صوم
من المحقق أن القضاء لم يرد حين قضى بالسجن على توفيق دياب أن يقضى عليه بالمرض ولا بالتعرض للمرض. ومن المحقق أنه لم يرد أن يقضى عليه بالعذاب ولا بالتعرض للعذاب. ومن المحقق أنه أراد إرساله إلى السجن ليستقر فيه أشهرا ثم يخرج منه فيستأنف الحياة مع الأحياء، لا ليبقى فيه ريثما تسوء معاملته فتشرف به على المرض، ثم تسلمه إلى اليأس، ثم تضطره إلى الصوم، ثم تنتهي به إلى حيث يعلم الله، وإلى حيث يعلم الناس من أمر المريض المضنى إذا ألح في الصوم وامتنع عن الطعام والشراب.
من المحقق أن القضاء لم يرد من هذا شيئا، وما ينبغي أن يريد شيئا من هذا، ومن المحقق أن مصلحة السجون لم تنشأ لتعرض الأصحاء للمرض، ولا لتدفع بالمرضى إلى السقم المهلك والآلام التي تفتك بالحياة، ومع ذلك فقد أسلم إلى مصلحة السجون رجل مريض، ليس مرضه غامضا ولا مجهولا، وليس مرضه من هذه الأمراض التي يكون فيها الشك، ويختلف في تصويرها وتقديرها الأطباء. وإنما هو مرض معروف قد سجل الأطباء آراءهم فيه، ورفعت هذه الآراء إلى مصلحة السجون، ولم يسجلها أطباء مغمورون، وإنما سجلها جماعة معروفون، منهم أستاذ في المعهد الرسمي للطب في مصر، فيجب أن تسمع كلمته وأن تقدر. ومع هذا كله يقال إن مصلحة السجون لم تحفل بمرض المريض، ولا بآراء الأطباء حتى اضطرت إلى ذلك اضطرارا حين رأت من حال السجين نفسه ما يلزمها أن تختصه ببعض العناية.
ويقال إن مصلحة السجون لم ترد أن تمضي في هذه العناية بسجينها المريض، لأنها رأت حاله تحسن بعض الشيء، ورأته يأخذ بحظ من الشفاء، فردته إلى حال المسجونين العاديين، وهي تعلم من قرار الأطباء أنه عائد من غير شك إلى مرضه الحاد المضنى بعد أيام قليلة.
فهل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تجد لذة في أن يألم المسجونون وتجد من تكميل العقاب أن تدور بهم بين الصحة والمرض، وبين الراحة والألم، تتركهم حتى يصيبهم المرض المحتوم، أو يشتد عليهم المرض الذي لا يفارقهم، وهنالك تعنى بهم شيئا، وتتفضل عليهم بقليل من العلاج حتى إذا حسنت حالهم قليلا، ردتهم إلى ما يسيئها ويفسدها، وتنقلت بهم على هذا النحو، تعالجهم ليمرضوا، وتمرضهم ليصحوا، تخرجهم من النار لتعيدهم إليها، وتدخلهم فيها لتخرجهم منها.
ما لهذا أنشئت مصلحة السجون، ولا لهذا أنشئت السجون، وما بهذا يمكن أن ترضى حكومة تقدر لنفسها شيئا من الكرامة وتطمع لنفسها في شيء من الاحترام، أم هل تريد مصلحة السجون أن نفهم أنها تعامل ضيوفها معاملة آلية صرفة، لا فهم فيها ولا فقه، ولا تدبر فيها لشيء، وإنما هو تطبيق ميكانيكي للنظام، فلان حسن الحال بعض الشيء، فيجب أن يصلى نار المعاملة العادية حتى إذا ساءت حاله كانت العناية به، فهي لا تعنى بالسجين إلا حين ترى نفسها مضطرة إلى هذه العناية! ما هكذا ينبغي أن تشرف الإدارات على مصالح الناس، وما هكذا ينبغي أن يفهم النظام وتنفذ أصوله وقواعده.
رجل قال الطب إنه لا يستطيع أن يبرأ من الألم، أو لا يستطيع أن يخف عنه الألم إلا إذا عاش عيشة خاصة رسمها له الأطباء وبينوا حدودها بيانا مفصلا واضحا. فمن الحق على مصلحة السجون أن تذعن لرأي الأطباء وأن تنفذ ما قرروا في غير تردد ولا تلكؤ، إلا أن تكون مصلحة السجون حريصة على أن يلقى الناس عندها ألوان العذاب ويتعرضوا عندها لخطر الموت!
هذا كله ولم نذكر أن توفيق دياب لم يقتل ولم يقطع طريقا ولم يسرق ولم ينقب على قوم آمنين، ولم يقترف إثما من هذه الآثام المنكرة التي يعاقب عليها القانون وحده، وإنما تعاقب عليها الأخلاق، ويعاقب عليها العرف، وتبقى آثارها السيئة ملازمة لصاحبها ما عاش، وملازمة لاسمه بعد أن يموت. لم يقترف توفيق دياب شيئا من هذه الآثام، وإنما أتى شيئا يختلف تقديره باختلاف الظروف، وباختلاف البيئات، وينكره القانون الآن في مصر، ولعله لا ينكره غدا، ولعله ليكن ينكره على هذا النحو من قبل. ولعله لا ينكره بحال من الأحوال في كثير من البلاد الأخرى، ولعله أن يكون مصدر شرف لصاحبه في بعض البيئات وفي بعض الظروف وفي بعض العهود. فليس من الحق ولا من العدل ولا من الرعاية لحرية الرأي أن يعامل هذا الرجل معاملة هؤلاء المجرمين الذين يفسدون في الأرض، والذين يلزمهم إثم الجريمة أحياء وأمواتا.
لم نذكر هذا لأننا قد ذكرناه وألححنا فيه، وذكره غيرنا وألح فيه، فلم يسمع له أحد ولم يحفل به أحد، حتى استيئسنا من أن الحكومة ستقبله أو تؤمن له، فلم نطمع إلا في أن يعامل الرجل معاملة سجين مريض قد يخف عنه الألم إذا ظفر من العناية بما ينبغي له، ولكن مرضه لا يزول. وآية ذلك أنه كان حرا طليقا قادرا على أن يحيط نفسه بألوان العناية والعلاج كلها، معتمدا في هذه العناية على خير الأطباء، فظل ست سنين لا يفارقه المرض، ولكنه يخف عنه حينا، ويثقل عليه أحيانا. أفتأبى مصلحة السجون على المريض أن تعامله معاملة المرضى؟
يقولون إن حال توفيق دياب قد حسنت بعض الشيء فيجب أن يُسوَّى بينه وبين غيره من السجناء تنفيذا للنظام، ولكن التسوية بينه وبين غيره من السجناء شيء لا سبيل إليه، لأنه لم يُشفَ من مرضه، فهو مريض، والسجناء أصحاء، وإنما تستطيع مصلحة السجون أن تسوي بينه وبين غيره يوم تسوي الطبيعة بينه وبينهم، فترد عليه صحته كاملة، ويسجل أطباؤه أن هذا المرض قد فارقه وانجلى عنه، وأنه قد شُفيَ الشفاء التام. فأما قبل هذا فإن مصلحة السجون تأثم حين تضطر المريض السقيم إلى ما يشق احتماله على الأصحاء.
زعموا أن بعض النواب تقدم إلى مجلسه باقتراح يصلح نظام السجون، ويفرق بين جرائم الرأي والنشر، وبين غيرها من جرائم العدوان على الحقوق والأنفس والأموال، وزعموا أن قد كان في النواب عطف على هذا الاقتراح وميل إلى قبوله والعمل به، ولكن هذا الاقتراح الذي قدم في نشاط إلى المجلس لم يكد يستقر فيه حتى أصابه جمود وخمود، وشيء يشبه الموت، فلم يذكره أحد، ولم يفكر فيه أحد، وأكبر الظن أننا لم نخطئ حين قدرنا منذ قدم هذا الاقتراح أن المجلس لن يحفل به إلا ريثما يهمله، وما هي إلا أن يقيم بعض النواب أنفسهم أوضح الأدلة على أنهم لم يكونوا جادين حين تلقوا هذا الاقتراح!
نعم وقف بعض النواب منذ أيام يستعدي على الصحف، ويلومها لأنها تطالب بأن يعامل المسجونون في الرأي كما يعامل أمثالهم في البلاد المتحضرة، ويرى أن هذا من الصحف تشجيع للإثم، وتحريض على التورط فيه. وقد فهمنا عن النائب ما أراد وعلمنا أن القوم لا يريدون بخصومهم خيرا ولا إنصافا، ولا يتحرجون في أن يصموا أنفسهم في ذلك بتجنب الحضارة والإغراق فيما تتنزه عنه البلاد الراقية حقا.
ليس لنا إذن أمل في النواب، والنواب مشغولون عن السجون ومن في السجون بما هم فيه من شؤون، والنواب مطمئنون فقد أذن الله لأوليائهم وأنصارهم من الكتاب ألا يقدموا للقضاء، ولا أن يدخلوا السجون، ولا أن يتعرضوا لمكروه ما دام الأمر إليهم، وما دام الحكم إلى وزارتهم القائمة والنواب حراص على أن يذوق خصومهم من ألوان الشدة والضيق، وصنوف العذاب والنكال، لعل ذلك أن يصدهم عن المعارضة ويصرفهم عن النقد، فكل شيء يدعو النواب إلى أن يهملوا هذا الاقتراح وينسوه حتى تنقضي هذه الدورة!
وزعموا أن الصحف كرهت أن يعامل الصحفيون كما يعامل توفيق دياب، فأنكرت واحتجت، واجتمعت وكررت الاجتماع، ولجت في الإنكار والاحتجاج، وانتهى بها كل هذا إلى فوز عظيم، ونجاح رائع، فأنشأت لنفسها ناديا تجتمع فيه مع الضحى، وتجتمع فيه مع الأصيل، وتجتمع فيه تحت جنح الليل، وهي في أثناء هذا الاجتماع المتكرر لا تلعب ولا تلهو، ولا تهمل ولا تقصر، ولا تتحدث إلا عن سجينها المريض، وعما يلقى وتلقى معه من مرارة إهانة وعما يحتمل وتحتمل معه من ألم ومضض، ولكنها لا تتحدث إلا إلى نفسها، ولا تسمع إلا نفسها، ولا تسعى إلا في ناديها. ومهما يكن من شيء فلم ترفع عنها إهانة، ولم ترد إليها كرامة، ولم ترع لها حرمة، ولم يزل عنها ضيم. وهي مع ذلك راضية مطمئنة، لأنها تجتمع وتسعى، وتتحدث. وهل تملك إلا الاجتماع، والسعي والحديث؟!
وكذلك تعرض مصلحة السجون عن الواجب، وكذلك يعرض النواب عن الواجب، وكذلك تعرض الصحافة عن الواجب. أما توفيق دياب فيثقل عليه المرض حتى يضنيه، فإذا ردت إليه العناية اليسيرة بعض صحته، أعيد إلى شر ما كان فيه، فينظر فإذا هو بين إهانة لازمة لا ترفع عنه، إهانة السجن في الرأي يلقى جزاء المجرمين العاديين، وبين مرض لازم لا تخف آلامه إلا ريثما تعود ثقيلة منهكة، وبين يأس يتراءى له من بعيد، ثم يدنو منه شيئا فشيئا، ويقرب منه قليلا قليلا حتى يتصل به ويملأ عليه عزلته ووحشته ووحدته إذا أشرق النهار، وهل يشرق النهار إلا في شحوب؟ وإذا أظلم الليل، وهل ظلمة الليل عليه إلا اتصال لظلمة النهار؟ يتلفت فلا يرى إلا مرضا ويأسا، ويفكر فلا يجد إلا مرضا ويأسا، وإذن فماله لا يخلص من المرض، وما له لا يخلص من اليأس، وما له لا يضع حدا لهذه الآلام التي يأبى الناس أو يعجزون أن يضعوا لها حدا.
ما له لا يقصر الأمد بينه وبين الراحة الكبرى والهدوء الشامل الذي لا يعرف مرضا ولا صحة، والذي لا يعرف يأسا ولا أملا، والذي لا يحتاج صاحبه إلى رحمة الناس ولا إلى عدل الناس، ولا إلى مروءة الناس، وإنما يحتاج إلى رحمة الله وحده، وإلى عدل الله وحده، وإلى رأفة الله وحده.
ما له لا يقطع أسباب الحياة هذه التي يجد الناس فيها ظلما وجورا، والتي يجد الناس فيها قسوة وغلظة، والتي يجد الناس فيها نزولا حتى عن الكرامة، وتفريطا حتى في الحرمات؟ ما له لا يدع الطعام والشراب، ولا يقبل على الصوم المتصل لعله أن يخلص من كل هذا المكروه.
وكذلك تحدث الناس أن توفيق دياب قد بدأ صومه هذا الخطر منذ أمس، وتساءل الناس عن هذا النبأ، فأكد لهم، وسأل الناس الحكومة عن هذا النبأ فآثرت صمتا هائلا مخيفا! وتسامع النواب بهذا النبأ فلم يقولوا عنه شيئا! وتسامعت الصحف بهذا النبأ فأذاعته وأشاعته، وتداعت للاجتماع بعد أن يكون توفيق دياب قد صام ثلاثة أيام، ووقع هذا النبأ في بيت توفيق فجزعت قلوب، وذهلت نفوس، وانهمرت دموع. وأقبل اليأس على هذا البيت الذي كان يملأه الأمل منذ أسابيع فأقام فيه ضيفا ثقيلا!
نعم وحل اليأس قلوبا ما كان ينبغي أن يصل إليها، وغشى اليأس بالحزن وجوها ما كان ينبغي أن يظهر فيها إلا البشر والابتسام للحياة.
اللهم اشهد أن هذا السجين البائس وأبناءه الصغار وأصدقاءه لا ينكرون القضاء، ولا يمارون فيه، ولا يترددون في الإذعان له عن رضى وطمأنينة، ولكنهم يريدون العدل الذي لا شك فيه ولا مراء، العدل الذي يأبى أن يعامل المريض معاملة الصحيح، وأن يعامل السجين في الرأي معاملة السجين في قطع الطريق.
كوكب الشرق ٢٦ – ٥ – ١٩٣٣
Tag: Tawfiq Diab
-
صوم
-
سجين
سجين
أما أن مصر جزء من أوربا كما قال الخديو إسماعيل فيما يتحدث عنه الناس فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل. ففي مصر البخار والكهرباء، وفي مصر البرق والتليفون، وفي مصر الأوبرا، وما يكون في الأوبرا من تمثيل ورقص وغناء. وبين مصر وأوربا طرق برية وبحرية وجوية تقطعها السفن والقطارات والطيارات في الأوقات القصار والطوال. وفي مصر وزارات على رأسها وزراء، وفي مصر مجلس للنواب، ومجلس للشيوخ. وفي مصر مدارس أولية وأخرى ابتدائية، وفيها مدارس ثانوية، وأخرى عالية خصوصية، وفيها جامعة أيضًا. وفي مصر مسارح وملاعب، وفيها أندية وقهوات. وفيها بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله وتحت هذا كله صحف سيارة، يظهر بعضها في الصباح وبعضها في المساء، وبعضها حين تتوسط الشمس في السماء. وصحف أسبوعية وأخرى شهرية، وكلها يجول، وكلها يصول، وكلها ينقد فيجيد النقد، وكلها يحمد فيحسن الحمد، وكلها يؤيد ويعارض. في مصر هذا كله، وفيها أكثر من هذا كله، فليس من سبيل إلى الشك إذن أن مصر جزء من أوربا.
ولكنها جزء مادي من أوربا المادية، أو جزء ظاهر من أوربا الظاهرة، أو جزء مترف من أوربا المترفة. فأما أن تكون مصر جزءًا متحضرًا من أوربا المتحضرة، أو جزءًا مثقفًا من أوربا المثقفة، أو جزءًا راقيًا في العقل والخلق، وفي الحس والشعور، وفي أنحاء التهذيب كلها من أوربا الراقية في العقل والخلق والحس والشعور، وفي أنحاء التهذيب، فذلك ما لم يقم عليه الدليل بعد. بل ما زال موضوعًا للشك. ويظهر أنه سيظل موضوعًا للشك زمنًا طويلًا. وكأن الخديو إسماعيل حين قال كلمته هذه إنما كان يصور مثله الأعلى أكثر مما كان يصور الحقيقة الواقعة. ولكن بيننا وبين عهد إسماعيل نصف قرن، وكان يحسن أن يتحقق شيء من هذا المثل الأعلى الذي كان يصوره إسماعيل، فتصبح مصر جزءًا متحضرًا من أوربا المثقفة، مهذبًا من أوربا المهذبة. كان ينبغي ذلك، ولكن ما ينبغي شيء، وما هو كائن شيء آخر. والحق أن الواقع الذي لا شك فيه هو أن هذا المثل الأعلى ما زال بعيدًا كل البعد عن أن يتحقق. وما زالت مصر المتحضرة في حياتها المادية بعيدة جدًا عن الحضارة في حياتها المعنوية. وآية ذلك أن الذين حُكم عليهم القضاء بالسجن في جرم من جرائم الرأي ما زالوا يُعاملون في سجنهم كما يُعامل الأشقياء الذين يُحكم عليهم في جرائم السرقة وقطع الطريق العام.
فهم محبوسون في غرفة ضيقة معرضة للهواء المهلك، لا للهواء المحيي. وهم ينامون على الأرض، وتحول بينهم وبين الأرض وسادة من القش. وهم يشربون في كوز، وهم لا يستضيئون في الليل، ولا يكادون يتروضون في النهار. وهم يعملون كما يعمل غيرهم من المجرمين، ويعيشون كما يعيش غيرهم من المجرمين. تُعطّل ملكاتهم العقلية كلها: فلا يقرؤون ولا يكتبون، كأنما تُعاقب عقولهم لأنها فكرت فتحرم وسائل التفكير، وكأنما تُعاقب قرائحهم لأنها أنتجت فتحرم أسباب الإنتاج. وهم يُعرضون بهذا كله للضعف، ثم للضيق، ثم للمرض المبرح والألم الملح. وليس لهم رغم هذا كله خطر، وقَلَّما يصيبهم حظ ولو ضئيل من عناية الطبيب. وفي السجن مع ذلك أطباء، وللسجن مع ذلك مستشفيات، ولكن الطبيب لا يزور المريض إلا إذا أشرف من المرض على الطور المخيف، ولكن المريض لا يُنقل إلى مستشفى السجن إلا حين لا يكون من ذلك بد. وأنت تستطيع أن تفهم هذا وتقدّره في لغة السجون.
هذه هي حال الذين يُعاقبون في مصر على جرائم الرأي. وأما الذين يُعاقبون في أوربا على جرائم السرقة وقطع الطريق فهم ينامون على الأسرة، وهم يتروضون، وهم يُعاملون معاملات قد لا يظفرون بها في حياتهم خارج السجن. وهم يقرؤون الصحف التي تُنشأ لهم في بعض البلاد.
أما الذين يُعاقبون على جرائم الرأي في أوربا فهم يقرؤون ويفكرون وينتجون، ويلقون في حياتهم المادية من العناية كل ما يحتاج إليه الرجل المترف من أهل الطبقات الوسطى. ذلك أن أوربا قد أصبحت لا تفهم السجن على أنه عذاب، وإنما تفهمه على أنه كفّ للمجرم عن المضي في جريمته وقتًا طويلًا أو قصيرًا.
أما هنا فالسجن عذاب، والسجن انتقام، والسجن نوع من أنواع الأخذ بالثأر، والسجن فن من فنون التأديب الذي لا بأس من أن يشوبه العنف من حين إلى حين.
أفبعد هذا نستطيع أن نقول إن مصر جزء مهذب من أوربا المهذبة؟ لا، ليس إلى مثل هذا القول من سبيل. إن الذين يعيبون الحضارة الأوربية ويزدرونها خليقون أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يتورطوا في هذا العيب والازدراء. فمصر لم تعرف من الحضارة الأوربية إلى الآن إلا شرورها وآثامها من جهة، وإلا مظاهرها وأشكالها من جهة أخرى. فأما خيراتها ومنافعها، فأما حقائقها وجواهرها، فمصر تجهلها جهلًا يوشك أن يكون تامًا.
هذا صديقنا توفيق دياب قد سُجن في جريمة من جرائم الرأي التي يعاقب عليها القانون اليوم، وقد يثيب عليها غدًا، ولكنه يُعامل في سجنه كما رأيت معاملة غيره من المجرمين، لا يُراعى حق لثقافته، ولا لعقله، ولا لمكانته، ولا لضعفه ومرضه. وإنما دُفع به في معمل العذاب، هذا الذي يسمونه السجن، فيجب أن يحتمل في هذا المعمل ما أُعدّ له من ألوان العذاب.
وأجمل ما في الأمر وأبدعه، وأحسن ما في الأمر وأروعه، أن صديقنا توفيق دياب عضو في أسرة يُقال لها أسرة الصحافة. وإن هذه الأسرة الصحافية ترى لنفسها قدرة عظيمة الخطر، وتعطي نفسها الحق في قيادة الرأي العام، وتهذيب العقول والأخلاق، وترقية الحس والشعور. وترى لنفسها الزعامة في الشرق العربي كله، ولا تتحرج أن تدعو الصحفيين الأوربيين إلى أن يعقدوا مؤتمرهم في مصر، ولا تتحرج من أن ترى أنها مظهر من مظاهر الرقي المصري، ودليل على أن مصر قد أصبحت جزءًا من أوربا!! ثم هي بعد ذلك تقبل أن يُعامل أحد أعضائها في السجن معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام.
سيُقال إنها لم تقبل؛ فقد اجتمعت واجتمعت، وقد خطبت وكتبت، وقد قالت فأطالت، وقد سعت ودعت. ولكنها على هذا كله تقبل أن يُعامل عضو من أعضائها في السجن معاملة اللصوص وقطاع الطريق العام! لأن الاجتماع والخطابة والكتابة والسعي والدعاء كل ذلك أهون ما ينبغي أن تأتيه الصحف للدفاع عن كرامتها والنضال عن حقوقها. هو لا يكلفها شيئًا. وأي مشقة في أن يلتقي الزملاء ويخطب الخطباء فيصفق لهم، ويكتب الكتّاب فيُثنى عليهم؟ ويسعى الساعون فلا يُحفل بهم؟ ويدعو الداعون فلا يُستجاب لهم؟ لا مشقة في ذلك ولا غُرم. ولعل في ذلك لذة، ولعل في ذلك غيًّا أيضًا. ومن ذا الذي ينكر أن الصحفيين يجدون لذة حين يثني بعضهم على بعض، وحين يصفق بعضهم لبعض؟ ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن الصحفيين قد غنموا من قصة الأستاذ دياب، فأنشأوا لأنفسهم ناديًا يختلفون إليه، ويسمرون فيه، ولم يكد هذا النادي ينشأ حتى سعت إليه بعض الهدايا!
كان هذا كله، ولكن الأستاذ توفيق دياب يُعامل في سجنه معاملة المجرمين العاديين حتى مرض — أستغفر الله — حتى عاوده المرض فأضناه وألح عليه.
وعرف الصحفيون هذا فأسفوا، وأنكروا، ورجوا، وثقوا بأن أحدًا منهم لن يعدو الأسف والإنكار والرجاء. لا تكلف مشقة، ولا تفرض تضحية، ولا تحمل غرامة. وما دام الأمر كلامًا أو ما يشبه الكلام فنحن قادرون عليه، بل راغبون فيه. فأما أن تطلب إلى الصحف عملًا يشعر الحكومة والشعب بأنها غاضبة حقًّا، متألمة حقًّا، فأما أن تطلب إلى الصحف الاحتجاب يومًا أو أيامًا، فذلك منك غلو وإسراف، لن يجد من الصحف إلا إعراضًا وازورارًا. ومع ذلك فهذا أيسر ما كان يجب على الصحف أن تعمل لو أنها تقدر التضامن حقًّا.
يجب أن يحتمل صديقنا دياب آلامه وحده، لأن إخوته أحب لأنفسهم من أن يشاركوه في هذه الآلام! ولكن يجب أن يعلم الذين يسعدون اليوم وغدًا بعيد الفصح وشم النسيم، يجب أن يعلم هؤلاء الذين يغدون ويروحون بالتحية والتهنئة، يجب أن يعلم الذين يذوقون غدًا نعمة الحرية واسعة سعة مصر، منطلقة انطلاق الهواء، لذيذة لذة النسيم، أن في السجن مصريًا قُضي عليه في جريمة من جرائم الرأي، فأذعن كما يجب لحكم القضاء، ولكنه طريح على وسادة من القش، ليس بينها وبين الأرض حاجز، تمضه الآلام المضنية، وتنهكه العلة القاسية. ولا يفكر أحد من القادرين على أن يعينوه ويرفّهوا عليه في أن يجعلوه سجينًا كغيره من الذين يُسجنون في جرائم الرأي.
يجب أن يفكر الذين سيشمّون النسيم غدًا أن صديقنا توفيق دياب قد قبل ألا يشم النسيم، ولكن من حقه أن يكتفي من ذلك بهذا الرضى، وألا يذوق مع هذا الحرمان مرارة الألم والعذاب.
كوكب الشرق ١٦-٤-١٩٣٣سجين