيد باشا بركات، كان رجلًا يمتاز بالقوة والحزم، أو شيء أكثر من الحزم، وكان تحت السلطان والسيطرة، كان يجب إذا أشرف على شيء أن ينتهي إليه كل شيء، وكان رجلًا خُلِقَ للإدارة، ولعلنا لا نظلمه إذا قلنا إنه لم يكن قد خُلِقَ للتعليم، فأراد أن يشرف حقًّا على وزارة المعارف، فهيأ لذلك من الأسباب ما هيأ، ثم استأثرت به رحمة الله قبل أن يبلغ من هذا الإشراف ما كان يريد. وترك لخلفائه في وزارة المعارف عبئًا ثقيلًا جدًّا نعتقد أنهم قد لا ينهضون به، وأنهم قد لا يحبون أن ينهضوا به. وأصبحت بذلك وزارة المعارف بين اثنتين: إمَّا أن تمضي في هذه السياسة التي وضعها عاطف باشا بركات رحمه الله؛ وإذن فلا بدَّ لها من عاطف باشا بركات، وهي إن ظفرت بعاطف باشا بركات، فلن توفق من هذه السياسة إلى خير؛ لأنها سياسة سيئة شديدة الخطر على التعليم؛ فقد نفهم المركزية في كل شيء، نفهمها في المسائل الإدارية، ونفهمها في غير هذه المسائل. ولكنَّا نزعم أن فهمها في التعليم مستحيل؛ لأن التعليم فن خالص أو هو فنون مختلفة لا يمكن أن تجتمع لرجل واحد، ولا لهيئة واحدة، وإنما يجب أن يشرف عليها الفنيون المختلفون وأن يكون لهؤلاء الفنيين حظٌّ موفورٌ من الاستقلال يضمن لهم التوفيق إلى ما يريدون، وإمَّا أن تعدل وزارة المعارف عن السياسة المركزية التي كانت مسيطرة على شئون التعليم أيام الإنجليز، والتي تريد أن تسيطر على شئون التعليم أيام الوزارة السعدية.

    وإذن فلا بدَّ لوزارة المعارف من أن تنقض ما أبرمه عاطف باشا بركات، وأن تطلب إلى البرلمان نقض ما أبرم في أمر اللجنة الفنية، وأن تضع سياسة جديدة للتعليم هي نفس السياسة التي كان زكي باشا أبو السعود قد وجَّه إليها وزارة المعارف، وإذا فعلت وزارة المعارف هذا فحدِّث عن هذا الوقت الضائع، وعن هذه القرارات المضطربة التي ينقض بعضهًا بعضًا، ولكننا نرجِّح أن وزارة المعارف لن تسلك هذه الطريق، فقد يكون الخير في أن تسلكها، ولكن الوزارة ستجد شيئًا من الغضاضة في الاعتراف بهذا الخطأ العظيم، وفي أن تنقض اليوم ما أبرمت أمس.

    هناك قاعدة هي المثل الأعلى في أمر التعليم، ولكنها بعيدة كلَّ البعد عن الحقيقة الواقعة. لم تقتنع بها الأمم الراقية في أوروبا بعد، فمن المعقول ألا تفهمها مصر. هذه القاعدة هي أن يكون التعليم كالقضاء مستقلًّا الاستقلال كله عن السياسة لا تناله صروفها ولا تعبث به خطوبها، وأؤكد لك أن التعليم أحقُّ بالاستقلال من القضاء: لِمَ يستقل القضاء؟ لتكون حقوق الأفراد بمأمن من الأهواء السياسية. حقوق الأفراد … أمَّا التعليم فهو لا يتناول حقوق الأفراد، وإنما يتناول حياة الأمم كلها، يتناول حياتها الحاضرة ويتناول حياتها المستقبلة، يتناول كلَّ موقفها، ويتناول كل آمالها. فإذا كان القاضي خليقًا بالاستقلال ليبيع الناس وليشتروا في أمنٍ ودعةٍ، أفلا يكون المعلم خليقًا بالاستقلال لتحيا الأمة وتنمو وترقى بمأمن من الشهوات السياسية التي لا تنتج في التعليم إلا شرًّا؟ … وبين يدي مثلٌ قائم أختم به هذا الفصل، وهو أمر التعليم الثانوي في فرنسا.

    في السنة الماضية أصدرت وزارة بوانكارية — وأقرتها كثرة البرلمان — نظامًا لهذا التعليم يقضي بتعليم اللاتينية واليونانية في المدارس الثانوية للبنين والبنات، وأخذت وزارة المعارف في تنفيذ هذا النظام منذ أكتوبر الماضي، ثم كانت الهزيمة الانتخابية التي أصابت بوانكاريه وأصحابه، وكان انتصار الاشتراكيين وأصحابهم، وهم يكرهون اللاتينية واليونانية، ويؤثِرون التعليم الذي يُسمَّى تعليمًا حديثًا. فلم يكد يجتمع مجلس النوَّاب الاشتراكي حتى قررت لجنة التعليم فيه إلغاء النظام الذي وضعته الوزارة السابقة وأقره المجلس السابق. ولن يدوم السلطان لهذا المجلس، بل لا بدَّ أن يعود السلطان لأصحاب بوانكاريه، ويومئذ يقرر مجلس النوَّاب إلغاء هذا النظام والعودة إلى اللاتينية واليونانية. وموضوع هذا العبث ليسوا ألفًا أو آلافًا من الموظفين كما هو الأمر في مصر، وإنما موضوع هذا العبث هو الجيل الناشئ كله عن هذه الأمة الفرنسية. فهل نستطيع أن نعتبر؟ وهل نستطيع أن نسبق إلى جعل التعليم فوق السياسة أو بمعزل عن السياسة على أقل تقدير؟

    بوليجين، في ١١ أغسطس سنة ١٩٢٤

  • في وزارة المعارف هل أنصف المعلمون؟

    في وزارة المعارف:
    هل أنصف المعلمون؟
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ ديسمبر ١٩٢٣

    أعترف مخلصًا أني كنت مطمئنًا الاطمئنان كله، معتقدًا أن قد أُنصِف المعلمون، وأُصلح من أمرهم ما كانوا يريدون إصلاحه بعد تلك الضجة العنيفة التي حدثت في الصيف الماضي حول المعلمين وقضيتهم، وبعد أن أزيلت من وزارة المعارف تلك السلطة المركزية التي طالما شكا منها المعلمون وغير المعلمين، وبعد أن أُسندت أمور هذه الوزارة إلى صاحب المعالي زكي باشا أبو السعود، فأظهر من حب الإصلاح والرغبة فيه، ومن الميل إلى الإنصاف والحرص عليه ما سجَّلناه له غير مرة مُغتبطين به، مُثْنينَ عليه.

    كنت أعتقد أن المعلمين قد أُنصِفوا فاستقبلوا عامهم الدراسي الجديد وقلوبهم مطمئنة، ونفوسهم راضية، وجهودهم كلها موقوفة على التعليم، وكنت أعتقد أن وزير المعارف قد أنصَفهم فيمن أنصف من رجال المعارف، ثم اعتزَّ بإنصافه إياهم وعطفه عليهم فكلفهم هذه الأعمال الإضافية التي كلَّفهم إياها، والتي اقتضاها توسيع المدارس وزيادة الفصول فيها، وكنت أعتقد أن المعلمين قد اغتبطوا بهذا الإنصاف وابتهجوا له، فوجدوا من هذا الابتهاج قوة أعانتهم على قبول هذا التكليف الجديد راضين مستبشرين.

    وكنت أقول في نفسي: لقد وُفِّق وزير المعارف فحقق التعاون الصحيح والثقة الصحيحة بينه وبين المعلمين في المدارس، والمشرفين على أمور التعليم في الوزارة. ولكن مُعلمَينِ أقبلا إليَّ أمس، فكان بينهما وبيني حديث أقل ما ترك في نفسي أن الأمر شيءٌ من الأسى والشعور بخيبة الأمل، فلم يَصلُح أمر المعلمين، وما زالت «قضيتهم» إلى اليوم بحيث تركناها في الصيف الماضي موضوع النزاع بين وزارة المعارف ووزارة المالية.

    وما لي أقص عليك أمر المعلمين وأحدهم يقصه عليَّ في هذا الكتاب الذي أرجو أن يقرأ وزير المعارف ما نقتطف منه:

    … في شهر أغسطس الماضي، أُلقيت مقاليد الأمور في وزارة المعارف إلى صاحب المعالي، الرجل الفاضل أحمد زكي أبو السعود باشا، فاستبشر المدرسون وأمَّلوا خيرًا على يديه، واطمأنت نفوسهم، وسافر وفد نائب عنهم وتشرف بمقابلة معاليه، وبسطوا له شكاتهم، فطيَّب خاطرهم، ووعدهم بالسعي في رفع الحيف الواقع عليهم. مرَّ شهر أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، وفي آخره تشرف الوفد مرة ثانية بالمثول بين يديه مذكِّرًا ما وعد، ومشيرًا بكل تواضع إلى ما يبذله المدرِّسون الآن من الجهود التي تقصم الظهور لزيادة الحصص، وتضاعف عدد التلاميذ في الفصول المدرسية، وقد فعلوا ذلك عن طيب خاطر، وتلبية لنداء الواجب، فأجابهم أن يتركوه يعمل في جو هادئ. انقضى شهر أكتوبر، وتلاه نوفمبر، فأخذت الهموم تساور نفوس المدرسين، ويشتد بهم القلق، فتوجه وفد منهم وطرق هذه المرة باب سعادة سكرتير الوزارة العام، فأبى أن يجيبهم بأكثر من أن معالي الوزير مهتم بأمرهم. انصرم شهر نوفمبر وانتصف شهر ديسمبر الآن، ولكن بدل أن يظهر شيء يريحهم وتهدأ له نفوسهم راجت إشاعات السوء، وامتلأ الجو بما يثير التشاؤم ويبعث الجزع في النفوس. ولا أجزم بصحة ما يُقال أو ما يُشاع، إنما يصح — على الأقل — أن أتمثل بقول القائل: لا دُخان بلا نار، أم يرى سيدي أن أتفاءل خيرًا رغم العبر الماضية؟ أتعلم، يا سيدي الأستاذ، من واضع المذكرة الأولى لتحسين حال المدرسين؟ هو صاحب الدولة يحيي إبراهيم باشا، رئيس الوزراء الحالي. أتعلم من أرسل المذكرة الثانية؟ معالي محمد توفيق رفعت باشا، وزير الخارجية الآن، والثالثة؟ معالي أحمد زكي أبو السعود باشا، وزير المعارف، وإلى من أرسلت؟ إلى معالي أحمد حشمت باشا، وزير المعارف الأسبق، والمالية حاليًّا. فهل يتنزل سيدي الدكتور ويبين لي السر في الإحجام عن إنصاف المعلمين، ومعظم وزرائنا الحاليين ممن خبروا وزارة المعارف وعرفوا شيئًا عنها، وأقروا المدرسين على عدالة مطالبهم؟ إني لمنتظر حتى يتفضل عليَّ سيدي بحل هذا اللغز، فيضيف بذلك فضلًا على أفضاله السابقة التي لا أنساها ولا ينساها له مدرس في مصرنا. ولكن إذا سمح لي وأفسح صدره بأن أسبقه بذكر سبب واحد لا أملك نفسي عن ذكره، ولا أستطيع أن أكتمه عنه انتظارًا لحله العتيد؛ كنت له من الشاكرين، ألا وهو أن المدرسين مستضعفون من الجميع. هذا ما أعتقده وما خبرته بعد طول الزمن في مزاولة هذه المهنة — مهنة التعليم — بوزارة المعارف. لا ألقي الكلام على عواهنه، ولا أتجنى على أحد. فهذا ما قد صرَّح به أقطاب الوزارة في مواقف عدة، والواقع يثبته ولا يدع مجالًا للشك فيه، ورغم ذلك كله؛ فإني منتظر وكلي آذان صاغية لما تدلُون به من الأسباب، وأقبلوا فائق التحيات. المدرس

    وأي وجه للغرابة في أن يعتقد أقطاب وزارة المعارف، وأقطاب وزارة المالية، وأقطاب الوزارات الأخرى، وغيرهم من الأقطاب، ومن ليسوا أقطابًا، أن المعلمين مستضعفون؟ وصناعة التعليم — كما قلت غير مرة — تضطر صاحبها إلى أن يكون مستضعفًا؛ فليس من اليسير أن تجمع بين الحرص على العلم وإتقان التعليم، وبين الشره إلى المال والتهالك عليه، وليس من اليسير أن تعاشر كتب الفلاسفة وآثار العلماء ثم تكون مع هذه المعاشرة وقحًا سمجًا تدافع، لا أقول عن حقك، بل أقول عن هواك في شدة وعنف، يُظهِرانك مظهر القوي وإن كنت ضعيفًا، ويَقفانك موقف المحق وإن كنت مبطلًا. ليس من اليسير أن تكون معلِّمًا شريفًا وأن تكون مع ذلك شرهًا أو وقحًا أو سمجًا. وإذا لم يكن الرجل على حظٍّ من هذه الخصال السيئة؛ فقلَّما ينجح، وقلَّما يُوفَّق إذا فسد الأمر، واضطربت النُّظم الخُلقية، وقامت المنفعة والمحاباة مقام الحق والإنصاف.

    نعم، عسيرٌ جدًّا على المعلم إذا كان شريفًا أن يُوفَّق إلى الحياة الراضية الهادئة في مثل هذه الأيام التي يُهضم فيها حق الرجل الكريم، ويُزدرَى فيها مكان الرجل الشريف، ولسنا نستطيع أن
    ننصح للمعلمين بأن ينزلوا عن خلالهم الطاهرة الشريفة ليفوزوا بنعمة العيش ولقمته، فهم غير قادرين على هذا من جهة، ومنفعة مصر وحياتها المقبلة وحسن تأديب شبابها، كل ذلك رهين بأن يظل المعلمون محتفظين بحظهم من الكرامة والحياة.

    إذن، فما الذي يحل مشكلة المعلمين؟ وهل قضي علينا حقًّا أن نيأس من الحق والعدل والإنصاف في هذه البلاد؟ وهل قُضِيَ علينا حقًّا أن نشهد في كل يوم هذه المشاهد المؤلمة، وأن نرى في كل يوم أموال الدولة تُبعثر يمينًا وشمالًا، وتنثر في كل وجه، فلا تصيب أو لا تكاد تصيب إلَّا من أتاحت له المصادفة أن يرضى عنه فلان أو فلان من هؤلاء السادة الذين يُدبِّرون أمورنا في هذه الأيام العوجاء؟ وأين مكان رجل كوزير المعارف، وما عهدناه إلَّا مُنْصفًا مؤثرًا للعدل، مُحْتفِظًا لوزارته بحقِّها من الكرامة. ألا يستطيع مثل هذا الرجل الخيِّر أن يكون مصدرًا للخير، فيرفع الضير عن طائفة خليقة حقًّا بأن لا تشقى؟ أيُّ حقٍّ أن يشقى المعلمون بالعلم والتعليم، وأن يسعد الجهلاء بالجهل والغرور؟

    يجب أن نُنْصِف وزير المعارف كما يُنصفه المعلمون أنفسهم، فيظهر أنه جادٌّ، ويظهر أنه ما زال يَجِدُّ في إنصاف معلميه، ولكن وزارة المالية تأبى أو تتردد أو تماطل، والفصول تتغير، ويُقبل الشتاء على أثر الصيف، وتتجدد حاجات المعلمين وأبنائهم وأسرهم، فلا يجدون ما يدفعون به هذه الحاجات إلَّا وعودًا وأمانيَ: انتظروا، دعوني أعمل في جو هادئ. إن الوزير مهتمٌّ بأمركم.

    ولكن هذه الكلمات مهما تكن حلوة أو مرة، وهذه الوعود مهما تكن مقوية للأمل أو مُضعِفة له؛ فلن تمكِّن المعلم من أن يشتري ثياب الشتاء لنفسه ولمن يعول.

    إني لأخجل حين أكتب مثل هذا عن المعلمين، فإن للأستاذ حياءٌ يحول بينه وبين أن يظهر للناس من أمره مثل هذا، وإن من الخزي والعار أن يشكو المعلمون في مصر فقرًا أو سوءَ حال. فهل أستطيع أن أعتمد على وزير المعارف في ألَّا يردد المعلمون مثل هذه الشكاة التي تُؤلِمُهم ولا تُشرِّف مصر؟
    أمَّا أنا فثقتي بوزير المعارف قوية، وأعتقد أنَّا لن نحتاج إلى أن نشكو مرة أخرى.

  • في وزارة المعارف حركة الإصلاح

    في وزارة المعارف: حركة الإصلاح

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٠ أكتوبر ١٩٢٣

    أنشأ وزير المعارف مكتبه الفني، فحمِدنا له إنشاء هذا المكتب، وانتظرنا من ورائه الخير الكثير، وما نزال نحمَد إنشاء هذا المكتب، ونعتقد أنه سيكون مصدر خير كثير للعلم والتعليم، وما نزال نرجو من وزير المعارف كثيرًا ونُلِحُّ عليه في أن لا يكتفي بإنشاء هذا المكتب الفني، بل يضيف إليه ما لا بدَّ منه من ضروب الإصلاح. وقد اقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يغير نظام المجلس الأعلى للمعارف وتأليفه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يكوِّن إدارات مستقلة للتعليم على اختلاف أنواعه، واقترحنا عليه وما زلنا نقترح أن يمنح المدارس العالية نوعًا من الاستقلال بأمورها يمكِّنها من أن تدير شئونها التعليمية، وأن تنتخب عميدها أو ناظرها كما يقولون.

    اقترحنا هذا كله، وما نزال نُلِحُّ في اقتراحه. ونعتقد أن وزير المعارف سيقدر هذه الاقتراحات ويفكر فيها؟ ويشجعنا على هذا الأمل إنشاء المكتب الفني نفسه؛ فإن من شأن هذا المكتب أن يدرس مثل هذه الاقتراحات درسًا صادقًا صحيحًا. ويُخيَّل إلينا أن هذا المكتب الفني إذا أمعَن النظر في هذه الاقتراحات رأى أننا لا نطلب إلى وزير المعارف أن يبتدع شيئًا غير معروف في وزارات المعارف الشرقية، وإنما نطلب إليه أن ينحو نحو هذه الوزارات، وأن ينظِّم وزارته تنظيمًا يكفل لها النفع والإنتاج من جهة، ويعصمها من العبث بالعلم والتعليم والمعلمين من جهة أخرى. وقد يستطيع المكتب الفني أن ينظر في تاريخ التعليم في الأمم الأوروبية والأمريكية المختلفة؛ ليرى نتائج هذه النظم التي نقترحها. وليقارن بين هذه النتائج وبين ما أنتجه نظامنا التعليمي العقيم الذي لم يكن يُنتظر منه أن ينتج خيرًا، والذي لم يُوضع لينتج خيرًا.

    ولقد قرأنا هذا الكتاب الذي أذاعه وزير المعارف في نظَّار المدارس يطلب إليهم أن يرفعوا اقتراحاتهم في شأن التعليم وإصلاحه إلى هذا المكتب الفني، ويعدهم بأن هذه الاقتراحات ستدرس وتمحَّص وتقدَّر قدرها، وينفذ منها ما يظهر أن فيه الخير. وهذه خطوة صالحة في السبيل التي ندعو إليها، وهي استشارة المعلمين في أمر التعليم، فليس لنا إلَّا أن نحمَد لوزير المعارف اعترافه بأن المعلمين قد يكون لهم رأي في التعليم يَحسُن أن يظهروه ويَحسُن أن يدرس وأن يؤخذ به أحيانًا. هذه خُطوة صالحة، ولكنَّا لا نريد — ويقيننا أن وزير المعارف لا يريد — أن تقف الوزارة من استشارة المعلمين عند هذا الحد، وإنما نريد أن يخطو وزير المعارف الخطوة الثانية وهي تغيير نظام المجلس الأعلى وتأليفه من جماعة تكون الكثرة المطلقة فيها للمعلمين.

    بل نحن نريد أن يخطو وزير المعارف خطوة أخرى، فلا يقصر دعوته على نُظَّار المدارس ولا على المعلمين في مدارس الحكومة، وإنما يجعل هذه الدعوة عامة موجَّهة إلى كل الذين يستطيعون أن يفهموا التعليم ويشيروا فيه؛ بحيث يستطيع هؤلاء أن يرفعوا اقتراحاتهم في أمر التعليم إلى المكتب الفني، وهم واثقون بأن هذا المجلس سيدرسها ويمحِّصها ويقدِّرها قدرها. نرجو ذلك ونعتقد أن الوزير لا يأباه، وأن هذه الاقتراحات الكثيرة المختلفة التي نشرتها لنا «السياسة» والتي ستنشرها لنا «السياسة» ستنال من المكتب الفني شيئًا من العناية، فتُدرس وتُمحَّص ويُنفَّذ منها ما يظهر أن فيه الخير وما يكون تنفيذه يسيرًا لا تعترضه العقبات العسيرة.

    وربما كان من الحق علينا ألَّا نتعجل وزير المعارف في إصلاح وزارته وتنظيمها؛ فإن إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين، بل قد يكون أصعب من كل إصلاح، نعلم ذلك فلا نتعجل الوزير وإنما نكتفي منه بهذا الشعور الذي نجِده في كل يوم، وهو الشعور بأن الوزير مريد للخير جادٌّ فيه، وأن الأدلة تقوم في كل يوم على أنه لا يكتفي بحسن النية وإنما يضيف إليه حسن العمل؛ فقد أنشأ هذا المكتب وطلب إلى المعلمين أن يمدُّوه بالاقتراحات. ونقرأ اليوم في الصحف أنه سيُلحق بهذا المكتب مكتبًا آخر للترجمة العلمية والفنية، سينفع وزارة المعارف ومدارسها نفعًا لا شكَّ فيه. وقد رأينا موقف الوزير في أمر هذا المشروع المشوه، مشروع مدرسة البنات، وأنه قد أرجأه إلى أن يستشير الفنيين فيه، ورأينا موقف الوزير في إنصاف بعض الكفايات التي ظلمتها السلطة المركزية السابقة في وزارة التعليم، وقد يكون من الحق علينا أن نشكر لوزير المعارف بنوع خاص عملًا جديدًا أذاعته الصحف، نشكره بنوع خاص لأنه تنفيذ لاقتراح اقترحناه على وزير المعارف السابق في هذه الصحيفة، أو ألححنا فيه، فلم يحفل به وزير المعارف السابق أو مشيروه، وحفل به معالي زكي باشا أبو السعود، فهو خليقٌ أن نشكره.

    اقترحنا على وزارة المعارف أن تستشير الأجانب الذي يشتغلون بالتعليم في مصر في أمر تعميم التعليم الأوَّلِي، وأن تضمَّ نفرًا من هؤلاء الأجانب إلى اللجنة التي ألفتها للنظر في تعميم التعليم الأولي. ونقرأ في الصحف اليوم أن قد بُدئ في تنفيذ هذا الاقتراح، فاعتزم وزير المعارف أن يضمَّ إلى هذه اللجنة أمريكيًّا وإيطاليًّا وفرنسيًّا، وفي اللجنة إنجليزي. وهذا خير، ولكنَّا نريد ألَّا يضم الأجانب إلى هذه اللجنة لأنهم أجانب، بل لأنهم أخِصَّائيون في التعليم. نريد ذلك ونرجو أن يختار وزير المعارف هؤلاء الأجانب من بين الذين يُشرِفون على المدارس الأميركية والإيطالية والفرنسية.

    على أننا نريد أن نختم هذه الكلمة التي نستغربها نحن لأنها تخلو من النقد ولا تكاد تشتمل إلَّا على الثناء، نريد أن نختم هذه الكلمة باقتراح يسير لا يكلِّف الوزير ولا الوزارة مشقة ولا عناء. وفيه الخير للوزراء وللناس، وهو أن تكون الصلة بين الوزارة وبين الرأي العام قوية متينة؛ بحيث ينشر على هذا الرأي العام في بلاغات واضحة جلية ما تعمل الوزارة وما تعتزم أن تعمل في أمر الإصلاح. هذا خيرٌ؛ لأنه يُحسن ظن الناس بالوزارة ويُشجِّع الناس على أن يعينوا الوزارة ويتيح للناس أن يفهموا في غير غموض ولا اضطراب ما تريد الوزارة أن تعمَل. وودِدْنا لو بدأ الوزير فأنبأنا عن مكتب الترجمة هذا الذي يُنشئه أو يريد أن ينشئه: ما هو؟ وما عمله؟ وما الغرض الصحيح من إنشائه؟