Tag: Secondary Schooling

  • في التعليم والمعلمين

    في التعليم والمعلمين

    طه حسين

    مجلة مجلتي

    ١٥ مايو ١٩٣٥

    أظن أن حديث الناس في هذه الأيام سيكثر عن التعليم والمعلمين، إلَّا أن تشغلهم أحداث السياسة كما تعودت أن تفعل فتصرفهم عن كل قول نافع وعمل مفيد. وإذا قدرت أن حديث التعليم خليق أن يشغل الناس في هذه الأيام، فمصدر ذلك هذه القنبلة الرسمية، إن صح هذا التعبير. فقد ألقى وزير المعارف قنبلة (وإن لم يتعود الوزراء إلقاء القنابل) حين أصدر تقريره عن التعليم الثانوي، مبيِّنًا فيه عيوب هذا التعليم، مقترحًا ما يرى من أسباب الإصلاح. وليس من شأني أن أعرض لهذا التقرير بنقد أو تقريظ، ولا أن أناقش هذه العيوب التي سجلها الوزير تسجيلًا، ولا أن أناقش هذه الاقتراحات التي يعرضها الوزير ليعرف فيها رأي الناس. ليس من شأني أن أعرض هنا لهذه الأشياء، فقد يكون لي فيها موقف آخر يومًا ما في غير الصحف والمجلات. وإنما الذي يعنيني الآن، هو أن ألاحظ أن وزارة المعارف قد حكمت على نفسها في هذا التقرير، أو أن وزير المعارف قد حكم على وزارته، حكمًا أو أحكامًا كان الرأي العام قد أصدر كثيرًا منها منذ زمن طويل، وكانت الحكومة تأبى أن تقبلها أو تعترف بها. فلنحمد لوزير المعارف شجاعته على قول الحق، ولنحمد له — قبل كل شيء — هذا الدرس القيم الذي ألقاه على وزارته حين بيَّن لها في غير تردد وفي غير إيماء، بل في حزم وعزم وتصريح، أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي لا يكره أن يعترف على نفسه بالعيب، وأن يلتمس إصلاح هذا العيب بعد أن يتبينه ويتعرف أسبابه وآثاره.

    ونحن نرجو أن تنتفع وزارة المعارف بهذا الدرس الذي ألقاه الوزير، وأن تتعود منذ الآن مواجهة أمور التعليم في شجاعة وحزم، والاعتراف بما اقترفت من أغلاط، وما تورطت فيه من خطأ، والاجتهاد في إصلاح هذا الخطأ وتلك الأغلاط.

    ونحن نرجو أيضًا أن يدرس وزير المعارف فروع التعليم الأخرى كما درس التعليم الثانوي، ويصدر في أمر كل فرع منها تقريرًا كهذا التقرير الذي أذاعه في أمر التعليم الثانوي، فهو إن فعل أحسن إلى المصريين وإلى وزارة المعارف من وجوه.

    منها أنه يستكشف عيوب التعليم ويدعو الناس إلى درسها والنظر في إصلاحها، ومنها أنه يضع بكل تقرير تاريخًا صحيحًا دقيقًا متقنًا لفرع من فروع التعليم. فإذا استوفى وضع تقريراته كلها، فقد وضع تاريخًا ممتعًا للتعليم المصري في هذا العصر الحديث، ينتفع به هذا الجيل كما تنتفع به الأجيال المقبلة. ومنها أنه يخرج من هذه العادة المنكرة التي ألفها الوزراء، فأفسدت عليهم أمرهم كل الإفساد، وأفسدت على البلاد نفسها أمرها كل الإفساد، وعرضت الحق لخطر عظيم، وجعلت الحقائق الرسمية في ناحية هي ناحية الشك والريبة، والحقائق الواقعة في ناحية أخرى هي ناحية الصدق واليقين والخوف من الجهر بها في كثير من الأحيان. وهذه العادة المنكرة هي هذه التي تحمل الوزراء على أن يعتقدوا أن أول ما يجب عليهم لوزاراتهم إنما هو تصويرها في صورة الكمال الذي يفرض لها الصواب فرضًا، ويعصمها من الخطأ؛ فهي لا تقول إلَّا حقًّا، ولا تأتي إلَّا خيرًا، ولا يعرض لها الضعف من وجه من وجوهها، ولا يدركها الزلل في طريق من طرقها.

    فوزير المعارف حين خرج على هذه العادة، فاعترف على وزارته بأغلاطها، واجتهد في إصلاح هذه الأغلاط؛ فتح بابًا جديدًا نرجو أن يلجه الوزراء، ولا سيما وزراء الإصلاح.

    على أني لم أكتب لأتحدث في هذا التقرير كما قلت، وإنما اتخذته وسيلة للحديث في شيء آخر: هو نشاط المعلمين وعنايتهم بصناعتهم في البلاد الأجنبية، واضطرارهم في مصر إلى فتور يشبه الموت. ولقد انتهى إليَّ بريد فرنسا في اليوم الذي انتهى إليَّ فيه تقرير وزير المعارف عن التعليم الثانوي، فلما أخذت أنظر في الصحف الفرنسية رأيت من ألوان النشاط الذي ينشطه المعلمون الفرنسيون أثناء ما يُتاح لهم من الإجازات أمرًا عجيبًا، ثم رأيت في تقرير وزير المعارف هذه الحقيقة المؤلمة التي سجَّلها تسجيلًا، وهي أن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، ولكنه يضعف شخصية المعلمين، ونظَّار المدارس، ويوشك أن يمحوها محوًا. وقد يكون من الخير أن يظهر القارئ المصري على شيء من نشاط المعلمين الفرنسيين أثناء الإجازات. وقد يكون من الخير أن يظهر وزير المعارف نفسه على شيء من هذا النشاط أيضًا؛ ليستيقن أنه لم يكن مخطئًا ولا مسرفًا حين رثى للمعلمين المصريين، وأن المعلمين المصريين هؤلاء يلقون من وزارة المعارف شططًا لا يشبهه شطط، ويحتملون منه ظلمًا عظيمًا، وأن إصلاح التعليم لا سبيل إليه مهما تنفق الجهود وتبذل القوى وتصرف الأموال إذا لم يظفر المعلمون بهذه الحرية التي تفتح لهم أبواب النشاط في مصر، والتي قد ضربت بينهم وبينها حجب صفاق.

    كان المعلمون الفرنسيون منذ أيام يتمتعون بإجازة الفصح، فلم يلهوا ولم يلعبوا، ولم يتهالكوا على النوم والكسل، والاختلاف إلى الملاعب والقهوات، وإنما أنفقوا إجازاتهم — أو بعض إجازاتهم — على أقل تقدير في عقد المؤتمرات المختلفة، يفدون إليها من أقصى الأرض، ويعرضون لدرس الموضوعات المختلفة التي تمس التعليم والمعلمين من قريب أو بعيد. وثق بأنهم يعقدون مثل هذه المؤتمرات في الصيف من كل عام أيضًا، يعقدونها مرة في باريس ومرة في غير باريس من مدن فرنسا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.

    ولست أريد أن أتحدث عن نقابات المعلمين وجماعاتهم المختلفة، ولا عن مجلاتهم التعليمية التي لا تُحصى، ولا عن الموضوعات التي يتناولونها بالدرس في هذه المجلات، ولا عن اشتراكهم في المؤتمرات الدولية المختلفة، وإنما أتحدث عن مؤتمراتهم الخاصة التي يعقدونها في بلادهم كل عام، وعن الموضوعات التي يعرضون لها في هذه المؤتمرات.

    وحسبي أن أذكر هنا مؤتمرات ثلاثة عقدها رجال التعليم في باريس أثناء إجازة الفصح، فأمَّا أولها فمؤتمر اتحاد المعلمين الأوليين، وقد عقدوها في التاسع عشر من شهر أبريل، وتناولوا فيها موضوعات مختلفة أهمها هذه الموضوعات الثلاثة:

    الأول: الصلة بينهم وبين الحكومة منذ سنة ١٩٣٣. فقد دعت الأحداث السياسية الفرنسية، وما أثير من خصومات عنيفة بين الأحزاب إلى أن يسوء ظن الحكومة برجال التعليم الأولي، فتشفق منهم على النظام الجمهوري لمكانهم من التطرف إلى الشمال، ثم صلحت الأمور واستقرت الأحوال، وسجَّل هؤلاء المعلمون في مؤتمرهم هذا أن العلاقات قد حسنت بينهم وبين السلطان، وأكدوا أنهم لا يعنون بالسياسة ولا يحفلون بالإضراب، ولا يفكرون حين يُعلِّمون إلَّا في الوطن ورقيه واستقلاله، وحمايته من غارة الأجنبي. الثاني: رقي المعلمين أنفسهم، وما يجب لهم من الاستعداد لأداء واجبهم الفني على أحسن وجه ممكن، وهم ينتهون إلى قرار إجماعي له خطر عظيم في الحياة الفرنسية. ومن الخير أن تلتفت إليه وزارة المعارف المصرية. فهم يريدون ألَّا يشتغل بالتعليم الأولي إلَّا من ظفر بالشهادة الثانوية قبل أن يدخل مدرسة المعلمين الأولية. وهم لا يريدون الشهادة الثانوية السهلة اليسيرة التي يسمونها الشهادة الثانوية الحديثة، وإنما يريدون هذه الشهادة العسيرة، التي لا بدَّ فيها من اللاتينية؛ لأنهم يؤمنون بأن العلم بلغتهم، وتعليم هذه اللغة موقوفان على العلم باللاتينية، ولأنهم يؤمنون بأن للاتينية أبعد الأثر في تكوين عقول الشباب. وخطر هذا القرار يأتي من أن رجال التعليم الأولي، وهم يعدون في فرنسا بعشرات الألوف، ومعهم الاشتراكيون والديمقراطيون من أهل الشمال كانوا دائمًا خصومًا للغة اللاتينية، يمانعون في تعميمها كل الممانعة. وقد تأثر بهم البرلمان الفرنسي في كثير من الأوقات، فخفف تعليم اللاتينية تخفيفًا، وأنشأ شهادات ثانوية لا تشترط فيها اللاتينية، فتحول رجال التعليم الأولي عن هذا الرأي. ومطالبتهم باللاتينية بعد أن كانوا يلحون في أن يُباح لهم دخول الجامعة ونيل درجاتهم دون علم باللاتينية دليل على أن الحياة الفرنسية تتطور تطورًا خطيرًا نحو التعمق في العلم، والنظر إليه على أنه وسيلة إلى تكوين الرجل لا إلى اكتساب العيش. الثالث: أمر المعاشات. فهم يطالبون بأن تنظم قوانين المعاشات للمعلمين الأوليين تنظيمًا يكفل لهم شيخوخة هادئة بعد أن أنفقوا شبابهم وكهولتهم في خدمة الدولة والوطن.

    وليس المؤتمر الثاني الذي عقده نظار المدارس الأولية وناظراتها في اليوم نفسه بأقل خطرًا من هذا المؤتمر، فالنظار والناظرات يطالبون باللاتينية كما يطالب بها المعلمون، والنظار والناظرات يطالبون بحرية المعلم وحمايته من أهواء الأحزاب السياسية وشهوات الوزراء، والنظار والناظرات يطالبون بإصلاح نظام المعاش كما يطالبون بإصلاح الحياة الاجتماعية والصحية لصغار التلاميذ. والذي يستحق العناية أن رجال الحكومة والبرلمان يشهدون هذه المؤتمرات ويشتركون في مناقشتها. فمدير التعليم الأولي يشهد هذا المؤتمر، ويجيب على ما يوجه إليه من سؤال، ويعد برفع قرارات المؤتمر إلى الوزير، وبالجد في تحقيق ما يمكن تحقيقه منها. وعضو من أعضاء مجلس الشيوخ يشهد ذلك المؤتمر، ويشترك في مناقشاته، ويبيِّن للمؤتمرين مسلك مجلس الشيوخ بالقياس إلى التعليم الأولي، ويعد بالدفاع عن آمالهم ومطالبهم أمام لجنة التعليم وفي المجلس نفسه، ويكون هذا كله في بناء السوربون.

    وهناك مؤتمر ثالث لعله أعظم خطرًا من هذين المؤتمرين، وهو الذي عقده رجال التعليم العام، وخصصوا في الثامن والعشرين من شهر أبريل جلسة من جلساته لتحديد معنًى من المعاني الخطيرة التي يحرص عليها الفرنسيون أشد الحرص، ونريد نحن أن نتخذه مثلًا أعلى للتعليم في مصر، وهو حيدة التعليم العام بالقياس إلى السياسة والدين. فهم يسجلون أن الدولة لا تفرض ولا ينبغي لها أن تفرض على طلابها رأيًا ما في سياسة أو علم أو خلق أو فلسفة أو دين. وإنما محور التعليم يجب أن يكون الحق والحق وحده. وهم يسجلون أن الدين يجب أن يعلم، على أن يقوم بتعليمه رجال الدين أنفسهم في يوم من أيام الأسبوع، وأن لكل معلم أو أستاذ حريته الكاملة في مذهبه السياسي والديني والخلقي، بشرط ألَّا يقحم ذلك في التعليم، وألَّا يتكلف حمل المتعلمين بالعنف أو باللين أو بالتصريح أو بالتلميح على رأي من آرائه أو مذهب من مذاهبه. وهم يطالبون بأن ينظم القانون في غير لبس ولا غموض حقوق المعلمين وواجباتهم، وبأن يحمي القانون معاهد العلم من كل عبث يصدر عن الشهوات السياسية أو المذهبية مهما تكن. وكان الذي أعلن هذه المطالب وجهر بها وانتهى إلى التأييد الإجماعي من المؤتمرين، أستاذًا معروفًا من أساتذة التعليم العالي في الكوليج دي فرانس، هو الأستاذ لوروا.

    فأين هذه الحرية التي يستمتع بها المعلم الفرنسي في الاجتماع والتفكير وإعلان الرأي من حرية المعلم المصري؟ وأين هذا النشاط الذي يبذله المعلم الفرنسي فيما يمس شئون التعليم وشئون المعلم من نشاط المعلم المصري؟ ولعلك تسأل بعد ذلك عن مصدر فتور المعلمين المصريين، وإحجامهم عن مثل هذا النشاط، وإشفاقهم من درس مثل هذه الموضوعات، وإعلان آرائهم فيها! فلا توجه إليَّ هذا السؤال، ولكن وجهه إلى وزارة المعارف، ولا تنتظر جواب وزارة المعارف، فهو موجود صريح في التقرير الذي أذاعه الوزير في هذه الأيام.

    أليس الوزير يعترف بأن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، وإنما يضعف شخصية المعلمين والنظَّار، ويوشك أن يمحوها محوًا؟!

    وكيف ينشط المعلم، وكيف يفكر، وكيف يعلن رأيًا من الآراء ونظام التعليم نفسه حرب على شخصيته، يحول بينها وبين كل نشاط؟!

  • تحقيق

    حديث اليوم: تحقيق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٣٢

    في وزارة المعارف تحقيق عظيم الخطر، بعيد الأثر، مروع الذين يحسن ظنهم بالأمور العامة في مصر، فيحسبون أن فيها تعليمًا ووزارة للتعليم.

    في وزارة المعارف تحقيق لا تشرف عليه كله وزارة المعارف، وإنما تشرف عليه لجنة نصفها من الوزارة، ونصفها الآخر موزع بين إدارة الجامعة، وإدارة الأوقاف الملكية، وإدارة المعاهد الدينية. ومعنى هذا أن وزارة المعارف لا تثق بنفسها، ولا تطمئن إلى أهلها، ولا ترى أن تكون لجنتها من الذين يشرفون فيها على التعليم؛ حتى تضمَّ إليهم قومًا آخرين، وحتى تجعلَ الأمر في هذه اللجنة مناصفةً بحيث لا يستطيع رجال الوزارة وحدهم أن يكوِّنوا أغلبية في اللجنة أو يستقلوا فيها برأي قاطع.

    وزارة المعارف إذن تنكر نفسها، وتستطيع أن تصدقني حين أؤكد لك أنها لم توفق في شيء كما وفقت في هذا الإنكار. هي جديرة أن لا تثق بنفسها، جديرة ألَّا يثق بها الناس؛ لأنها فقدت فيما يظهر كل ما يحمل على الثقة، أو يدعو إلى الاطمئنان. ولست أنا الذي يزعم ذلك أو يدعيه، وإنما الوزارة هي التي تؤكده وتقيد عليه ألف دليل.

    انظر إليها تؤلف لجنتها على هذا النحو، فثبت للذكي والغبي أنها لا تطمئن إلى رجالها، ولا تأمن إن جعلت اللجنة كلها أو أكثرها منهم أن يجوروا في الحكم، وأن يحابوا وزارتهم ويقولوا فيها غير الحق. والوزارة تريد الحق، وتريده كله، وتريده صارمًا قاطعًا؛ لأنها تريد أن تحدد التبعات وتعاقب المقصرين عقابًا يضمن لها حسن النتائج في الأعوام المقبلة.

    ثم انظر إليها في هذا التحقيق نفسه مع من تحقق، وعلى من تقيم هذه القيامة، وحول من تثير هذه الضجة، وفيمن تثير هذه الشكوك المخزية؟ في هيئة التدريس كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة النظار كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة التفتيش كلها في المدارس الثانوية، ثم في مراقب التعليم الثانوي ومساعده.

    المعلمون والنظار والمفتشون والمراقب ومساعده، كل هؤلاء خاضعون الآن لتحقيق تجريه معهم لجنة نصفها من غير رجال الوزارة، ثم تزعم لي بعد ذلك أن وزارة المعارف خليقة أن تثق بنفسها أو أن يثق بها الناس؟!

    ولمن يعمل هذا التحقيق؟ لوزير المعارف ووكيلها. وأين وزير المعارف ووكيلها؟ ذهب أحدهما إلى فرنسا ليستشفي، وذهب الآخر إلى إنجلترا ليستريح فيما يُقال. ألست ترى معي أن أقل ما توصف به وزارة المعارف وهي بهذه الحال أنها مضحكة. وإذا كانت وزارة المعارف مضحكة، فلا ينبغي أن تنتظر منها تعليمًا ولا تربية؛ لأن التعليم والتربية ليسا من الكوميديا في شيء.

    تأمر وزارة المعارف بالتحقيق مع المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، وتنسى أن تأمر بالتحقيق مع الوزير ووكيل الوزارة. فهما وحدهما اللذان ينبغي أن يُسألَا، وأن يكون معهما التحقيق. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها؛ لما قبل مجلس الوزراء من وزير أن يأمر بالتحقيق في أمر التعليم الثانوي كله حتى إذا أمضى قراره هذا ركب البحر إلى فرنسا ليستشفي ويستريح. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها، ولو أن مصالح الناس تُرعى في هذا البلد — كما تُرعى في البلاد الأخرى — لما سمح مجلس الوزراء بأن يشرف على التعليم وكيل لا يكاد يقترح إنشاء هذه اللجنة حتى يركب البحر إلى إنجلترا ليستريح إن صحَّ أنه ذاهب ليستريح.

    وأين كان وزير المعارف ووكيله وسكرتير الوزارة العام طوال السنة؟ أين كانوا من المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، ليتعرفوا أمرهم اليوم وليسألوا لجنة مختلطة أن تبيِّن لهم أدَّى هؤلاء الناس واجبهم أم قصَّروا فيه؟

    الذي أعلمه أن هؤلاء الثلاثة قضوا عامهم في وزارة المعارف، وكانوا يتصلون كل يوم بالمراقب ومساعده، وكان هذا المراقب يعرض عليهم كل يوم شئون التعليم الثانوي على اختلافها. وإذن ففيمَ التحقيق وفيمَ السؤال؟ وفيم هذه الفضيحة التي لا تحتملها وزارة تقدر نفسها وكرامتها لو أن رئيس الوزراء ملتفت إلى وزارته غير منهمك في طلب المفاوضات أو الطيران إلى الحدود؟

    إلَّا أن الأمر في وزارة المعارف لا يحتاج إلى تحقيق، وهو لا يحتاج إلى تحقيق من هذا النوع على الأقل، وإنما يحتاج إلى تحقيق آخر يأمر به مجلس الوزراء أو البرلمان؛ ذلك أن وزارة المعارف مشغولة بالديوان عن التعليم. وإذا قلت إنها مشغولة بالديوان، فمعنى ذلك أنها مشغولة عن التعليم بأمرين: أحدهما السياسة، والآخر الخصومة بين كبار الموظفين.

    فأمَّا السياسة، فهي في وزارة المعارف فنون وألوان. وتستطيع أن تصدقني؛ فأنا أحدثك عن علم: في وزارة المعارف لون من السياسة يُراد به الإعلان عن الحكومة، وإقامة الأدلة على أن الناس قد أحبوها وانصرفوا إليها عن المعارضة، ويظهر هذا اللون حين يتفضل الوزير بزيارة المدارس والمعاهد، فتُهيأ له الخطب والقصائد، ثم ترسل البلاغات بعد ذلك إلى الصحف.

    وفي وزارة المعارف لون من السياسة الحسيبة حين يتعقب الموظف؛ لأنه كان فيما مضى من الزمان سعدي اللون أو دستوري الهوى. وفي وزارة المعارف لون آخر من السياسة، لا أسميه ولا أستطيع أن أطيل القول فيه، وإنما يستطيع تفصيله وكيل الوزارة ووزير المعارف السابق ورئيس الوزراء وأشخاص آخرون مصريون وغير مصريين.

    ثم في وزارة المعارف تنافسٌ بين كبار الموظفين وأوساطهم. يستقيم الأمر بين الوزير والوكيل حينًا، فيعوج بين الوزير وخصوم الوكيل، وهم كثيرون. ثم يعوج الأمر بين الوزير ووكيله، فيستقيم في الحال بين الوزير وخصوم الوكيل. وخصوم الوكيل هؤلاء من كبار الموظفين وأوساطهم. فإذا سألت عن صغار الموظفين ماذا يصنعون، فهم يسعون بين أولئك وهؤلاء بالخير والشر، ويحملون إليهم المنكر والمعروف.

    أحسَّ وزير المعارف في الصيف الماضي حاجة ديوان الوزارة إلى شيءٍ من الإصلاح، ورأى خصومة شديدة بين كبيرين في الوزارة يُفسد لها أمر الديوان، فخطر له أن يفصل أمر الإدارة عن أمر التعليم. ولم تكد تظهر هذه الفكرة البريئة التي لم يُرد بها الوزير إلَّا الخير، حتى فسد الجو في الوزارة فسادًا تامًّا، وكانت حرب شعواء صمَّاء، عنيفة حقية، بين المراقبين ومساعدي المراقبين؛ أيهم يكون له الفن؟ وأيهم تكون له الإدارة؟ وكانت هذه الحرب سجالًا، ينتصر فيها فريقٌ، فتنشر الصحف أن فلانًا سيكون مراقبًا عامًّا للتعليم، ثم ينتصر الفريق الآخر، فتنشر الصحف أن تعيين فلان هذا لم يتقرر بعد، ويتضاحك صغار الموظفين في الديوان حين يقرءون هذه الأنباء المتناقضة.

    فأمَّا المعلِّمون والنظَّار والمفتِّشون، فكانوا يؤدون واجباتهم المختلفة كما يستطيعون، لا يلتفت إليهم أحد، ولا يحفل بهم إنسان.

    وإذا شُغِل رجال الديوان بالسياسة والكيد، وانصرفوا عن أمور التعليم، فبأي حقٍّ يلام المعلم أو الناظر أو المفتش أو المراقب إذا ساءت نتيجة الامتحان؟ وما قيمة اللجان التي تؤلف في الوزارة أو خارجها؟ أو التي تتناول هؤلاء المظلومين بالسؤال والاستجواب، ثم باللوم والعقاب، وهم أبرياء لا إثم عليهم ولا تثريب؟!

    لست أزعم أن هيئة التعليم الثانوي عندنا تحقق المثل الأعلى في الكفاية والعناية بأداء الواجب، بل هي مع الأسف الشديد بعيدة جدًّا عن هذا المثل الأعلى، ولكنها على كل حال أقل الناس استحقاقًا للوم واحتمال التبعة حين تسوء نتيجة الامتحان.

    وأخرى قد كثر الكلام فيها، ولكنها لن تُوفَّى حقَّها مهما يكثر فيها الكلام، وهي الضعف الخلقي عند الذين يشرفون على التعليم. فهؤلاء الناس الذين يُحارب بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكبر بغضهم لبعض، يخاف بعضهم بعضًا إلى حد غريب! وهم يضحُّون في سبيل هذا الخوف بشيءٍ كثيرٍ مما لا يحب الرجل العادي أن يضحي به إلَّا نادرًا.

    أذكر أني حين نقلت إلى وزارة المعارف، وذهبت إليها مغاضبًا للوزير، أعرض عن لقائي فيها قومٌ كانوا يظهرون لي المودة، وشيئًا فوق المودة، حين كانت الصلات بيني وبين الوزير حسنة. فلم أنكر منهم ذلك لأني جربت إقبالهم وانصرافهم مع تغير الوزارات، ولكن واحدًا منهم رأى أن الأمر بينه وبيني لا يحتمل مثل هذا الإعراض، فأخذ شجاعته بيديه — كما يقول الفرنسيون — وجاءني في غرفتي زائرًا، وإنه يشرب القهوة ويحرق السيجارة، ويخوض في أمر الوزارة إذ فتح باب الغرفة، ثم أغلق، ونظر الخادم بين ذلك كأنه يريد أن يعرف من بالغرفة. هنا وقف زائري فجأة كأنما دُفع إلى الوقوف دفعًا عنيفًا، ثم قال: «يا خبر أسود، هم يتجسسون على من يزورك، لن تراني بعد اليوم.» وقد صدق، فلم أره إلى الآن وكثيرًا ما كنت أراه، ولم أسمع صوته إلى الآن وكثيرًا ما كان يتحدث إليَّ بالتليفون، وهو على ذلك من أشجع رجال التعليم في وزارة المعارف!

    كلا، لا يصلح الأمر في وزارة المعارف بالتحقيق، ولو قامت به لجنة مختلطة، ولو أمر به مجلس الوزراء أو البرلمان. وإنما وزارة المعارف في حاجة إلى التغيير، في حاجة إلى أن تنشأ من جديد. في حاجة إلى أن يدعها هذا الجيل الذي كوَّنه دنلوب والمغربي باشا وعبد الفتاح باشا صبري، ويستخلف عليها جيل جديد لم يتأثَّر بهؤلاء الثلاثة. يومئذ لا تحسن نتيجة الامتحان وحدها، وإنما يحسن التعليم نفسه في جوهره، وتحسن الأخلاق، وتستطيع مصر أن تنتظر الخير من وزارة التعليم، فأمَّا قبل ذلك فلا.

  • وزارة المعارف إصلاح التعليم الثانوي

    وزارة المعارف: إصلاح التعليم الثانوي

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ ديسمبر ١٩٢٣

    كنَّا عند وزير المعارف منذ أسبوع، وكنَّا نتحدث في أمر التعليم العالي، ولست أدري كيف عرضنا للتعليم الثانوي والابتدائي. قلت: أمَّا هذا الموضوع فسيكون لي فيه مع معالي الوزير حديث طويل. قال الوزير: وسيسرني أن أسمع هذا الحديث وأقدِّره. ويظهر أن قد حان الوقت لأبدأ مع معالي الوزير طرفًا من هذا الحديث، فقد نشرت الصحف أن وزارة المعارف تشرع في إنشاء الجامعة الأميرية. وأي فرصة للتحدُّث إلى وزير المعارف في أمر التعليم الثانوي أحسن وأنفع من فرصة إنشاء الجامعة الأميرية؟ فالوزير يعلم أن الجامعة بناء ضخم قوي، يحتاج إلى أساس متين، وليس له من أساس إلا التعليم الثانوي. فإذا لم يكُن هذا التعليم الثانوي من القوة والمتانة بحيث يُعَدُّ عقل الشاب إعدادًا صحيحًا للدرس النظري العالي، فلا قيمةَ لهذا التعليم الثانوي في نفسه من جهة، ولا قيمة تُبنى عليه من الدرس النظري العالي من جهة أخرى. وأحسَب أني غير محتاج إلى أن أقيم الدليل على أن الصلة قوية بين المدرسة الثانوية وبين الجامعة؛ فإن هذه الصلة ملموسة، وحسبُك أن الغرض الأول من إنشاء المدرسة الثانوية إنما هو إعداد الطالب، يخرج من المدرسة الثانوية ليدخل الجامعة. بل حسبك أن بعض بلاد أوروبا جعلها أشد البلاد خبرة بالتعليم وتفوُّقًا فيه، وتجعل المدرسة الثانوية جزءًا متصلًا من بالجامعة لا معهدًا منفصلًا عنها، بحيث تكون الإدارة المشرفة على التعليم العالي الملمة بطبيعته وحاجاته هي نفسها المشرفة على التعليم الثانوي؛ لتلائم بين هذين النوعين من التعليم، ولتعدَّ العقل إعدادًا صالحًا منتجًا للاستفادة من دروس التعليم العالي. والتعليم الثانوي في فرنسا ليس مستقلًّا عن الجامعة، وإنما هو جزءٌ منها. وإذا أطلق لفظ الجامعة في فرنسا فُهم منه التعليم العالي والتعليم الثانوي. وليست جامعة باريس مقصورة على أقسام الآداب والعلوم والطب والحقوق، وإنما هي تتناول إلى هذه الأقسام وما يتصل بها من فروع التخصُّص في هذه العلوم العالية جميع المدارس الثانوية المنبثَّة في محافظة «السين»، وقُل مثل ذلك في جامعات «بوردو» و«ليون» و«ديجون» وغيرها من جامعات فرنسا.

    والتعليم الثانوي إذن أساس التعليم العالي، والمدرسة الثانوية أساس الجامعة. فإذا أَرَدْنَا أن يكون التعليم العالي منتجًا، وأن تكون لنا جامعة حقًّا تلائم حاجاتنا وآمالنا وكرامتنا؛ فأول ما يجِب علينا أن نفكر فيه إنما هو إصلاح التعليم الثانوي؛ بحيث يصبح أساسًا للتعليم العالي الصحيح. وليس معنى هذا أن نمانع في إنشاء الجامعة أو ننتظر بإنشاء الجامعة إصلاحَ التعليم الثانوي؛ فإن لدينا مدارسنا العالية، ونحن في حاجة إلى هذه المدارس، ولن نستطيع وقفها أعوامًا حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي، بل نحن نعتقد أن الخير كل الخير إنما هو في إنشاء هذه الجامعة، ولو لم يكن لإنشائها نتيجة الآن إلا توحيد إدارة التعليم العالي وضمان الاستقلال لهذا التعليم، لكان ذلك شيئًا خليقًا بالرغبة فيه والحرص على الوصول إليه. لا نمانع إذن في إنشاء الجامعة، ولا نطالب بتأخيره، وإنما نسجِّل منذ الآن أن نتيجة التعليم في الجامعة ستظل كنتيجة التعليم في المدارس العالية غير مُرضِيَة ولا مقنعة ولا ملائمة لحاجات البلاد وكرامتها إذا لم يصلح التعليم الثانوي ليقوم التعليم العالي منه على أساس متين. وقد شعرت بذلك اللجنةُ التي أُلِّفت منذ أعوام لتضع مشروع الجامعة الأميرية، ففصَّلت وجوهًا من نقص التعليم الثانوي، واقترحت طريقة لتكميل هذا النقص، وهي إنشاء قسم للتعليم المتوسط بين التعليم الثانوي والتعليم العالي يكون الغرض منه إصلاح نقص التعليم الثانوي، واستدراك ما فات الطالب في المدرسة الثانوية، حتى إذا وصل إلى التعليم العالي كان قد وصل إليه مستعدًّا استعدادًا حسنًا. ويظهر أن وزارة المعارف قبِلت هذه الفكرة واقتنعت بها، بل يظهر أنها أخذت في تنفيذها عصرًا ما، وأنها تريد أن تنفِّذها إذا أُنشئت الجامعة الأميرية في هذه الأيام كما يُقال. وليست وزارة المعارف هي التي انفردت بهذه الفكرة؛ فقد شعرت الجامعة المصرية أيضًا بنقص التعليم الثانوي، وشكا أساتذتها ضَعفَ الطلاب الذين يتقدمون لاستماع الدروس العالية في الأدب والفلسفة والتاريخ، واقترحوا على مجلس إدارة الجامعة إنشاء قسم تحضيري لقسم الآداب. فالفكرة في نفسها مقبولة، ولكن على شرط أن تكون مؤقتة حتى يتم إصلاح التعليم الثانوي. فإذا اتُّخذت هذه الفكرة على أنها فكرة صالحة، وأُقيمت في التعليم المصري هذه القاعدة — قاعدة إنشاء التعليم المتوسط بين الجامعة والمدرسة الثانوية — فذلك شر من غير شك، شرٌّ لأن التعليم المتوسط لا قيمة له في نفسه؛ فهو ليس بالتعليم الثانوي ولا بالتعليم العالي، وشرٌّ لأنه سينتج نتائج رديئة، فسيقنع بعض طلاب المدارس الثانوية بشهادة الدراسة الثانوية وينصرفون إلى الأعمال، وإذن فسيكون هؤلاء الطلبة الذين يحملون الشهادة الثانوية ويقنعون بها بعيدين كل البُعد عن تحصيل ما لا بدَّ من تحصيله لمن يريد أن يتعلم تعليمًا ثانويًّا صحيحًا. ثم سيمضي آخرون إلى التعليم المتوسط حتى إذا نالوا إجازته انصرفوا عن التعليم العالي وقنَعوا بهذه الإجازة. وتنشأ حينئذٍ طبقة من الشباب لا عهد لنا بها، ليست طبقة الذين يحملون الشهادة الثانوية وليست طبقة الذين يحملون الشهادة العالية، وإنما هي طبقة بين بين. ونتيجة هذا كله إكثار عدد هؤلاء الذين نستطيع أن نسمِّيهم أنصاف المتعلمين. فسيُخرج لنا التعليم الابتدائي فريقًا والتعليم الثانوي فريقًا والتعليم المتوسط فريقًا، وكل هذه الطوائف تتفاوت في قوة العقل وحسن الإدراك بمقدار تفاوُتها فيما حصَّلت من العلم في مدارسها المختلفة. وخطر هذا على حياتنا الاجتماعية عظيم.

    إذن فمصلحة التعليم العالي في نفسه تقتضي إصلاح التعليم الثانوي، ومصلحتنا الاجتماعية تقتضي إصلاح هذا التعليم الثانوي أيضًا. وليس من شَكٍّ في أن وزارة المعارف تحسن الإحسان كله إذا اتَّخذت هذه القاعدة إمامًا، وهي أن تكون كل درجة من درجات التعليم صالحة من وجهين، تكفي وسيلة للدرجة التي تليها من جهة، ويستطيع صاحبها أن يكتفي بها من جهة أخرى. وظاهرٌ أن تعليمنا الثانوي يفقد هاتين الخَصلتين؛ فهو لا يكفي وسيلة للتعليم العالي والحكومة نفسها معترفة بذلك، وهو لا يغني من أراد أن يكتفي به. وحياة أصحاب الشهادة الثانوية في دواوين الحكومة تشهد بذلك، ومنزلتُهم في الحياة العامة تشهد بذلك أيضًا، والمقارنة بين ما يدرسون وما يدرس إخوانهم في أوروبا من جهة الكَمِّ ومن جهة الكيف — كما يقول المنطقيون — تشهد بذلك، ولا تترك سبيلًا للشك فيه. وإذن فلا بدَّ من إصلاح التعليم الثانوي، من الشروع في هذا الإصلاح الآن لا غدًا ولا بعد غدٍ، بحيث لا تمضي أعوام قليلة حتى يكون الإصلاح قد تم، وحتى تجِد الجامعة من حمَلة الشهادة الثانوية طلابًا أَكْفَاءً؛ فتنصرف عن التعليم المتوسط إلى التعليم العالي الخالص.

    ولكن ما طريقة هذا الإصلاح؟ هنا أعترف بأني لا أستطيع وحدي أن أدلَّ على هذه الطريقة، بل أرجو أن يشاركني وزير المعارف وأعوانه في الاعتراف بأننا لا نستطيع وحدنا أن نجِد هذه الطريقة أو ندلَّ عليها، ولا بدَّ لنا من الاستعانة بالفنيين من أهل أوروبا. والآن نرجع إلى ما طلبناه في الصيف الماضي إلى معالي وزير المعارف، وهو الاستعانة بالمستشارين الفنيين من أهل أوروبا في أمور التعليم على اختلاف درجاته. فليس بغض ما أن نعترف بما فينا من نقص إذا عملنا على إكماله، وليس معنى الاستقلال أو الرغبة في الاستقلال أن نزعم لأنفسنا العصمة ونكتفي بما عندنا حتى تقوم الأدلة الواضحة على أن ما عندنا لا يكفي. لا بدَّ إذن من استشارة الفنيين. ولو أن لي أن أقترح على وزير المعارف لطلبت إليه أن يفكر في نظم التعليم الثانوي في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يقارن بينها وبين حاجاتنا، وأن يختار من هذه النظم أشدَّها ملاءمة لهذه الحاجات. فإذا تم له الاختيار ندب فنيًّا أو فنيين من الذين أتقنوا هذا النظام ليدرسوا مع الفنيين من وزارة المعارف نظام التعليم الثانوي في مصر، ويقترحوا ما يرون من وجوه الإصلاح لهذا التعليم.

    أرى أن هذا النحو وحده هو الذي يكفُل إصلاح التعليم الثانوي وإقامة بناء الجامعة على أساس متين. أرى هذا وأدعو إليه، وأعتقد أن الوزير يُحسِن الإحسان كله إذا بدأ في العمل من فوره بحيث لا تمضي أسابيع حتى يكون في مصر ذلك الفني أو أولئك الفنيون، وحتى يُتاح البَدء في تنفيذ النظام الجديد للتعليم الثانوي منذ السنة المقبلة. ولست أريد أن أختم هذا الفصل دون أن أقدِّمَ إلى وزير المعارف أصدق التهنئة بهذا الفوز الذي انتهى إليه؛ فقد وُفِّق إلى ما كان يريد من ضم المدارس العليا كلها إلى وزارته، وقد بيَّنَّا نفع هذا وضرورته في غير هذا الفصل.