Tag: theatrical metaphor

  • بين الفصلين

    بين الفصلين

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٦ ديسمبر ١٩٤٥

    قد يطول وقت الراحة بين الفصلين وقد يقصر، ولكن الشيء المحقق هو أن النظارة في حاجة إلى أن يستريحوا الآن. الفصل كان طويلًا حقًّا بالقياس إلى غيره من فصول القصة التمثيلية الرائعة التي تمثل في ملعبنا السياسي البديع.

    كان الفصل طويلًا حقًّا أطول مما ينبغي، وكان معقدًا حقًّا أشد تعقيدًا مما ألِف الناس. وقد كان اليونان القدماء يحبُّون التمثيل حبًّا شديدًا، وكان شعراؤهم يرضون حبهم هذا للتمثيل إرضاءً شديدًا، وكانت أيام بعينها من العام تخصص لهذا الفن الجميل. وكان التمثيل يبتدئ مع الصبح وينتهي مع انتهاء النهار، ولكن الممثلين لم يكونوا ينفقون اليوم كله في تمثيل فصل واحد ولا في تمثيل قصة واحدة، وإنما كانوا يمثلون فصولًا كثيرة وقصصًا مختلفة، منها ما يحزن ومنا ما يسر!

    أمَّا نحن فقد تفوقنا على اليونان تفوقًا سيُسجَّل لنا في تاريخ التمثيل. وما رأيك في فصل يُبدأ في تمثيله يوم الجمعة الماضي، ثم يشرق الصبح يوم الخميس والستار لم يُسدل بعد، وإنما يهم العمال أن يسدلوه حين تصدر إليهم الإشارة بذلك من منظم الفرقة؟ فقد يسدل الستار على أحداث هذا الفصل اليوم، وقد يُسدل غدًا، وقد يُسدل في أي وقت وفي أي يوم، متى اجتمع مجلس الوزراء ليقرَّ ما ليس من إقراره بدٌّ، ويوافق على ما لا يستطيع إلَّا أن يوافق عليه. وما من شك في أن النظارة قد جعلوا يسأمون طول هذا الفصل ويتعجلون إسدال الستار؛ حتى قال صحفي لبق ممتاز من الذين يحبون هذا الفن من فنون التمثيل أمس: لو أنصف رئيس الوزراء لدعا زملاءه إلى اجتماع يُعقد بعد انفضاض الهيئة السياسية؛ ليُريح الناس من هذا العناء الطويل.

    والحمد لله على أن التمثيل في هذه القصة يجري على الطريقة المصرية المألوفة، أو التي كانت مألوفة قبل أن تدنو مصر من أوروبا، أو قبل أن تدنو أوروبا من مصر، حين كان الممثلون يلعبون، وكان النظارة يأكلون ويشربون ويدخنون، ويتسلون بهذه السخافات التي تعوَّد كثيرٌ منهم أن يقطعوا بها الوقت. فلا يشق عليهم أن يقصر التمثيل أو يطول؛ لأنهم لا يشكون جوعًا أو ظمأً، ولا يتكلفون جهدًا عسيرًا في تتبع التمثيل. فممثلونا سياسيون يلعبون حين يشرق الصبح، ويلعبون حين يرتفع الضحى، ويلعبون حين تميل الشمس إلى الغروب، ويلعبون حين ينشر الليل ظلمته على أرجاء مصر، لا يملون اللعب، ولا يتعرضون للإعياء. والنظارة في أثناء ذلك يعملون ويكسلون، ينشغلون ويفترون، يتضاحكون ويتندرون، والأمور تجري على خير ما نحب. أليس حافظ رحمه الله هو الذي قال:

    وإذا سُئلت عن الكنانة قل لهم: هي أمة تلهو وشعب يلعب

    وماذا تريد أن تصنع الأمة إذا قررت حكومتها أن تلهيها؟ وماذا تريد أن يصنع الشعب إذا صممت وزارته على أن تلعب له من حين إلى حين فصلًا أو فصلين من فصول التمثيل؟

    بدأ هذا الفصل إذن يوم الجمعة في نادٍ من أندية الأحزاب المؤتلفة، حين اتخذ هذا الحزب الخطير في هذا الوقت الخطير قرارًا خطيرًا؛ ليقدَّم إلى الرئيس الخطير للوزارة الخطيرة صباح السبت. وكان مشوِّقًا حقًّا أول هذا الفصل حين رفع عنه الستار، فقد أراد النظارة أن يتبينوا حقيقة هذه الأخطار الكثيرة التي يتلو بعضها بعضًا في غير ريث ولا أناة. ولكن الممثلين مهرة بارعون يعنيهم قبل كل شيء أن تتعقد الأمور وتتعقد، وأن تتحرج الأمور وتتحرج، وأن تتعلق أنفس النظارة أطول وقت ممكن بما يقولون وما يعملون، وبما يمكن أن يقولوا ويعملوا؛ ولذلك جعل الممثلون يقولون ويعملون، وجعل النظارة يتشوقون ويتحرقون حتى كان مساء السبت، أو حتى تقدم الليل في مساء السبت، وإذا القوم قد عملوا كثيرًا وقالوا كثيرًا، ولم يفهم النظارة شيئًا. وإنما عرفوا أن اجتماعًا كان في ذاك المكان، وأن المجتمعين قد تفرقوا ليلتقوا، فازداد النظارة شوقًا إلى شوق، وتوقًا إلى توق، وارتفاعًا إلى تحت وانحدارًا إلى فوق، وظلوا في هذا كله ليلةً كاملةً ونهارًا كاملًا، وليلةً كاملةً أخرى. ثم أصبحوا يوم الإثنين، وقد عرفوا القرار الخطير الذي أبلغه الوزير الخطير إلى الرئيس الخطير؛ فضحكوا أو أغرقوا في الضحك. ولكن الرئيس الخطير لم يضحك، بل لم يبتسم، بل لم يحتفظ بوجهه هادئًا مستقرًّا، وإنما تجهم وتنمر، وأعرض واستكبر، وقرر أن يعصف بكل شيء.

    ولست أدري أتوافقني أم تخالفني؟ ولكن أرى من أجمل الأشياء وأشدها روعةً في ملاعب التمثيل أن يظهر الغضب الشديد في وجوه الممثلين وفي أقوالهم وأعمالهم وحركاتهم، وأن تمضي النظارة في ضحكها الهادئ المتصل. هذا التناقض بين الغضب المتكلف على المسرح، والرضا الطبيعي بين النظارة رائع حقًّا. وهو الذي أتيح للمصريين أن يشهدوه ويستمتعوا به بياض النهار يوم الإثنين وبياض النهار يوم الثلاثاء وسواد الليل بين هذين النهارين.

    وقد كان رئيس الوزراء غاضبًا كل الغضب، ثائرًا كل الثورة، يريد أن يعصف، ولا يريد أن يعطف كما يحب مكرم باشا أن يقول. وكان مكرم باشا نفسه ثائرًا هادئًا ومضطربًا مستقرًّا وساخطًا راضيًا، يدور حول رئيس الوزراء دون أن يدنو منه أو يبعد عنه. وكان النظارة يشهدون ويضحكون، ويغرقون في الضحك حينًا، ويغرقون في النوم حين يشق عليهم الضحك، ولكنهم استأنفوا نشاطهم مساء الثلاثاء حين اجتمع بالهيئة السياسية من أساطين العهد. فقد خُيِّل إلى النظارة أن الفصل يوشك أن ينتهي، وأن الكتاب يوشك أن يبلغ أجله؛ فجددوا نشاطهم كما يجدد المسافر نشاطه حين يدنو من غايته. ولكن الهيئة السياسية اجتمعت وطال اجتماعها، ثم انصدعت وطال انصداعها، ولم يعرف النظارة شيئًا إلَّا أنه لا بد من الاجتماع بعد الانصداع.

    وهل الحياة إلَّا اجتماع وانصداع، أو قل كما يحب مكرم باشا أن يقول: هل الحياة إلَّا انقضاض وانفضاض. فقد انقضت الهيئة يوم الثلاثاء، ثم انفضت ولم يعرف النظارة من أمرها شيئًا، فظلُّوا يتشوقون ويتلهفون، يريدون أن يبلغوا آخر السفر، وأن يشهدوا إسدال الستار، ولكن قيل لهم: انتظروا فسيكون اجتماع وانصداع وانقضاض وانفضاض. وقد انقضت الهيئة مساء الأربعاء ثم انفضت، ولكن أي انفضاض سيسجله التاريخان: تاريخ السياسة وتاريخ الأدب جميعًا؛ تاريخ السياسة لأن الهيئة السياسية قد اتخذت بالإجماع قرارًا خطيرًا بالغ الخطورة، فأثبتت بذلك أن حزب الكتلة ليس هو وحده الذي يحسن اتخاذ القرارات الخطيرة، وأن في مصر رجالًا غير المتكتلين يحسنون اتخاذ القرارات الخطيرة أيضًا.

    وتاريخ الأدب وهذه مسألة المسائل، ومشكلة المشاكل، والقصة التي سترفع رأس مصر بين الرءوس، وسترفع صوت مصر عاليًا بين الأصوات، وستبلغ رسالة مصر إلى الأجيال المقبلة إلى آخر الدهر، ألم تفهم بعد؟ ألم تقرأ قول رئيس الوزراء للصحفيين في هذا الإيجاز الرائع البارع: «اجتمعنا، وتناقشنا، واتفقنا»؟ ألا يذكرك هذا الكلام شيئًا؟ إنه صورة مطابقة للأصل لكلمة خالدة في تاريخ الأدب العالمي يُضرب بها المثل لأنها سارت مسير الأمثال. ولست أزعم — وأعوذ بالله أن أزعم — أن رئيس الوزراء قد قلَّدها أو حاكاها، فأنا أقطع — أو أكاد أقطع — بأن رئيس الوزراء إنما قال كلمته هذه الخالدة عفو الخاطر؛ لأنه لم يعرف تلك الكلمة الخالدة الأخرى التي أرسلها قيصر إلى مجلس الشيوخ الرومان حين هزم بعض الجيوش. أتعرف هذه الكلمة؟ إنها تشبه كلمة رئيس الوزراء كأنما قُدَّت الكلمتان من أديم واحد هو أديم التفوق والنبوغ. قال رئيس الوزراء للصحفيين: اجتمعنا وتناقشنا واتفقنا، وكتب قيصر إلى مجلس الشيوخ: «وصلت، ورأيت، وانتصرت.» ألست ترى أن رئيس وزرائنا يشبه قيصر في براعته وبلاغته وتفوقه في الإيجاز؟ فكيف إذا أضفت إلى ذلك أنه يشبه قيصر في الحزم والعزم والانتصار؟! كل هذا حسن، ولكن النظارة لم يعرفوا شيئًا، أو قل: إنهم عرفوا قليلًا وجهلوا كثيرًا، وسيعرفون كل شيء حين يجتمع مجلس الوزراء اليوم أو غدًا أو في أي وقت. أرأيت أن الفصل قد ابتدأ تمثيله يوم الجمعة حين أقبل المساء، ولم ينتهِ تمثيله يوم الخميس حين أقبل الصباح؟!

    أرأيت أننا قد تفوقنا على اليونان في الإطالة والإسهاب، وتفوقنا على الرومان في الاختصار والإيجاز؟ أتستطيع أن تكابر بعد ذلك أو أن تماري أو أن تشك في أن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي البلد المختار المتفوق على جميع البلاد، الذي يسكنه شعب مختار متفوق على جميع الشعوب، وتحكمه وزارة مختارة متفوقة على جميع الوزارات، ويظله عهد سعيد مختار متفوق على جميع العهود.

    وبعد، فأين نحن من المفاوضات؟! مقبلون نحن عليها أم منصرفون نحن عنها؟ أيقبل عليها منَّا شخص واحد هو رئيس الوزراء، أم شخصان هما رئيس الوزراء ووزير الخارجية؟ أيشارك مكرم باشا في أولها أم يشارك في وسطها أم يشارك في آخرها؟ والأحرار الدستوريون أين يقعون من هذا كله؟ أيقعون موقع الأنف أم موقع الذنب؟ كل هذه أسئلة لا سبيل إلى الإجابة عنها قبل أن يُرخى الستار. ولكن لي أنا جوابين على هذه الأسئلة: أحدهما بيت حافظ رحمه الله:

    وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم: هي أمة تلهو وشعب يلعب

    والثاني: أن المفاوضات قد تكون وقد لا تكون، وأن من الأحزاب من يقوم منها مقام الأنف ومن يقع منها موقع الذيل، ولكن المهم هو شيء آخر غير المفاوضات وغير موقع الأحزاب من المفاوضات، هو أن يبقى العهد السعيد، وأن يظل الشعب حيث أريد له أن يكون خاضعًا خاشعًا يرضى من الغنيمة بأن يشهد ساسته يلعبون له في ملعب التمثيل.