Tag: War

  • فكرة الاستقلال

    فكرة الاستقلال
    لعميد الأدب العربي
    الدكتور طه حسين بك
    من الأوليات التي يجب ألا نغفل عنها ولا نقصر في استحضارها أمام أنفسنا دائماً، أن الأزمات العنيفة التي تلم بالإنسانية بين حين وحين، تستتبع دائماً تغيير طائفة من القيم التي ألفها الناس. وقد تتغير المعاني تغيراً شديداً وتبقى الألفاظ التي كانت تدل عليها كما هي لا يصيبها تغيير ولا تبديل، فينشأ عن ذلك كثير من الاختلاط والاضطراب، إذا لم نلاحظ هذه الأولية التي أصورها الآن. وفكرة الاستقلال من هذه الأفكار التي تغيرت قيمتها بحكم الأزمات العنيفة التي ألمت بالإنسانية منذ أول هذا القرن، وليس من شك في أن كلمة الاستقلال تدل الآن على معنى مخالف للمعنى الذي كانت تدل عليه قبل أن تثار الحرب العالمية الأولى.
    في ذلك الوقت، كانت كلمة الاستقلال تدل على الحرية الكاملة، أو التي تشبه أن تكون كاملة لأي أمة من الأمم في تقرير ما يعنيها من الأمور. في سياستها الداخلية والخارجية على اختلاف فروع هاتين السياستين. فبريطانيا العظمى مثلاً، كانت تستمتع بحرية كاملة في تدبير شؤونها كلها، سواء منها ما يمس حياتها في أرض الوطن البريطاني، وما يمس الصلة بينها وبين أجزاء الإمبراطورية البريطانية، وما يمس الصلة بينها وبين الدول الأخرى؛ قوية كانت هذه الدول أم ضعيفة.
    ولكن الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تتعاون مع حلفائها وأن تلائم بين سياستها الخارجية وسياسة هؤلاء الحلفاء، بل أن تلائم بين سياستها الداخلية وبين ما تقتضيه الحرب من الجهود، فكان ذلك تضييقاً لاستقلالها وحداً من حريتها في الاستمتاع بهذا الاستقلال. كانت بريطانيا العظمى بحكم استقلالها المطلق تستطيع أن توجه سياستها الخارجية أثناء الحرب توجيهاً يناقض اتجاه السياسة الفرنسية مثلاً، ولكنها لو فعلت لعرضت التحالف للخطر ولأضاعت على نفسها وعلى حلفائها ما كانوا يبتغون من النصر. وهي كذلك كانت تستطيع أن تنظم اقتصادها كما تشاء، معارضة في ذلك ما كان حلفاؤها يتخذون لأنفسهم من نظم اقتصادية، ولكنها لو فعلت لقصرت في الجهد الحربي ولأفسدت الأمر بينها وبين حلفائها، ولعرضت نفسها وعرضتهم للهزيمة والخذلان. فهي قد اضطرت إذن كما اضطر حلفاؤها إلى تنسيق الجهود التي تقتضيها الحرب، وإلى الاتفاق في التوجيه السياسي إلى وجهة واحدة وهي الاستكثار من الأصدقاء والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به على كسب الحرب.
    وإذا ذكرت تنسيق الجهود وذكرت التعاون والاتفاق على التوجيه السياسي، فقد ذكرت النزول عن شيء من الاستقلال قليل أو كثير. ولكن هذا النزول قد كان اختيارياً -إن صح هذا التعبير- أرادته بريطانيا العظمى لتكسب الحرب، وكانت تستطيع ألا تريده وأن تعرض نفسها للهزيمة، وكانت تستطيع ألا تريده وألا تشترك في الحرب أصلاً. ولكنها اشتركت في الحرب عن إرادة حرة، فاحتملت نتائج هذا الاشتراك عن إرادة حرة أيضاً، ونزلت عن بعض استقلالها راضية مختارة لم يكرهها على ذلك أحد، ولم يضطرها إليه شعب من الشعوب، فهي في حقيقة الأمر لم تنزل عن بعض استقلالها لأحد وإنما نزلت عنه للظروف والضرورات العامة التي يخضع لها الناس جميعاً.
    وانتهت الحرب العالمية الأولى واستردت الأمم المنتصرة كثيراً من استقلالها الذي نزلت عنه للظروف، ولكنها لم تسترده كله، وإنما ظلت مضحية بجزء منه في سبيل تنظيم السلم فلم يكن بد من التعاون على تنظيم السلم كما لم يكن بد من التعاون على كسب الحرب. وأيسر ما نلاحظه من النزول عن بعض الاستقلال بعد انتهاء الحرب استمرار التعاون على وضع معاهدات الصلح أولاً، فقد كانت لكل دولة من الدول المنتصرة مذاهبها في معاملة المنهزمين، ولكنها اضطرت إلى أن تلائم بين هذه المذاهب، وإلى أن تنزل كل دولة عن بعض آرائها حتى لا تضيع جهود الدول كلها، وحتى لا يصبح بعض المنتصرين لبعض عدواً، ثم النزول عن بعض الاستقلال الاقتصادي ثانياً. فليس في بلاد الأرض بلد يستطيع أن يستغني بموارده عن البلاد الأخرى، ولا سيما في أعقاب الحروب العنيفة. ثم النزول عن بعض السيادة ثالثاً بإنشاء عصبة الأمم التي كان عهدها يفرض على أعضائها أشياء تناقض السيادة الكاملة قليلاً أو كثيراً.
    وواضح جداً أن حياة أوربا، بل حياة العالم بعد الحرب العالمية الأولى، كانت صراعاً متصلاً بين استرجاع الاستقلال كاملاً موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه في سبيل المصلحة العالمية العليا. فأما أمريكا فلم تمض في هذا الصراع، وإنما رفضت ما أقره رئيسها ولسن، واستردت حريتها كاملة ولم تشترك في عصبة الأمم مع أنها هي التي اقترحتها.
    وأما الدول الأخرى المنتصرة فقد مضت في هذا الصراع على أن تسترد استقلالها شيئاً فشيئاً، وتتخذ العبث بعصبة الأمم وعهدها وسيلة إلى استرجاع هذا الاستقلال. وقد نشأ في ذلك من الاصطدام بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما يعرفه الناس جميعاً، وما قضى بأن تنسحب بعض الدول من عصبة الأمم مع أنها شاركت في تأسيسها. وليس نشوب الحرب العالمية الثانية إلا نتيجة لهذا الصراع العنيف المتصل بين الأثرة التي كانت تدفع الأمم إلى استرجاع استقلالها كاملاً موفوراً، والإيثار الذي كان يدعو الأمم إلى النزول عن بعض هذا الاستقلال رعايةً للسلم وتحقيقاً للمصالح الإنسانية العليا. وقد تغلبت الأثرة على الإيثار فانهارت السلم وانهارت معها عصبة الأمم، وشبت الحرب من جديد واضطرت الدول الكبرى إلى أن تعود إلى النزول عن كثير من استقلالها لتنسق جهودها مرة أخرى في سبيل كسب الحرب.
    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية وعاد المنتصرون إلى الصراع القديم بين استرجاع استقلالهم كاملاً موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه لتقوم السلم على أساس متين.
    فالذين يجتمعون في موسكو الآن قد يدرسون هذه المسألة أو تلك من المسائل الدقيقة التي تثير بينهم الخلاف، ولكنهم في حقيقة الأمر إنما يدورون حول مسألة واحدة هي مسألة الاستقلال. أيسترده كل منتصر كاملاً موفوراً فيدبر أمره وسياسته ونفوذه وصلاته الخارجية كما يريد، أم ينزل عن بعضه لتنسق الجهود في السلم كما كانت منسقة في الحرب؟!
    هذه هي المسألة التي يدور حولها اجتماع موسكو كما دار حولها اجتماع لندرة، وكما دارت حولها الاجتماعات الأخرى التي عقدت في الدار البيضاء وفي القاهرة وفي طهران وفي القرم وفي بوتسدام. والظريف أن العالم يشهد الآن منظرين لا يخلوان من طرافة: أحدهما منظر هذا الاجتماع الصغير الخطير الذي ينعقد الآن في موسكو، والآخر منظر هذا الاجتماع الكبير الذي يهيأ الآن لانعقاده في لندرة، وهو اجتماع الأمم المتحدة. فأما الاجتماع الصغير في موسكو فهو اجتماع عملي يواجه المسائل في صراحة بشعة مخيفة ليس فيها أثر للمثل الأعلى ولا للطموح إلى الكمال، وإنما هي المنافع تلتقي لتنظر أتستطيع أن تتفق أم هي مكرهة على الاختلاف. فهل تطلق يد روسيا السوفييتية في شرق أوروبا وجنوبها، وهل تطلق يد بريطانيا العظمى في غرب أوروبا، وكيف تنظم شؤون إيران وتركيا؟ وإلى أي حد تطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأقصى، وكيف يقام التوازن بين المنتصرين في الشرق الأدنى وفي الشرق الأوسط؟ أو أين يكون موقع الطاقة الذرية من هذا كله؟ هذه هي المسائل البشعة التي يدور حولها اجتماع موسكو في صراحة ما نظن أنها ترضى الأخلاق أو تلائم طموح الناس إلى الرقي والكمال. أما الاجتماع الكبير الآخر الذي يهيأ الآن لاجتماعه في لندرة فهو اجتماع مثالي -كما يقال- لن يذكر فيه إلا السلام الشامل والعدل الكامل والتعاون على نشر الحرية والمساواة، وعلى تأييد الحق والإنصاف. وكذلك ينظر العالم الآن إلى المنافع وهي تلتقي سراً في موسكو لتدبر أمرها على خفية من الناس، وإلى المثل العليا، وهي تريد أن تلتقي جهرة في لندرة لتسمع العالم ألواناً من العناء الذي يحسن وقعه في القلوب والنفوس.
    وفي هذا شيء من الرقي من غير شك، فليس الخير في حاجة إلى الاستخفاء، وهو من أجل ذلك حاول أن يعلن نفسه في سان فرانسيسكو ويحاول أن يعلن نفسه في لندرة، وأما الشر فهو الذي يستخفي ويجتهد في أن يستر نفسه عن العيون. وقد حاول أن يظهر في لندرة حين اجتمع وزراء الخارجية للدول الخمس فأنكره الناس وكرهوا منظره وضاقوا به وأشفقوا منه، فهو يستخفي الآن في أعماق الكرملين يبحث لنفسه عن زينة يخدع بها الناس عن أنفسهم.
    ولا يظن القارئ أني أعمد إلى الاستعارة والمجاز وتزيين القول، وإنما هو الحق الواقع أصوره كما هو، فاجتماع الأمم المتحدة ينعقد جهرة في سان فرانسيسكو ولندرة لأنه محاولة -قوية أو ضعيفة خصبة أو عقيمة موفقة أو مخفقة- لإقامة السلم وتحقيق التعاون والتقريب بين الشعوب. والاجتماع الخاص في موسكو إنما هو الاجتماع لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب وتنظيم النفوذ، على أن يكون هذا كله شيئاً يظهر أقله ويستخفي أكثره ويتخذ أساساً لمسلك المنتصرين في اجتماع الأمم المتحدة، والأمر كله يدور على فكرة الاستقلال هذه، أيستردها المنتصرون كاملةً موفورةً فيصبح بعضهم لبعض عدواً، أم يمضي المنتصرون في تنسيق الجهود وتنظيم التعاون والنزول عن بعض الاستقلال أثناء السلم كما نزلوا عن بعضه أثناء الحرب فيتاح لهم أكل الأمم المستضعفة في هدوء ورفق وفي غير حرب ولا صراع؟!
    أما فكرة الاستقلال بالقياس إلى الأمم الضعيفة، أو إلى الأمم المستضعفة، فأمرها شر من أمر الاستقلال بالقياس إلى الدول الكبرى المنتصرة. ولست أذكر الأمم المحررة، فإن قصتها مؤذية للنفوس حقاً. فهذه الأمم قد ضحت باستقلالها كله في سبيل النصر، ووعدت بأن يرد إليها هذا الاستقلال كاملاً موفوراً، وهو يرد إليها الآن قطرة قطرة، ويرد إليها بشرط أن تذعن لسلطان المنتصرين، وأن تشكل استقلالها كما يريدون هم، لا كما تريد هي. فإن لم تفعل، فستتعرض للجوع والبرد والشقاء والحرمان. وأما الأمم المستضعفة فاستقلالها فكاهة من الفكاهات، هي أعضاء تشترك في جماعة الأمم المتحدة، يقول ممثلوها ما يشاءون، ويستمتعون بالمساواة مع ممثلي الدول الكبرى. ولكن هذه الأمم يجب أن تخضع لهذا المنتصر أو ذاك، حسب موقعها من مناطق النفوذ، ويجب أن تخضع للمنتصرين جميعاً حين يتفق المنتصرون جميعاً، فإذا اختلفوا وجب عليها أن تنحاز لمن تقع في منطقة نفوذه.
    وكذلك توجد أمم مستقلة بمعنى جديد لم يكن معروفاً قبل هذا القرن، أو كان معروفاً في العصور القديمة أيام الرومان، ثم نسيته الإنسانية حيناً من الدهر، ثم عادت فتذكرته وأخذت في إحيائه الآن، وهو الاستقلال الذي يعتمد على الحلف بين القوي والضعيف. للقوي حقائق الأشياء، وللضعيف مظاهرها وأشكالها. وقد عرف التاريخ القديم دولاً في الشرق كانت لها مظاهر الاستقلال السياسي كاملة، وكانت حليفة لروما، وكانت كلمة الحلف توشك أن تدل على ما كانت تدل عليه كلمة الحماية منذ حين. فهذا النوع من الاستقلال القديم الجديد هو الذي أخذ ينتشر في الشرق منذ الحرب العالمية الأولى، ويظهر أن الإنسانية أحبته وكلفت به فهو يريد أن ينتشر في أوربا أيضاً، فاليونان مستقلة الآن، ولكن البريطانيين يقضون في شؤونها الداخلية كما يشاءون. فإن لم يتح لهم ذلك فقد كانت هناك مدافع ودبابات تردهم إلى الصواب في العام الماضي، وما زالت هناك أموال ترد اقتصادهم إلى الاستقلال إن عقلوا وتدفعهم إلى الهوة إن آثروا الجنون. ورومانيا مستقلة وبلغاريا مستقلة أيضاً، ولكن بشرط أن يستظل هذا الاستقلال بظل من روسيا، وإلا فإن مستقبل رومانيا وبلغاريا معرض لخطر شديد. والمهم هو أن كلمة الاستقلال قد أصبحت الآن من هذه الكلمات المرنة التي يمكن أن تمتد حتى تدل على كل شيء، وأن تنقبض حتى لا تدل على شيء، يمكن أن تمتد فتدل على استقلال دول الشرق الأدنى ودول البلقان وإيران أيضاً وتونس ومراكش إن شئت، فإن لهذه الدول كلها مظاهر الاستقلال على نحو من الأنحاء، ويمكن أن تنقبض حتى لا تدل على شيء وحتى يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى نفسها ليست مستقلة. إنها في حاجة إلى الولايات المتحدة لتجد ما تنفق من المال، وفي حاجة إلى هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض لتجد ما تأكل من الطعام، وفي حاجة إلى هذه السوق أو تلك لتبيع ما تنتج من المصنوعات، وهي محتاجة إلى رضا حلفائها وموافقتهم لتبسط نفوذها هنا أو هناك.
    كلمة الاستقلال إذن قد فقدت قيمتها القديمة وأصبح من الحق على الشعوب التي تريد أن تكون حرة تدبر أمورها كما تريد لا كما يريد غيرها، وكما تقتضي مصالحها لا مصالح غيرها. أصبح من الحق على هذه الشعوب أن تعبر عن هذا الذي تطمح إليه بلفظ آخر أقل مرونة من لفظ الاستقلال. ولست أدري ما هو ولعل مجمع فؤاد الأول للغة العربية أن يجد لنا هذا اللفظ الجديد أو القديم.
    طه حسين
    مسامرات الجيب، ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٤٥.

  • الضمائر القلقة

    الضمائر القلقة
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    يظهر أن في الضمير المصري شيئًا من قلق يحتاج أن يعنى به الذين يهمهم أن يكون الضمير المصري راضيًا مطمئنًا وآمنًا مستريحًا فقلق الضمير مصدر شر كثير أيسره فتور العزم، وكلال الحد والتردد بين الإقدام والإحجام حين تقتضي ظروف الحياة أن نختار بين الإقدام والإحجام. ويكفي أن نلاحظ الفرد ذا الضمير القلق والنفس المضطربة لنعلم أنه لا يصلح لشيء حتى يرد إلى ضميره الاستقرار وإلى نفسه الاطمئنان فكيف إذا كان هذا القلق شائعًا وهذا الاضطراب شاملًا، وكيف إذا أحس الشعب أنه لا يستطيع أن يثق بشيء ولا أن يركن إلى شيء ولا أن يقدم عن بصيرة ولا أن يحجم عن روية، ولا أن يحكم على الأشياء والأحياء حكمًا يصدر عن التدبر والتفكير.
    ما أحب أن أطيل في المقترحات ولا أن أسلك إلى ما أريد طريقًا ملتوية، وإنما ألاحظ أن شيئًا من الريب قد شمل الناس جميعًا، فليس من كلمة تقال إلا اعتقد الناس أن لها ظاهرًا وباطنًا وأن لها معنى قريبًا يتخذ وسيلة إلى معنى بعيد، وغاية يسيرة تخفي وراءها غاية عسيرة، وليس من عمل يقدم عليه مقدم إلا وله غرض يقصد إليه في العلانية وغرض آخر يقصد إليه في السر الخفي، وإذن فقد عجز الناس عن أن يصدق بعضهم بعضًا أو أن يأمن بعضهم إلى بعض فضاعت بينهم الثقة وشق عليهم التضامن واضطروا إلى حياة منكرة فيها كثير من الشك وكثير من الخوف وكثير من سوء الظن الذي أوشك أن يصبح أصلًا من أصول الحياة، وقاعدة من قواعد التعامل بين الناس.
    وإذا بلغ الشعب هذه المنزلة من القلق كان خليقًا أن يتعرض لشر عظيم وكان حقًا على الذين يدبرون أمره ويقودون الرأي فيه أن يطبوا لهذا الداء ما وجدوا إلى الطب سبيلًا. وقد أردت حين هممت بهذا الحديث أن أقصد إلى شيء من الفكاهة والدعابة ولكن وجدت الأمر أجل خطرًا من الفكاهة والدعابة فقصدت به إلى هذا الجد المر الذي قد يضيق به الكتاب والقراء في هذه الأيام.
    لم أكد أنشر في البلاغ الحديث الأول من هذه الأحاديث حتى أحسست حولي سؤالًا يلقيه بعض الناس إلى بعض، ويجيب بعضهم بعضًا بما يخطر له ثم يتجه إلى السؤال فأعرض عنه، ثم يتجه إليّ في إلحاح فألح في الإعراض، وأقول لنفسي حديث نشر بعد أن طال الصمت وبعد أن كنت منصرفًا إلى بعض الأعمال الهامة، فصرفت عنه فليس من الغريب أن يذهب الناس فيه المذاهب، وأن يلتمسوا له ألوان التأويل، وأن يتخذوا منه ثوبًا يفصلونه على قد هذا أو ذاك من الذين ينهضون بالأعمال العامة، أو يشاركون فيها. ولكني لم أنشر الحديث الثاني حتى ازداد السؤال انتشارًا وازداد السائلون إلحاحًا، وجعل الأصدقاء وذوو المعرفة يعرضون لي حين يلقونني بما فهموا أو بما خيل إليهم أنهم فهموا.
    ثم أمضي في الكتابة ويمضي الناس في التساؤل ثم لا يقف الأمر عند التساؤل والإلحاح فيه وإنما يختلف الناس فيما بينهم ويغلون في الاختلاف ويريد بعضهم أن يحتكم إليّ، ويجد عندي حلًا لهذه الرموز وتوضيحًا لهذه الألغاز، ويتصل بعضهم بي يسألني أن أريحه من هذا التعب الذي اضطررته إليه. ويتجاوز بعضهم هذا كله فيكتب إليّ الرسائل ينبئني فيها بما يعلم من حياة فلان وفلان ومن خصال فلان وفلان ومما يظهر فلان للناس ويخفي عليهم، ويطلب إليّ أن أصدر هذا في حديث من هذه الأحاديث التي تنشر في البلاغ.
    ثم ألاحظ أن الأمر ليس مقصورًا عليّ ولا على هذه الأحاديث التي أذيعها ولكنه يتجاوزني ويتجاوز أحاديثي إلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تنشر في الصحف اليومية والأسبوعية، وإلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تجرى على ألسنتهم حين يلقى بعضهم بعضًا. فقد كتب فلان هذه الأسطر في هذه الصحيفة أو تلك وهو قد أراد بها إلى هذا الغرض أو ذاك، وأراد بها إلى أن يمس فلانًا من قريب أو بعيد، ولمح بها إلى موقف فلان في السياسة أو موقف فلان في الإدارة. أو موقف فلان في البيع والشراء. حتى استيقن الناس جميعًا أنهم لا يتبادلون الحديث بينهم إلا رمزًا. وأن الصراحة والوضوح والجلاء كل هذه أمور قد بعد العهد بها حتى نسيت أو كادت تنسى.
    وليس موقف الناس مما ينشر أو يقال بأقل تحفظًا واحتياطًا من موقفهم إزاء ما يأتيه الساسة من الأعمال أو ما يكون بينهم من التزاور والتواصل. أو ما يكون بينهم من التنافر والتقاطع. ومن المحقق أن الأمر ليس مقصورًا على رجال السياسة وأشباههم من الذين ينهضون بالأعمال العامة. ولكنه يتناول ما يكون بينهم من صلات في حياتهم الخاصة.
    فالزملاء في ديوان من الدواوين أو معهد من معاهد التعليم يشك بعضهم في بعض. ويسيء بعضهم الظن ببعض ويحتاط بعضهم من بعض. قد تعقدت منافعهم. وارتبكت مصالحهم وقرب الرؤساء بعضهم وأبعدوا بعضهم الآخر، فساء ظن أولئك بهؤلاء، واحتاط هؤلاء من أولئك وارتاب الرئيس بهم جميعًا وجرت أحاديثهم حين يتحدثون على الشك والخوف، وجرت صلاتهم حين يتواصلون على الحيطة والتحفظ وأصبحت حياتهم شيئًا لا يطاق.
    ولست أدري – بل لعلي أدري – ولعل كثيرًا من الناس يدرون ما مصدر هذا القلق، وما أصل هذا الريب. فقد دفعتنا هذه الأعوام المتصلة إلى ألوان من الحياة لم نكن نألفها ولا نطمئن إليها وأولها وأظهرها هذه الأحكام العرفية التي اقتضتها الحرب والتي استتبعت مراقبة الصحف والتي ألقت في روع الناس جميعًا أن أمورهم لا تجرى على ما تعودت أن تجرى عليه قبل أن تعلن الأحكام العرفية وقبل أن تفرض الرقابة على الألسنة والأقلام. ومما لا شك فيه أن الأحكام العرفية لم تشمل حياتنا كلها، ولعلها لم تشمل إلا أقلها ولكن الناس قد فرضوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنها قد شملت كل شيء. ومما لا شك فيه أيضًا أن مراقبة الصحف إن اشتدت على الأنباء الخارجية والداخلية فإنها لم تكف الأدباء من أمرهم شططًا حين أرادوا أن يعرضوا للأدب الخالص أو حين أرادوا أن يمسوا الأمور العامة مسًا رقيقًا، فمن حق الصحف أن تضيق بالرقابة ومن حق الناس جميعًا أن يضيقوا بها وبالأحكام العرفية ولاسيما حين يتصل الخضوع لها والاكتواء بنارها. ولكن على كل حال لا تكفي لتشيع هذا القلق بين الناس وتملأ نفوسهم شكًا وريبًا وتجعل سوء الظن أصلًا من أصول الحياة. غير أن الناس لم يخضعوا منذ أعلنت الحرب للأحكام العرفية والرقابة وحدها وإنما خضعوا لأشياء أخرى لعلها أن تكون أبعد من ذلك أثرًا في إشاعة القلق والريب، خضعوا لحياة الحرب نفسها وما تفرضه من الغموض في أنباء الحرب والسياسة، وما تقتضيه من هذه الأحاديث المتناقضة التي يكذب بعضها بعضًا والتي تذاع في الراديو كل يوم، وما تقتضيه من هذه الإشارات الغامضة التي تنشر في الصحف والمجلات حتى تعود الناس أن يسمعوا النبأ فلا يصدقوه أو أن يسمعوا النبأ فيستنبطوا منه غير ظاهره وربما استنبطوا منه نقيضه وحتى يتعلم الناس أن يقرأوا بين السطور وأن يسمعوا بين السطور إن أمكن أن يسمع الناس بين السطور.
    فاتصال هذه الحال التي تخلط بين الصدق والكذب وتغلب الكذب على الصدق أحيانًا وتذيع المتناقضات في غير انقطاع خليق أن يدفع النفوس إلى الريب ويعدها لسوء الظن. ثم خضع الناس بعد ذلك أو مع ذلك في حياتهم العامة والخاصة لخطوب ثقال. فأهوال الحرب من جهة ومصاعب الحياة الاقتصادية من جهة أخرى والتغييرات السياسية من جهة ثالثة والبؤس والحرمان اللذان ينتهيان إلى الجوع والشقاء في بعض الطبقات من كل جهة رابعة. كل ذلك خليق أن يعقد منافع الناس أشد التعقيد وأن يقوي الأثرة في نفوس الأفراد والجماعات وأن يضطر كل واحد من أفرادهم وكل جماعة من جماعاتهم إلى الاحتياط للنفس والاستكثار من الخير والاستعداد للمستقبل والتحفظ من الطوارئ والتخلص من المشكلات والنفوذ من الخطوب. فليس غريبًا أن يدفع هذا كله الناس إلى حياة لا تقوم على أمن الضمائر واطمئنان القلوب ولا تقوم على الثقة والصراحة وإنما تقوم على القلق والخوف وتقوم على الشك والحذر ولعلها أن تقوم على الكذب وعلى أخلاق أخرى تتصل بالكذب من قريب أو بعيد.
    فإذا أضفت إلى هذا كله حياتنا السياسية الخاصة وما يشوبها من هذا العنف الذي يدفع إلى التكلف ويسوق إلى سوء الظن ويحمل على المبالغة والتكثر ويغري بخلق الإشاعات وإذاعة المنكر من القول ويحرص على تشويه الحسن وتحسين القبيح. وإذا أضفت إلى هذا وذاك أن المثقف المصري محدود الثقافة متوسط العلم في أكثر الأحيان وأنه من أجل ذلك مستعد للتصديق والتكذيب في غير مقاومة أو في مقاومة ضئيلة. أقول إذا أضفت بعض هذا كله إلى بعض استطعت أن تحقق أسباب هذا القلق الذي يشمل الضمير المصري في هذه الأيام ويوشك أن يدفعه إلى خطر عظيم.
    والشيء المحقق هو أن هذا التساؤل الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث إن دل على شيء، فإنما يدل على ظاهرة مؤلمة حقًا وهي أن رأي الناس قد ساء في الناس. فلا تكاد تذكر رجلًا حائر الضمير حتى يحس كثير من الناس أنه المعنى بهذا الضمير الحائر ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن ضميره مضطرب في شيء من الحيرة. وحتى يسأل الناس بعضهم بعضًا ألا يمكن أن يكون صاحب الضمير الحائر فلانًا أو فلانًا لأنهم يعتقدون أن فلانًا أو فلانًا يمكن أن يكونا من أصحاب الضمائر الحائرة. ولا تكاد تعرض صورة الرجل الذي يشبه الثعبان أو يشبه الثعلب أو يشبه ما شاء الله من هذا الحيوان المقيم في حديقة الحيوان حتى يحس كثير من الناس أنه هو المعنى بهذه الصورة، المراد بهذا الاسم، ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن في أخلاقه وخصاله شيئًا من أخلاق الثعبان أو من أخلاق الثعلب أو من أخلاق ما شاء الله من الحيوان، وحتى يخلع القراء من عند أنفسهم هذه الصورة أو تلك على هذا الرجل أو ذاك لأنهم يرون في أخلاقه شيئًا من أخلاق الثعلب أو الثعبان.
    ومن العسير أن نقنع القراء بأن الكاتب إن عرض صورة بعينها فهو لم يرد شخصًا بعينه ولعله يكون قد كون صورته هذه من أشخاص كثيرين يأخذ من أخلاق كل واحد منهم طرفًا ثم يضيف هذه الأطراف بعضها إلى بعض فينشئ منها صورة قد تعجب أو لا تعجب. ولكنها لا تخلو من عبرة وموعظة ولعلها أن تحمل الناس على أن يصلحوا من أمورهم ويخفوا من شرورهم فمن وجد في نفسه شيئًا من أخلاق الثعبان أصلحه وأخفاه فكف شره عن الناس قليلًا أو كثيرًا وكف شر الناس عنه قليلًا أو كثيرًا. وقل مثل ذلك فيمن يجد في نفسه شيئًا من خصال الثعلب أو من خصال العقرب. أو من خصال الذباب.
    والله قد خلق الأشياء كلها لتكون موضعًا للعظة ومصدرًا للعبرة ووسيلة إلى استكشاف الحق والخير والجمال. والله عز وجل قد خلق الإنسان وعلمه البيان ليكشف الحق والخير والجمال ويدل عليها وليستكشف الباطل والشر والقبح ويرغب عنها. فليكتب الكتاب وليقرأ القراء وليسأل السائلون وليجب المجيبون فليس بشيء من هذا كله بأس وإنما البأس الذي يجب أن نعاون جميعًا على علاجه واستئصاله هو هذا القلق الذي شمل الضمير المصري والذي يوشك أن يدفعه إلى أكثر من السؤال والجواب.
    طه حسين
    البلاغ، ٤ فبراير ١٩٤٥.