في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران | At the University Union: Between Haykal and Mutran

في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢١ إبريل ١٩٢٨

أراد اتحاد الجامعة المصرية أن يستعير من أمثاله في الجامعات الإنجليزية عادة يظهر أنها مألوفة هناك، وأن لها أثرًا غير قليل في تقويم ألسنة الطلاب وتعويدهم الخطابة والبراعة فيها، فأقام منذ أسابيع حفلة كانت فيها مناظرة باللغة الإنجليزية في موضوع غريب هو: الغرض من الجامعة؛ أهو كسب الحياة أم العلم الخالص؟

وأقام في هذا الأسبوع حفلة أخرى كانت فيها مناظرة في موضوع ليس أقل غرابة من الموضوع السابق، وهو أن الأدب العربي قديمه وحديثه كافٍ أو غير كافٍ لتكوين الأديب؟ والعادة المألوفة في الجامعة الإنجليزية أن يشترك المستمعون في المناظرة، وينحاز فريق منهم إلى «صاحب الرأي» كما يسمونه، وفريق آخر إلى المعارض، حتى إذا استوفيت المناظرة أخذت فيها الأصوات.

وقد أحكم تقليد الاتحاد المصري ما يقع في الجامعات الإنجليزية، فبسط صاحب الرأي رأيه، ونقضه عليه المعارض، واشترك المستمعون، فانحاز فريق منهم لهذا، وفريق منهم لذاك، ثم أقفلت «المناقشة»، كما يقولون، وأُخذت الأصوات، فكانت نتيجة الاقتراع منذ أسابيع أن الغرض من الجامعة كسب الحياة، وانهزم القائلون بأن الغرض من الجامعة إنما هو العلم الخالص.

وكانت نتيجة الاقتراع في هذا الأسبوع أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، وانهزم القائلون بأن الأدب العربي في حاجة ماسة إلى الآداب الأجنبية ليتاح له تكوين الأديب حقًّا.

وليس في هذه المناظرات ولا فيما تنتهي إليه من النتائج شيء من العجب أو الغرابة، فهي في نفسها ضروب من العبث البريء الذي يقصد به إلى التمرين والتدريب، دون أن يقصد به إلى إثبات حقيقة من الحقائق، هو لون من ألوان التمثيل، وضرب من ضروب اللعب اللساني لا أكثر ولا أقل.

وليس يفكر المدبرون لهذه المناظرات في إثبات حقيقة من الحقائق الأدبية أو العلمية بهذه الفنون من الجدال الناقص أمام هذا الجمهور المختلف التكوين، وبأخذ الأصوات في مسائل العلم والأدب كما تؤخذ الأصوات في الأمور السياسية والإدارية.

لذلك أقبلنا على هذه المناظرات مبتسمين كما نقبل على ما يلعب في الملاعب مبتسمين، وأخذنا بحظنا من هذه اللذة البريئة التي يجدها من يستمع لخطيب مجيد، ومناظر بارع، ولكن فريقًا من الناس منهم المصري ومنهم الأجنبي، منهم الناشئ ومنهم من تم تكوينه العقلي، نظروا إلى هذه الفكاهة على أنها جد من الأمر، وأشفقوا من نتائجها في شيء من الجزع والهلع.

وليس هناك بأس من أن أذكر أني لقيت بعض زملائنا من جلة الأساتذة في الجامعة من غير الإنجليز، فإذا هم مشفقون الإشفاق كله؛ لأنهم عرفوا أن جمهور المستمعين قد أُعلِن أن الغرض من الجامعة كسب الحياة لا العلم الخالص، أشفق هؤلاء الأساتذة وخافوا على عقل الشباب المصري أن تفسده المنفعة، وأن يكون عمليًّا أكثر مما ينبغي، وأن يُضحَّى بالعلم الخالص في سبيل الراحة وترف الحياة.

ولقيت غير قليل من الجهد في إقناعهم بأن هذا الأمر في نفسه يسير، وأنه لا يعدو أن يكون فكاهة وفنًّا من فنون اللعب؛ ذلك أن هذا اللون من ألوان الجدال ليس مألوفًا في البلاد اللاتينية كما هو مألوف عند الإنجليز، والأستاذ اللاتيني صاحب جد لا دعابة فيه، وربما أسرف في هذا الجد إسرافًا شديدًا، وكذلك كانت الحال حين صَوَّت المستمعون في هذا الأسبوع فأعلنت كثرتهم أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، جزع لهذه النتيجة فريق من الناس وأشفقوا على الشباب المصري من هذا الإسراف في الغرور بما عندهم، ومن هذا الفهم السيئ لمعنى القومية، ومن هذا الخطأ في تصور العواطف الوطنية والخضوع لسلطانها في غير تبصر ولا روية.

وقال هؤلاء الجزعون: إن هذه النتيجة تدل على ميل سيئ في الشباب إلى الاكتفاء بما عنده على غير بصر به، ولا فقه له، وعلى غير طموح إلى الكمال، وعلى غير تقدير صحيح لحقائق الأشياء، وإن الواجب على الأساتذة تقويم هذا الميل، وتثقيف هذا العوج، وتعويد الشباب أن يفهم الأشياء كما هي، وأن يتخذ لنفسه مثلًا أعلى يلائم حاجته إلى الحياة الراقية رُقِيًّا مُطَّرِدًا.

ولقيت مع هؤلاء مثل ما لقيت مع أولئك من الجهد لأقنعهم بأن هذا الأمر لم يتجاوز أن يكون سجالًا كلاميًّا، وسباقًا خطابيًّا، وأن هذه النتيجة لا تتجاوز أن تكون إعلانًا لرضا الكثرة عن خطابة فريق من الفريقين؛ ذلك لأن أشد الناس نصرًا للاكتفاء بالأدب العربي وتأييدًا لأنه كافٍ وحده لتكوين الأديب، هم في حقيقة الأمر من أشد الناس اقتناعًا بأن أدبًا من الآداب — مهما يكن — لا يستطيع أن يكتفي بنفسه ويستغني عن غيره من الآداب، وهم في حياتهم الأدبية يمثلون هذا الرأي أصدق تمثيل.

بل لقد كنت مع الأستاذ مطران قبيل هذه المناظرة بدقائق، فكان ضيق الصدر بموقفه؛ لأن هذا الموقف لا يلائم رأيه، وهو إنما قبله ليجيب دعوة الاتحاد إلى ما أحب من تمرين الطلاب وتعويدهم حُسن الخطابة والبراعة فيها. وكنت أقول له ونحن في طريقنا إلى قاعة المحاضرات: إنه في موقفه هذا أشبه الناس بالمحامي الذي تندبه المحكمة ليدافع عن متهم نكل المحامون جميعًا عن الدفاع عنه.

ولكن الأستاذ مطران كان خطيبًا هادئًا لبقًا ماهرًا عرف كيف يعبث بعقل السامعين، وأحسبه عبث بالحقيقة نفسها أيضًا ليؤدي هذا الواجب، واجب الدفاع عن متهم لا محامي له، فوُفِّق إلى ما أراده من استهواء الجمهور، ولست أجد في هذا شيئًا من الغرابة كما قدمت، ولا يجد فيه الأستاذ مطران نفسه شيئًا من الغرابة أيضًا، فقد كان الأمر كله كما قدمت لعبًا، ولكن هناك أشياء يجب أن يحدد فيها الموقف، ولا سيما بالقياس إلى هؤلاء الذين يأخذون هذا الأمر على أنه جد من الأمر لا عبث ولا فكاهة فيه.

وهناك شيء أحب أن أناقش فيه شاعر القطرين في دعة وهدوء، وهو احتجاجه لمذهبه المستعار بالقرآن الكريم؛ فهذه الحجة وحدها هي التي كسبت للأستاذ مطران كثرته التي انتصر بها على خصمه هيكل، ومن غريب الأمر أن هذه الحجة تقوم لهيكل على مطران، وهي دليل ناصع على أن الأدب العربي وحده لم يكن يكفي لتكوين الأديب حين نزل القرآن، والقرآن لم يشتمل على ما ألف العرب من أدب قبل عصر النبوة، وإنما كان آية التجديد، وكان الحجة القائمة على أن الأدب العربي في ذلك الوقت كان قاصرًا عن تكوين الأديب.

ومن وجوه الإعجاز التي يتحدى القرآن بها معارضيه من العرب أن فيه أشياء لم يكن العرب يعلمونها، ولم يكونوا ليصلوا إليها لولا الوحي، وكثير من هذه الأشياء كان عند الأمم الأخرى؛ فالقصص التي تتصل ببني إسرائيل مثلًا كان معروفًا لبني إسرائيل في التوراة أو في غير التوراة من الكتب المقدسة، فهو إذن بالنسبة للعرب أدب غير عربي عرَّبه القرآن حين أوحى الله به في لغة عربية، وقد امتن الله على النبي وعلى العرب بهذا القصص، كما امتن الله عليهم بغير القصص من هذه الفنون العجيبة التي لم يكونوا يعرفونها، ولم يكونوا ليعرفوها لولا أن أوحى بها الله في كتاب عربي مبين.

فأنت ترى أن القرآن حجة لهيكل لا عليه، سيقولون: كان الأدب العربي ناقصًا حتى نزل القرآن فكمل، وأصبح بعد نزوله كافيًا وحده لتكوين الأديب. وليس عندي ما يمنع من قبول هذا الرأي لولا أنه ينتهي إلى نتائج ذات خطر شديد، أولى هذه النتائج هي أن المسلمين جميعًا قد خرجوا على القرآن حين اعتزوا بالآداب الأجنبية، سواء منها الفارسي واليوناني والهندي والقبطي، وما شئت من الآداب التي ترجمت للمسلمين منذ انتصف القرن الأول للهجرة.

ولكن المسلمين لم يخرجوا على القرآن حين اعتزوا بهذه الآداب، وكان اعتزازهم بهذه الآداب الأجنبية دليلًا ناصعًا على أنهم يؤمنون بأن الأدب العربي لم يكن يكفي لتكوين الأديب العربي، وأخرى يؤخذ بها مطران — لولا أن مطران كان مازحًا — وهي اعتزازه بالجاحظ وابن المقفع وغيرهما من الأدباء الذين أغنوا الأدب العربي ورفعوا شأنه؛ فهؤلاء الأدباء لم يغنوا الأدب العربي إلا لأنهم استمدوا من الآداب الأجنبية، فعرَّبوها وأضافوها إلى الثروة الأدبية العربية، وكانوا مقتنعين بأن الأدب العربي لا يكفي لتكوين الأديب، فكانوا يضيفون إليه من آداب الأمم الأجنبية ما يُمكِّنه من تكوين الأديب.

والأمر الآن كالأمر في أيام الجاحظ وابن المقفع؛ فنحن نعتز بأدبائنا القدماء والمحدثين، ونحب أدبنا القديم والحديث، ونريد أن يكون هذا الأدب كافيًا لتكوين الأديب، ومن أجل ذلك نكمله ونحثُّ على تنميته ونُضخِّم ثروته، وسبيلنا إلى ذلك أن نصل بينه وبين الأدب الأجنبي.

ونحن مؤمنون بأن أدبنا العربي — قديمه وحديثه — لو لم يتصل بالأدب الأجنبي لمات وعجز عن الحركة والنفع. وقد رأيت أن الأدب القديم إنما غني وأثرَى حين استمد من الآداب القديمة الأجنبية، والأدب الحديث كيف يُثري حين يستمد من الآداب الأجنبية الحديثة أو القديمة، فمَن هيكل ومَن العقاد لولا أنهما — على إتقانهما للأدب القديم — قد اتصلا بالأدب الأجنبي فانتفعا به وتأثرا به فيما يصدر عنهما من أدب عربي حديث؟

حتى الذين يجهلون اللغات الأجنبية ولا يتصلون بالآداب الأجنبية اتصالًا مباشرًا لا يستطيعون أن ينتجوا إلا بمقدار ما يتأثرون بالأدب الأجنبي تأثرًا غير مباشر، فالمنفلوطي كسب شخصيته من هذه الكتب التي كانت تترجم له فيسبغ عليها الأسلوب العربي، وأشد أدبائنا الآن جمودًا ونفورًا من التجديد، وإغراقًا في حب القديم، متأثرٌ رغم أنفه بالآداب الأجنبية؛ لأنه يقرأ ما يترجم المترجمون، وما يكتب هيكل والعقاد، وما تنشر الصحف، وهو متأثر بهذا كله، وهو مضطر إلى أن يجاري هذا كله فيما يصدر من أثر أدبي.

فموقف مطران وأصحابه موقف «مستحيل»، كما يقول الفرنسيون، لا سبيل إلى الدفاع عنه إلا أن يكون هذا فنًّا من اللعب والمجون، كما كان الأمر في مناظرة اتحاد الجامعة.

فإذا كان من الناس من تصل به السذاجة إلى أن يتوهم أن الأمر كان جدًّا يوم الأربعاء؛ فليُغيِّر رأيه، وليعلم أن حقيقة الأمر لم تتجاوز العبث، وأن المسائل الأدبية والعلمية لا يحكم فيها بأخذ الأصوات، وأن الاستقلال الأدبي كالاستقلال العلمي والاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، ليس معناه العزلة وأن تكتفي بما عندك اكتفاء تامًّا، وإنما معناه أن تكون لك شخصية قوية تُمكِّنك من أن تفيد وتستفيد، أو تُمكِّنك من تبادُل المنافع كما يقول الاقتصاديون.

وليس مثلنا الأعلى في الأدب ألا نحتاج إلى الآداب الأجنبية، فهذا موت نعتصم منه بالله، وإنما مثلنا الأعلى في الأدب أن يستطيع أدبنا العربي أن يمد الآداب الأجنبية في يوم من الأيام كما يستمد منها، أي أن يكون أدبنا العربي من القوة والثروة بحيث يستطيع أن يُعطي كما يأخذ، لا أن يأخذ في غير إعطاء.

Share:

Comments

Leave a Reply