Tag: social injustice

  • جوع

    جوع

    أما وزارتنا شفيقة على الفقراء، رفيقة بالبائسين، تتولاهم بالبر الذي لا حد له، وتشملهم بالعطف الذي لا ينتهي إلى غاية، وتذود عنهم ألم الجوع، وترد عنهم المشقة والضر، وتغمرهم باليسر والنعيم، فشيءٌ ليس إلى الشك فيه من سبيل، إلا أن تكون مكابراً تحب المكابرة، أو محارباً تتهالك على المراء. وفي أي بلد من بلاد الأرض ترى الفقراء والبائسين رغم هذه الأزمة العنيفة ينعمون بخفض العيش ويأخذون من لذات الحياة ما يريدون وفوق ما يريدون كما تراهم في مصر الآن تستطيع أن تطوف في المدن والقرى وأن تجوب أقطار الريف فلن ترى مفلساً ولا مأزوماً. ولن ترى شقياً بالحياة ولا يائساً منها، ولا زاهداً فيها. إنما الناس جميعاً في صفو لا يشوبه كدر، ولين لا تشوبه قسوة. كلهم فرح مرح، وكلهم سعيد مبتهج، وكلهم باسم للحياة، مقبل عليها، مستزيد منها. وتستطيع أن تطوف في القاهرة فترى من مظاهر السعادة واليسر، ومن آيات النعيم وصفو العيش ما يضطرك إلى أن تسأل نفسك: كيف أعرض الفقراء والبائسون من أهل الأرض عن مصر؟ وكيف لم يرحلوا إليها، ولم يتساقطوا عليها وقد أصبحت مصر في هذه الأيام السود جنة الله في الأرض من غير شك ولا مراء؟ لقد كان يسخر فولتير حين صور في قصة من قصصه المشهورة قطراً من الأقطار الأمريكية يمشي الناس فيه على الذهب، ويعبث الأطفال فيه بالأحجار الكريمة وتنحط فيه قيمة المعدن والجوهر حتى يأنف الناس أن يتخذوهما أساساً للتعامل أو ثمناً للبيع والشراء.

    كان فولتير يسخر حين صور هذا القطر. فلو قد عاش فولتير إلى هذا العهد السعيد الذي نحن فيه لعلم أن سخريته قد أصبحت حقاً وأن هزله قد أصبح جداً، وأن مصر إذا لم يمش الناس فيها على الذهب ولم يعبث الأطفال فيها بالدر والياقوت فإن الناس فيها لا يعرفون ألماً ولا ضراً، ولا يخافون أن يصيبهم ألم أو يمسهم ضر.

    لهذا كله عجبت أشد العجب حين أقبل على جماعة من الناس قد أضناهم الجوع وأنهكهم الحرمان، وظهرت عليهم آثار السوء وضعفت أصواتهم لأنهم لا يجدون ما يقيم أودهم ويمكنهم من أن يتحدثوا إليك في صوت ظاهر ممتلئ مستقيم. ولم أشك حين رأيت هؤلاء الناس البائسين المحرومين في أنهم جماعة من الأجانب الذين مسهم الضر في بلادهم، وضاقت بهم الحياة في أوطانهم، فأقبلوا إلى مصر يلتمسون فيها اليسر والسعة، ويفزعون إلى ما فيها من النعيم والرخاء. ولكني لم أكد أتحدث إليهم وأسمع منهم حتى اشتد عجبي وانتهى إلى أقصاه، لأني علمت أن هؤلاء الناس مصريون، نعم مصريون! أسمعت؟ إنهم مصريون يلذعهم الجوع، وتحرقهم الفاقة، لا يستطيعون أن يأووا إلى بيوتهم لأن لهم نساء وأطفالاً يقضون اليوم الكامل لا يصيبون فيه طعاماً ولا يظفرون فيه بالنوم. وهم مع ذلك مصريون يعيشون على ضفاف النيل. أتستطيع أن تفسره أو تجد إلى تعليله سبيلاً؟ بؤس في مصر يجوع له الناس ويأرقون، ورئيس الوزراء صدقي باشا، هذا الذي تولى وزارة مصر فعاهد النعيم واليسر على أن يقيما فيها ما أقام هو رئيساً للوزراء.

    بؤس في مصر، وهذه الوزارة القائمة مشرفة على أمور مصر، وهي التي مست وادي النيل بعصا سحرية فتحول كل شيء جدب فيه إلى خصب وأصبحت مصر زينة الدنيا وبهجتها، ومطمع الأماني والآمال. نعم في مصر بؤس، وفي مصر قوم يشقون بالجوع، لا بالجوع الذي يحسونه هم وحدهم، بل بالجوع الذي يحسه النساء والأطفال. لم أكن أصدق ذلك ولا أطمئن إليه، فأخذت أسأل القوم وألح عليهم وآخذهم بالأيمان المحرجة حتى لم يبق لي سبيل إلى الشك في أنهم صادقون، وفي أنهم مصريون، وفي أنهم جماعة من العمال الذين كانوا يعملون في شركة السيارات، فلما كان الإضراب وقصة الإضراب حيل بينهم وبين العمل لما شئت من هذه الأسباب التي تقبل أو لا تقبل والتي تجوز أو لا تجوز، فهم الآن عاطلون وهم الآن جائعون، وهم الآن يصلون نار البؤس والشقاء. أهم قليلون؟ قد يكون ذلك وقد لا يكون، فهم بين المائتين والثلاثمائة. وفي عنق كل واحد منهم زوج وصبيان، وكلهم بائس فهم يبلغون الألف أو يزيدون. وألف جائع في مدينة القاهرة كثيرون إن كنت تحب العدل والبر والرحمة. وألف جائع في مدينة القاهرة قليلون إن كنت تريد الإحصاء. وقياس هؤلاء الألف الجائعين إلى عشرات الآلاف ومئاتها وأولئك الذين لا يجدون جوعاً ولا حرماناً. وسواء كانوا قليلين أم كثيرين فهم ألف وهم ألف من المصريين لا ينبغي بحال من الأحوال أن يمسهم الضر إلى هذا الحد، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تحرقهم نار البؤس إلى هذا الحد. فإذا تبينت أنهم لا يجوعون ولا يرون جوع أهلهم، لأنهم قصروا في العمل أو رغبوا في الكسل، وإنما هم يشقون بجوعهم وجوع أهلهم لأنهم طلبوا الإنصاف فردوا إلى القسوة والجور. وإذا تبينت هذا كله عرفت أن لهؤلاء الناس وعلى وزارتنا، ووزارة الثروة والرخاء، ووزارة البهجة والصفاء حقاً محتوم الأداء. لهم علينا الحق أن يشبعوا بعد جوع وأن يرتووا بعد ظمأ، وأن تستقر قلوبهم في صدورهم وألا يسمعوا أنين النساء لأنهم اختلفوا مع شركة السيارات فأضربوا مع المضربين فطاولتهم الشركة ولم تسعفهم الحكومة، وكان من الحق على الحكومة أن تسعفهم فترفع عنهم الظلم وتحفظ عليهم كرامة المصريين، حتى إذا بلغ بهم الجهد ما أعياهم وتجاوز طاقتهم عادوا إلى العمل فتلقتهم الشركة مزدرية لهم ملتوية عليهم. وأخذت تفصل منهم من تفصل وتهمل منهم من تهمل حتى انتهى أمرهم من السوء إلى هذه الحال.

    وكانت الحكومة أثناء الإضراب تريد أن تحمي منهم الشركة وتحمي منهم العمل. وهذا حق الحكومة وواجب عليها، ولكنها أسرفت في الاستمتاع بهذا الحق، وأسرفت في أداء هذا الواجب حتى استحالت حماية الشركة إلى تعقب المضربين، واستحالت حماية العمل إلى إرهاق للعمال. ونظر الناس فإذا الحكومة تقبض على العمال في كثرة غريبة وتحول بينهم وبين الاجتماع والتشاور في أمورهم. ونظر الناس فإذا الحكومة تمهل الشركة وتعجل العمال. وإذا الحكومة تظهر للشركة ليناً لا يشبهه إلا ما كانت تظهر للعمال من شدة، ونظر الناس فإذا الحكومة لا تأخذ الشركة بتنفيذ العقد الذي كان بينها وبين الدولة حين احتكرت هذا النوع من أنواع العمل. والناس ينظرون الآن فيرون مئات من المصريين جياعاً، لا يعرفون كيف يردون الجوع عن أنفسهم وعن أهلهم. أليس من الحق على الحكومة أن تنظر إلى هؤلاء الناس نظرة عطف ورفق وبر وإشفاق؟ بلى ولكن زعموا لنا أن الشرطة ما زالت تتبعهم وتراقبهم، وأنهم معرضون في كل لحظة لتلقي الإنذار الذي يتلقاه المتشردون. يجب أن يفكر وزير الداخلية في هؤلاء الناس وأن يراجع في أمرهم شركة السيارات. فإذا كان الإنجليز يحمون الأجانب في مصر ومنهم أصحاب هذه الشركة، فلا يقصرون في حمايتهم بل يغلون. فقد يكون من الحق على المصريين أن يحموا مواطنيهم، لا نقول في غلو وإسراف، وإنما نقول في غير تفريط ولا تقصير. وإذا كان للأجانب من مدير الأمن الأوروبي ركن شديد يأوون إليه، فمن الحق أن يكون للمصريين من وزير الداخلية ركن شديد يأوون إليه. إن من العار أن يجوع ألف من أهل القاهرة لا لشيء إلا لأن خلافاً شجر بين العمال المصريين وبين شركة أجنبية فليفرغ وزير الداخلية لأمر هؤلاء الناس ساعة من نهار، وليكن في هذه الساعة صاحب حزم وعزم وإنصاف، ولعله يستطيع.

    كوكب الشرق ١٠-٧-١٩٣٣

  • اصطياف

    اصطياف
    أما الشعب فسيقضى فصل الصيف كما تعود أن يقضيه في كل عام، جادا في العمل، جاهدا في احتمال للأثقال، متكلفا ألوان العناء المرهق والشقاء المضنى، لأنه محتاج إلى أن يعيش، ولأن العيش في هذه الأيام ليس قريب المتناول. وليس يكفي أن تمد إليه يدك لتظفر منه بما تريد، فلا بد من أن تجد في طلبه بياض اليوم، ولا بد من أن تقضي في تدبيره سواد الليل، ولا بد من أن تزدري الألم لتتقي الجوع، ولا بد من أن تعرض جسمك كله لحرارة الشمس المحرقة، ولا بد من أن تحمل نفسك أضعاف ما كنت تحتمل من الأثقال لتصل إلى بعض ما يجب أن تصل إليه من قوت نفسك وأهلك.
    لا سبيل إذن إلى أن يفكر الشعب في اتقاء الصيف، ولا في الفرار منه إلى ساحل البحر حيث النسيم العليل، وحيث الاستمتاع بالراحة، والتذوق للذات الحياة، وحيث التخفف من أثقال العمل طوال السنة، والاستعداد لاحتمال هذه الأثقال إذا أقبل الخريف. لن يفكر الشعب في شيء من هذا لأنه لم يتعود أن يفكر فيه، ولأن الحياة لم تعوده أن تمنحه من المهلة والفراغ وسعة ذات اليد ما يمكنه أن يفكر فيه. ولأن الحياة في هذه الأيام تقتضيه أضعاف ما كانت تقتضيه من الجهد، وتكلفه أضعاف ما كانت تكلفه من العناء ولا تعفيه بعد ذلك من ألم الجوع والحرمان.
    وإذن فستمشي أقدام حافية على أرض ملتهبة حتى تدمي، وستصلى وجوه كالحة وهج الشمس حتى تحترق، وستخترق أشعة من نار الشمس ثيابا ممزقة مخرقة حتى تبلغ الأجسام فتعمل فيها عملا لا يشبهه إلا عمل السياط التي قد تمسها بالضر إذا كان التقصير في أداء الضرائب، وسيعود الرجال والنساء، والشبان والشيب إلى بيوتهم آخر النهار حيث ينتظرهم أطفال جياع، ومنهم من ظفر بالقليل، ومنهم من لم يظفر بشيء! وسيقنع الظافرون بقليل من الخبز وشيء من البصل وما يشبه البصل! وسيقنع المحرومون بالصبر على الجوع، لعل نهار الغد أن يجزيهم من هذا الصبر خيرا.
    وأما رئيس الوزراء فيصطاف مستشفيا في باريس وفرسايل، وسيتنقل من باريس وفرسايل إلى حيث يشير عليه الأطباء من مدن الجبل، أو مدن البحر أو مدن المحيط حيث العيشة الناعمة والحياة الباسمة، حيث الطبيعة المبتهجة والصفو المقيم. ومن حول رئيس الوزارة جماعة ليسوا مرضى، وليس بهم ما يشبه المرضى ولكنهم متصلون بالرئيس، يهونون عليه حياته الهينة، ويسهلون عليه عيشة السهل، ويخففون عليه عبئه الخفيف، ويريحونه حتى من الراحة، ويسلونه حتى من الفراغ!!
    وأما الوزراء فسيدعون دواوينهم الفخمة المترفة، وبيوتهم الجميلة الوثيرة، لأن القيظ فيها شديد، ولأن الصيف فيها مرهق للعقول، مضن للأجسام، وسينتقلون إلى الإسكندرية حيث البحر وساحله الجميل، وهواؤه الطلق وما يضطرب قريبا من أمواجه من أنواع اللذات والسرور، وصنوف البهجة والحبور إذا أشرق النهار وأظلم الليل. وسينتقل معهم جماعة من الموظفين يريحونهم من راحتهم، ويسرون لهم أعمالهم اليسيرة، ويتيحون لهم الاستمتاع بهذه الحياة الجميلة، حياة الصيف في الإسكندرية، وسينتقل مع الوزراء والموظفين جماعة من الخدم والأتباع يهيئون لأولئك وهؤلاء ما يحتاجون إليه ليذوقوا هذه العيشة الراضية ولينعم بالهم أشهرا من سنة بعد أن ضاقوا بحياة الجد والعمل في القاهرة.
    وستنفق الدولة على أولئك وهؤلاء جميعا. تنفق على المصطافين في الإسكندرية، والدولة ملزمة أن تنفق على أولئك وهؤلاء لأنهم وزراؤها وموظفوها. ومتى عرفت الدولة تقصر في ترفيه الوزراء والموظفين وخدام الوزراء والموظفين؟!
    ولكن شيئاً واحداً لن يفكر فيه أحد، ولن يلتفت إليه أحد، ولن يقف عنده أحد، ولن يرضى عنا هؤلاء الوزراء والموظفون وأتباعهم لأننا نفكر فيه الآن، ونريد أن نذكرهم به ونلفتهم إليه، لعله أن يثير بينهم وبين ضمائرهم شيئاً من الحديث الذي لا يخلو من عظة وعبرة، والذي قد يثير عاطفة الحياء أحياناً!!
    هذا الشيء هو أن الأموال التي ستنفقها عليهم الدولة لينعموا بلذة البحر وهوائه الطلق ونسيمه العليل إنما تجبى من أولئك الذين ستحرقهم الشمس من غير رحمة، وستدمي أقدامهم على أرض قد ألهبها القيظ، وستكلح وجوههم بهذا الوهج الذي يأخذها من كل مكان، وستداعبهم هذه الأشعة الملتهبة مخترقة إلى أجسامهم المتجمدة — ثيابهم الممزقة البالية. فمن الحق على الوزراء والموظفين إذا انغمسوا في الماء مع الصباح أو مع المساء، وإذا جلسوا إلى مكاتبهم في الدواوين، وأقبل عليهم هذا النسيم الخفيف فداعب وجوههم، ونفذ إلى أجسامهم فبعث فيها لذة خفيفة تدعو إلى النشاط، أو جلسوا إلى موائدهم في الأندية والقهوات ينعمون بما يحمل إليهم من أنواع الطعام والشراب، ونظروا إلى البحر والشمس تغمره بأشعتها أول النهار، أو تحسر عنه هذه الأشعة عند الأصيل، والقمر يداعبه إذا تقدم الليل. وإذا رأوا رقص الراقصين والراقصات، وسمعوا عزف العازفين والعازفات، وملأوا عيونهم بهذه الصور الجميلة الخلابة التي تنشط مع المساء على ساحل البحر فتملأ الجو فتنة والنفوس اضطرابا، وتثير في القلوب نارا، منها البريء ومنها الآثم!
    من الحق عليهم إذا لهوا بهذا كله، ووجدوا لذة هذا كله أن يذكروا أولئك المساكين الذين تدمي أقدامهم وتحترق وجوههم، ويتنفسون هواء مزاجه اللهب، يعودون بعد طول الجهد وشدة العناء، ولعل كثيرا منهم لا يجدون ما يطعمون!
    نعم من الحق عليهم أن يذكروا هؤلاء فقد تنفع هذه الذكرى، وقد تثير في نفوسهم شيئاً من الحزن للبائسين، والرحمة للأشقياء، والعطف على المكروبين. وقد تدفعهم إلى أن يعرفوا لهؤلاء الناس بعض حقهم، ويذكروا لهم بعض فضلهم، ويأخذوا أنفسهم، لا بأن يردوا عليهم أموالهم، ولا بأن يشاركوهم في آلامهم، ولا بأن يحملوا عنهم بعض أثقالهم، بل أن يعنوا بمصالحهم وينظروا إليها في رعاية وعناية، لعل ذلك أن يشعرهم بأنهم لم يتركوا نهبا للضر وسوء الحال، ولكن لهم وزراء وموظفين يرثون لهم بعض الرثاء، ويؤثرونهم ببعض العطف، وينظرون إليهم نظرة لا تخلو من إشفاق!!
    أين نحن وفي أي عصر نعيش؟ نحن في مصر التي هي جزء من أوربا، وإذن ففي أي بلد من بلاد أوربا يترك الوزراء عواصمهم ليصطافوا على حساب الدولة؟! نحن في القرن العشرين الذي ثبتت فيه شخصية الشعوب، وجعلت تزول فيه الفروق بين الطبقات، وخضعت فيه أعمال الحكومات لأشد ألوان المراقبة وأعسر ضروب الحساب؟ وإذن فأين الاعتراف بشخصية الشعب الذي سيصلى العذاب في الصيف ليستمتع وزراؤه وموظفوه على حسابه بفنون النعيم؟
    وفيم ينتقل الوزراء والموظفون إلى الإسكندرية على حساب الدولة؟ هم بين اثنتين: إما أن يكونوا قادرين على العمل وإذن فليبقوا في القاهرة. وإما أن يكونوا عاجزين عن العمل وإذن فليستقيلوا أو ليستريحوا بالإجازات على حسابهم هم، لا على حساب الشعب البائس المحروم.
    سيقولون إنما ينتقل الوزراء ليكونوا قريبا من جلالة الملك، وإنما ينتقل الموظفون ليكونوا قريبا من سادتهم الوزراء والموظفين، ولكن الملوك ورؤساء الجمهوريات يصطافون في أوربا، ويبقى الوزراء في العواصم حتى إذا احتاج إليهم رؤساء الدول، سافروا إلى حيث يلقونهم في مصايفهم، ثم يعودون بعد ذلك إلى حيث يعملون.
    وليست القاهرة بعيدة عن الإسكندرية حيث يصطاف جلالة الملك، فمن أيسر الأشياء وأهوانها أن ينتقل الوزراء إلى حيث يتشرفون بالمثول بين يدي جلالته ليتلقوا أوامره السامية وليرفعوا إلى سدته العلية ما يريدون رفعه من الأعمال.
    ليست مصلحة الدولة إذن هي التي تقتضي انتقال الحكومة إلى الإسكندرية، وإنما هو الترفيه على رؤساء الحكومة من الوزراء والموظفين. وقد كان ذلك ميسورا على ثقله ومجانبته للحق قبل أن تشتد هذه الأزمة المنكرة. فأما الآن فهو أمر أقل ما يوصف به أنه ليس إلى الدفاع عنه من سبيل.
    زعموا أن رئيس الوزراء بالنيابة فكر في إلغاء رحلة الصيف هذه، ثم زعموا أنه عدل عن هذا التفكير، فليفكر رئيس الوزراء مرة أخرى، وليفكر معه الوزراء، وليفكر معهم الموظفون، وليفكر معهم البرلمان في أن هذه الأيام ليست أيام ترف ولا سرف، وإنما هي أيام احتمال وحرمان، وليست حياتهم التي يحيونها في القاهرة بالسيئة ولا الرديئة، وإنما هي حياة يحسدهم عليها كثير من وزراء الدول الكبرى.
    فليبقوا إذن في القاهرة، فإن ذلك أقل ما يجب عليهم من إظهار تضامنهم مع الناس ومشاركتهم ولو من بعيد فيما يلقون من مكروه.
    كوكب الشرق ٢٨ – ٥ – ١٩٣٣

  • شكوى٢

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

  • أحاديث

    أحاديث
    إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
    والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
    ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
    قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
    وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
    وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
    حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
    ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
    تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
    وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
    ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
    كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
    اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
    كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
    كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣