Tag: Time

  • لحظات

    لحظات
    للدكتور طه حسين

    أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي تعرض لك من حيث لم تكن تقدر أن تلقاها كأنما كانت تكمن في بعض أنحاء الزمن، حتى إذا قربتَ من مكمنها خرجت عليك بما يملؤها من قوة وحدة، وبما تستطيع أن تثير في نفسك من حزن عريض عميق أو أمل واسع مبتسم؟ فوقفتكَ في طريقك الزمني واضطرتكَ بعد وقفة قصيرة إلى أن ترجع إلى الماضي البعيد والقريب تستحضر ما كان فيه من أحداث وتحس ما ترك في نفسك من ذكرى، أو تضطرك إلى أن تثب وثبة بعيدة إلى مستقبل الأيام، فإذا أنت تشيد القصور وتتخذ من الخيال أحلاماً حلوة تحبب إليك الحياة وتملأ قلبك بالصفح عما جنت عليك من السيئات.
    أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة الخصبة التي لم تكن تقدر في وقت من الأوقات أنها ستعرض لك أو أنك ستعثر بها، ولكنك خرجت ذات يوم من دارك تسعى فيما يسعى الناس فيه من جد الحياة وهزلها، وتبلو ما يبلو الناس في سعيهم من حلو الحياة ومرها، فإذا لحظة من هذه اللحظات قد سقطت عليك كما يسقط الجدار على الغريب الذي مرّ به مصادفة وهو يميل إلى السقوط، أو عنت لك ثم مثلت أمامك كما يعن الشيء النفيس لبعض المارة ثم يمثل بين أيديهم حين يصلون إليه، وإذا هم وقوف أمامه قد أخذتهم الحيرة ثم غمرهم السرور؟ أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي يضمرها لك الغيب ويخفي عليك بوادرها وطوالعها ثم يفجأك بها على غير انتظار، كما يلقاك الرجل تعرفه أو لا تعرفه فيلقي إليك نبأ من الأنباء لا يرى له خطراً ولكنك لا تكاد تسمع له حتى يحدث في نفسك أعمق الآثار وأقواها، وأبلغها وأدعاها إلى الحزن والابتئاس أو إلى الفرح والابتهاج؟
    إنك تحسب هذه اللحظات حين تلقاها أو حين تلقاك قصاراً لأنك تحصيها بالدقائق والثواني، وما هي بالقصار؛ لأنها تحمل في وعائها الضيق الضئيل من العواطف والأهواء، ومن الأمل والذكرى، ومن اللذة والألم ما يضيق به كثير من الساعات بل كثير من الأيام. إنك تحسب هذه اللحظات مفاجئة لأنها عرضت لك أو لأنك عرضت لها على غير انتظار ولا تهيؤ منها ولا منك، وما هي بالمفاجئة؛ فإن قوى أخرى غير قوتك وغير قوتها قد عملت منذ أزمان بعيدة في تهيئتك لها وتهيئتها لك، وفي دفعك إليها ودفعها إليك، حتى التقيتما عن مفاجأة في ظاهر الأمر، وعن قضاء مدبّر وقدر مقدّر في حقيقة الأمر. وإذا كلاكما قد صنع لصاحبه وقدّر له تقديراً.
    هذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة لا تسنح للناس جميعاً، ولا تسنح للناس في كل وقت، ولو عرفتُ وسيلة إلى أن أتبين كيف تسنح للناس ومتى تسنح لهم ولأيهم تسنح لكنتُ من أكبر المستكشفين والمخترعين. وكيف برجل يفضح سر القدر ويهتك أستار الغيب؟! ولكنتُ بعد ذلك محسناً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يتقون كثيراً من الشر، وكثيراً من الألم اللاذع والحزن المضني للنفوس والقلوب؛ ومسيئاً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يفقدون لذات قلما يظفر الناس بمثلها، وكيف يصدهم العلم عن ضروب من السعادة لا ينعم بها إلا الجهلاء. ولحرصتُ أشد الحرص على أن أجهل هذا العلم وأغلق نفسي من جميع أنحائها دون هذه القوانين؛ لأني لا أعدل بهذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة كثيراً من أجزاء الزمن مهما تطل، ومهما تقصر، ومهما تمتلئ ومهما تفرغ. وأي حزن ممض مرمض يشبه في اللذة المحرقة اللاذعة، وفي السعادة المظلمة القاتمة هذا الحزن الذي حملته لحظة من هذه اللحظات في ليلة من الليالي فوضعته في قلبي ثقيلاً خشناً شاقاً، ولكنه على ذلك كله حلو، ولكني على ذلك أحببته وكلفت به. ولكني على ذلك حمدت هذه اللحظة القصيرة المفاجئة التي حملته حتى إذا بلغت قرارة نفسي وضعته فيها هادئة مطمئنة إلى منتهى الزمن، وأقبلت به متباطئة متثاقلة كما توضع الصخرة الثقيلة في مكان من الأمكنة في غير عنف ولا سأم ولا كلال.
    كنت مع جماعة من الأصدقاء نشهد التمثيل ونسمع الموسيقى والغناء في الأوبرا، قد فرغنا لما نشهد وما نسمع، وتركنا أعباء الحياة وأثقالها جميعاً في تلك العربة التي كانت تنتظرنا بالباب، وقد حفظت لكل واحد منا ما ائتمنها عليه من الودائع لترده إلينا متى عدنا إليها. ولم تكن ودائعنا تلك التي ائتمنّا عليها العربة وتخففنا منها قبل أن ندخل الأوبرا إلا حياتنا اليومية وما فيها من مشقة ولين، ومن مودة وبغض، ومن يأس وأمل، ومن ألم ولذة، ومن نشاط وخمود. تخففنا من هذا كله وسللنا نفوسنا منه إلى حين كما تُسلّ السيوف من أغمادها، وخلصنا بقلوبنا ونفوسنا نقية صافية مصقولة كأنها المرآة نعرضها للممثلين لينعكس فيها ما يبدعون من مظاهر الجمال الفني في التمثيل والغناء. وكنا لا نحس إلا ما نشهد ونسمع، ولا نفكر إلا فيما نشهد ونسمع؛ فإذا وقف التمثيل وتفرقنا في أبهاء الدار أو لبثنا في أماكننا لم نتحدث إلا بما شهدنا وسمعنا نصفه ونستمتع به، وإلا بما سنشهد ونسمع نتوقعه ونتنبأ بما سيحمل إلينا من اللذة والمتاع. وهل ينبغي أن يدخل الناس دور الفن إلا على هذا النحو، قد خلصوا للفن من كل شيء ومن ذكرى كل شيء، وفرغوا للفن لا يشركون معه في نفوسهم شيئاً؟
    وإني لجالس في ناحية من نواحي الدار مع أصدقائي نتحدث بما كان في الملعب ونتوقع ما سيكون، وإذا صوت يخرج أصدقائي ويخرجني مما كنا فيه… صوت لم أسمعه منذ أعوام وقد كنت أسمعه كل يوم، صوت قد بعدت آماد الزمان والمكان بينه وبين سمعي حتى تقطعت بينه وبيني الأسباب، وحتى كدت أنسى نبراته، وكنت أفكر فيه تفكيراً بعيداً نائياً حين كان يحدثني عنه المتحدثون. ثم دنا هذا الصوت ودنا، ثم امتدت يد فامتدت إليها يدي، ثم كانت مصافحة ثم كانت تحية، ثم كان استئذان في الجلوس وأُذن به، ثم كان وجوم من صاحب الصوت ووجوم ممن كان يبلغه الصوت لم يطل، ولم يكن من اليسير أن يُلحظ ولكنه مع ذلك كان طويلاً ثقيلاً. ثم كان حديث قصير في أشياء لا تغني ولا تفيد ولا تدل على شيء، ثم شرب القهوة وإحراق السيجارة، ثم تحية الوداع، ثم الافتراق.
    لست أدري أذاق أصدقائي لذة التمثيل بعد ذلك أم شغلوا عنه؟ أما أنا فأعلم أني لم أذق للتمثيل بقية الليلة طعماً، إنما كانت الأصوات تبلغ أذني ثم لا تصل إلى نفسي وإنما تقف من دونها وقوفاً لأني كنت أفكر في غير التمثيل، ولأني صُرفت عن الغناء والفن صرفاً. لِمَ دنا إليّ هذا الصوت وكان قد بعد وأمعن في البعد؟ لِمَ مدّ إليّ هذه اليد وكانت قد قُبضت عني قبضاً؟ لِمَ اتصل الحديث بين صاحب الصوت واليد وبيني وكانت قد انقطعت بينه وبيني الأحاديث، بل كانت قد انقطعت بينه وبيني الصلات إلا أن نضطر إليها اضطراراً حين تجمعنا المجامع، أو نلتقي على غير موعد ولا انتظار، ثم لا نستطيع أن يهدي بعضنا إلى بعض ما ينبغي من الإعراض في مثل ما نحن عليه من الجفاء؟ لِمَ دنا لي هذا الصوت؟ ولِمَ امتدت إليّ هذه اليد؟ ولِمَ اتصل بيننا هذا الحديث؟
    لقد كان الحياء يترقرق في هذا الصوت الذي كان يدنو إليّ مأخوذاً حزيناً، ولقد كان الحياء يضطرب في هذه اليد التي كانت تصافحني مترددة مرتعشة بعض الشيء، ولقد كان الحياء يملأ هذا الحديث فيضطره إلى الفراغ مما يعني أو يفيد. ومع ذلك، فشهد الله ما شككت في أن هذا الصوت قد دنا إليّ صادقاً، وفي أن هذه اليد قد امتدت إليّ صادقة، وفي أن هذا الحديث قد اتصل بيننا خالصاً من كل رياء.
    وا رحمتاه للناس! إن الضعف الإنساني ليحمل نفوسهم آلاماً ثقالاً. وا رحمتاه للناس! إن ما في الحياة من أعراض زائلة ترغبهم في الخير العاجل، وتخوفهم من الشر العاجل، لتحمل نفوسهم آلاماً ثقالاً. وا رحمتاه للناس! إن أجسامهم لتطغى على نفوسهم، وإن أهواءهم لتطغى على عقولهم، وإن منافعهم لتنسيهم حقوق الصداقة والصديق. وا رحمتاه للناس! إن رهبة السلطان والرغبة في جاهه والحرص على قرب المكان منه لتفسد عليهم من لذات الحياة الخالصة الصافية ما لا ينبغي أن يفسد. وا رحمتاه للناس! إن لهم على هذا كله لنفوساً لم تُطبع على الشر ولم يُحل بينها وبين الخير، وإن هذه النفوس التي تضعف حتى تتورط فيما لا ينبغي لها، لتختلس الفرص إلى القوة والخير اختلاساً، وتختطفها اختطافاً، وتنعم منها باليسير الضئيل في اللحظة القصيرة المفاجئة لم تكن تنتظر ولم يكن يُدبّر السعي لها تدبيراً، وإنما سنحت فاقتُنصت كما يسنح الصيد وتُمكّن منه الفرصة فيقتنص. وا رحمتاه للناس! لو علموا أن منافع الحياة وأعراضها وأغراضها وما فيها من رغبة ورهبة، ومن مكانة وجاه لا تزن كلها لحظة قصيرة مفاجئة يصفو فيها الود، ويخلص فيها النصح، ويفرغ فيها الصديق للصديق، لغيّروا من حياتهم ومن سيرتهم الشيء الكثير.
    عرضت لي هذه اللحظة القصيرة المفاجئة في ليلة من ليالي الأوبرا، وما أكثر ما تعرض هذه اللحظات القصار المفاجئة لكثير من الناس في هذه الأيام السود! فاللهم ارفع عن الناس مقتك وغضبك، اللهم هيئ للناس حياة لا يخاف الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يختلس الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يقطع الصديق فيها أسباب الود والحب، لا لشيء إلا لأنه يخاف بأس السلطان أو يرجو رضا السلطان.
    الرسالة في ١٢ – ٢ – ١٩٣٤

  • كهرباء

    كهرباء
    لم تنتشر في الجو الوزاري كما انتشرت في هذه الأيام، فأصدقاء الوزارة وأولياؤها يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم إن زعموا أن جو الوزارة هادئ، لا اضطراب فيه، صافٍ لا يشوبه كدر. وهم يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم إذا لم يعترفوا بأن الوزارة قد ضاقت بها السبل، وأخذت من كل مكان، وفسد الجو الذي تعيش فيه، وهي محصورة من كل ناحية، قد اضطرت إلى أن تقف موقف الدفاع، وموقف الدفاع الذي يستميت صاحبه ويستيئس حتى لا يتحرج من الميل إلى الاستعانة بالعزائم والطلاسم والرقى، زيارة الأضرحة، والتعريج على قبور الأولياء.
    ولقد كانت الوزارة في وقت من الأوقات تظهر شيئاً من القوة والبأس، ومن المنعة والبطش. وتزعم للناس، ويزعم معها الأصدقاء والأولياء أن خصومها من المعارضين يتجنون عليها ويثورون بها، ويقولون فيها غير الحق، ويغرون بها الناس، فكانت تهاجمهم مهاجمة متصلة، وكانت تغري نفسها بهم، وتسلط صحفها عليهم، وتتجاوز في هذا كله حدود الدستور والقانون فتعتدي على الحرية، وتمنع خصومها من القول ومن الانتقال، وتعتدي على القانون فتحظر على الخصوم حتى النقد المعقول المباح، وتبيح للأصدقاء والأولياء، لا ما يأباه القانون وحده، بل ما تأباه الأخلاق أيضاً!!
    وكانت حجة الوزارة في ذلك حماية النظام، ومنع المعارضين ألا يثوروا به أو يعتدوا عليه! أما الآن فقد أحيط بالوزارة واشترك في التنكر لها أولياؤها وأصدقاؤها أنفسهم.
    فهذا مجلس النواب لا يخرج من استجواب حتى يدخل في استجواب آخر، وهذا مجلس الشيوخ ينفض دون أن يقر ميزانية الأشغال، ويؤجل هذه الميزانية أسبوعاً كاملاً، مع أن حاجة الوزارة كانت شديدة، ومع أن ضرورة الوزارة كانت ماسة إلى أن تقر الميزانية أمس ليقضي مجلس الوزراء في عطاءات جبل الأولياء إن لم يكن قد قضي فيها بالفعل.
    لقد لاحظت الأهرام وألحت في الملاحظة، ولاحظت الصحف معها وألحت في الملاحظة أيضاً أن الوزارة تتعجل أمر جبل الأولياء، وتريد أن تقضي في عطاءاته قبل أن يقر مجلس الشيوخ اعتماد هذا المشروع في ميزانية الأشغال! وأخذ الناس يتساءلون عن مصدر هذه العجلة، وفي الوقت سعة. وأخذوا يتساءلون عن مصدر هذا التجاوز لمجلس الشيوخ، والدستور القائم نفسه لا يبيح للحكومة أن تتجاوزه أو تتخطاه. ووضعت الوزارة أصابعها في آذانها فلم تسمع لأحد، ولم تجب أحداً. وسافر رئيس الوزراء فاستراح خمسة أيام كثرت أثناءها أحاديث الناس حتى قال القائلون، وأرجف المرجفون، وزعم الزاعمون أن أمر جبل الأولياء قد قضي فيه، وأن الشركة التي أقرت الوزارة عطاءها قد تلقت من وزير الأشغال إذناً بالعمل، ولما يجتمع مجلس الشيوخ ليقر الاعتماد، ولما يجتمع مجلس الوزراء للنظر في العطاءات.
    وسألت الكوكب مرة ومرة عن أحاديث المتحدثين وأراجيف المرجفين، وطلبت الكوكب مرة ومرة إلى الحكومة أن تكذب هذه الأنباء، ولكن الوزارة وضعت أصابعها في آذانها فلم تسمع شيئاً وشدت لسانها بنسعة فلم تقل شيئاً.
    واتصلت الأحاديث وانتشرت بالأراجيف، وما أقبح الأحاديث والأراجيف حين تتصل بالعطاءات وما يشبه العطاءات مما يمس المال. وفي أثناء هذا كله ظهر أحد المقاولين شاكياً، مُلحاً في الشكوى، يعرض أمره على وزير الأشغال حيناً، وعلى رئيس الوزراء حيناً آخر، ثم ينتهي به الضيق إلى أن يطلب إلى صدقي باشا في كتاب نشرته الصحف، لم يخل من عنف صريح، ومن تلميح بالنذير أن يعرض شكواه على مجلس الوزراء.
    ثم يضطرب الأمر في مجلس الشيوخ نفسه، فإذا لجنته المالية تنكر على وزير الأشغال أموراً خطيرة في ميزانيتها. وإذا أحاديث تشاع وتذاع عن استقالة من هذه اللجنة، واسترداد لهذه الاستقالة حتى يفسد الجو حول وزارة الأشغال فساداً قبيحاً حقاً. ثم يجتمع مجلس الشيوخ مساء أمس فإذا اجتماعه لا يصفِّي الجو ولا ينقِّيه، وإذا أحاديثه ومناقشاته لا ترد إلى الوزارة طمأنينة ولا هدوءاً، وإذا هو يتفرق ولما يقرّ هذه الميزانية التي كثرت حولها الأحاديث، وانتشرت حولها الأراجيف، وإذا مجلس الوزراء الذي يجتمع اليوم بين اثنتين: إما أن يقضي في هذه العطاءات فيتخطى مجلس الشيوخ وحقه الدستوري في إقرار الاعتمادات المالية قبل أن تبدأ الحكومة في إنفاقها، وإما أن يرجِئ هذه العطاءات حتى يجتمع مجلس الشيوخ بعد أسبوع. وإذن فسيسافر رئيس الوزراء ولما يقضِ المجلس في هذا الأمر الخطير. وإذن فقد يأبى مجلس الشيوخ أن يقر الميزانية في جلسته المقبلة، ويعجز الوزراء كما عجزوا أمس عن ضبطه وتسييره وتتفرق الأمور.
    هذا ولم نُشر إلى ما قد يحدث من غضب وسخط لإرجاء هذه العطاءات التي كانت الوزارة تدفع إلى إقرارها دفعاً، فإذا لاحظت مع هذا كله أن ميزانية وزارة الأشغال قد اختلست اختلاساً من مجلس النواب وخرجت إلى مجلس الشيوخ ولما يصوت عليها عدد قانوني! عرفت أن الوزارة تعيش في جو جديد، أقل ما يوصف به أنه خانق، وأن الكهرباء قد انتشرت فيه إلى حد لم يُعرف من قبل في تاريخ هذه الوزارة القائمة! وأنت إذا لاحظت الصلة بين الوزارة والبرلمان، وذكرت ما أعلنه زعيم المعارضة الرسمية في مجلس النواب من أن المجلس مسؤول أمام الوزارة بدل أن تكون الوزارة مسؤولة أمام المجلس، وذكرت أيضاً أن من النواب من تمدح بأن رئيس الوزراء واثق به، وراض عنه. وذكرت أيضاً ما نشهده دائماً من سبق النواب والشيوخ إلى ما تريد الحكومة وإلحاحهم عليها في تحقيق هذا الذي تريد؛ لم تملك نفسك من أن تلاحظ في المجلسين الآن انتقاضاً ظاهراً على الوزارة، وأن هذا الانتقاض لا يخلو من خطر وإن لم يجيء عفواً، ولم يحدث دون أن تكون هناك بواعث واضحة أو غامضة تدفعه إلى أن يظهر ويأخذ هذين الشكلين المختلفين: شكل الاستجواب في مجلس النواب، وشكل الاعتراض على ميزانية الأشغال في مجلس الشيوخ.
    من حديث الأطفال إذن أن يقال إن كل شيء هادئ في جو الوزارة، وأن النواب اليوم طيعون كما كانوا بالأمس، وأن الشيوخ اليوم مذعنون كما كانوا بالأمس، من حديث الأطفال أن يقال هذا الكلام، ولا بد من أن يعترف الوزراء وأولياؤهم بأنهم يحيون الآن حياة ضيقة في جو خانق، ويقضون وقتاً من أعسر الأوقات التي قضوها منذ نهضوا بأعباء الحكم.
    وكانت أعراض هذا الشعور ظاهرة ظهوراً واضحاً جلياً أمس على الوزراء في مجلس الشيوخ، فلم يكونوا موفقين فيما قالوا، ولا ما فعلوا وإنما كان منهم المضطرب، ومنهم المتهافت، ومنهم الضعيف. وما ظنك بوزير الأشغال وهو يقرأ على المجلس فصولاً كتبتها الصحف ويحاول الرد عليها حتى ينبهه بعض الأعضاء إلى أن هذا ليس من شأن المجلس ولا من شأن الوزراء.
    وما ظنك بوزير التقاليد وهو يدافع عن الاستثناء فيسكته عضو من أعضاء المجلس قائلاً: إن كفاية الموظفين هي الأصل، فمن فقد الكفاية فقد عمله.
    لم يكن الوزراء موفقين فيما قالوا ولا فيما فعلوا، ولم يكونوا قابضين على أعنة المجلس أمس، لأن قدرتهم على المقاومة وقوتهم على الهجوم، واستعدادهم للقاء الطوارئ، كل هذا قد ضعف في نفوسهم، وهو إنما ضعف في نفوسهم، لأن الجو من حولهم قد فسد، ولأن الأرض من تحت أقدامهم قد أخذ يصيبها الاضطراب.
    والظاهر أن العدوى قد سرت من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ فصودر الأعضاء، ومنع بعضهم من الكلام، وأمر بعضهم بتخفيض الصوت، ولم يتردد بعضهم في أن يصيح مغضباً: إنكم تعاملوننا حقاً كما يعامل زملاؤنا في مجلس النواب! كأن النواب قد أصبحوا مضرب المثل في قبول ما تلقاهم به الرياسة من الأمر والنهي وإلقاء الدروس، ثم تريد رياسة مجلس الشيوخ أن تقف المناقشة وقد سنحت الفرصة لتقرير الميزانية، وإخراج الوزارة من مأزقها، ولكن قوماً يأبون إلا أن يتكلموا فإذا منعوا من الكلام تفرقوا وتفرق معهم أصحابهم، ونظرت الرياسة فإذا العدد غير قانوني، وإذا إمضاء الميزانية أمس مستحيل.
    والغريب أن رياسة مجلس الشيوخ لم تمضِ في هذه المسألة سيرة الرياسة في مجلس النواب فلم تمضِ الميزانية على قلة الأعضاء، ولكن أجلتها أسبوعاً كاملاً، نزولاً عند إرادة الدستور والنظام، ولأمر يجري به قضاؤه الذي لا مرد له.
    ثم تزعم الصحف الوزارية أن أمور الوزارة تجري على خير ما تحب، وأن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت ولا أضمن للبقاء مما هي اليوم!.
    أما نحن فلا نتعجل الحوادث، ولا نسرف في التفسير لحركات النواب المستجوبين، ولا لحركات الشيوخ المتمردين، ولكننا نسمح لأنفسنا بالشك في أن رئيس الوزراء سيبرح الأرض قبل أن يستقيل، أو في أن رئيس الوزراء سيطيل الإقامة في أوربا قبل أن يستقيل، ذلك لأن كل شيء حول رئيس الوزراء قد فسد حتى اتصال أنصاره به وإذعانهم له. وإذا فسد الجو السياسي إلى هذا الحد لم يبقَ صالحاً للحياة.
    كوكب الشرق ١١ – ٥ – ١٩٣٣