Tag: social change

  • جناية العصر الحديث على الأديب

    جناية العصر الحديث على الأديب
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٥٣

    إنَّ حياة الأديب في العصر الحديث عَسيرةٌ شَاقَّة، ولنْ يَكُون الحديث عنها يَسيرًا ولا سَهلًا، وقد كُنَّا نَقْرَأ — وما زلنا نقرأ — أخبار الأندية والمَجَالس التي كان الأدباءُ يتحدثون فيها عن مِهْنَتِهم، فنَجِدُ فيها لذة أي لذة، ومَتاعًا أي متاع.

    أمَّا الآن، فأخشى كل الخشية أنْ يكون الحديث عن حياة الأديب شاقًّا عسيرًا لا يخلو من بعض الإظلام، ولا يخلو من إثارة شيء من التشاؤم وضِيقِ النَّفس؛ لأنَّ ظُروفَ الحَياةِ تغَيَّرت تَغيُّرًا شَديدًا، وأصبحَ الأدبُ أدنى إلى الجد الصارم منه إلى أي شيء آخر، وأصبحت حياة الأديب مُعَقَّدة تعقيدًا لم نَعْرِفه فيما مضى. ينشأ هذا التعقيد منَ الظروف التي نعيش فيها، فقد كانت الحرب العالمية الأولى؛ فتعقدت الحياة أشد التعقيد.

    ولم يكد الإنسانُ يفيقُ من الحرب الأولى حتى تبعتها الحرب الثانية، وكانتْ أخطر وأشد هولًا، وقد نَشَأ عن هاتين الحربين اللتين ثارتا في أقل من نصف قرن أن اضطربت شئون الناس الاقتصادية، واضطربت شئون السِّياسة، وظَهَرتْ نَزَعات اجتماعية خطيرة لم تكن تخطر إلا للمُفكرين والفَلاسِفة الذين يُحِبُّون أنْ يُفلسفوا حياة النفس، وننظر فإذا العَالم قد انقسم إلى قسمين:

    قسم يؤمن بالحرية، ويُحاول أن يُلائم بينها وبين العدل الاجتماعي، ولكن لا يُريد بحال أن يُضحي بالحرية في سبيل العدل، وقسم آخر يطلب العدل ويُضحي بكل شيء حتى بالحرية وبالشخصية الفردية والاجتماعية، وكذلك انقسم العالم إلى القِسْمَين اللذين يضطربان في السلم الآن، ويُخشَى أن يتجاوز السلم إلى الحرب.

    وكذلك اضطربت آراء الناس في الحياة كلها: قلق من خوف الحرب، وقلق من الاضطراب الاجتماعي، وقلق من الاضطراب الاقتصادي وغيره في هذه الحياة المُعَقدة التي لا نعرف فيها كيف نُصبح حين نصبح، فإذا أمْسَينَا لم نعرف بما يُسفر عنه صبح الغد. في هذه الحياة المُضطربة، يقف الأدب مَوقفًا في حيرة، ورُبَّما كان مَوقِفُه أشدَّ حيرة من مواقف الناس؛ لأنَّ واجب الأديب الأوَّل هو أنْ يكونَ هاديًا ومُرشدًا. فهو لا يدري إلى أي وجه من وجوه الحياة يَضطرب، وهو لا يدري كيف يواجه المُشكلات التي ضَاقَتْ بها الإنسانية، وعجز التفكير الفلسفي عن حلها، ووقف الناس موقف المُرتبك الذي تأخذه الحيرة من جميع أقطاره.

    وما أظن الأديب احتاج لأنْ يُلقي السؤال الذي ألقاه الفَلاسفة: من أين نحنُ؟ وإلى أين نُريد؟ وماذا نريد؟ ما أظنُّ أنَّ الأديب احتاج لأن يُراجع نفسَهُ وضميره ويُفَكِّر ويَتَّصِلَ التفكير بمِقْدَار ما هو مُحتاج إلى هذا الآن. كل شيء من حوله مُخْتَلِطٌ مُضْطرب يعيش في ظلمة مُبْهَمَة لا يدري كيف الاتجاه فيها.

    مِنْ أجل هذا كان الحديث عن حياة الأديب عسيرًا، كما أن حياته عسيرة شاقة. ولو عاش أو إذا بُعث بعض أدبائنا القدماء وسمعوا لأحاديث المُعاصرين حين يَلقى بعضهم بعضًا؛ لما فهموا شيئًا، ولأعرضوا عنها مُنكرين، فكان شعراؤنا وكُتَّابنا القدماء إذا لقي بعضهم بعضًا تحدثوا في أدبهم، ينقدون ويُقرظون، يرضون عن شاعرٍ ويَسخطون على شاعر، يُبينون أوجه الرِّضا والسخط، وهكذا.

    أمَّا الآن، فإنَّ الأدباء قد اجتمعوا في البندقية، ولا يكادون يتحدثون عن الأدب والشعر أو النقد أو الذوق، وإنما عمَّا هو أهون شأنًا، ولكنه في الوقت نفسه أجل خطرًا. يتحدثون عن الحياة كيف يحياها الأديب، ويحتمل أعباءها، ويُؤدي مُهمَّته في العالم الحديث.

    الأديبُ تحت ظل الملوك والأمراء وكانت مُشكلات الحَياة المادية بالقياس إلى الأدباء في العصور القديمة يسيرة تُوشك أن تحل نفسها، فكان الأديب بين رجلين: أن يكون صاحب مهنة أو عمل يكسب منه القوت، ويَفتَنُّ في أدبه على أنه لون من ألوان الترف، وفن من فنون المتاع العقلي. وإما أن يكون لا مهنة له، ولكنه انقطع إلى أحد الملوك أو السلاطين فعاش من عطائه، وأفنى عُمره في ظله، أو يتنقل بين الملوك والأمراء يبيعهم فنه، ويأخذ مالهم. أما الآن فقد تعقَّد الأدبُ وأصبح من العَسير أن يُضيف لفنِّه مِهنة يكسبُ منها القوت؛ لأن الأدب في العصر الحديث يحتاج إلى كثير من الاطلاع، وكثير منَ القِرَاءة والبحثِ والاستقصاء، ثم إلى كثيرٍ من الرَّوية والتفكير لينتج، فإذا حاول الإنتاج احتاج إلى كثير من الجَهْد ليُصحح معَانيه ويُصوبها، ثم ليتخير الألفاظ التي تُؤديها صادقة من جهة، ويكفل شيئًا منَ الجَمال الفني يخلب السمع، ويُرضي القلب، ويُغذي العقل. وكل هذه الجهود خليقة أن تَسْتَغرق وقْتَه، وكل هذه الجهود خليقة أن يَضِيقَ بها وقته، فإذا احتاج ليعمل في مِهْنَةٍ غير الأدب، فهو أنْ يأخذ شيئًا من وقته أولًا، وجهده ثانيًا، وقوته على العمل والإنتاج ثالثًا، وإذن فهو لا يستطيع أن يفرغ لأدبه ويقف عليه جهده، وقد: ذهب الذينُ يُعاش في أكنافهم وبَقيتُ في خَلفٍ كجلد الأجرب فليس هناك ملوك ولا أمراء يَرعون الأدباء، ولو وُجدوا لأعرض عنهم الأدباء، ونفروا منهم أعظم النفور؛ لسبب بسيط وهو أنَّ الأدبَ قد تَحَرَّر واستَقَلَّ، وأكبر نفسه عن أن تُباح للكُبراء، ويُشترى بالمال، فلم يبق بدٌّ للأديبِ مِنْ أنْ يَعْتَمِدَ على نَفْسِه ليكسِبَ القوتَ، وفي كثير من الأحيان لا يعيش الأديب وحده؛ لأنه إنسان له من يعوله، فيجبُ عليه أن يكسب قوته وقوت من يعول؛ ويفرغ مع ذلك لإنتاجه الأدبي، ولا أريد مُجرد النظم، وإنما أريد الإنتاج الرفيع الذي لا يهان، وإنما يرتفع بقرائه إلى أرفع من عالمهم الذي يضطربون فيه.

    نشاطك وفراغ بالك فكيف يستطيع الأديب أن يُلائم بين هذين الأمرين المتناقضين: فراغ للأدب، وكسب للقوت؟ وكان الجاحظ يستطيعُ أنْ يقول للمُتعلمين للأدب: «خذ من وقتك ساعة فراغك.» أمَّا الآن فلا يستطيع أن يقول ما قال في رسالته التي يطلب فيها أن لا يفكر الأديب في أدبه وهو مشغول البال. فالأديب مشغول في هذه الحياة. كيف يستطيع إذن أن يوفق بين المتناقضين؟ هذه ناحية، والناحية الأخرى رُبَّما كانت أشد عسرًا؛ وهي ناحية الاحتفاظ بالحُرِّية كما ينبغي أن يحتفظ بها الأديب. فالحرية هي أنَّه إذا فرغ الأديب لأدبه، وأوحي إليه أو كشف لونًا من ألوان التفكير، وأدى هذا اللون في فن من التعبير، فيجبُ أنْ يكونَ مُحتفظًا بحُرِّيته كامِلَةً لا تَشُوبها شَائِبَة مَهْمَا تكن الظروف. وكلنا يَعْلَمُ إلى أي حد أصبح هذا عسيرًا في العصر الحديث! أصبحَ عسيرًا لأنَّ الأديبَ مُعَرَّض لألوانٍ منَ الرقابة مُختلفة، ليسَت رقابة الحكومة بأشدها عُسرًا، ولكنها أهونها احتمالًا! هناك رقابة الرأي العام أو الجمهور، وهناك رقابة الحكومة في السلم والحرب. وهذه الرقابة قوامها أن تحد حرية الأديب، فالرأي العام يُريد أن يكتب الأدباء ما يحب أن يقرأ، وأظنُّ القُرَّاء يوافقونني على أنَّ كتابة ما تحب الجماهير أن تقرأ ليست محببة للأديب إذا كان أديبًا بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأنَّ هناك فرقًا بينَ العُصور القديمة والحديثة، ففي القديم كانتْ القرَاءة مَقصورة على أقليات أرستقراطية، أمَّا في العصر الحديث فقد أصبح التعليم إجباريًّا، وأصبحت الدولة مُكلَّفة أن تعلِّم النَّاس القراءة وتثقفهم وتهيئهم للأدب وما يقرءون. فإذا ألَّف الأديب كتابًا، فهذا الكِتَابُ لنْ تقرأه طَائِفَةٌ ضئيلة من المُثقفين، ولو قرأته هذه الطائفة لما استطاع الأديب أن يعيش، فلا بد أن يكون الكتاب قادرًا على أن يتجاوز طبقة المثقفين إلى طوائف أخرى من أوساط مُتواضعة قلما يستطيعون أن يتذوقوا الأدب الرَّفيع بمعنى الكلمة، فهم يَضيقون بما يُكلِّفهم عناء ومشقة، وهم يُحبون أن يقرءوا لينتفعوا، وهم يَجِدُّون أثناء النهار في أعمالهم، فإذا أتيحت لهم الراحة والنظر في الكتاب، فلا يضيفون تعبًا إلى تعب. وإذن فالأديبُ مُخَيَّر بين أن يكتبَ للطائفة الضيقة المحدودة التي لا تغنيه من جوع، أو الطبقة الواسعة التي إن قرأته فلا بد أن يهبط إليها؛ لأنه لا يستطيع رفعها إليه. كيف يستطيع الأديب أن يفرغ لأدبه من جهة، ويتحرر من تبعات كسب الحياة المادية من جهة أخرى؟ فإذا أتيح له شيء من التحرر فكيف يتحرر من القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية حين ترضى عن الأدب، وحين تسخط عليه؟ وكيف يلائم بين حريته وبين القوانين التي تُسَنُّ في بعض البلاد حتى يُضيَّق على الأدباء في حريتهم تضييقًا لا يُطاق؟ ثم كيف يخلص من الرقابة الحكومية؟ وبعد هذا كيف يحتفظ بأدبه الرَّفيع ويرفع قرَّاءه دونَ أنْ يَهْبِطَ على حساب الفن والجمال؟

    شقاء بالنهار وعناء بالليل هذه بعض المشكلات التي يشقى بها الأدب في العصر الحديث، وكان مُتخففًا من كثير منها في العصور الماضية؛ ففي العصور الماضية كان الأديبُ غير محتاج أن يضيع وقتًا ليكسب قوتًا، وإذا احتاج لقوته فطبيعة الحياة تُعفيه ما أضاع من الوقت؛ لأنه لم يكن فيها تعقيد من بُعد المواصلات والمسافات في الانتقال وأمثال هذه الأشياء، ولا سيما إذا كان موظفًا. فأديبٌ ممتاز يقتضيه كسبُ القوتِ أنْ يَعْمَل مع رئيس سخيفٍ، ويسمع أوامره. كل هذا كان الأديب معفي منه أو معفي من أكثره، أما الآن فحَياتُه مُنَغَّصة مِنْ أوَّل النَّهار إلى آخره، فإذا انقضى النهار بعنائه وأقبل الليل كان مكدودًا، ثم لم يكتف الشقاء بأن يجمع على الأديب كل هذه المشكلات، ولكن رُقيَّ الإنسان والتقدم في المدنية أبى إلا أنْ يُضيف إلى الشقاء ألوانًا من الشقاء، فظهرت منافسات خطيرة للأدب. منافسات أخشى كما خشي كثيرٌ من الأُدباء في أوروبا وأمريكا أنْ تعرض الأدب لأحد شرين: إما أن تهبط به فيُصبح يسيرًا، وإمَّا أن يُفرض عليه حظر! وهذه المنافسات تأتيه من الصحافة والراديو والسينما. وهي المحن الثلاث التي امتُحن بها إنتاج الأديب في العصر الحديث.

  • في الذوق

    في الذوق

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٢٥ أبريل ١٩٤٧

    يقال: إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك: إنه يوجد ويقوى ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس، ويقال: إنه من أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في الأكواخ!

    يقال هذا ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق؛ فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من الحضارة وإمعانه فيها … ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب الترف، فكان حظهم من الذوق عظيمًا، وقسطهم منه موفورًا … يقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه: إنه صاحب ذوق، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضًا: إنه «رجل ذوق» بالإضافة، ورجل ذوق بالوصف! ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه: إنه قليل الذوق، وعديم الذوق، ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو همَّ أن يفعل شيئًا لا يليق: «استذوق» يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنَّب ما من شأنه أن يغض من ذوقك، أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورًا!

    ويُعرِّف بعض المعاجم الذوق بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق.

    ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير … ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حُسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط!

    وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك.

    فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانًا من الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين الناس، فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسة المتفضل، وهو لا يتحدث إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ عذاب رفاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس.

    وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله، أو إلى زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق الأنيق!

    فلما تقدم القرن شيئًا تغيَّرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجومًا جعل يزداد عنفًا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى … فأخذ المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه، ويحسنون تنميقه والتأنق فيه، إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ولم يُتح لهم أن يَفْتنُّوا فيه، وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، فكانوا محدثين!

    وقد تغيَّر تصورهم للحياة بتغيُّر ما يحيط بهم من الأداة، فاضطربت أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغيَّر ذوقهم شيئًا فشيئًا.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجومًا لم يكن أقل عنفًا من هجوم الحضارة الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقولُ، واختلطت لها الأمور، وتأثرت بها الأخلاق، وتغير بها الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد!

    ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخُلقية جميعًا، وكان اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله، شيئًا لا بد منه، ولا سبيل إلى اتقائه!

    وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غيَّر الحضارة المصرية، فغيَّر الذوق المصري تغييرًا عنيفًا خطيرًا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر الأوروبية، فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها، وتغيَّرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيُّرًا شديدًا، ولكن هذا التغير تم في اعتدال لم يعنف بنا، ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه الحرب الثانية بنوع أخص!

    وليس لهذا كله مصدر — فيما أظن — إلا هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية اليسيرة التي لا تحب التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، وإنما تُؤثِر السرعة، والمعرفة الخاطفة، والإلمام السريع، ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخُلقي العنيف الذي ينعم به الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم!

    فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مُجافٍ لكل ما ألفنا من سماحة الخُلق، وسَجاحة الطبْع، وصفاء النفوس، ورِقَّة الأذواق، فأجمل هذا كله غير متردد ولا متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غرتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتًا عنيفًا وهم لا يشعرون!

    وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق، وفي معناه، وفي تطوره، وفي فساده، فسلْ نفسك عما تقرأ، وعما ترى؛ فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرِك الجوابَ على هذا السؤال!

  • يومان!

    يومان!

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٥ أغسطس ١٩٢٤

    يومان؛ هما: يوم ١٢ يناير في مصر، ويوم ١١ مايو في فرنسا. وهما متشابهان تشابهًا شديدًا من وجوه كثيرة: هما قبل كل شيء يومان انتخابيان، انتُخِبَ في أحدهما مجلس النوَّاب المصري، وانتُخِبَ في الآخر مجلس النوَّاب الفرنسي. وهما متشابهان من وجه آخر؛ فقد كانا متأثرين تأثرًا شديدًا بهذه العاصفة الاجتماعية التي تعصف بالعالم الحديث منذ حين، والتي أخذ العالم الحديث يضطرب لها بلدًا فبلدًا حتى انتصرت أو كادت تنتصر.

    وإذا أردنا أن نميِّز هذه العاصفة تمييزًا صحيحًا، فأول وصف نستطيع أن نصفها به، هو أنها ترمي إلى شيءٍ واحد في جميع البلاد التي تمر بها، وهو تغيير الطبقات المشرفة على نظام الحكم إن لم يكن هدم النظام كله.

    وفي الحق أن هذه العاصفة الاجتماعية السياسية قد هدمت نظام الحكم في بلاد كثيرة، وعجزت عن هدمه في بلاد أخرى، فاكتفت بنقله من طبقة إلى طبقة. هدمته في روسيا وفي ألمانيا، وعجزت عن هدمه في إنجلترا، فأقرت العمال مكان الأحرار والمحافظين، وعجزت عن هدمه في فرنسا، فأقرت أحزاب الشمال مكان أحزاب الوسط. وتستطيع أن تقول إنها هدمت النظام في مصر، فأقرت الحكم الديمقراطي مكان الحكم الأوتوقراطي، كما تستطيع أن تقول إنها عجزت عن هدم النظام في مصر (لأن صورة الحكومة المصرية لم تتغير تغيرًا تامًّا)، ولكنها نقلت الحكم من طبقة هي التي كانت تختلف على مناصب الوزراء قبل يوم ٢٢ يناير إلى طبقة أخرى هي التي تألَّف منها مجلس النواب يوم ١٢ يناير، وهي التي لم يكن أحد من كثرتها المطلقة يحلم قبل الدستور بالوصول إلى مناصب الوزراء.

    مهما يكن من شيء، فإن هذه العاصفة الاجتماعية قد نقلت الحكم في جميع البلاد التي مرَّت بها من طبقة إلى طبقة، ومن فريق إلى فريق. وليس من غرضي في هذا الفصل أن أقدم إليك بحثًا اجتماعيًّا، أقارن فيه بين مظاهر هذه العاصفة في البلاد المختلفة التي مرت بها، فقد لا تتسع جريدة يومية لمثل هذا البحث، وإنما أذن الله لي بعد أن رأيت أعراض هذه العاصفة في مصر منذ انتُخِبَ البرلمان أن أرى أعراضها في فرنسا أثناء هذا الصيف. ورأيت بين هذه الأعراض في البلدين شيئًا من التشابه يدعو إلى التفكير، وعن هذا التشابه أريد أن أحدِّثك.

    أريد أن أحدِّثك وأريد في الوقت نفسه ألا أغضب أحدًا؛ فليس من الخير في هذه الأيام أن يُغضب الكاتب أحدًا ولا سيما إذا كان هذا (الأحد) من الذين أُتيح لهم الإشراف على الأمور العامة والقبض على ناصية الأحكام.

    وإذا كان الكتَّاب الفرنسيون لا يحفلون بإغضاب سادة اليوم، ولا يشفقون من سخط مجلس النوَّاب الفرنسي، فإن الفرق بين فرنسا ومصر لا يزال عظيمًا؛ لأن فرنسا قد تعودت الحرية والحياة الدستورية، فلا بدَّ من أن ينالها شيءٌ من الفساد عظيم قبل أن يشفق كتَّاب الوسط واليمين من غضب أحزاب الشمال. أمَّا مصر فعهدها بالحرية حديث، وعهدها بالحياة الدستورية أحدث، ومن هنا كان على كتَّاب الشمال في مصر أن يحتاطوا لأنفسهم من حزب اليمين وألا يكتبوا إلا في حذر وأناة.

    أول ما تشهد من وجوه الشبه بين يومَيْ ١٢ يناير و١١ مايو، أن الأحزاب التي فازت في هذين اليومين إنما فازت بالإسراف في الوعود إلى غير حد، وبالإسراف في النقد إلى غير حد أيضًا؛ حتى بهرت الجمهور وخلبت عقله، وأنسته نفسه وأنسته الحقائق الواقعة، وفتحت أمامه أبوابًا من الأمل الذي لا يكاد يُوصَف ولا يُصدَّق في الحياة العادية. وكانت هذه الجماهير قد سئمت الحكام الذين تعودتهم وكرهت طرائق حكمهم، ونقمت منهم محنًا لا يد لهم فيها ولا سلطان لهم عليهم؛ فما أسرع ما مالت إلى أن تتخلص من هؤلاء الحكَّام! وما أسرع ما نقلت الحكم إلى هؤلاء المسرفين في النقد من جهة وفي الوعد من جهة أخرى!

    وفي الحق أنها لم تنقل إليهم الحكم عن اقتناع ويقين في جميع الأحوال، وإنما كان البسطاء مقتنعين موقنين بحكم أنهم بسطاء، وكان غير هؤلاء لا مقتنعين ولا موقنين، وإنما كانوا يريدون أن يتخلصوا من هذه الحكومات التي ملُّوها، ومن هذه الطرائق الحكومية التي سئموها؛ فمشوا مع غيرهم، وصوتوا لهذه الأحزاب المنتصرة، على نحو ما فعل ذلك الفلاح اللاتيني حين اجتمعت جماعة الشعب لتنفي أحد الزعيمين المتنافسين «أرستيد» و«تميستوكل».

    كان أرسيتد أعدل الرجلين وأشدهما استقامة، وأحرصهما على الخلق والشرف، وكان اللاتينيون يحبونه ويكلفون به، ولكنهم كانوا يكرهون حكمه؛ لأنه لم يكن ماهرًا في تملق الجمهور.

    وبينما كانت جماعة الشعب تقترع على من يُنفَى من الزعيمين أقبل هذا الفلاح على أرستيد وهو يجهله، ودفع إليه قطعة من الخزف، وطلب إليه أن يكتب عليها اسم أرستيد، فسأله أرستيد: ولِمَ تريد أن تنفي هذا الرجل؟! وماذا تنقم منه؟! أجاب الفلاح: لا أنقم منه إلا أني سئمت وصفه بالعدل! …

    كذلك صوَّت كثير من الناس لسادة اليوم في مصر وفي فرنسا يوم ١٢ يناير و١١ مايو، وتم الفوز لأولئك وهؤلاء هنا وهناك، وأخذت الجماهير تنتظر من سادة اليوم هنا وهناك تنفيذ هذه الوعود الخلابة، وتحقيق هذه الآمال البراقة. ويظهر أنها ستنتظر كثيرًا هنا وهناك؛ ذلك لأن الوعد شيء والوفاء شيء آخر، ولأن الرجل الشريف وحده هو الذي لا يَعِد إلا إذا استوثق من أنه قادر على الوفاء، ولأن النظم الانتخابية والجهاد الانتخابي — ولا سيما في رأي بعض الأحزاب — تعفي المجاهدين في الانتخاب من أن يقيسوا وعودهم بمقدرتهم على الوفاء.

    ولم تفكر الأحزاب المنتصرة في مصر وفي فرنسا يومًا من الأيام قبل الانتخاب في أنها قد تعرض للحياة العملية، وفي أن من الحق عليها أن تقتصد في الوعد حتى لا تسيء إلى نفسها بعد الفوز من جهة، وحتى لا تسيء إلى الأمة فتفسد عقولها وتخلط لها بين الممكن وغير الممكن من جهة أخرى. فلما وصلت إلى الحكم وأخذت تعالج الحياة العملية سلكت سبلًا مضحكة إذا نظرت إليها غير متأثر بالعواطف الوطنية ولا بالمنافع الوطنية، ولكنها مؤلمة إذا نظرت إليها متأثرًا بحب وطنك والحرص على منفعته. سلكت سبل الأحزاب التي سبقتها في الحكم، ولكنها لم تستطع أن تعلن عجزها عن أن تسلك سبلًا أخرى، فكانت سيرتها في حقيقة الأمر سيرة الذين سبقوها، ولكنها تتحدث لغة غير لغتهم، وتتبجح بما لم يكن أولئك يتبجحون به؛ لأن أولئك كانوا متواضعين منصفين لأنفسهم وللناس، ولأن هؤلاء لا يعرفون التواضع، وإنما هم يخدعون الناس ويخدعون أنفسهم، ولعلهم يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا غيرهم. هذا في المسائل الجوهرية، فلعلك تذكر أن سادة اليوم في مصر ينفذون التعويضات والتضمينات وتصريح ٢٨ فبراير.

    ولعلك تذكر أن سادة اليوم دافعوا عن قانون الاجتماعات، وجزعوا حين همت الهيئة البرلمانية بإلغائه، ولكنهم مع ذلك يصفون أصحاب تصريح ٢٨ فبراير بما يصفونهم به، ويصفون أصحاب التعويضات والتضمينات بما يصفونهم به، ولعلك تعلم أن سادة اليوم في فرنسا يسلكون في السياسة الخارجية نفس السبل التي كان يسلكها من سبقهم، ويناقضون في مسلكهم هذا مذاهبهم السياسية والاجتماعية. فليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن ينزل عن شيء من حقوق فرنسا في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية القائمة أن يسلِّم بالجلاء عن الرور قبل أن تضمن فرنسا حقها في التعويضات، وليس يستطيع رئيس الوزارة الفرنسية أن يهمل في تنفيذ نص من نصوص معاهدة فرساي.

    وكم صاحت أحزاب الشمال! وكم نقصت أحزاب الشمال! وكم سخطت أحزاب الشمال على معاهدة فرساي وسياسة الذين أشرفوا على تنفيذها! هذا من جهة.

    ولكن هناك جهة أخرى عملية وضعية — إن صح هذا التعبير — يتشابه فيها سادة اليوم في مصر وسادة اليوم في فرنسا، هذه الجهة هي السياسة الداخلية.

    فسيرة الحزبين في البلدين واحدة، لا يفرق بينها إلا أنها تمتاز بشيء من الظُّرف في فرنسا قد لا تتصف به في مصر. كلا الحزبين يعبث بالوظائف العامة وبالموظفين، فيؤثر من والاه قبل الانتخاب على من خاصمه أو لزم الحيدة.

    ومن اللذيذ أن تقرأ في فرنسا حركة نقل المديرين والمحافظين وإحالة بعضهم إلى المعاش، وتقارن بينها وبين الحركة التي سبقتها في مصر. وكلا الحزبين يفتح تكايا يؤوي إليها أنصاره وأولياءه، لا ينظر في ذلك إلى مقدرتهم وكفاءتهم وحاجة الأمة إليهم، وإنما ينظر في ذلك إلى شيءٍ واحد؛ هو أنهم أولياؤه وأنصاره، وأنهم جدُّوا في الحركة الانتخابية، فلا بدَّ من مكافأتهم على ما أبلوا في الحركة الانتخابية.

    وكلا الحزبين يبيح لأوليائه وأنصاره ما يحظر على خصومه ومخالفيه، فكما أن سادة اليوم في مصر أطلقوا الحرية لأنصارهم بعد أن تولوا الحكم في أن يتظاهروا ويهتفوا ويعبثوا حتى بدا لهم أن ذلك قد يكون خطرًا عليهم أنفسهم، فأخذوا يقيِّدون هذه الحرية ويلحون في هذا التقييد؛ فإن سادة اليوم في فرنسا يبيحون لأنصارهم وأوليائهم من المظاهرات وألوان الهتاف ما لم يكن ينتظر الفرنسيون أن يروه في فرنسا؛ فقد منحت الحكومة الفرنسية القائمة طائفة من قطر السكك الحديدية للمتظاهرين من الشيوعيين، وأباحت لهم أن يؤاخوا بين أطفال الفرنسيين وأطفال الألمان في ظل الأعلام الحمراء.

    ويجب أن نقول الحق، فقد تجاوز الحزب الفرنسي المنتصر في فرنسا ما وصل إليه الحزب الفرنسي المنتصر في مصر. وتعليل ذلك يسير؛ وهو أن فرنسا مستقلة حقًّا، لا يحتلها الإنجليز، ولا تحفل بمراقبة الأجانب.

    ومن هنا، كانت حكومتها أوسع حرية من الحكومة المصرية. ومن يدري لو أن للبرلمان المصري والحكومة المصرية من الاستقلال والسيادة الفعلية ما للبرلمان الفرنسي والحكومة الفرنسية، من يدري ماذا كان يصنع البرلمان المصري والحكومة المصرية بالأولياء والأعداء؟! …

    بين يدي البرلمان الفرنسي مشروع للعفو العام، تجاوز فيه الحزب المنتصر كل حد؛ فهو يريد أن يعفو عفوًا تامًّا شاملًا عن جميع الجرائم التي اقتُرِفَتْ أثناء الحرب، سواء منها ما يقبل العفو وما لا يقبله، سواء منها ما لا يتجاوز الآثام العادية، وما هو خيانة عظمى للوطن.

    وهو لا يكتفي بذلك، وإنما يريد أن يمحو هذه الجرائم محوًا كأنها لم تكن، وأن يعوِّض المجرمين عما خسروا بحكم إدانتهم وبحكم بقائهم في السجون. يريد أن يرد إلى الموظفين منهم وظائفهم، وأن يحتسب لهم المدد التي قضوها في السجون، فلا يضيع عليهم منها شيئًا في المعاش مثلًا ولا في الدرجات ولا في نحو ذلك من حقوق الموظفين.

    وقد أقرَّ مجلس النوَّاب هذا المشروع، ويجب أن يتعزى نائبنا المحترم أبو سمرة ونائبنا المحترم عبد الرحمن الرافعي؛ فإن زملاءهما من المعارضين الفرنسيين لم يستطيعوا أن يناقشوا ولا أن يدافعوا عن آرائهم لنفس الأسباب التي تشقى بها المعارضة في مصر؛ وهي: المقاطعة، والتهويش، واستبداد الكثرة بالقلة.

    والآن وقد رأينا هذا التشابه بين هذين اليومين وبين الحزبين اللذين انتصرا فيهما على ساحِلَي البحر الأبيض المتوسط، فقد يكون من الخير أن نتساءل عن مصدر هذا التشابه بين هذين الحزبين اللذين يختلفان الاختلاف كله في الجنس والخلق والعادة واللغة والأطوار، ولكنهما يتشابهان التشابه كله في الطرائق السياسية.

    وهنا أريد أيضًا ألا أُغضب أحدًا، وإن كان الكتَّاب الفرنسيون يقولون مثلما سأقول وأكثر مما سأقول دون أن يحفلوا بمن يغضب أو لا يغضب.

    مصدر هذا التشابه في جملته يرجع إلى شيءٍ واحد، وهو حظ هذين الحزبين من الرقي العقلي؛ فلست أظلم أحدًا ولا أتجاوز الحق إذا قلت إن حظَّ الكثرة البرلمانية القائمة في مصر وفي فرنسا من الرقي العلمي ليس مما يمكن الافتخار به، فقد يكون بين هذه الكثرة أفراد نابهون، ولكن الكثرة نفسها لا تمتاز بالعلم، ولا سيما بالعلم المتقن الذي يرسخ في النفس فيميزها ويرقى بها عن الصغائر، ويؤهلها لفهم الأشياء كما هي وكما يجب أن تكون، ويؤهلها للمقارنة بين الحقيقة الواقعة وبين المثل الأعلى.

    ولو استطعت لقلت إن عقول هاتين الكثرتين ينقصها شيء كثير جدًّا من العمق والحدة؛ فهي قريبة المدى جدًّا، لا تسع كثيرًا من الأشياء، وإنما تَسَع طائفة قليلة جدًّا من الحقائق البسيطة، وهي قليلة الحدة لا تستطيع أن تهضم هذه الحقائق ولا أن تسيغها. ومن هنا كان فهمها للأشياء قاصرًا كل القصور؛ فهي تتشدق بالألفاظ الجوفاء دون أن تفهم معناها حقًّا، ودون أن تقتنع بمعناها حقًّا.

    ومن هنا تتورط في طائفة من الأغلاط المنكرة، ليس مصدرها سوء النية، وإنما مصدرها العجز والقصور. وأريد أن أضرب لذلك مثلًا، ومن الغريب أنه واحد في مصر وفي فرنسا الآن، هذا المثل هو التعليم.

    من الغريب أن كثرتنا البرلمانية تزهد في التعليم العالي ولا تحفل به، وأخشى أن أقول إنها تكرهه وتمقته، لا لأنها تريد أن تكون مصر جاهلة، بل لأنها لا تقدِّر التعليم العالي كما ينبغي. وهي معذورة؛ فهي تجهل التعليم العالي، ومن هنا سمحت لرئيس الوزراء أن يعلن أنه لا يفهم معنى الجامعة ولا فائدتها للأمة، وابتلعت ذلك كما تُبتلَع قطعة من الحلوى.

    ومن هنا، سمحت لوزارة المعارف أن تأتي ما أتت من العبث؛ فتنيم مشروع الجامعة، وتلغي المجلس الأعلى، وتشل المكتب الفني، وتنشئ هذه اللجنة الفنية التي لا خطر لها ولا نفع.

    وعلى نحو هذا سارت الكثرة البرلمانية الفرنسية، فبدأت سياستها التعليمية بإلغاء النظام الذي كانت قد وضعته وزارة يوانكاريه لتعميم اللاتينية واليونانية، وهي الآن تعد ألوانًا من المشروعات لا ترمي إلى شيء أقل من الهبوط بالتعليم الثانوي إلى أبسط درجاتها.

    ومن أبدع ما قرأته من السياسة التعليمية للحزب المنتصر في فرنسا، هذا القرار الذي أصدره مؤتمر رجال التعليم الأولي الذي انعقد في هذه الأيام في مدينة ليون. أصدر هذا المؤتمر قرارًا لا يبعد أن تأخذ به وزارة المعارف الاشتراكية؛ وهو أن يُلغَى تعليم التاريخ الفرنسي في المدارس الأولية، وأن تقوم مقامه دروس في تاريخ الإنسانية … ذلك لأن التاريخ الفرنسي يذكِّر بمجد فرنسا وسلطانها الحربي والعسكري، وهذا الحزب المنتصر يريد أن يمحو الحرب؛ فيجب أن يمحو ذكرى المجد الحربي لفرنسا من نفوس الفرنسيين.

    ولست أناقش هذا المذهب السياسي، ولكني ألاحظ أن الذين وضعوا هذا القرار لو لم يكونوا من أنصاف المتعلمين؛ لاستطاعوا أن يوفقوا بين مذهبهم السياسي وبين المنفعة الوطنية، وأن يتصوروا طريقة لدرس التاريخ الفرنسي لا ينسى معها الفرنسيون مجدهم الوطني، ولا يميلون معها إلى الحرب، ولكنهم أنصاف متعلمين ينقص عقولهم العمق والحدة؛ فهي لا تسع أشياء كثيرة، وهي لا تهضم ما تسع من هذه الحقائق القليلة البسيطة.

    ولقد أستطيع أن أمضي في هذا البحث إلى أبعد من هذا الحد الذي انتهيت إليه، ولكني أقف عند هذا الحد وأسجل حقيقتين؛ إحداهما: خاصة؛ وهي أن يوم ١٢ يناير في مصر و١١ مايو في فرنسا متشابهان، والأخرى: عامة؛ وهي أن الويل كل الويل لبلد يحكمه أنصاف المتعلمين.

    بوليجين في ١٣ أغسطس ١٩٢٤