Tag: الأدب العربي

  • رسالة القصة في الوحدة العربية للثورة أثرها في تطوير القصة | Fiction’s Place in Arab Unity: The Revolution’s Effect on the Development of Fiction

    رسالة القصة في الوحدة العربية: للثورة أثرها في تطوير القصة

    طه حسين

    مجلة الهلال

    مايو ١٩٥٨

    لا شك أنني راضٍ عن القصة العربية بشرط أن تكون دائمًا باللغة الفصحى؛ حتى لا نحاول أن نترجمها إذا أردنا نقلها إلى البلاد العربية الأخرى التي بدأنا نتوحد معها، ونتداخل وإياها في كل شيء.

    أما واجب الأديب المصري أو العربي بالمفهوم والمنطوق الجديد؛ فهو أنه إن استطاع طاف في الأرض بجسمه وعقله وذوقه، فإن لم تواته الفرصة فلا أقل من أن يقرأ إنتاج أكبر عدد ممكن من الشعوب.

    وأما واجب الحكومات، فهو أن تفتح لأبنائها أبواب الثقافة ونوافذها على مصاريعها، وأن لا تسمح بأن تحتكرها لغة أو لغتان. ويكفي أن أقول: إني لقيت ذات يوم مستشرقًا إنجليزيًّا فسألته: كم يجيد من اللغات؟ فقال في تواضع: إنه يقرأ ستَّ عشرةَ لُغةً، ويُحسِن التكلُّم بالإنجليزية بعض الشيء.

    وإذن فأول واجبات الحكومات أن تبذل كل جهد لتنظيم العلاقات الثقافية، ليس بينها وبين شقيقاتها العربية فحسب، ولكن بينها وبين كل البلاد، وعلى الأقل البلاد الشرقية في آسيا وأفريقيا.

    ومما لا شك فيه أنه كان للثورة أثر كبير في تطوير القصة تطويرًا جديدًا يربطها بالأهداف العربية التي نتجه إليها جميعًا بأفئدتنا وقلوبنا، مُتعجِّلين الخطوات العزيزة التي تتأكد بها وحدة العالم العربي كله قاصيه ودانيه.

  • أدب الثورة وثورة الأدب | The Literature of Revolution, and the Revolution in Literature

    أدب الثورة وثورة الأدب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ أكتوبر ١٩٥٤

    لم تكد ثورتنا تشب وتملأ أحداثها وظواهرها قلوب الناس وعقولهم في مصر، وفيما حولها من البلاد العربية، حتى أخذ فريق من الكُتَّاب يتساءلون في إلحاح: «أين أدب الثورة؟»
    ثم لم تكد الثورة تبلغ من عمرها أشهرًا قصارًا، حتى أخذ هؤلاء الكُتَّاب يُظهِرون اليأس وخيبة الأمل؛ لأن أدب الثورة لم يستجب لهم حين دعوه، ولم يهبط عليهم من السماء كما يهبط الغيث، ولم تتفجر عنه ينابيع الأرض كما تتفجر عن الماء والبترول.
    ثم لم يلبثوا أن قرروا فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين قرائهم، أنَّ الأدب المصري قد أخفق؛ لأنه لم يردد أصداء الثورة، ولم يصور حقائقها، ولم يلائم ما تتصل به نفوس الناس وقلوبهم من هذه العواطف والخواطر التي أثارتها الأحداث، ولا سيما بعد أن أُخرِج فاروق من مصر، وبعد أن أُزِيلَتْ أُسرتُه كلها، وصار الأمر كله إلى المصريين يدبِّرونه بأنفسهم، لا يتنزل عليهم وحي من العرش ولا من سلطان المحتلين.
    وما أكثر ما كانوا يقولون — وما أكثر ما يقولون الآن أيضًا — أنَّ الأدب المصري يعيش في وادٍ على حين يعيش المصريون في وادٍ آخر!
    وكذلك تقرر في نفوس كثير من الناس أنَّ أدبنا المعاصر مقصِّر أشد التقصير، مخفق أعظم الإخفاق؛ لأنه لم يحس بما تجيش به الصدور، ولم يصبح مرآة للحياة التي يحياها الناس. ونشأ عن هذا الحكم الخاطف أنَّ فريقًا من الناس استيأس من الأدب المعاصر، وكاد يستيئس من الأدب كله، وأعرض عن قراءة الأدب، وانصرف إلى قراءة الصحف يَجِد فيها ما يُعِينه على قطع الوقت وتجديد النشاط، ويَجِد فيها كذلك أصداء ما يملأ حياة الناس من الأحداث.
    وأقبل فريق من الكُتَّاب على إنشاء أدب يلائم ما يطلبه هؤلاء السادة من تصوير الثورة وحقائقها، وابتهاج الناس بما ظهر من نتائجها … وترقب الناس لما لم يظهر بعد من هذه النتائج، فأخرجوا لنا أدبًا يحسبونه أدب ثورة، وليس هو من أدب الثورة في شيء، وإنما هو كغيره من الأدب الذي أُنشِئ قبل أن تشب الثورة بالأوقات الطوال والقصار.
    ومصدر هذا الحكم بإخفاق الأدب وخيبة الأمل فيه، إنما هو هذا الخطف الذي نبَّهتُ إليه غير مرة في هذه الأحاديث، والذي يأتي من القصور عن تعمق الأشياء، وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ووضع الأشياء في مواضعها.
    فليس من فقه الحياة في شيء أن ينجم الأدب فجاءة من الأرض أو ينصبَّ فجاءة من السماء؛ لأن الثورة شبت في الثالث والعشرين من شهر يوليو سنة ١٩٥٢م، وإنما نشوة الأدب وتطوره من هذه الظواهر البطيئة التي لا تستجيب للناس حتى يتعجلوها ولا تستأخر عن آبائها، وإن تمنى الناس عليها الأناة والإبطاء.
    وأكاد أعتقد أنَّ القدماء من مؤرخي أدبنا العربي كانوا أفقه بالحياة وأحسن لها فهمًا وتقديرًا من هؤلاء المعاصرين، الذين يخطفون أحكامهم خطفًا، ويظنون أنَّ ظواهر الحياة خاضعة لسلطانهم؛ يدعونها فتستجيب، ويهملونها فتنتظر، ويرجئونها فترجئ نفسها.
    فنحن نقرأ في بعض الكتب العربية، التي حاول أصحابها منذ أكثر من ألف عام أنْ يؤرخوا الأدب العربي القديم، أشياءَ لا يكاد المعاصرون يسيغونها أو يطمئنون إليها؛ لأنها تجانب ما ألفوا من السرعة، وتخالف ما استحبوا من هذا الاستعجال البغيض.
    نقرأ مثلًا عند بعضهم أنَّ ظهور الإسلام قد اضطر الشعر العربي إلى الضعف والتهافت؛ لأن العرب بهرهم القرآن وشغلتهم أحداث النظم الجديدة، وما استتبعت من الفتوح عن الفراغ لقول الشعر وتجويده والتأنق فيه كما كان الجاهليون يصنعون. والقدماء يستنبطون هذا من إعراض لبيد عن قول الشعر بعد أنْ أسلم، ومن اشتغاله بقراءة القرآن وحفظه، ويستنبطونه كذلك مما عرض لشعر حسان من الضعف في أكثر شعره الإسلامي، بعدما كان شعره الجاهلي يمتاز بالرصانة والقوة والفحولة. كما يستنبطونه من أنَّ بعض شعراء النبي ﷺ كانوا يكثرون في هجاء قريش فلا يبلغون منها شيئًا؛ لأنهم كانوا يعيبونها بالكفر والشرك، وينذرونها بعذاب الله في الحياة الآخرة، ولم تكن قريش تحفل بشيء من هذا حين كانت تعارض الإسلام وتنصب له الحرب.
    ومع أنَّ رأي القدماء هذا لم يكن دقيقًا كل الدقة، ولا صادقًا كل الصدق؛ لأنه لم يقم على الاستقراء الصحيح؛ فإنه كان يصوِّر حقيقة واقعة … وهي أنَّ الشعراء الذين أرادوا أنْ يجدِّدوا أنفسهم بعد أنْ أسلموا، وأنْ يلائموا بين فنهم وبين دينهم الجديد لم يُوفَّقوا في أكثر الأحيان إلى ما كانوا يريدون؛ لأن الطبع لا يُستكرَه على ما لا يُحِب في كثير من الأشياء … وفي شئون الأدب والفن بنوع خاص، ولم يخطئ ابن دريد حين قال:
    والشيخ إن قوَّمته من ريفهلم يَقُمِ التثقيف منه ما انحنى
    وهؤلاء الشعراء كانوا قد جاوزوا سن التطور، فلم يكن من اليسير أنْ يرجعوا أدراجهم، ولا أنْ يبتكروا لأنفسهم طبعًا جديدًا، فكان تجديدهم تكلفًا، وكان إعراض لبيد عن الشعر نوعًا من اليأس؛ لأنه عرف أنه لا يستطيع أنْ ينشئ فنًّا يجمع بين الملاءمة لحياته الجديدة التي أدركها شيخًا وبين الروعة التي أُتِيحت له فيما أنشأ من الشعر قبل أنْ يعتنق الإسلام.
    وليس أدل على ذلك من أنَّ شعراء آخرين أسلمت ألسنتهم، واستجابت ظواهر أمرهم للنظام الجديد، وظلت طباعهم جاهلية — كما كانت — فقالوا الشعر في الفنون التي أَلِفوها قبل أنْ يُسلِموا، ولم يتعرض شعرهم لضعف أو تهافت أو خمود، وإنما احتفظ بقوته كاملة كدأبها حين كان أصحابها جاهليين.
    فالحطيئة مثلًا لم يتغيَّر فنُّه بعد إسلامه؛ لأنه لم يحاول لفنه تغييرًا. ولأن الإسلام لم يصل إلى أعماق نفسه، فظل مسلمًا في ظاهر أمره، وفيما كان يبدو من بعض سيرته الاجتماعية، ولكنه ظل جاهليَّ القلب والذوق والضمير، ويقول الشعر هاجيًا ومادحًا وواصفًا، كما تعوَّد أنْ يقوله في العصر الجاهلي. وأمثال الحطيئة كثيرون نستطيع أنْ نقرأ شعرهم فيما حُفِظ لنا من شعر القدماء، فلا نرى فيه انحرافًا عن السُّنَّة الجاهلية، ولا تأثرًا عميقًا بالثورة الإسلامية الخطيرة التي قلبت حياة العرب رأسًا على عقب، وغيَّرت أمورهم كلها تغييرًا لم يكن يخطر لهم ببال.
    ومن أجل هذا، صنع بعضُ الذين أرَّخوا الشعر العربي القديم صنيعًا أقل ما يُوصَف به أنه ملائم للدقة والصدق وصواب الحكم أشد الملاءمة وأقواها، فلم يطلقوا وصف الشعراء الإسلاميين إلا على فريق بعينه يأتلف من أولئك الذين لم يدركوا الإسلام شبابًا ولا شيوخًا، وإنما وُلِدوا في الإسلام، ولم يعرفوا العصر الجاهلي إلا كما يعرف التاريخ. فالشعراء الفحول، كالأخطل وفرزدق وجرير، إسلاميون؛ لأنهم وُلِدوا بعد أنْ أسلمت الجزيرة العربية، وبعد أنْ فاض الإسلام منها على ما حولها من الأقطار، وعمر بن أبي ربيعة شاعر إسلامي؛ لأنه وُلِد — فيما يقول الرواة — في اليوم الذي مات فيه عمر بن الخطاب رحمه الله. وقُلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى عامة الشعراء الذين وُلِدوا أيام الخلفاء وشبوا وأدركتهم الشيخوخة أيام بني أمية. هؤلاء شعراء إسلاميون لم يدركوا الجاهلية ولم يدركوها، وإنما رُوِيَتْ لهم أحداثها كما ستُروَى أحداث العصر الذي نعيش فيه للذين أخذوا يُولَدون منذ شبت الثورة؛ فهم قد نشئوا نشأة إسلامية، رأوا آباءهم يخضعون للنظام الجديد يؤدُّون الواجبات الدينية والواجبات السياسية الجديدة، ويقرءون القرآن ويروون الحديث، ويتحدثون عن النبي وأصحابه وخلفاءه، ويختلفون إلى المساجد مصبحين وممسين وبين الصباح والمساء.
    وهؤلاء المؤرخون عندما عرضوا للشعراء الذين أدركوا الإسلام أو أدركهم الإسلام، وهم شباب أو شيوخ لهم يسمونهم شعراء إسلاميين، إنما عدهم بعضهم في صراحة شعراء جاهلين؛ لأنهم تأثروا بالحياة الجاهلية التي أنضجت قرائحهم، وكوَّنت أذواقهم فلم يستطيعوا لطبائعهم تغييرًا.
    وبعض هؤلاء القدماء كره أنْ يسميهم جاهليين؛ لأنهم أسلموا وكثير منهم كان عميق الإسلام، حسن البلاء في ذات الله، فسموهم مخضرمين؛ أي: مختلطين، عاشوا بعض أعمارهم جاهليين، وبعضها الآخر مسلمين.
    ومعنى هذا كله أنَّ القدماء من مؤرخي الأدب العربي، فهموا حقيقة الصلة بين الثورة والأدب خيرًا مما يفهمها كثير من كُتَّابنا المعاصرين.
    عرفوا أنَّ الثورة مهما تكن خطيرة ومهما تكن بالغة عميقة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لا تُغيِّر الأدب فجأة، ولا تحوِّل طبيعة الفن إلا تحويلًا يسيرًا أقرب إلى التكلف منه إلى الفطرة التي تستجيب لما حولها من حقائق الحياة في غير جهر ولا عناء.
    وهناك وجوه أخرى للصلة بين الأدب والثورة، لا يُحقِّقها كُتَّابُنا المتعجلون، فالأدب يمهد للثورة وينشئها؛ لأنه يثير نفوس الناس. يبغِّض إليهم بعض أطوار الحياة التي يحيونها، ويعرض عليهم مُثُلًا جديدة يُحبِّبها إليهم، ويُزيِّنها في قلوبهم، ويطبعها في نفوس الناشئين والشباب الذين لم تتقدَّم بهم السن بعد.
    وهو بهذا يفتح للثورة أبواب النفوس والضمائر ويُمهِّد لها الطريق في حياة الأفراد والجماعات، يُتاح له النجح أحيانًا ويدركه الإخفاق أحيانًا أخرى. فإذا أُتيح له النجح لم تتغير طبيعته فجاءة، وإنما ظل كعهده مضطربًا بين القديم الذي هدمه وبين الجديد الذي أنشأه، حتى إذا استقرت أمور الثورة وأصبحت طبيعة للأجيال الجديدة الناهضة — كما يقال في هذه الأيام — نشأ الأدب الذي يمكن أنْ يُضاف إلى الثورة حقًّا وصدقًا.
    ويكفي أنْ تفكر في حياة الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر، فسترى طائفة من الأدباء والفلاسفة والمفكرين أنكروا حياة العصر الذي كانوا يعيشون فيه، وحملوا الناسَ من حولهم على إنكارها، وطبعوا هذا الإنكار في نفوس الناشئين والشباب الذين لم يتم نضجهم بعد، فأنشئوا جيلًا جديدًا هو الذي ألهب نار الثورة، وملأ بها الدنيا وشغل بها الناس، وغيَّر بها حياة فرنسا وأوروبا وأجزاء أخرى كثيرة من العالم.
    ولكن هؤلاء الأدباء والفلاسفة والمفكرين لم يدركوا الثورة التي أنشأوها، وإنما أطفأ الموت جذوة نفوسهم قبل أنْ يشعلوا هم جذوة الثورة، فماتوا قبل الثورة بوقت قصير أو طويل.
    والذين ثاروا بالفعل وملئوا الدنيا هولًا وإصلاحًا في وقت واحد، لم يُنشِئوا أدبًا ذا خطر، شُغِلوا بالعمل عن الفن، وشُغِلوا بصنع التاريخ عن كتابته، وابتكروا للأدباء الذين جاءوا بعدهم موضوعات أنشئوا فيها أدبًا حيًّا رائعًا أُتيح البقاء لكثير منه وذهب بعضه مع ما يذهب من آثار الناس.
    وابحث إنْ شئت عن الأديب الفرنسي الذي عاصر الثورة، وأنشأ في أثنائها أدبًا جديرًا بالبقاء، فلن تجد هذا الأديب مهما تُطِل في البحث والتنقيب، بل تستطيع أنْ تقرأ ما تركه رجال الثورة أنفسهم من الخُطَب والأحاديث التي ألهبتْ نفوسَ المعاصرين ودفعتهم إلى النهوض بالأعباء الثقال، وتحقيق الأمور العظام، فلن تجد في هذا الخطب ما يلائم ذوقك الفني. بل لن تجد فيه ما يرضي عقلك المستأني وحُكْمك الذي يريد أنْ يتدبر قبل أنْ يصدر؛ لأنها كانت خطبًا وأحاديث تلائم الظروف والأوقات التي أغرت بها ودفعت إليها، فلما تغيرت تلك الظروف وانْقَضَت تلك الأوقات، أصبحت تلك الخُطَب والأحاديث تاريخًا من التاريخ، لا تصلح إلا لقراءة الباحثين الذين يريدون أنْ يؤرخوا للأحداث. ولكن انظر بعد ذلك فيما أنشأ الكُتَّاب والشعراء الفرنسيون بعد أن استقرت الأمور في وطنهم، وبعد أنْ تأثرت حياة بلادهم بالثورة، وأصبحت الحرية لهم طبعًا والرقي لهم غاية لا يستطيعون عنها نكولًا، فسترى الأدب الحق والفن الجدير بالبقاء … «وسترى أنَّ أدب الثورة إنما يأتي بعد الثورة لا أثناءها».
    وما أشك في أنَّ هذا النحو من تصوير الصلة بين الأدب والثورة، هو الذي يلائم حقائق الأشياء، ويُفسِّر ما بين الأدب والسياسة من تضامن وتعاون وتفاعل — كما يقول المعاصرون — «فالأدب يثور قبل أنْ تثور السياسة.» وثورة الأدب هي التي تمهد الطريق لثورة السياسة؛ لأنها تهيِّئ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم، تبغِّض إليهم نظامًا قائمًا، وتحبِّب إليهم نُظُمًا تُحقِّق لهم آمالًا تمتد إليها عقولهم وتقصر عنها أيديهم. وليست الثورة السياسية آخر الأمر إلا استجابة لثورة العقول والقلوب والنفوس التي يُحْدِثها الأدب، وتُحْدِثها مع الأدب مؤثِّرات أخرى، يتصل بعضها بالحياة المادية للناس، ويتصل بعضها بالحياة المعنوية، ويأتي بعضها من الصلة بين الأمة وبين أمم أخرى تحيا حياة خيرًا من حياتها، وأدنى إلى العدل والحرية وإنصاف المظلومين من الظالمين، والمساواة بين المستأثرين الذين يجدون كل شيء، والمحرومين الذين لا يجدون شيئًا.
    ولست أعرف ثورة سياسية بالمعنى الجديد أو القديم للفظ الثورة، إلا وقد سيعقبها ثورة أدبية عقلية، كانت هي التي أعزت الناس بها ودفعتهم إليها، وأخرجتهم عن أطوارهم، فلم يستطيعوا صبرًا على ما يكرهون ولا إبطاء عما يريدون.
    هناك إذن ثورتان؛ أولاهما: ثورة العقل التي يُصوِّرها الأدب، والثانية: ثورة السياسة التي تعتمد على القوة، فتُغيِّر نظامًا وتقيم مكانه نظامًا آخر. وهناك أدبان: أدب يسبق الثورة ويدفع إليها، وأدب يأتي بعد الثورة فيصوِّرها أولًا ويصوِّر آثارها في حياة الناس، ويحبِّب إليهم هذه الآثار، ويدفعهم إلى الأمام في الرقي والإصلاح والتجديد.
    الأدب أثناء الثورة حين تضطرب نفوس الناس بالأمل والطموح، ونفوس فريق منهم بالخوف والمحافظة، متواضع مقتصد يمشي على استحياء — إنْ أمكن وصف الأدب بالمشي وبالحياء أيضًا — لأن الناس مشغولون عنه بأحداث الثورة مما يقع وما يُنتظَر، وبما تدفع إليه هذه الأحداث، ولأن الأدب — ولا سيما في هذا العصر الحديث — إنما يستمد حوله وطوله وقُوَّته وروعته من الحرية الكاملة التي معقب عليها. وهذه الحرية موقوفة مطبعة الأشياء أثناء الثورة، سواء أراد الناس في ذلك أم لم يريدوه، والأدب يجاهد في سبيل الحرية ويُحتمَل في هذا الجهاد ألوان المكروه على اختلافها قبل أنْ تصنع الثورة السياسية أمرًا واقعًا.
    وهو بجهاده وبتحمله الخطوب يدفع إلى الثورة دفعًا؛ لأنه يقاوم الاستبداد والعسف، ويدعو الناس إلى مقاومتهما، وهو في أثناء الثورة لا يستطيع أنْ يقاوم الثورة؛ لأنه مقاوم نفسه إنْ قاومها، فالثورة ابنته وثمرته، وهي لا تقف الحرية إلا لتطلقها بعد حين يقصر أو يطول.
    فالأدب الذي ينشأ أثناء الثورة إما أنْ يجري على طبيعته الأولى فيكون اتصالًا للأدب القديم، وإما أنْ يحاول مجاراة الثورة السياسية فيكون دعوة لها وإغراء بها، وهو في هذه الحال أدب ضعيف فاتر؛ لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثرًا، يراها الناس ويحسون آثارها في نفوسهم، وفيما حولهم من الحياة والأحياء.
    هذا هو الذي يعلل ما أصاب شعر حسَّان من الضعف، كانت الثورة الإسلامية أقوى من شعر الشعراء، وكان كل في بالقياس إليها أثناء قيامها فاتر، وهو يعلل في الوقت نفسه انصراف بعض شعراء عن الشعر؛ لأنهم لم يروا لأنفسهم فيه إربًا. وهو يعلل كذلك اتصال الشعر الجاهلي بأساليبه القديمة عند شعراء الأعراب، الذين قال الله — عز وجل — فيهم: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
    واقرأ إنْ شئت فيما يتصل بالأدب الفرنسي أثناء الثورة ما كتبه شاتو بريان مذكرات بأنه عن إلمامه بباريس حين كانت النفوس مضطربة ثائرة، فستراه يصف أندية الأدباء في تلك الأوقات بالضعف والفتور وقلة الغناء.
    ليس هناك معنى إذن لمطالبة الأدباء المعاصرين بإنشاء أدب الثورة؛ لأن أدب الثورة الحق لم يأتِ وقته بعد، وسيأتي وقته حين يخرج الشباب الذين تطبع الثورة نفوسهم بطابعها، والذين يتعلمون الآن في المدارس وفي الجامعات إنْ شئت؛ أي إنَّ هذا الأدب لن تظهر بواكيره إلا بعد أعوام نرجو ألا تكون مسرفة في الطول.
    ولست أشك في أنَّ أدب الثورة هذا الذي أتحدث عنه، سيكون مغايرًا مغايرة شديدة لأدبنا الذي ننتجه ونعيش عليه الآن، فسيتخلص الجيل الناشئ من تعقيدات مختلفة قاومناها نحن ما وجدنا السبيل إلى مقاومتها، ولكننا لم نستطع أنْ نعفي أنفسنا من آثارها وأعقابها.
    لن يحتاج الجيل الناشئ إلى ما احتجنا إليه دائمًا من مداورة السلطان والاحتياط من شرِّه، والاستخفاء بكثير من آرائنا، نكتمها أحيانًا في نفوسنا، فنشقى بكتمانها ونعرب عنها أحيانًا في كثير من الألغاز واصطناع للمجاز، والافتنان في التنكر، والتستر والاستخفاء لن يحتاج الجيل الناشئ إلى شيء من هذا؛ لأنه لن يجد أمامه النظام الملكي لمستأثر بالأمر من دون الشعب.
    وسيخلص الجيل الناشئ من تعقيد آخر فقاومناه ما استطعنا أنْ نقاومه، ولكنه كان يؤثر في حياتنا العقلية حتى أثناء مقاومتنا له تأثيرًا بعيد المدى، وهو تعقيد الاحتلال الأجنبي الذي كان يتغلغل في أعماق حياتنا المادية والسياسية، ويتدخل في كثير من مرافقنا، ويؤثر بذلك في مصالح الأفراد والجماعات، ويحالف النظام الملكي حينًا فيثقل علينا الهول، ويخالفه حينًا آخر فيأخذنا الشر من جميع أقطارنا، ونُضْطَر إلى كثير من المصانعة والموادعة، ونلاين حينًا ونخاشن حينًا آخر، ونشقى بتفرق الأهواء واختلاف الميول والنزعات من حولنا، ونجد العناء كل العناء في التماس ما نلتمس لأنفسنا من طريق إلى التفكير والتعبير.
    لن يشقى الجيل الناشئ بهذا الاحتلال؛ لأنه سيحيا في وطن لا يتسلط الأجنبي عليه من قريب أو بعيد، سينشأ حرًّا في وطن حر بأوسع معاني هذه الكلمة وأعمقها، وسيخلص من عقدة الاستعمار هذه التي شقيت بها الأجيال من قبله دهرًا طويلًا.
    وسيخلص الجيل الناشئ من عقدة أخرى غير هاتين العقدتين، وهي عقدة النظام الاقتصادي البغيض الذي شقيت به الأجيال من قبله، والتي قسمت الشعب إلى: الأغنياء المترفين الذين ينفقون بغير حساب فيما لا يغني عنهم ولا عن غيرهم شيئًا، والفقراء المعدمين الذين يشقون بغير حساب؛ لأنهم لا يجدون ما يقيم الأَوَد أو يرضي حاجة الإنسان الذي يستطيع أنْ يكون إنسانًا.
    وكلمات المرض والفقر والجهل والأعداء الثلاثة التي كانت الحكومات تتشدق بها فيما مضى، كلمات يسيرة حين تنطق بها الألسنة، ولكنها عسيرة معقَّدة حين نحاول أنْ نحقق معانيها في نفوسنا، فهي تُصوِّر أشقى ما يمكن أنْ يُفرَض على الناس من ضروب الحياة، وهي تمتحن نفوسهم بألوان لا تُحصى من التعقيد الذي يميت القلوب، ويفل الحد، ويلغي النشاط، ويُبغِّض العيش إلى الناس. هذا الذي لا يجد ما ينفق وله قلب ذكي وعقل راجح وقدرة على العمل الخصب والنشاط المنتج، ولكنه لا يستطيع أنْ يعمل، ولا أنْ ينشط؛ لأنه لا يجد إلى العمل ولا إلى النشاط سبيلًا، وكيف السبيل إلى العمل والنشاط إذا لم تجد من الطعام والشراب ما يمسك عليك الحياة؟!
    وهذا الجاهل الذي لا يُفرِّق بين الخير والشر، ولا يُميِّز بين ما ينفعه وما يضره، وله فضل من قوة وحظ من أيد، ولكنه لا يعرف كيف يوجه قوته، ولا فيما ينفق جهده، فهو يتخبط بين الشر اليسير والإثم المفسد لحياته، ولحياة من حوله من الناس. وامضِ ما شئت في تصوير ما يثير المرض والفقر والجهل في حياة الناس من شر، وما ينشئ في نفوسهم من عقد، وما يبث أمامهم من عقاب، وتصور جيلًا يتاح له في يوم من الأيام ما لم يُتَح للأجيال الماضية من صحة الأجسام، وذكاء القلوب، ونفاذ البصائر، وسعة المعرفة، وانظر ما عسى أنْ يكون من الفرق بين هذا الجيل السعيد وبين الأجيال التي سبقته من الأشقياء، ثم وازن بين ما يمكن أنْ ينتجه هذا الجيل السعيد من ألوان النشاط في حياته المادية والعقلية والفنية، وبين ما أنتجته أجيال الشقاء من قبله، فسترى الفرق عظيمًا خطيرًا بين إنتاج الموفورين وإنتاج المحرومين، وبين إنتاج السعداء وإنتاج الأشقياء.
    وإذا بلغت هذه الغاية من الموازنة، فقد عرفت أنَّ أدب الثورة الذي يستحق هذه الإضافة ليس هو الأدب الذي أنتجناه أو الذي ننتجه الآن، وإنما هو الأدب الذي سينتجه أبناؤنا وأحفادنا حين يُتاح للثورة أنْ تبلغ غايتها وتحقق أغراضها، وتضع عن المصريين إصر حياتهم تلك التي ضاقت بهم وضاقوا بها، وتتيح لهم حياة أخرى لا يجدون فيها قهرًا ولا عسفًا، ولا يخضعون فيها لبأس أو ظلم، ولا يشقون فيها بفقر أو جهل أو مرض، وثق بأني لا أخدع نفسي عن حقائق الأشياء، ولا أخدعك عن هذه الحقائق، فلست أنا من السذاجة بحيث أظن أنَّ الثورة ستتيح للأجيال المقبلة سعادة دائمة ونعيمًا مقيمًا، فالسعادة الدائمة الكاملة لم تُتَح للناس، ولن تُتاح لهم في هذه الحياة الدنيا، والنعيم المقيم مُدَّخَر للصالحين من الناس في حياتهم الثانية، وليس معجلًا لهم في حياتهم هذه الأولى …
    ولكن الشيء الذي أثق به كل الثقة، وأومن به أعمق الإيمان، هو أنَّ الثورة ستتيح حين تبلغ غاياتها للأجيال المقبلة من قوة النفوس وصلاح الحياة ما يمكنها من طلب السعادة والنعيم قادرة على طلبهما، ومن مقاومة البؤس والشقاء قادرة على مقاومتها …
    وليس هذا بالشيء القليل، وما أعظم الفرق بين أدب يقبل عليه أصحابه، وهم آمنون مطمئنون لا يسعى إليهم الخوف ولا يُدبَّر لهم الكيد، وأدب ينتجه قوم يختلسون الفراغ له اختلاسًا، ويسترقون العناية به استراقًا، ويجدون مِنْ حولهم ما هو خليق أنْ يبغِّض إليهم الأدب ويصرفهم عنه صرفًا، يشقون في أنفسهم ويشقون بشقاء من حولهم من الناس، ولا تُتاح لهم حتى الوسائل اليسيرة للإعراب في صراحة، وأمن عما يجدون من شقائهم وشقاء الناس.
    فانتظر إذن أدب الثورة بمعناه الصحيح من الجيل الناشئ يوم يُتاح له الإنتاج، واقرأ أدبنا هذا الثائر إنْ شئت، وأعرض عنه إنْ أحببت، فإنا لا نملك أنْ نعطيك إلا ما في أيدينا، وفي أيدينا أدب ثائر لا أدب ثورة، وما أعظم الفرق بين الأدبين!

  • الخيال الطارق | The Knocking Phantom

    الخيال الطارق
    للدكتور طه حسين
    أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألمّ به طائف من الجن فروّعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
    أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو همّ بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلمّ به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكّر بقول ذلك الشاعر القديم:
    وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
    وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم.
    قال وهو ذاهل أو كالذاهل:
    "إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل لأذود به هذا الأرق الذي ألحّ عليّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم ترَ من تلك الأهوال التي ألمّت بي، واصطلحت عليّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال".
    قلت:
    "ما أراك إلا مريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططاً. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمّت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأساً بهذا الرحيل؛ فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟ فارحل مصاحباً، ولكن حدثني عما ألمّ بك من الهول؟".
    قال:
    "مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران".
    قلت:
    "لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولاً من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك".
    قال:
    "ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة".
    قلت:
    "ربّ جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك".
    قال:
    "أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
    ألمّ بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
    لها ما تشتهي عسلاً مصفى … إذا شاءت وحواريّ بسمن
    قلت:
    "هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان (حصن) في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني؟ فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها".
    قال:
    "أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم ترَ من الأهوال والخطوب! فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملمّ، ثم جعلت أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم؛ ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
    وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويراً للحزن والأسى، وتمثيلاً للوعة والحسرة. ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالاً؛ تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي: أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت؟
    وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلواً يسعى إليّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليّ تحية عذبة هي التي كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه النهار: (أصبح بخير يا سيدي)، فأجيب: (أصبحي بخير يا سيدتي). فقالت: إنك تعرفني أو تكاد تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الأحياء؛ نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم أفعل، ولم يعرض عليّ ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت. على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحداً ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من أحاديث الضمائر ونجوى النفوس.
    وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات، ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك عليّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء، ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك، وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليّ ولا تقل شيئاً فإن نظر الأحياء يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل عليّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك بد من حديث.
    وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت الأحياء وأشفق مع ذلك من سماع صوتك؟ فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع؛ ولكن أصغِ إليّ فإني أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسلّ عن شيء كما تسليت عنه الآن.
    أصغِ إليّ فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ".
    ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً؛ فقد تذكّر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكّر أني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي في ذلك غير ما أضمر، وأنك كنت تشفق عليّ مما كنت أخفيه، وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد؛ فاعلم الآن أني حين ثقلت عليّ العلة، وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس! فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وأن تنقطع الصلة بينه وبيني من الأسباب.
    قالت ذلك ثم نظرت إليّ نظرة قوية حادة لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الأرض خائفاً وجلاً، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أرَ شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إليّ صوت، وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أين أحسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً أوصيت أهلي بما أوصيت وأسرعت إليك. أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟"
    قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن والهدوء.
    وقلت مداعباً:
    "ويحك! ألم تقرأ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه (جريمة سلفستر بونار)؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات".
    قال مغضباً:
    "أقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال؟"
    قلت:
    "فإني أشفق عليك من إيمانك هذا؛ فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لأنك تعرضت لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وإن تكن الثانية فماذا تصنع إن ألمّ بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟"
    هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول:
    "ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح!".
    ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمناً ورضاً، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
    الرسالة ١٤\٥\١٩٣٤

  • بعض بيئاتنا الأدبية | Some of Our Literary Circles

    بعض بيئاتنا الأدبية

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٩ مايو ١٩٤٧

    لنْ يكون هذا الحديثُ شَاملًا؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون شامِلًا ولا قريبًا من الشمول، ففي مصر بيئات أَدَبِيَّة مُخْتَلفة لم يُتح لي أنْ أعْرِفَها، ولا أنْ أتَّصل بها.

    وفي مصر بيئات أدبية وصلتُ إلى أطراف من أحاديثها، ولكني لم أعلم من حقائق علمها شيئًا ذا خطر … بعض هذه البيئات لا يزال قائمًا يُنتج آثاره المُختلفة، ويبعث تَيَّاراتِه المُتَبَاينة في حياتنا الأدبية، وبعضُ هذه البيئات قد ذهب مع ما تذهب به الأيام في هذا العصر الذي يَمضي فيه التطور مُسرعًا إلى غاية وإلى غير غاية؛ فلن أتحدث إذنْ إلَّا عن بعض البيئات الأدبية التي عَرَفْتُها وتَأثَّرت بها من غير شكٍّ، ولعَلِّي أكونُ قد أثَّرتُ فيها بعض التأثير.

    وسيكون هذا الحديث أشبه بالذِّكرى منه بالدِّراسة، ومِنْ أَجْلِ هذا أبدأ بالحديث عن البيئة الأدبية الأولى التي عرفتها وشاركت فيها أعوامًا في أول هذا القرن … فأنت إذا دخلت الأزهر من باب الرِّواق العَبَّاسي وجدت إدارة الأزهر — أو ما كان يُسمى في ذلك الوقت إدارة الأزهر — عن شِمَالكَ، والرِّواق العباسي عن يمينك، وبين هذين البناءين في هذا الممر الضَّيق الذي يفصل بينهما نشأت هذه البيئة الأدبية الأولى في أواسط السنة الرَّابعة من هذا القرن.

    كان الرِّواق العَباسي في ذلك الوقت ملتقًى لطلاب الجديد من الأزهريين ومن غير الأزهريين، مَرَّتين في كلِّ يَومٍ، يَلْتَقُون فيه حينَ يَرْتَفِعُ الضحى ليجتمعوا حول الأستاذ الشيخ سيد المرصفي، يسمعون منه تفسير الحَمَاسة في بعض أيام الأسبوع، وتفسير المُفَصَّل للزمخشري في بعضها الآخر، ويلتقون فيه بعد أن تُصلَّى المغربُ، ليجتمعوا حول الأستاذ الإمام يسمعون منه في بعض ليالي الأسبوع دروسه في البلاغة، وفي بعضها الآخر تفسيره للقرآن الكريم.

    وكان أولئك وهؤلاء يتفرقون بعد انتهاء هذه الدروس، ولكن جماعة ضئيلة كانت قد اتخذت هذا الممر، بين الرواق العباسي وإدارة الأزهر، مُستقرًّا لها، تسبق إليه قبل أن يرتفع الضُّحى لتنتظر دَرْسَ الأستاذ المرصفي، وتُسرع إليه بعد أن تُصلي العصر لتنتظر درس الأستاذ الإمام.

    وكانت هذه الجماعة قد اختارت هذا الممر لمَكانه من الرواق العباسي أولًا، ولأنَّه كان يُتِيحُ لها أنْ ترى الداخلين إلى إدارة الأزهر والخارجين منها ثانيًا، ولأنه كان يوشك أن يكون مَكانًا أرستقراطيًّا مُمتازًا لجدَّته ووقوعه بين هذين البناءين. وكانت هذه الجماعة تتحدث حين تلتقي بما تسمع من الأستاذين — أحدهما أو كليهما — أحاديث الإعجاب والإكبار، وبما تسمعُ من الأساتذة الآخرين في الفقه والنَّحو والمَنْطِق والأصول، أحاديث السُّخرية والعَبَث! ثم كانت تعلق على إقبال المُقبلين وانصراف المُنصرفين، وعلى ما يكون بينهم من تفاوت في الأشكال والأزياء والسِّمات. تذهب في هذا كله مذهب النقد، أو مذهب العبث والتشنيع، لا تحفل بشيء ولا تأبه لأحد، ولا تتحرج من لفظ!

    كانت تسمع من الأستاذ المرصفي أن لا حياء في العلم، وكانت تسمع من أساتذة الفقه أن لا حياء في الدِّين؛ فاستقرَّ في نَفْسِها أن لا حياء في شيء من الأشياء؛ لأنَّ كُلَّ شيء من الأشياء لن يكون له خطر الدين والعلم، وإذن فمِنْ حَقِّها أن تخوض في كل شيء، وأنْ تخوض في كل شيء كما تشتهي! وكانت تسمع نقد الأزهر والأزهريين لاذعًا منَ الأستاذين الجليلين في الصباح والمساء، فكانت ترى ذلك مُباحًا لها، بل فرضًا عليها، وكانت تمضي فيه إلى غير حد، حتى فرقها الأستاذ الشيخ حسونة النواوي — رحمه الله — ذات يوم، في قصة ذكرتُها في غير هذا الحديث!

    في هذه البيئة الأدبية الأولى تخرج ثلاثة يعرفهم المِصريون في هذا الجيل؛ وهم: محمود حسن الزناتي، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين.

    على أنَّ هذه البيئة قد اتصلت ذات يوم ببيئة أدبية جديدة من طراز آخر، لم تنشأ في الأزهر ولا قريبًا مِنْه، وإنَّما نشأتْ في شَارع غيط العدة، حيث قامت إدارة «الجريدة»، وأشرف على هذه الإدارة منذ قامت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا.

    فتنت هذه البيئة كما فُتن غيرها من شباب الأزهر بالجريدة؛ لأنها كانت تُصور لونًا جديدًا من ألوانِ التَّعبير لم يَكن مَألوفًا في «المؤيد» المحافظ، ولا في «اللواء» الذي كان يلتهب وطنية، وإنما كان فيه شيء من اعتدال واستقامة في التفكير، وكانت فيه بنوع خاص نفحة من الجديد حين كان لطفي السيد يتحدث عن مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وجول سيمون. ولم يكن تَأَثُّر هذه البيئة الأزهرية بهذا اللون الجديد من التفكير والتعبير أقلَّ من تأثر البيئات المدنية في المدارس العليا، ولا سيما مدرسة الحقوق.

    ومن هنا سعى الشباب إلى مدير «الجريدة» مُعَمَّمين ومُطربشين، وأَصبح مكتبه ناديًا أدبيًّا، يلتقون فيه مصبحين فيَشقُّون فيه على الأستاذ، ويُكلِّفونه العناء كل العناء في التماس الفراغ الذي يكتب فيه مَقَالته! ويلتقون فيه إذا أقبل المساء، فيقول بعضُهم لبَعْضٍ، ويقولون للمُدير ويَسْمعون منه، وما هي إلا أنْ يُفكر المُدير في أنْ ينظم لهم بعض المُحاضرات، يلقي بعضها هو، ويُلقي بعضها غيره من أعلام الفِكر والقانون في ذلك الوقت.

    وكذلك التقى الشباب الناشئ بعضهم ببعض، فأخذت الأسوار تنهار بين العَمَائم والطرابيش، والتقوا بالشباب الناضج والكهول والشيوخ من أعلام الحياة المصرية على اختلاف فروعها، فأخذ دم جديد يدور في جيل جديد من المصريين.

    ولم يكد يتقدم القرن نحو الحرب العالمية الأولى حتى اتَّصَلت هذه البيئة الجديدة عمائمها وطرابيشها، أو قُل حتى أنشأت هذه البيئة الجديدة لنفسها ناديًا آخر قريبًا من ناديها الأول في الجريدة. وكان هذا النادي في تلك الدَّار التي أثرت في الحياة العقلية المِصْرِيَّة أقوى أثر وأبقاه، وهي دار آل عبد الرازق.

    كانت هذه الدار ناديًا بأدق معاني هذه الكلمة وأحدثها، يجد فيه أعضاؤه ما يشتهون من أدب وعلم، وجد وفكاهة، وسياسة واجتماع، ويَجدون فيه إلى ذلك مَائدة مَنْصوبة للغداء والعشاء يسعى إليها من شاء، وما كان أكثر من يشاءون، ويتخلف عنها من أراد، وما كان أقل من يريدون، ويجدون فيه إلى ذلك ما شاءَ اللهُ من قهوة وسجائر، وما يُشبه القهوة والسجائر من ألوان الترفيه!

    ولم يكن هناك فرق بين هذا النادي وغيره من الأندية الحديثة، إلا أنَّ أعضاء النادي لم يكونوا يؤدون اشتراكًا. وفي هذا النادي تم الاتصال بين العمائم والطرابيش والقلانس على أوسع ما يُمكن أن يكون الاتصال؛ فازدادت الدورة الدموية الجديدة قوَّة وخصبًا ونشاطًا.

    في هذا النادي كانت تُحَرر الفصول الأدبية والسياسية الخطيرة في الجريدة، وفي هذا النادي أنشئت جريدة «السفور» الأسبوعية. ولست أدري أين تقرر إنشاء «السياسة»، ولكني أعلم أنَّ أهم ما كان ينشر في «السياسة» من أدب وفلسفة ونقد وسياسة كان يُهيَّأ في هذا النادي، ويَخرجُ منه مكتوبًا أو كالمكتوب ليُنشر في جريدة السياسة!

    في نادي «الجريدة»، وفي نادي آل عبد الرازق تخرَّج جيل من الأدباء والعُلماء والأساتذة والمُفكرين والوزراء، نهضوا بجزء عظيم جدًّا من الحياة العقلية والأدبية والسياسية في مصر نحو ثلاثين عامًا. في هذين الناديين نَشَأ «حزبُ الأُمَّة» في أول القرن، وفي ثانيهما نشأ الحزب الديمقراطي بعد انقضاء الحرب، ونضجت فكرة حزب الأحرار الدستوريين بعد إلغاء الحماية. ولن يتسع هذا الحديث الإجمالي ما كان لهذين الناديين من أثر بعيد أشد البعد في إحياء الأدب العربي القديم، وفي توجيه الأدب العربي الحديث.

    على أن نادي آل عبد الرازق كان كالنهر العظيم الذي تلتقي فيه نهيرات صغيرة كثيرة، منها نادي المدارس العليا، ومنها تلك البيئات الأزهرية المُختلفة، ومنها بيئات مُشتتة كانت تستقر في بعض القهوات هُنا وهناك! في باب الخلق حول حِفني ناصف، وفي حي سيدنا الحُسين حول الشيخ سيد المرصفي، وفي قهوة «متاتيا» وقهوات أخرى حول حافظ إبراهيم الذي كان يتنقل ببيئته الأدبية كما يتنقل الحي من أحياء البادية.

    وفي الصالونات الأرستقراطية التي لم يكن يرقى إليها أوساط الناس: في صالون الأميرة نازلي فاضل، وعند سعد زغلول، وفي صالون آخر كان أمره عجبًا، كان يلتقي فيه المِصْريون والشرقيون من أهل البلاد العربية وبعض الفرنجة حول آنسة كان الحديث عنها والحديث إليها مُحببًا مُمتعًا، وهو صالون «مي»، الذي كان يجتمع فيه يوم الثلاثاء من كل أسبوع حين يدنو النهار من آخره، ولا يتفرق إلا حين يتقدم الليل. كان أوله حين كنت أتردد عليه حديثًا في الأدب والفن والعلم، وكان آخره حين تنصرف كثرة الزائرين، وتبقى القلة المُختارة قراءة وعَزفًا وغِناء.

    وفي هذا النهر الكبير الذي كانت تلتقي فيه تلك النهيرات الكثيرة كان يصب نهير آخر أصبح الآن ذا خطر، وهو «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي لم تكتف بحديث الفُكاهة والجد ونشر المقالات هنا وهناك، وإنما حولت نشاطها إلى ترجمة وتأليف ونشر وإصدار للصحف والمجلات، وكانت مِنْ أَهَمِّ الوَسَائل التي تجاوزت بحياتنا العقلية حدود مصر ونشرتها في جميع أقطار الشرق، وفي جميع طبقات الناس الذين يحيون في هذه الأقطار.

    وأي نُهير من هذه النهيرات خَلِيقٌ وَحْدَه بأنْ يُؤلف فيه كتاب، فكيف بها كلها حين تلتقي في هذا النهر العظيم، وكيف بأنهار ونهيرات أخرى كانت تسلك طرقها المُختلفة مُستقلة مُنحازة إلى نفسها، شديدة الحرص على ما كانت تؤثر من استقلال وانحياز؟!

    وليس من شك في أن أخص ما يمتاز به النصف الأول من القرن العشرين بالقياس إلى حياتنا العقلية في مصر، هو أنه نقلها من البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، وجعل مهمة الذين يُريدون أنْ يُؤرخوا الأدب المِصْرِيَّ مِنْ أَشَدِّ المهمات عُسرًا وأعظمها تعقيدًا والتواء!

    ولكنه مع ذلك، أو من أجل ذلك، قد مَنَحَها من القُوَّة والخصب والتنوع والاختلاف ما رَدَّ إلى الأدب العربي الحديث مجده القديم، ورفعه إلى حيث أصبح أدبًا من الآداب العالمية الكبرى.

  • حياتنا الأدبية | Our Literary Life

    حياتنا الأدبية
    طه حسين
    بيروت
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٤
    لما كنت في مدينة ليون في شهر سبتمبر الماضي لقيت صديقي الأستاذ «جيب»، الذي يعنى أشد العناية بالأدب العربي الحديث، والذي كتب فيه فصولًا قيِّمة، منها ما ترجم، ومنها ما لخص. وكلها شُغف بها الناس وفتنهم ما فيها من قوة الملاحظة، ودقة التحليل، وحُسن الاستقصاء؛ فتحدثنا عن الأدب العربي العصري، وسألته: ماذا يُعد لنا في هذه الأيام، وعمن يريد أن يتحدث إلينا؟ قال: «ما زلت أنتظر القصة العربية الجديدة التي أكتب عنها، وأسجل بها نمو هذا الأدب وتقدمه، ولكن هذه القصة تبطئ في الظهور، وقد طال انتظاري لها، وما أرى إلا أنه سيطول ويطول، فليس في أفق الأدب العربي ما يؤذن بظهور هذه القصة، بل يسوءني أن أقول: إن كل ما أراه في هذا الأفق يدل على أن النشاط الرائع الذي كان قد استأثر بالحياة الأدبية العربية قد أخذ يفتر، وخضعت هذه الحياة الأدبية منذ أعوام لخمود لا يشبهه خمود، وأصبحت راكدة هامدة تكاد تفقد الحركة والإنتاج.»
    وغريب أني كنت أسمع لهذا الكلام فأجد في الاستماع إليه راحة مؤلمة، ورضًى شقيًّا؛ لأني كنت أُحدِّث نفسي بمثله، فكنت أرتاح لاتفاقنا في الرأي، وتواردنا على خاطر واحد، وكان يؤلمني أن يكون هذا الرأي صحيحًا، وهذا الخاطر صوابًا، وأن يكون من الحق الذي لا شك فيه أن حياتنا الأدبية قد ركدت في هذه الأعوام الأخيرة ركودًا ظاهرًا منكرًا، يستتبع شيئًا كثيرًا من الحزن وخيبة الأمل؛ فقد كانت الحركة السياسية التي هزت مصر والشرق بعد الحرب الكبرى قد بعثت في الحياة الأدبية نشاطًا ظاهرًا، فكثر الكُتَّاب والمُنتجون في الأدب من جهة، وتنوَّعت آثارهم الأدبية من جهة أخرى.
    واشتد هذا النشاط حتى اضطر جماعة من المستشرقين في إنجلترا؛ كالأستاذ جيب في معهد الدراسات الشرقية بلندرة، وفي فرنسا كالأستاذ بيرس بكلية الآداب في الجزائر، وفي ألمانيا كالأستاذ كميفمير في برلين، وفي روسيا كالأستاذ كرتشكوفسكي في ليننجراد، إلى أن يلتفتوا إلى الأدب العربي الحديث، ويقفوا عنده، ويتناولوه بالدرس والنقد والتحليل، ومنهم من انصرف عن الأدب القديم فوقف عنايته أو كاد يقفها على الأدب الحديث.
    ومنهم من تخيَّر فصولًا من هذا الأدب جمعها في كتب تذاع على الناس، ويقرؤها الشبان المستشرقون في الجامعات، ويقرؤها كذلك المستشرقون الذين يلاحظون الشرق، ويرقبون ما يخضع له من تطور سياسي وفني وعقلي. والظاهر أن عناية الشرقيين بهذا الأدب الحديث وتهافتهم على ما كنا نظهر من الآثار الأدبية، والتفات المستشرقين إلى آثارنا هذه، ونشاطهم لدرسه ونقده. كل هذا قد راقنا وأعجبنا، وملأنا غرورًا وتيهًا، فغررنا بأنفسنا، وخيل إلينا أنا قد بلغنا الغاية من الحياة الأدبية الخصبة القيِّمة، وأخذ الكاتب من كتابنا يعنى بما يقول الناس عنه في الشرق والغرب أكثر مما يعنى بالكتابة والإنتاج.
    ولم يتردد بعض أصحاب الصحف في أن يترجم ما كتبه عنه المستشرقون، أو ينقل ما يكتب عنه الشرقيون، ناظرًا في ذلك معجبًا به، يسرف في النظر فيه، ويغلو في الإعجاب به، كأنه الحسناء تنظر في المرآة فتعجبها صورتها، فتمضي في النظر إليها والتحديق فيها، ويشغلها ذلك عن كل شيء آخر، ثم ما هي إلا أن أخذ هؤلاء الكُتَّاب يدرسون أنفسهم، ويتحدثون عنها، ويتناول كل منهم صاحبه بالنقد والدرس، ويجيب كل منهم عما وُجِّه إليه من عيب، حتى أسرفنا في ذلك إسرافًا قبيحًا، وشُغلنا به عن الإنتاج.
    وأذكر أني أحسست هذا الإسراف ونبهت إليه وحذرت منه، وقلت منذ سنتين: إن كُتَّابنا يشبهون النار في المثل القديم: تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله، ورغبت إلى كتابنا أن يدعوا أنفسهم حينًا، وأن ينصرفوا إلى الحياة نفسها يفهمونها ويدرسونها ويصورونها، ويمضون فيما كانوا فيه من ذلك الإنتاج الخصب القيِّم، ولكن أحدًا من كُتَّابنا لم يلتفت إلى هذا النداء، بل ظلوا يتحدثون عن أنفسهم، ويقرءون ما يتحدث الناس به عنهم، حتى سئمهم الناس فسكتوا عنهم، وسئموا هم أنفسهم فأعرضوا عنها، ولكنهم أعرضوا عنها إلى الصمت لا إلى الكلام، وإلى الفتور لا إلى النشاط.
    وآية ذلك أنك تبحث عن الكتب التي ظهرت منذ أعوام فلا تكاد تظفر بشيء، وتبحث عن الفصول الأدبية الرائعة التي تنشر في الصحف والمجلات فلا تجد شيئًا، وإنما الغذاء الأدبي للناس في هذه الأيام ما تنشره الصحف والمجلات من حديث السياسة الذي كثر وتكرر حتى أصبح بغيضًا ممقوتًا، ومثل هذا الأدب السهل اليسير الفارغ الذي لا يرضي عقلًا ولا شعورًا، ولا يدعو إلى روية أو تفكير، إنما هو تسلية يقطع بها الناس أوقاتهم في الترام أو في القطار، ويتعجلون بها النوم إذا أووا إلى مضاجعهم، فمن أبى منهم إلا أن يقرأ الأدب الممتع الذي يغذو نفسه، ويرضي عقله؛ فلا بد له من التماس ذلك فيما يظهر من الأدب الأجنبي الأوروبي.
    وهذا الشر على قبحه وشناعته هين يمكن أن يُحتمل لو لم يستتبع شرًّا آخر أقبح منه أثرًا، وأشد نكرًا، فإن طبيعة الحياة الأدبية الصالحة تستتبع أن يكون في الأدب أجيال يتبع بعضها بعضًا، شيوخ معتدلون وشباب مجددون، فإذا سكت أولئك نطق هؤلاء، وإذا قصر أولئك برز هؤلاء، ولكن الأمر عندنا على غير هذه الحال: شبابنا منصرف عن الإنتاج الأدبي، بل عن العناية بالأدب، وكهولنا شابوا قبل أوان الشيب وصمتوا، وقد كان في ألسنتهم وأقلامهم بقية.
    وإنك لتبحث عن الشاعر الشاب الذي نشأ في هذه الأعوام، فصرف جماعة من الشبان عن شوقي وحافظ ومطران فلا تجده، وعن الكاتب الشاب الذي ظهر فاستحدث مذهبًا في النثر صرف بعض الناس عن هيكل والعقاد والمازني فلا تظفر به، وخلاصة موقفنا الأدبي أن زعماء الأدب عندنا كُسالى لا ينتجون، وأن الشباب المصري منصرف عن الأدب لا يُعنى به، فضلًا عن الإنتاج فيه، وشر من هذا وذاك، أن من شبابنا المصري من له نفس تحس، وقلب يخفق، وعقل يفكر، فهو يتأثر بالحياة ويريد أن يصورها، أو يصور تأثره بها، فإذا حاول ذلك لم تواته لغته العربية، فوصف ما يريد من ذلك بالفرنسية أو الإنجليزية، وأجاد الوصف، ووفق إلى الإحسان، وأعجب به قُرَّاء من الأوروبيين.
    ومن الغريب أن في مصر الآن جماعة أدبية اشترك فيها المصريون والأجانب، واتخذت اللغة الأجنبية مرآة لقلوبها وعقولها، ولسانًا لعواطفها وشعورها، ثم نحن ما نزال نعتقد أن في مصر نهضة أدبية نصفها بالقوة حينًا، وبالروعة حينًا آخر، كلا، كانت في مصر نهضة أدبية، ولكنها فترت منذ أعوام، وأخشى أن يكون هذا الفتور نذير الخمود ثم الجمود، ثم علة هذا الفتور المهلك، فالتمسها إن شئت في تعليم اللغة العربية والأدب العربي في المدارس الثانوية؛ فهو — بحمد الله — مجدب عقيم، كما كان مجدبًا عقيمًا دائمًا، والتمسها في حرص الصحف والمجلات على اجتذاب أكثر عدد ممكن من القُرَّاء، ونزولها لذلك عن الأدب القيِّم الذي يدعو إلى التفكير، إلى الأدب الفارغ الذي يلائم الكسل ويقطع الوقت، ثم التمسها بعد هذا وذاك في هذه الخصومات السياسية الفارغة التي لا تقدم النهضة السياسية، ولا تأتي بجديد، وإنما تعيد اليوم ما كانت تقول منذ عشر سنين، ومهما تكن علة هذا الفتور، فإنه شرٌّ يجب أن يفكر فيه الذين ما يزالون يحسبون أن في مصر حياة أدبية ناهضة.

  • في منزل الدكتور طه حسين | At the Home of Dr. Taha Hussein

    في منزل الدكتور طه حسين
    للدكتور زكي مبارك
    في مطلع الصيف كنت على موعد مع الأستاذ الكبير الدكتور طه بك حسين لأقدم إليه نسخة من كتاب (ليلى المريضة في العراق) ولأقرأ معه صفحات من ذلك الكتاب، ولكني حين وصلت في الموعد المحدد لم أجده في البيت، فسلمت الكتاب لجندي يرابط هناك وانصرفت. ولم يعزّني عن إخلاف الدكتور طه حسين إلا لحظات عذاب قضيتُها في منزل الآنسة أم كلثوم، وبينه وبين منزل الدكتور طه بضع خطوات.
    وفي اليوم التالي سألت عنه بالتليفون لأعرف كيف أخلف الموعد، فاعتذر بلطف وأكّد أنه نسي ذلك الموعد كل النسيان، ودعاني إلى تجديد الموعد، فقلت: إني أتأهب للسفر إلى بغداد للاشتراك في تأبين الملك غازي، وسأحرص على التشرف بمقابلتك حين أعود. وكنت أحب أن آنس بلقائه بعد أن رجعتُ من بغداد، ولكني خشيت أن يكون أخلف الموعد الأول عن عمد؛ لأن أولاد الحلال لا يزالون (يصلحون) ما بيني وبينه من صلات.
    ثم سافر الدكتور طه إلى باريس، وسارت الأخبار بأنه سيعتذر عن الحضور في العام المقبل ليستريح من عناء المشكلات الجامعية وليؤلف كتاباً عن تاريخ الشعر العربي. وكنت في تلك المدة شرعت في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين، وندّ القلم فوقعت منه غمزات تمسّ الدكتور طه حسين بدون موجب؛ وكذلك استوحشت من المضيِّ للتسليم عليه حين عرفت أنه رجع من باريس. ثم عدت فقررت أن أؤدي الواجب في تحية الدكتور طه، راجياً أن يكون في تأدية هذه التحية تبديد للظلمات التي يخلقها من يأكلون العيش بحياكة الأقاويل والأراجيف.
    كان ذلك في مساء اليوم ١٣ من شعبان، والقمر يقدِّم إلى الوجود أفانين من الرفق والحنان، ويذكِّر القلوب الخوامد بماضيها الجميل في مقارعة الصبوة والفتون؛ فنزلت من السيارة عند جسر فؤاد لأمتع القلب والروح بمشاهدة النيل وهو يواجه القمر في أيام الطغيان، ولأستقبل الزمالك بأدب وخشوع؛ فما كان ثراها الغالي إلا نثائر أكباد وقلوب. وأخذت أجتاز الزمالك من حَرَم إلى حَرَم إلى أن بلغت منزل الدكتور طه حسين. وكنت أرجو أن أجده وحده لأني وصلت بعد الساعة ٩، وهو عنده وقت هدوء؛ ولكن يظهر أن قدومه من السفر رفع الحجاب فكان منزله في أنس بجماعة من أهل الفضل هم الأساتذة: شفيق غربال، وعبد الواحد خلاف، ومنصور فهمي، وعلي عبد الرزاق، وسعيد لطفي، وأمين الخولي، وتوفيق الحكيم، وعبد الوهاب عزام، وإبراهيم مصطفى، وعبد الحميد العبادي.
    سلّمتُ على الدكتور طه تسليم المحب المشتاق، وسألته عن باريس وعن السوربون، فأجاب إجابات موجزة دلتْ على أنه يريد أن يكتم عني أشياء. فهل آذت الحرب بعض أصدقائي هناك؟ لا قدر الله ولا سمح! وبعد لحظة حضر الأستاذ أحمد أمين فنهضت واقفاً لمصافحته، ولكنه زوى وجهه وتجاهل وجودي، ورأيت المقام لا يتسع لمحاسبته على ما صنع، فتكلفتُ الابتسام وأنا مَغِيظ. والخاطر في البال أن حضوري قد يعكر المجلس، وأن من الخير أن أنصرف؛ ثم تذكرت أنني أحق الناس بمودة الدكتور طه حسين وإن حالت بيننا الدسائس حيناً من الزمان، فقد كنت صديقه الحق قبل أن يعرف أصدقاء اليوم؛ كنت صديقه الحميم في ظروف لا يسأل فيها الشقيق عن الشقيق، فكيف أخرج من منزله ليخلو الجوّ لصديق مثل أحمد أمين؟ يجب أن أقضي السهرة كاملة، وعلى من يؤذيه حضوري أن يتفضل بالانصراف!
    وبعد أن دارت السجائر على الزائرين شرع الأستاذ أمين الخولي في الحديث:
    أمين الخولي: يا زكي، ما تترك أبداً أخلاق المنوفية؟
    طه حسين: وما أخلاق المنوفية؟
    أمين الخولي: هي المشاغبة واللجاجة والعناد.
    طه حسين: وزكي مبارك مشاغب؟ قل كلاماً غير هذا يا أمين، فما عرف الناس زكياً إلا مثال اللطف والأدب والذوق. الدكتور زكي حقيقة رجل لطيف؛ ومن آيات لطفه أنه ينظر فيرى الناس قد ضجروا من الهدوء والسكون فيسلط عليهم القذائف القلمية ليتذوقوا نعمة الحركة والجدَل والنضال.
    علي عبد الرزاق: يظهر أنك راض عن الدكتور زكي مبارك.
    طه حسين: وهل أملك غير ذلك؟
    زكي مبارك: تملك كلمة النصح يا سيدي الدكتور، إن رأيت ما يوجب كلمة النصح.
    طه حسين: لا يا عم، يفتح الله!
    زكي مبارك: يظهر يا سيدي الدكتور أنك غضبان.
    طه حسين: لست بغضبان، ولكن يحق لي أن أنزعج من بعض ما أقرأ لك.
    عبد الواحد خلاف: لعل الدكتور يشير إلى مقالاته في مهاجمة الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا أحتج على إثارة هذا الموضوع في هذا المجلس.
    خلاف: الخطب سهل، ونحن نحاول تصفية القلوب.
    أحمد أمين: أنا أحتمل كل شيء إلا التعرض لنبالتي.
    طه حسين: وهل تعرض زكي مبارك لنبالتك بشيء؟ إن هذا لو صحّ لكان خروجاً على شِرعة العقل!
    أحمد أمين: لقد تعرض لنبالتي بأشياء.
    إبراهيم مصطفى: إن الدكتور زكي لم يتعرض لنبالتك يا حضرة الأستاذ.
    زكي مبارك: أنتم تخوضون في شجون من الأحاديث لا عهد لي بها قبل اليوم، فما كنت أعرف أن الأستاذ أحمد أمين فوق النقد، ولا كنت أظن أن التعرض لتفنيد آرائه يعد هجوماً على قدسيته الذاتية! فهل تعتقد يا أستاذ أني تجنيت عليك؟
    أحمد أمين: ليس لي معك كلام، ولا أقبل الدخول معك في نقاش، وأنت حرٌّ فيما تنشر من زور وبهتان.
    زكي مبارك: زور وبهتان؟ وهل النبالة أن تنطق بهذه الكلمات في هذا المجلس؟
    منصور فهمي: لاحظ يا زكي أنك جرّحت الأستاذ أحمد أمين وأن من حقه أن يعلن غضبه عليك، والنفس الإنسانية معرضة للرضا والغضب، والفرح والترح، والرجاء والقنوط. فالأستاذ أحمد أمين يعبر تعبيراً طبيعياً عن السريرة الإنسانية.
    زكي مبارك: وكيف يكون الحال لو استبحتُ من التعبير ما استباح؟
    أحمد أمين: وهل تورعت عن شيء؟ إن مقالاتك عني هي الشاهد الحيُّ على مبلغ أدبك!
    زكي مبارك: وأنا راض عما قلت فيك، وما قلت إلا الحق والصدق، وأنا أنتظر أن يغضب الله عليك فيجازيك على سوء ما صنعت في تحقير ماضي الأدب العربي.
    طه حسين: إيه الحكاية؟
    أحمد أمين: الحكاية أن زكي مبارك يقول إن طه حسين جاهل، وإن أحمد أمين جهول!
    طه حسين: خبر أسود!
    سعيد لطفي: أنا كنت أظن أن المسألة مزاح في مزاح. وأين نشر الدكتور زكي هذا الكلام المزعج؟!
    أحمد أمين: نشره في مجلة الرسالة وعند الزيات. الرسالة التي خلقتها بقلمي.
    زكي مبارك: والزيات الذي سويته بيديك!
    طه حسين: لقد قرأت المقالة الأولى قبل السفر، وأوصيت الأستاذ عبده عزام بحفظ المجموعة لأقرأها يوم أعود، وسأقرأها في هذه الأيام، فإن رأيت فيها أني جاهل وأن أحمد أمين جهول فستكون وقعتك يا زكي زيْ الزفت!
    أحمد أمين: وما ذنب لطفي باشا حتى يتعرض له زكي مبارك بسوء؟
    إبراهيم مصطفى: لقد قرأت تلك المقالات مرات…
    طه حسين: قرأتها بالقراءات السَّبع؟
    إبراهيم مصطفى: أريد أن أقول إني قرأتها بعناية ولم أجد فيها أية إشارة لسعادة لطفي باشا.
    علي عبد الرزاق: لطفي باشا لا يُغضبه أن يكون في بال الناقدين والباحثين.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا أهجم عليه من وقت إلى وقت.
    سعيد لطفي: هذا أسلوب طريف في البر والوفاء!
    طه حسين: طبعاً طبعاً، فصاحبنا زكي مبارك يتوهم أن الخلود لن يكون إلا من نصيب من يتعرض لهم في مقالاته ومؤلفاته بالقبيح أو الجميل. وأشهد أنه سَلَّ سخائم صدري يوم قال إنه لا يهجم علي إلا وهو يعتقد أن الهجوم معناه (بونجور).
    أحمد أمين: وأنا لا أريد منه بونجور ولا بونسوار!
    زكي مبارك: ولكني لن أتركك بعافية أو تكف شرك عن الأدب العربي.
    أحمد أمين: وما شأنك بالأدب العربي؟ وما هي خدماتك لهذا الأدب الذي تقول إنك تغار عليه كما تغار على عِرضك؟
    زكي مبارك: يكفي أني من تلامذة طه حسين.
    طه حسين: العفو! العفو! إني والله راض بأن تكون من أساتذة طه حسين!
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: تقتلني حين تقول (سيدي الدكتور) وأنت ترى أني جاهل وأن أحمد أمين جهول.
    علي عبد الرزاق: لم أشهد في حياتي أروع من هذا الحوار، وهو يستحق التسجيل.
    إبراهيم مصطفى: بشرط ألا يذكر فيه اسمي.
    علي عبد الرزاق: وما المانع من أن يذكر اسمك في هذا الحوار؟
    إبراهيم مصطفى: لا تعرف ما المانع. إن هذا الحديث يوم يسجَّل لن يسجله غير زكي مبارك الذي ابتدع فن الأسمار والأحاديث.
    علي عبد الرزاق: وهل تخشى أن يتزيد عليك؟
    إبراهيم مصطفى: أنا لا أخاف التزيد ولا أهاب الافتراء لأني أملك تكذيب المفتريات وأستطيع دحض الأباطيل؛ ولو كان زكي مبارك يفتري على الناس لكان أمره أخفُّ وأسهل، ولكنه مع الأسف يبرع في تصوير الصدق.
    منصور فهمي: وما الخطر من تصوير الصدق؟
    إبراهيم مصطفى: الخطر عظيم جداً. وإليك توضيح هذه المعضلة: زكي مبارك يحرص على أن يصورك في أحسن أحوالك، وأحسن أحوال المؤمن حال الصلاة. فهل تعرف كيف يصورك وأنت في صلاتك؟ يصورك وأنت راكع أو ساجد! فهل يرضيك أن تصوّر في حال الركوع أو السجود؟
    توفيق الحكيم: هذه أخيلة باريسية، وهي تشهد بروعة ذكائك يا أستاذ إبراهيم.
    إبراهيم مصطفى: العفو يا أستاذ توفيق، فتلك وثبة من الخيال ساقها هذا الحوار الطريف.
    أحمد أمين: أرجو أن تعفوني من هذه المطايبات، فلولا مراعاة المقام لانصرفت.
    طه حسين: أؤكد لك أن الدكتور زكي لم يقصد إيذاءك فيما كتب عنك. ألم تر كيف احتملته سنين وهو يلحُّ في اتهامي بالجهل؟
    زكي مبارك: لم أتهم سيدي الدكتور بالجهل المطلق، معاذ الله، وإنما اتهمته بالجهل بالقياس إلى المسيو برونو والمسيو دي لاكروا، وقد توليا عمادة كلية الآداب في باريس.
    أمين الخولي: كلام طيب يا فتوة المنوفية، فلا مانع عند الدكتور طه من أن يكون في باريس من هو أعلم منه، فقد تخرَّج في مدينة النور وهو يثني على أساتذتها في كل حين، ولكنك اتهمت الأستاذ أحمد أمين بالعاميّة الفكرية، فما هو المخرج من هذا الاتهام الفظيع؟
    زكي مبارك: لم أتهم الأستاذ أحمد أمين بالعامية المطلقة، ولكن بالقياس إلى الشيخ خربوش.
    طه حسين: ومن الشيخ خربوش؟
    زكي مبارك: الشيخ خربوش عالم علامّة لا يقاس إليه الأستاذ أحمد أمين.
    علي عبد الرزاق: ألم أقل لكم إن هذا الحوار يستحق التدوين؟
    عبد الواحد خلاف: هذا الحوار ينفع في تهدئة أعصاب الأستاذ أحمد أمين، وقد بدأ يبتسم، ولكن المهم هو الاستفادة من هذا المجلس في تغيير المذهب الأدبي للدكتور زكي مبارك، فهو أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولا أدري كيف رجع سليماً من العراق…
    توفيق الحكيم: كنت تنتظر أن يلقى حتفه هناك؟
    طه حسين: كان يستريح ويريح، كما قال أحد الكتّاب.
    زكي مبارك:
    لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ … ـت لكم خالداً خلود الجبال
    أحمد أمين: أي جبال وأي خلود؟ أليست لنا أقلام تفل قلمك بأيسر جهد؟
    عبد الواحد خلاف: أرجو أن تسمعوا بقية كلامي. إن زكي مبارك أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولكنه لا يوجِّه نشاطه إلى ما يفيد.
    زكي مبارك: وبماذا تشير أيها السيد؟
    عبد الواحد خلاف: أشير بأن تعود سيرتك يوم كنت تؤلف في النثر الفني والتصوف الإسلامي، فتوجه مجادلاتك ومصاولاتك إلى القدماء.
    طه حسين: الأمل بعيد في توجيه الدكتور زكي مبارك إلى ما يفيد وينفع.
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: فلقتني يا أخي بعبارة (سيدي الدكتور) وقد تحيرت في أمرك، فأنت في المجلس رجل لطيف، ولكنك حين تخلو إلى قلمك تنقلب إلى شيطان مَريد.
    أمين الخولي: دافع عن نفسك يا زكي فإني أخشى أن ينهزم فتوة المنوفية.
    زكي مبارك: لي كلمة يا سيدي الدكتور، ولا تؤاخذني بالحرص على هذه العبارة، فقد حضرت دروسك بضع سنين ولا أستبيح الهجوم عليك.
    طه حسين: ألم أقل لكم إن زكي مبارك رجل…
    زكي مبارك: أشكر لك هذا اللطف يا سيدي الدكتور، ثم أقول إني تلقيت عنك مبادئ الظلم والاعتساف.
    عبد الوهاب عزام: إيوه يا عم زكي، هات ما عندك هات.
    زكي مبارك: تذكرون المناوشة التي قامت بين الدكتور طه والدكتور منصور على صفحات الأهرام في سنة ١٩٢١؟
    منصور فهمي: أية مناوشة؟ ذَكِّرني فقد نسيت.
    زكي مبارك: كنت يا سيدي الدكتور أثنيت على أسلوب المنفلوطي، فهاج أستاذنا الدكتور طه وماج، ودعاك إلى أن تسمي الجمل جَملاً والأرنب أرنباً، أو كما قال، ومعنى ذلك أن المنفلوطي ليس بكاتب ولا أديب.
    طه حسين: ثم؟
    زكي مبارك: ثم جاء الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين الذي أنكر أن يكون المنفلوطي كاتباً أو أديباً فاعترف بأن الأستاذ أحمد أمين كاتب وأديب وسمح بأن يدرس أسلوبه على طلبة السنة الأولى بكلية الآداب.
    طه حسين: ما هذا الحشيش؟
    زكي مبارك: أنا لم أذق الحشيش أبداً، ولكني أؤكد أن أسلوب أحمد أمين يدرس في كلية الآداب.
    طه حسين: هذا مستحيل.
    أحمد أمين: الكلية تدرس أساليب المعاصرين جميعاً.
    زكي مبارك: وأنت كاتب ولك أسلوب؟
    منصور فهمي: احترس يا زكي من الخروج على أدب الخطاب.
    أحمد أمين: ليتكم صدقتموني حين قلت إن زكي مبارك لا ينقد الباحث نقد العالم للعالم وإنما ينقده نقد المصارع للعالم.
    زكي مبارك: وأنت عالم يا أستاذ؟ وهل يكال العلم أيضاً بمكيال؟
    أحمد أمين: العلم كله عندك، ونحن تلاميذ مبتدئون!
    علي عبد الرزاق: هذا الحوار لا يستحق التسجيل!
    عبد الحميد العبادي: هو على كل حال صورة من صور التاريخ!
    توفيق الحكيم: أنا والله شديد الحسرة على ما وصلنا إليه؛ فقد كنت أحب أن تكون بين الأدباء صداقات عظيمة كالذي يعرفه الأدباء العظماء في باريس ولندن وبرلين.
    عبد الوهاب عزام: وكالذي شهدناه بين زكي مبارك وأحمد أمين!
    طه حسين: إن ذهني لا يسيغ القول بأن النقد يفسد ما بين الأصدقاء.
    شفيق غربال: أعتقد أن الدكتور زكي رجل طيب القلب. وقد قرأت مقالاته عن الأستاذ أحمد أمين بارتياح، وجنيت منها كثيراً من الفوائد الأدبية. ولو أنه نزه قلمه عن بعض العبارات التي جرت مجرى السخرية من الأستاذ أحمد أمين لما استطاع أحد أن يوجه إليه أي ملام.
    توفيق الحكيم: ولهذه المقالات مزية أخرى غير الفوائد الأدبية، فقد بغَّضتني في الجو الأدبي عندنا وحببّت إليّ قضاء الصيف في أوروبا، ولم أرجع إلا بعد أن ظننت أنها انتهت؛ ثم كانت حسرتي شديدة حين رأيت أن زكي مبارك لا يزال يبدي ويعيد في شرح جنايات أحمد أمين. ولولا الحرب لرجعت من حيث أتيت، فمن أين يجد زكي مبارك كل هذا الكلام الطويل العريض؟
    شفيق غربال: المسئول عن هذه المتاعب هو الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا المسئول؟
    شفيق غربال: بالتأكيد أنت المسئول؛ لأنك مضيت في بحثك طول الصيف، وهيأت المجال للدكتور زكي مبارك. والذي يقدِّم الوقود للنار لا ينكر عليها الاشتعال.
    طه حسين: هل أفهم من هذا أن الجوّ الأدبي عرف الحياة في هذا الصيف؟
    زكي مبارك: يكفي يا سيدي الدكتور أن تعرف أن الأستاذ أحمد أمين نقل مكتبته إلى الإسكندرية في هذا الصيف ليجد الشواهد تحت يديه وهو يردّ عليّ.
    أحمد أمين: أنا رددت عليك؟ وهل قلتَ كلاماً يُرَدّ عليه؟
    زكي مبارك: الله يعلم كيف شغلت قلبك وعقلك، وكيف قهرتك على مراجعة المؤلفات الأدبية والمصنفات الفقهية. وهل تستطيع يا أستاذ أن تقول إنك تجهل منزلتي الأدبية؟
    أحمد أمين: إن مقالاتك في الهجوم عليّ زهدت القراء في علمك وأدبك.
    شفيق غربال: سمعت غير هذا. سمعت أن مقالات الدكتور زكي مبارك في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين دلتْ على اطلاع فائق وتفكير عميق، وسمعت من يقول إنه لم يعرف قيمة زكي مبارك إلا بفضل هذه المقالات.
    منصور فهمي: وهذا يشرح جانباً من عقلية المجتمع، فالجمهور يعرف زكي مبارك الناقد ولا يعرف زكي مبارك المؤلف؛ لأنه ينقد وهو ثائر ويؤلف وهو هادئ.
    طه حسين: زكي مبارك يصطنع الثورة في كل شيء حتى التأليف، ولكن ثورته في مؤلفاته لا تلفت نظر الجمهور لأنها في الأغلب متصلة بالقدماء، والهجوم على القدماء لا يثير تطلُّع الناس إلا حين يمس العقائد من قرب أو من بعد، كالذي وقع يوم ظهر كتاب الشعر الجاهلي.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا حرص سيدي الدكتور على تغليظ بعض الألفاظ ليوجه الأنظار إلى كتابه النفيس!
    طه حسين: وبعدين لك يا دكتور زكي؟
    زكي مبارك: لا بَعْدين ولا قَبْلين، ولكني أحب أن أعرف كيف تكون الصراحة حلالاً في وقت وحراماً في وقت؟ وكيف يحلُّ لسيدي الدكتور ما يحرُم على سائر الناس؟
    طه حسين: يظهر أنك تحب أن تتمتع بالحرية الكاملة في حياتك العقلية، ويظهر مع الأسف أنك لم تعتبر بما عاناه أحرار الفكر في هذه البلاد، فما تحسدني عليه حلال لك حين تشاء. وإني أرجو أن يبعد اليوم الذي ترجع فيه عن شططك وجموحك، اليوم الذي تيئس فيه من إنصاف الناس كما يئستُ من إنصاف الناس.
    منصور فهمي: ولكن ما الموجب للتعرض لما يمس العقائد؟
    طه حسين: اسأل نفسك يا منصور فلك مع العقائد تاريخ.
    منصور فهمي: كان ذلك في عهد الشباب.
    طه حسين: وكان مني ما كان في عهد الشباب، وإن لم يمضِ عليه غير عشر سنين، والحسرة تلذع قلبي كلما تذكرت أني لا أملك مكايدة الجماهير من جديد. وهل نكايد الجماهير إلا بفضل ما يثور في دمائنا من ثورة وطغيان؟
    عبد الواحد خلاف: ومعنى ذلك أن الدكتور زكي مبارك يكايد جماهير الأدباء لأنه لا يزال في عنفوان الشباب؟
    طه حسين: الذي أعرفه أن زكي مبارك صار من طبقة الكهول، بحكم السن على الأقل، فقد شهدت مشاغبته بدروس الأستاذ علي عبد الرزاق في الأزهر سنة ١٩١٢.
    زكي مبارك: وأنا شهدت مشاغبتك يا سيدي الدكتور بدروس الشيخ محمد المهدي في الجامعة المصرية سنة ١٩١٣.
    أحمد أمين: ومع هذه السن العالية لا يزال زكي مبارك يمعن في الغزل والتشبيب كأنه في سن العشرين.
    شفيق غربال: هذه الدعابة تدل على أن الأستاذ أحمد أمين صفت نفسه وطابت.
    طه حسين: فهل نرجو أن يكف زكي مبارك عن العدوان بعد هذا الصفاء؟
    زكي مبارك: هل تصافينا حقيقة؟
    أحمد أمين: لن نتصافى أبداً بعد الذي كان.
    زكي مبارك: يظهر أنك تستروح بالهجوم عليك، وسأخيِّب ظنك فأسكت عنك بعد ثلاث أو أربع مقالات… مساء الخير يا سيدي الدكتور، والحمد لله الذي أرجعك إلينا بخير وعافية.
    (مصر الجديدة)
    زكي مبارك
    الرسالة ٩ – ١٠ – ١٩٣٩

  • المعري – أشاعر أم فيلسوف | Al-Ma’arri — Poet or Philosopher?

    المعري: أشاعر أم فيلسوف
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يونيو ١٩٣٨

    … أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي …

    سؤال كان يُلقيه علي أحد الأصدقاء ذاتَ يوم كنا نتحدث فيه عن هذا الجزء الذي تُخصصه «الهلال» لأبي العلاء، وعن بعض ما سيُنشر فيه من الفصول.

    وكان صديقي يُريدني على أنْ أجعل هذا السؤال موضوعًا للفصل الذي سأرسله إلى الهلال؛ لأشترك في هذه التحية التي يُهديها الأدباء إلى نابغة الأدب العربي، وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، وأجبتُ عليه بأنَّ أبا العلاء شاعر وفيلسوف معًا، وبأنَّه أكثر من الشاعر والفيلسوف، فهو كاتب، وهو أديبٌ، وهو عالمٌ باللغة على أدق ما كان العرب يَفْهَمون هذه الألفاظ في عصره.

    وقد مرت الأعوام واختلفت الظروف، وعَرفتُ أشياء كنت أجهلها، وجهلتُ في أكبر الظن أشياء كنتُ أعرفها، ولكنَّ رأيي لم يتغير في أبي العلاء، فما زلتُ أراه شاعرًا وفيلسوفًا، وكاتبًا وأديبًا وعالمًا باللغة أيضًا، ولَعَلَّ رأيي فيه قد ازداد قوَّةً، ولَعَلَّ اقتناعي بإضافة هذه الخِصَال إليه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مِمَّا هو الآن، كما يقول المُتجادلون في السياسة عندنا بين حين وحين.

    ومن الحقِّ أن أحدًا من الناس لم يُجادِلُني في أنَّ أبا العلاء شاعر أو كاتب أو أديب أو عالم باللغة، ولكنَّ من الناس من جادلني في أنَّ أبا العلاء فيلسوف، ولعلَّ أشدهم لي مُجادلة في ذلك الأستاذ نيكولسن المستشرق الإنجليزي المعروف. فهو لا يرى في حِكْمَة أبي العلاء التي تمتلئ بها اللزوميات، والتي تَشِيعُ في غير اللزوميات من كتبه مَظْهرًا من مظاهر الفلسفة كما يفهمها أهلُ هذا العصر الحديث، وإنَّما يَرَاها حِكْمَةً عادية تقومُ على التأمل والتفكير.

    وأخص ما يحول عنده بين أَبي العلاء وبين لقب الفيلسوف أنَّه لم يُقِم لنفسه مذهبًا فلسفيًّا واضح الإعلام؛ مُتميز النواحي مُتصل الأجزاء، نستطيع أن نبينه ونرسم حدوده كما نبين المذاهب الفلسفية ونرسم حدودها؛ حين نتحدث عن أفلاطون أو أرسططاليس أو أي فيلسوف من فلاسفة العصر الحديث.

    فالأستاذ نيكولسن يرى إذن من الإسراف وصف أبي العلاء بأنَّه فيلَسُوفٌ، ووصف اللزومِيَّات بأنَّه كتاب من كُتب الفَلسفة، ومع ذلك فأبو العلاء فيلسوف وكتاب اللزوميات كتاب فلسفي ما أشكُّ في ذلك ولا أتردد في إعلانه والجدال عنه، وكل ما في الأمر أننا مُحْتَاجُون إلى أنْ نَتَّفق على معنى الفيلسوف، وعلى معنى الفلسفة حين نُضِيف إليها كتاب كاللزوميات.

    وقد أذكر أني حددتُ مُنذ أكثر من عشرين سنة هذين المعنيين حين أضفتهما إلى حكيم المَعرة؛ وفهمتهما على نحو ما كان يفهمهما القدماء من اليونان والعرب. فالفيلسوف عندي هو الرَّجُل الذي يبحث عن الحق ما استطاع، فإذا استكشفه أو استكشف ما يعتقد أنه الحق، لاءم بين علمه وعمله، ورَتَّب حياته اليومية على ما يُهديه إليه عقله من حقائق الأشياء وأصول الأخلاق.

    وفهمتُ من الفلسفة ما كان يفهمه منها قدماء اليونان والعرب أيضًا، ورتبتها على نحو ما كانوا يُرَتِّبونها، فقَسَّمْتُها إلى فلسفة طبيعية وفلسفة رِيَاضِيَّة، وفلسفة إلهية وفلسفة عملية، ثُمَّ رأيت أنَّ أبا العلاء قد كان فيلسوفًا بهذا المَعنى الذي كان به فلاسفة اليونان والعرب فلاسفة، وأنَّ كتاب اللزوميات قد كان فلسفيًّا بنفس المعنى التي كانت به الكُتب المختلفة التي وضعها الفلاسفة كتبًا فلسفية، ولكنه كان يزيد عليه شيئًا يرفع من مَرْتَبَته ويُعلي من مَنْزِلته ويجعله مُمتازًا بين كتب الفلسفة بنفس هذه الخصلة التي امتازت بها قصيدة لوكريس في طبيعة الأشياء، وهي المَيْزة الفنية العليا؛ ميزة الشعر.

    أمَّا أنَّ أبا العلاء كان فيلسوفًا بهذا المعنى القديم؛ فما أحسبُ أنَّ أحدًا يستطيعُ أنْ يُنكرَ ذلك أو يُجادِل فيه، فقد أفنى أبُو العلاء عمره بحثًا عن الحق، ولَعَلَّه بذل في ذلك من الجهد الشخصي المُمْتَاز ما لم يبذُلْه كثير من الفَلاسفة الذين لا يُجَادِلُ أحدٌ في إضافة الفلسفة إليهم. ذلك أنَّ أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا مُقَلِّدًا، أو قُل — إذا أردت الدقة في التعبير — إنَّه لم يكن منتميًا إلى مذهب بعينه من مذاهب الفلاسفة يُؤمن بأصوله المُقررة ويُضيف إليه ما يستكشفه بعد البحث والاجتهاد، وإنَّما كان مفكرًا بأوسع معنى لهذه الكلمة، يتعمق التفكير في كل ما يعرض له من المسائل.

    وكان مستعرضًا لكل المذاهب الفلسفية، التي عرفها المسلمون في عصره يُلم بها جميعًا فيأخذ منها ويدعها، ثم يدع ما أخذ ويأخذ ما ترك، حتى كانت حياته كلها — ولا سيما بعد العُزلة — تفكيرًا مُتصلًا ونقدًا مُسْتَمرًّا وتنقلًا بين الآراء والمذاهب الفلسفية، واستكشافًا لأشياء لعلَّ القُدَمَاء لم يَسْبِقُوه إليها. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تقول: إنَّه كان أفلاطونيًّا، أو إنه من أصحاب أرسططاليس، أو أنه كان من أصحاب الرواق، أو أنه كان من أصحاب أبيقور.

    ولكنك تستطيع أنْ تقول: إنَّه كانَ مِن هؤلاء جميعًا، يأخذ من كل فريق منهم ما يرضيه وما يُلائمه في اللحظة التي يُفكر فيها، بل أنتْ لا تستطيع أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز اليوناني، أو على الطراز الإسلامي اليوناني، ولا أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز الهندي، أو على الطراز الفارسي، ولكنه كان فيلسوفًا على طراز هذه الأمم جميعًا.

    يأخذ من فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة المسلمين، ومن حُكماء الفرس والهند، ثم لا يكفيه ذلك فيُشارك في فقه الفقهاء وحديث المُحَدِّثين وكلام المُتكلمين وتصوف المتصوفة وتشيُّع الشيعة، ثم لا يكفيه هذا كله، بل يُشارك في علوم اللغة، ويُقرب هذه العلوم إلى الفلسفة ويُخْضِعُها للفلسفة، ويستخرج منها نظامًا فلسفيًّا طريفًا ما زال في حاجة إلى من يفرغ له، ويوفيه حقه من البحث والدرس.

    لم يكن أبو العلاء إذن فيلسوفًا مُتبعًا أو مُقلدًا، أو مقصورًا على مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، وإنما كان مُتخيرًا؛ كان أشبه بالنحلة التي تنتقل بين الزَّهر لا في هذه الروضة أو تلك، بل في كل ما يُمكن أن تُلِمَّ به من الرِّياض، فتأخذ من كل زهرة تقف عندها، ومنْ كل روضَة تُلِم بها، وتسيغ هذا كله وتستخلص منه هذه الفلسفة الغريبة المختلفة المتناقضة التي تمتلئ بها اللزوميات والتي تنتثر وتنتظم فيما ألف من الكتب المختلفة.

    كان الرجل جاهدًا في التماس الحق والبحث عنه، وكان صادق الجهد خالص النية في هذا البحث، وكان ملائمًا بين ما يستكشف من الحق وما يأخذ نفسه به من قوانين الحياة اليومية. وأغرب ما نجده عند أبي العلاء هو أنه على كثرة تنقله بين مذاهب الفلسفة التي عَرفتها الأمم المتحضرة كلها، وعلى كثرة ما نجد في آرائه من التناقض والاضطراب، قد رسم لنفسه خطة عملية لم تتغير، وفرض على نفسه سيرة لم ينلها الاضطراب، وإنَّما لزمها مُنذ عاد من بغداد إلى أنْ فَارَقَ الدُّنيا، لم ينحرف عنها يومًا أو بعض يوم، فقد اضطربت حياته العقلية أشد الاضطراب، وهدأت حياته العملية أشد الهدوء.

    وكان هذا التناقض بين الحياة العملية الهادئة الرَّاكدة والحياة العقلية الثائرة الجامحة، مظهر شُذوذ أبي العلاء، ثم مظهر نبوغه وتفوقه وامتيازه على كل من أنتجت الحياة العقلية الإسلامية من الفلاسفة والشعراء، ذلك أنَّه لم يكن فيلسوفًا فحسب، ولو كان شاعرًا ليس غير لاضطربت حياته العملية كما اضطربت حياته العقلية، ولكنَّه جمع بين الخصلتين؛ جمع التفوق العقلي الذي هدَاهُ إلى غرور الحياة وأقنعه بالهدوء والعُزلة والتخفف من الأثقال، إلى التفوق الفنِّي الذي دعاه إلى التفكير في كلِّ شيء والنَّقد لكل شيء والتصوير لكل ما أساغه، والتعبير عن كل ما تصوره في صورة فنية رائعة، كما كان الناس يتصورون الروعة في ذلك الوقت. وقد كنت أقرأ مُنذ حين فصلًا رائعًا لبول فاليري عن الفنان العظيم ليونارد دي فنشي، وقد حاول بول فاليري في هذا الفصل أنْ يقرب بين ليونارد وبين الفلسفة، بل أن يجعله فيلسوفًا، غاية الأمر أنه أعرب عن فلسفته بآثاره الفنية التصويرية، ولم يُعرب عنها بما تعود الفلاسفة أن يُعربوا به عَنْ فلسفتهم من الألفاظ.

    وقد انتهى بول فاليري إلى إثبات أنَّ الفلاسفة آخر الأمر ليسوا إلا جماعة من أصحاب الفن هم كالشعراء والمثَّالين والمصورين يرون الطبيعة والحياة والكون على نحو ما، ثم يظهرون ما رأوا في هذا البناء الفلسفي الجميل الذي يهدي إلينا اللذة والمتاع.

    ومن الأدلة القاطعة عنده على صحة هذا الرأي أننا ما زلنا وسنظل نقرأ أفلاطون، وليبنتز، وسبينوزا؛ فنجد في قراءتهم لذة ومتاعًا لا يَرْتقي إليهما الشكُّ، ومع ذلك فما أكثر ما بطل من فلسفة هؤلاء الفلاسفة، وما أقل ما بقي منها.

    فما مصدر هذه اللذة التي نجدها في أشياء نعلم أنَّ الفلسفة الحديثة والعلم الحديث قد قضيا عليها قضاء أخيرًا، أليس هُنَاك شبه بين هذه اللذة وبين اللذة التي تجدها عندما تقرأ هوميروس أو فرجيل أو دانت؛ أي ليس هنالك شبه بين اللذة التي نجدها حين نقرأ الفلاسفة، واللذة التي نجدها حين نقرأ الشعراء، بل لا شك في أنَّ هاتين اللذتين مُتقاربتان أشدَّ التقارب، وهُمَا مُتقاربتان؛ لأنَّ في الفلاسفة حظًّا من الشعر، أو لأنَّ في الشعراء حظًّا من الفلسفة، أو لأنَّ في أولئك وهؤلاء حظًّا مُشتركًا من الفن هو الذي يمنحنا هذه اللذة.

    وقد فكرتُ في أبي العلاء حين كنت أقرأ هذا الفصل كما فكرتُ في لوكريس، وكما فكرتُ في أفلاطون، كلهم شاعرٌ وإنْ كان ثالثهم لم يتَّخذ النَّظم وسيلةً إلى إعلان شعره، كلهم شاعرٌ وكلهم فيلسوف، وكلهم يستطيع أن يعجبنا ويمتعنا بهذا المزاج الرائع الذي يلذ قلوبنا وعقولنا.

    فمن قال إنَّ أبا العلاء شاعر فهو لم يخطئ الحق، فشاعرية أبي العلاء لا شك فيها، ولعلها قد قصرت من بعض النواحي عن شاعرية أبي تمام وأصحابه من المُبصرين، ولكنها قد تفوقت من بعض النَّواحي على شاعرية هؤلاء المُبصرين لأنها تَعَمَّقت من الحقائق ما لم يتعمقوا، وسَمَتْ من الحكمة إلى ما لم يسموا إليه. ومن قال إنَّ أبا العلاء فيلسوف لم يُخطئ الحق أيضًا؛ فقد رأيت أن الرَّجل قد شارك الفلاسفة في فلسفتهم، ولعله قد قصر عما وصل إليه ابن سينا، أو الفارابي من تعمق بعض النظريات، ومن إقامته المذاهب المنسقة المُنظمة المُضطردة التي لا يُفسدها الاضطراب والاختلاف، ولكنه قد تفوق على هؤلاء الفلاسفة؛ لأنَّه استنزل الفلسفة من معقلها وأحياها في البيئة التي يعيش فيها الناس، وجعلها إنسانية لا تبلغ العقول وحدها، ولكنها تبلُغ القلوبَ فتشيع فيها الحب والرَّحمة والحنان، كما تشيع فيها السُّخط والثَّورة والغَضب، ولكنَّه سخط لا ينتهي إلى البُغض، وثورة لا تنتهي إلى الحقد، وغضب لا ينتهي إلى إفساد ما بين الناس من الصلات.

    أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جَمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي كما قلتُ ألف مرة، وكما سأقول ألف مرة أيضًا.

    على أنَّ هناك ناحية أشرتُ إليها منذ حين لم تُدرس كما ينبغي من فلسفة أبي العلاء وفنه معًا، وهي خليقة بالدرس وخليقة بالإعجاب، ولها خطرها في تصوير نفسية هذا الشاعر الفيلسوف، فلمْ يملك أحد أمر اللغة العربية كما ملكه أبو العلاء، ولم يفرغ أحد للغة العربية كما فَرَغ لها أبو العلاء، ولم يتحكم أحدٌ في ألفاظ اللغة العربية كما تحكم فيها أبو العلاء.

    أنفق صباه وشبابه في الدرس والتحصيل والمشاركة في الحياة الأدبية على نحو ما كان يفعل المُثقفون الممتازون في عصره، ثم كانت المِحْنة واضطر إلى العُزلة، ولَزِم داره، وأصبح رهين المحبسين أو رهين المحابس الثلاثة، رهين داره ورهين جسمه ورهين هذه الآفة التي حالت بينه وبين النظر إلى الطبيعة، وما يضطرب فيها من الكائنات.

    فعكف على نفسه ونظر فيها، فماذا وجد؟ وجد معانٍ لا تكاد تُحصى قد حصَّلها أثناء الدرس، وما زال يحصلها بعد العُزلة، ووجد ألفاظًا قد اجتمعت له من درسه اللُّغوي، وكان حَظُّه مِن هذه الثروة اللفظية عظيمًا، ثم نظر؛ فإذا هو مُضطرٌ إلى أنْ يُنفق حياته بين هذه المعاني، وهذه الألفاظ لا يستطيع أنْ يُفلت منها، ولا أن يخلص من إلحاحها عليه.

    إذا نظر في المعاني اضطربت آراؤه وثارت في نفسه العواطف المتناقضة والأهواء المتضاربة، وإذا نظر في الألفاظ أخذه الإعجاب بكثرة ما وعى منها، فهو إذن مُضَّطر إلى أن يُقاوم هذه المعاني، وإلى أن يُقاوم هذه الألفاظ، وإلى أن يحول بينها وبين أنْ تتحكم فيه، وسبيله إلى ذلك أن يتحكم فيها هو، وأن ينفق حياته مُزاوجًا بين تلك المعاني وهذه الألفاظ، وكذلك فعل.

    فأنت لا تراه إلا عابثًا بالمعاني وعابثًا بالألفاظ، يُلائم بين المعنى والمعاني، ويُخالف بين المعنى والمعنى، كما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ، وكما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ والمعاني، وإنك لتقرأ ما بقي لنا من آثاره فلا تكاد تدفع عن نفسك الشعور بأنَّ هذا الرَّجل قد خلَّى بينه وبين المعاني والألفاظ؛ فهو يلعبُ بها ويتلهى بهذا اللعب؛ لأنه لا يجد شيئًا آخر ينفق فيه وقته وجهده.

    وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تفهمَ هذه الخطة العنيفة التي فرضها على نفسه في «اللزوميات» فأخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم في القافية، كما أخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم من النظم على جميع حروف المعجم، وعلى هذا النحو أيضًا تستطيع أن تفهم «الفصول والغايات»، فقد فرض على نفسه في النثر شيئًا قريبًا جدًّا مما فرض على نفسه في الشعر، فهو يضع فصوله هذه الكثيرة يلتزم السجع في كثير منها، ولكنه يجعل لكل فصل منها غاية، ويلتزم في هذه الغاية هذا السجع، ويأبى إلا أنْ يُقيم هذه الغايات على حروف المعجم كلها كما أقام اللزوميات على حروف المعجم كلها.

    وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه القِصَّة اليسيرة الظريفة التي عَرَضَ لها في رِسَالة الغُفران، حين ذكر قصة خلف الأحمر مع أصحابه، وقد سألهم عن بيتي النمر بن تولب:

    ألم بصحبتي وهم هجوعخيال طارق من أم حصنلها ما تشتهي عسلًا مصفىإذا شاءت وحواري بسمن
    فسألهم ما عسى أن تكون قافية البيت الثاني لو أنَّ الشاعر قال في البيت الأول «أم حفص» فلما سكتوا قال خلف الأحمر «حواري بلمص»، فينتهز أبو العلاء هذه الفرصة، ويُفرع عليها كما يقول، ويفترض قافية البيت الأول على الهمزة، ثم على الباء، ثم على التاء، ويَمضي في ذلك حتى يبلغ آخر المُعجم، وقد أتى بالألاعيب والأعاجيب وأشْعَرَك بأنَّه رجل قد فرغ لهذا النحو من اللعب.

    لعبه بالألفاظ لا شك فيه ولعبه بالمعاني لا شك فيه أيضًا. وهل رسالة الغفران إلا نحو من هذا اللعب، وهل كان يستطيع أن يلعب بالألفاظ دون أن يلعب بالمعاني؟ فلكل لفظ معناه، ولا يستطيع الإنسان أنْ يتصور المعاني المُجَرَّدة التي لا ألفاظ لها، فالمعاني ألفاظ إن شئت، والألفاظ معانٍ إن أحببت، واللاعب بهذه لاعب بتلك.

    وقد لعب أبو العلاء بهذه وتلك ما يقرب من نصف قرن، وكانت نتيجة هذا اللعب ما ترك لنا من آثاره الخالدة التي جمعت بين وقار الفلسفة وجمال الفن.

    وخصلة أخرى لا بد من أن أُلِمَّ بها قبل أن أريح القُرَّاء من هذه الثرثرة، وهي أنَّ أبا العلاء بحكم هذا اللعب الفني الفلسفي أكثر الشعراء العرب حضور إرادة في آثاره الفنية، فهو لا يُصور عن طَبْعِه ولا يُرسل نفسه إرسالًا على سجيتها؛ فيما ينظم من الشعر أو يُؤلف من النثر. هو لا يستسلم للعاطفة، ولا يمضِي مع الهَوى، ولا يُلقي قياده إلى الطبع، وإنما هو مُفكر دائمًا مُتخير دائمًا، مُريد ما يقول مُتعمد ما ينظم وما يكتب.

    هو كما يقول بول فاليري: لا يقول الشعر والنثر وإنما يعملهما، يدعوه إلى ذلك هذا اللعب الفني الذي أشرت إليه، وحرصه على التحكم في الألفاظ والمعاني، وتعمده للصناعة الفنية وتجمله بها، ومُلاحظته لنفسه ونقده لغته كما تدفعه إلى ذلك حاجته إلى الاحتياط والتحفظ، واتقاء ما عسى أن يورده مَوَارِد التُّهم أو يُعرضه للسخط والنكير.

    والغريب أنَّ هذا الرجل كان يرى أنَّه مُجبَر، وأنه لا حظَّ له من الاختيار في شيء فيما يأتي أو يدع، حتى في اللزوميات. وهو مع ذلك أعظم شعرائنا حظًّا من الاختيار، وأعظمهم حظًّا من الإرادة وأعظمهم تعمدًا لما يصدر عنه من المعاني والألفاظ، وليس هذا هو المظهر الوحيد من مظاهر التناقض في حياة أبي العلاء، فقد كانت حياته العقلية كلها تناقضًا كما رأيت، ولكنَّ هناك مظهرًا آخر من مظاهر التناقض في أمر أبي العلاء كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء فيه. فقد كان الرجل مُعتزلًا زاهدًا أشدَّ الزهد في أن يحفل الناس به أو يتحدثوا عنه.

    فكيف كان يرى أبو العلاء كثرة ما يقول الناس فيه الآن؟ وكيف يتلقى عنايتهم به وإكبارهم له، وهذه الجهود التي أخذوا يبذلونها في درسه وفهمه وتفسيره وتخليد ذكره؟ وكم كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء في نظر الأجيال إليه بعد أنْ مَاتَ، ولكنْ كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل لأبي العلاء علم ببعض ما يُكتب عنه أو يُقال فيه؟

  • إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره | The Revival of Arabic Literature — Its Necessity and Some of Its Forms

    إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
    طه حسين
    مجلة الهلال
    فبراير ١٩٣٤

    في كلمة «الإحياء» هذه تجوُّز غير مستحسن ولا مستساغ؛ فليس الأدب العربي ميتًا، ولم يمت الأدب العربي منذ عرفه التاريخ فيحتاج إلى الإحياء. إنما اختلفت عليه أطوار يعرفها الناس من الفتور والضعف، وكان آخر هذه الأطوار هذا الطور الذي أدركه القرن الماضي، وجدَّ في إزالته أو تغييره فوُفِّقَ في ذلك إلى الكثير.

    ثم جاء هذا القرن فكان حظه من التوفيق أكمل وأشمل، ولعل مصدر هذا التجوُّز الرديء خطأ أو تقصير في ترجمة الكلمة الفرنسية رينيسانس، فلأمرٍ ما خطرت لنا هذه الكلمة وخطر لنا معناها وتاريخها عند الغربيين حين وازنَّا بين أدبنا العربي الحديث وأدبنا العربي في العصور التي سبقت عصرنا هذا الذي نعيش فيه؛ فلم نرَ بدًّا من أن نعبر عن نشاط أدبنا بعد فتوره، وقوَّته بعد ضعفه بما عبر به الفرنسيون عن حياة الآداب القديمة بعد موتها، ويقظتها بعد نومها الطويل، ومع ذلك فقد كان الفرق عظيمًا بين حياة الأدب العربي في عصور ضعفه وخموده، والآداب اليونانية واللاتينية في أواخر العصور الوسطى: كان الأدب العربي حيًّا ولكنه كان مريضًا، وكانت الآداب اليونانية واللاتينية ميتة أو قريبة جدًّا من الموت، لا يكاد أحد يعرف من أمرها شيئًا.

    كان الناس يعرفون اللاتينية، ولكنهم كانوا يعرفونها من حيث هي لغة الكنيسة، ولغة ما كان عندهم من الفلسفة. أما اللاتينية من حيث هي لغة الأدب على اختلاف صوره أو أشكاله فكانوا يجهلونها جهلًا عميقًا. فأما اليونانية فقد كان المثقفون من أهل القرون الوسطى إذا رأوا نصًّا من نصوصها مكتوبًا قالوا تلك الجملة التي سارت مَسِيرَ الأمثال: «يوناني فلا يقرأ.»

    فليس غريبًا أن تُسَمَّى هذه الحركة — التي ظهرت في عصر النهضة وردت الحياة إلى آداب اليونان والرومان وأذاعتها بين الناس — إحياءً أو بعثًا؛ لأنها كانت كذلك في واقع الأمر. أما أدبنا العربي فقد كان قبل هذا العصر الحديث حيًّا بأدق معاني هذه الكلمة؛ كان الناس يتخذونه مظهرًا لما يحسون ويشعرون، ووعاءً لما يفكرون وينتجون. كانوا يكتبونه ويجرونه على ألسنتهم. كانوا إذا أرادوا أن ينظموا الشعر نظموه عربيًّا مستقيم المادة والصورة والوزن، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا النثر كتبوه عربيًّا سائغًا لهم محببًا إليهم، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا العلم والفلسفة كتبوهما في لغة عربية لا فساد فيها.

    وكان كل ما يشكو منه الأدب العربي إنما هو الضعف والفتور وقصور الكائن المريض، وكان مصدر هذا المرض أن أصحابه كانوا مرضى، فلما أبلُّوا من مرضهم شيئًا أَبَلَّ الأدب معهم من مرضه شيئًا؛ فالعصر الحديث لم يُحْيِ الأدب العربي، وإنما نَشَّطه وقوَّاه وأذكى جذوته. والناس يتساءلون بعد ذلك: أكان ضروريًّا تنشيط هذا الأدب وتقويته وإذكاء جذوته؟ ومعنى هذا السؤال: أن الناس حين يلقونه يريدون أن يتبيَّنوا أكان ضروريًّا أن ينشطوا هم بعد فتور، ويقوَوْا بعد ضعف، وتذكو جذوة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بعد خمود؟! واضح أن أقل ما يوصف به هذا السؤال أنه غريب؛ فكل مريض مدفوع بطبيعته إلى حب الصحة والرغبة فيها، وكل ضعيف مدفوع بطبيعته إلى حب القوة والطموح إليها، فإذا ظفر المريض بالصحة حرص على استبقائها، وإذا ظفر الضعيف بالقوة حرص على الاستزادة منها.

    ولقد يكون من المضحك أن نتصور الشرقيين من العرب وقد صحت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ألسنتهم مع ذلك لا تُبِين وأقلامهم مع ذلك لا تجري بما يصور هذه النفوس الصحيحة القوية، وهذه العقول الخصبة الزكية، وهذه القلوب الغنية بألوان العواطف والشعور؛ هذا شيء لا سبيل إليه، بل لا سبيل إلى تصوُّره إلا لمن يريد العبث والدعابة.

    فنشاط الأدب العربي إذن ظاهرة لم يكن منها بدٌّ، دُفِعْنَا إليها دفعًا وأُكْرِهْنا عليها إكراهًا، ولم تكن لنا طاقة بالعدول عن هذه الظاهرة ولا بالمضي في حياتنا الحديثة سراعًا وتخليف الأدب من ورائنا مغرِقًا في النوم. ومع ذلك فإنَّا لم نأخذ من تنشيط الأدب العربي في أول الأمر إلا بأبسط صوره وأيسر أشكاله ومظاهره: وجدت بيننا المطبعة فأردنا استعمالها؛ فنشرنا بعض ما كان عندنا من الكتب، وبعض ما أوحت إلينا الحياة من خواطر، ثم أعجبتنا نتيجة هذا النشر؛ فأغرينا بها ومضينا ننشر الكتب ونحاول تأليفها، وكلما ظفرنا من ذلك بقسط دعانا الظَّفَر إلى أن نبتغي قسطًا آخر، حتى انتهينا من نشر الأدب القديم إلى حيث نحن الآن. وظاهر أن هذا النشر لم يكن غاية تُقصَد لنفسها، وإنما كنا ننشر الكتب لنقرأها، وكنا نقرؤها لنجد فيها اللذة والعلم، وكنا إذا وجدنا اللذة والعلم حاولنا المجاراة والتقليد؛ فكانت النتيجة الأولى لنشر الأدب القديم في الكتب والصحف: نشره في النفوس، ودفع النفوس إلى الإنتاج.

    وكل ما أخافه، وكل ما آسف لأننا تورطنا فيه بالفعل هو أن نظل على ما كان عليه آباؤنا الأقربون من فهم النشر والإذاعة للأدب القديم؛ فنشر الكتب عندنا إلى الآن نَسْخٌ ليس غير. هو تكرار لنسخة مخطوطة من كتاب نظفر بها، فنريد أن نكررها ونذيع منها صورًا كثيرة بين الناس. على ذلك مضينا منذ بدأنا ننشر الكتب، ولم نكد نتجاوز هذا الطور إلا قليلًا. على حين أخذ الأوروبيون من قبلنا ينشرون أدبنا العربي نشرًا علميًّا صحيحًا دقيقًا محقَّقًا بمقدار ما سمحت لهم ظروفهم الخاصة؛ فكانت الكتب التي نشروها أقوم جدًّا وأدنى جدًّا إلى النفع والفائدة والصواب من الكتب التي نشرناها.

    ويكفي أن تنظر لتاريخ الطبري الذي أذاعه الأوروبيون، والذي أذعناه نحن؛ لتتبين ما بينهما من الفرق المؤلم العظيم. وأغرب من هذا وأدعى إلى الحزن أن قومًا منا اتخذوا نشر الكتب تجارة، وليس بذلك بأس، ولكنهم جعلوا الغش والتدليس والإهمال قوام تجارتهم؛ رأوا كتبًا نشرها الأوروبيون مُحَقَّقَة مدروسة فنشروها في غير درس ولا تحقيق، وانتبهوا بها إلى لون من الفساد يراه الأوروبيون فيحنقون ويسخرون ويزدرون.

    وأغرب من هذا أن كتبًا أخرى سبقنا نحن إلى نشرها على طريقتنا المهملة، فتداركها الأوروبيون بالتنقيح ووضع الفهارس. وقصة الأغاني وخزانة الأدب وصبح الأعشى مشهورة ذائعة بين الناس. وقد عنيت الدولة منذ زمن بعيد بما سمته إحياء الأدب العربي؛ فأخذت في نشر كتب كثيرة، ولكن عنايتها هذه لم تزد على أن كررت النسخ المخطوطة وأذاعتها؛ رقَّت الكم ولم ترقِّ الكيف، كما يقول أصحاب المنطق.

    والآن وقد قامت الجامعة وأُنْشِئ المجمع اللغوي، نرجو أن يُوَفَّق المصريون إلى أن يذيعوا الكتب القديمة على وجه ملائم لحاجة الناس وأصول العلم، وما نظن أن ذلك سيكون يسيرًا أو قريبًا؛ فإن لذلك سننًا وتقاليد جاءت للأوروبيين من عنايتهم القديمة بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، ولن نظفر نحن من ذلك بما ظفر به الأوروبيون إلا إذا عرفنا ما عرفوا وسلكنا من الطرق ما سلكوا، ونحن مع الأسف بعيدون من ذلك كل البعد. على أن هذا المظهر من تنشيط الأدب القديم هو أبسط المظاهر كما قلت وأدناها إلى السذاجة، فأما التنشيط الصحيح الخصب فهو في شيء آخر غير النشر وغير التقليد، وله فيما أظن مظهران أساسيان: أحدهما يأتي من العلماء، والثاني يأتي من الأدباء.

    فأما المظهر الأول فهو هذا الدرس العلمي الدقيق العميق الذي يمكِّن العلماء من تصوير الأدب القديم على اختلاف أشكاله وإظهاره للناس كما كان، وكما ينبغي أن يفهمه العقل الحديث، وقد أخذنا نسعى في ذلك ونبلغ منه طورًا مهما يكن يسيرًا فليس به بأس، وهو بدء حسن لطريق خصبة تبشر بالفوز العظيم. ويكفي أن تقرأ طائفة من الكتب التي أخذت تظهر في درس الأدب العربي منذ أول هذا القرن لترى أننا لم نقف عند الإذاعة والتقليد.

    وأما المظهر الثاني فهو تَأَثُّر نفوسنا وقلوبنا وشعورنا وعواطفنا بحياة القدماء وآثارهم، وإظهار هذا التأثر في لغة حديثة بأسلوب حديث، يقرؤه الناس فلا يعدلون به، ولا يؤثرون من دونه ما يكتبه الأوروبيون من آثارهم المختلفة. هو هذا التملك لحياة القدماء والاستئثار بها والاستيلاء عليها، واتخاذها حياة لنا نحسُّها ونشعر بها كما كان يحسها القدماء أنفسهم وكما كانوا يشعرون بها، ثم نصورها بلغتنا الحديثة وأسلوبنا الحديث كما كانوا يصورونها بلغتهم القديمة وأسلوبهم القديم. هذا هو النحو من التعاون الأدبي بين الأجيال، الذي جعل الإلياذة غناءً بعد أن كانت قصصًا، ثم جعلها تمثيلًا بعد أن كانت غناءً، والذي جعل آداب اليونان أوعية لحياة الرومان، ثم جعل آداب أولئك وهؤلاء أوعية لحياة الأوروبيين المحدثين.

    هو هذا النحو الذي مَكَّن كورني وراسين وشكسبير وجوت من أن يستغلوا أدب القدماء من اليونان والرومان؛ فينتجوا آثارًا خالدة من آيات البيان الإنساني الباقي على الزمن. هذا النحو هو الإحياء الصحيح للأدب القديم، وهو الذي لم نكد نتقدم فيه قليلًا ولا كثيرًا، وإذا كان الفحول الذين أشرت إلى بعضهم آنفًا من الأوروبيين قد استطاعوا أن يبلغوا ما بلغوا من إحياء الآداب اليونانية واللاتينية على هذا النحو مع اختلاف ما بينهم وبين اليونان والرومان من الصلات، ومع بُعد الزمن وتباين الجنس واللغة والدين والثقافة، فكيف بنا نحن والفروق بيننا وبين العرب القدماء إن مسَّت الزمن والبيئة والثقافة فهي لا تكاد تمسُّ الجنس، وهي لا تمس اللغة والدين بحال من الأحوال، ولكن السبيل إلى هذا الإحياء طويلة شاقة عسيرة، قوامها قبل كل شيء تقريب الأدب القديم من نفوس الشباب، وتمكينهم من أن يفهموه على وجهه ومن أن يمزجوه بنفوسهم وحياتهم كلها. وإنما يكون ذلك في المدرسة أولًا، وأين مدرستنا من هذا؟! ومتى تصل مدرستنا إلى هذا؟!

  • النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة | Arabic Prose in the Second and Third Centuries of the Hijra

    النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة
    طه حسين
    مجلة المقتطف
    فبراير ١٩٣١

    قسَّم الأدباءُ ومُؤرِّخو الأدبِ العربي الكلامَ إلى مَنْظُوم ومَنثور، فزعموا أنَّ المنظوم هو ما تقيَّد بالوزن والقافية، والمنثور ما كان طليقًا منهما. ونشأ عن هذا أن انقسموا إلى قسمين:

    (١) الشعراء وأنصارهم.
    (٢) الناثرين ومؤيديهم.
    فذهب الأوَّلون إلى أنَّ الشعر يُكلِّف صاحبَهُ الوزنَ والقافيةَ، وأنهُ ديوان العرب، فيه قُيِّدت مفاخرهم، وإليه يُرجَع الفضل في تخليد ما لهم من فضائل قديمة، ثم مضوا إلى أكثر من هذا في أنهُ يلائم الموسيقى وموضوع الغناء، فهو مصدر اللذة الغنائية والموسيقية، وقالوا: إنَّ الشاعرَ يُنشِد واقفًا، بينما يتكلم الناثر واقفًا أو جالسًا على حد سواء؛ فهو أفضل من النثر.

    وقال الآخرون: لا نُنْكِرُ ما للشعر من فضيلة ومَزِيَّة، ولكِنَّهُ لا يكونُ إلا فنًّا من فنون اللهو، بينما النثر يَفي بضَرُوريات الحَياة؛ فهو لغة السياسة، ولغة الدين، ولغة العلم. وإذن فقد يكون الشعر ذا مكانة، ولكنَّ النثر أشد مَساسًا بحاجات الإنسان، وأشد اتصالًا بما ينتجهُ؛ فالنثر أفضل من الشعر.

    ولا يكاد يخلو كِتاب من كُتب الأدب الضخمة من خلاف بين الشعراء والكُتَّاب وأنصار كل منهما، ومصدر هذا أنَّ الذين يدرسون الأدب العربي لا يُقدِّرون مكانة الشعر ومكانة النثر من الحياة بقدر ما ينبغي؛ فالشِّعْرُ ضرورة من ضروريات الحياة في طور من أطوارها، فإن انْقَضَى هذا الطور أصبح الشِّعْرُ عَاجزًا عن أنْ يقوم بشيء من ذلك، وأصبحَ النثر خليفته، يُصور الأشياء الجديدة.

    والشعر الذي كان ضرورة أولًا يُصبح في الطور الثاني ضربًا من الفُكاهة والتَّرف، والحياة لا تستطيع أن تستغني عن كليهما.

    وكذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم التي كان لها حياة أدبية، وكان لها شعرٌ ونثرٌ، نُلاحظ أنَّ حياتها الأدبية قد بَدَأتْ شِعرًا، وأنَّ النثر قد وُجِد فيها قبل أن يُوجَد الشعر بزمنٍ طويل — وإذا قلتُ نثرًا فلا أعني لغةَ التخاطب، إنما أقصد النثرَ الذي يفهمهُ الأديب — فالأمم التي لها أدب قبل أن تُعبِّر عن عواطفها وميولها بالنثر عبَّرتْ عن لذتها وآلامها بالشعر، وكان الشعر هو لسانها الأدبي. فلما تطوَّرت هذه الأُمَمُ وارتقى عقلها وتغيرت نُظُمها السياسية والاجتماعية واتصلت بغيرها من الشعوب، ونشأ عن ذلك أن وُجِدت فيها أفكار وآراء لم تُوجَد عندها من قبل، واحتاجت إلى أن تُنَظِّم هذه الأفكار والآراء، وإلى أنْ تُصوِّرها وتُعلنها فعجز الشعر عن أن يُعبِّر عنها، واضطرت إلى النثر.

    لذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم، كالأُمَّة اليُونانية مَثلًا، نراها أولًا شاعرة تنشئ الشعر قصصيًّا، ثم غنائيًّا، ثم تمثيليًّا. ولا ينشأ النثر عندها إلا في وقت الاضطراب السياسي، وتتغير فيها نُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، وتشتدُّ الصلة بين اليونان والأمم الشرقية والعربية. وتنشأ أفكار جديدة؛ منها: السياسي، ومنها الفلسفي، ومنها الديني. واضطرت أن تُعَبِّر عن هذا كله؛ فنشأ النثر، ومثل هذا نجده عند الأمة الرُّومانية، وهذا هو الذي نَجِدُه عند الأمة العربية في العصر الأول قبل الإسلام.

    كان العرب أمة شعرٍ، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة، تعتمد في هذين النوعين منَ الحياة على العاطفة والشعور، أكثر من اعتمادها على الحِكْمَة والرَّوية، تندفع بحكم هذا الشعور إلى الحرب أو السلم أو الخُصُومة، أو إلى أية نَاحِيَةٍ من نواحي الحياة الجاهلية.

    فإذا وصلت من ذلك إلى ما تُريد وتأثرت بهذه المؤثرات نطقت بهذا شعرًا، ولما لم تكن شديدة الاتصال بغيرها من الشعوب، ولا تعرف كثيرًا عما عند هذه الشعوب ظلت على حالتها هذه، فلمَّا جاء الإسلام تغيرت الحياة العربية تغيُّرًا تامًّا؛ تقوَّض النظام السياسي وحلَّ محل النظام القديم نظام جديد يعتمد على وحدة الأمة العربية، وإخضاع الأمم الأجنبية. ونشأ عن هذه الحياة نُظُم للحكم لم تكن معروفة من قبل: وُجِدت الخلافة، وتغيَّرت الحياة الاجتماعية، وتغيَّر نِظَامُ الزَّواج والطَّلاق، وعلاقة الجماعات.

    ثم كانت الفتوح واتصل العرب بالأمم الأخرى اتصالًا أخذ يشتدُّ ويقوى؛ حتى أصبح اختلاطًا ثم امتزاجًا، ونشأ عنهُ أن اطلع العرب على ما كان لهذه الأمم من: آراء، وأفكار، وديانات، وعلوم، وفلسفة. وأخذوا منهُ قليلًا قليلًا، ونشأ عن هذا أن تغيرت حياتهم العقلية، والشعرية، والعاطفية، والاجتماعية. فبَعْدَ أنْ كانوا مُتَأَثِّرين بالحسِّ والشُّعور أخذوا يُفَكِّرون ويتروون، وظهرتْ أَمَامَهُم مَسَائل ومُشكلات جَعَلَتْهُم يُفكرون ويلتمسون الحلول لتلك المسائل المُعقدة؛ فنشأ عن هذا كله أن تغيرت الحياة، وتغيرت الموضوعات فاستلزم أنْ تتغير العبارات التي يُعبِّرون بها عمَّا في أنفسهم، ونشأ لهم لسان جديد لم يكن لهم من قبل، وهو النثر الذي يُعبِّر عن المعاني بدون القيود الشعرية.

    فتقسيم الكلام إلى نَظْم ونثر تقسيمٌ بسيط ساذَج يُمكن الاعتماد عليه إذا بسَّطنا الأشياء، ولكنَّ الأديب الذي يدرُس تاريخ العرب، إنما يعتني بالكلام عندما يتجاوز الحديث العادي، وأداء الحاجات العاجلة إلى التفكير من جهة والجمال من جهة أخرى. فالأحاديث العادية ولغة التخاطب لا تعنينا في درس الأدب العربي وتاريخه؛ إذ إنَّ ذلك لا يكون لدرْس الأدب إلَّا عِنْدَما يكونُ في هذه الأحاديث لذة فنية خاصة.

    فالواقع أننا لا نستطيع — مهما نحرص على أنْ نكون مِنْ أنصار العصر الجاهلي — أنْ نطمئن إلى أنَّ هذا العصر كان له نثر فني، والذي لا شك فيه هو أنَّ أَقْدَم نص يمكن أن نطمئن إليه هو القرآن.

    القرآن: ليس شعرًا؛ لأنَّه لم يتقيَّد بقيودهِ، وليس نثرًا لأنهُ مُقيد بقيود خاصة لا توجَد في غيره، قيود يتصل بعضها بأواخر الآيات، وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة، فهو إذن كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ، وهو وحيد في بابهِ لم يكن قبله ولم يكن بعده مثله، ولم يُحاول أحد أن يأتي بمثلهِ، وتحدى النَّاس أن يُحاكوه وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا. فأراح الخطباء أنفسهم من هذه المُحاولة المستحيلة التي عدُّوها خروجًا على الدين.

    ولما كانت «المحاكاة» من أهم الأسباب للإنتاج الأدبي؛ فإذا قال الشاعر البليغ قصيدة أُعجِب الناس بها، فمنهم من يرويها، ومنهم من يُحاول أن يُحاكيها ويأتي بمثلها، ولما كان القرآن مُستحيل المحاكاة؛ فمن الحق علينا أن نضعهُ في مقامهِ الخاص الذي لا يصحُّ أنْ يُقاس به شيء آخر، وأن نبحث عن «النثر العربي».

    النثر الجاهلي: وليس هو بالنثر في المعنى الذي حددتهُ، ومع ذلك فقد كان للجاهلية نثر خاص، لم يصل إلينا لضَعفِ الذاكرة، وخلوه من الوزن، هذا النثر هو «الخطابة» وليس مِنْ شَكٍّ أنَّ ما كان يقع في حياة العرب الجاهلية من خُصُومات كان يحتاج إلى كلام غير منظوم، وكان الخُطباء النَّاطِقُون بلسان القبائل يَحْرِصُون على أنْ يُعجِبوا السامعين لا أنْ يقنعوهم فحسب، بل أنْ يُثيروا فيهم لذة فنية.

    ومتى وُجدت هذه الفكرة فقد وُجِد الجمال الفني، ولكن هذه الخطابة لم يرد إلينا شيء منها نثق بهِ، ورُبَّما كان من السهل أنْ نتصور هذه الخطابة تصورًا مُقاربًا عندما نقرأ كتب السِّيَر وما فيها من خطابة وأحاديث.

    النثر في صدر الإسلام: قَوِيَ فنُّ الخطابة لأسباب الحوار ومُحاولة الإقناع، سواء كان موضوعه الدين أو السياسة أو الخصومات المُختلفة. وبالطبع، احتاج المسلمون إلى أن يكتبوا، وكتب النبيُّ رسائلَ، وكتب الخُلَفَاءُ مِنْ بعده، ولكنها كانت تُكتَب مُختصرة لا يُقصَد منها إلا مُجرد الإقناع في غير تفنن أو إثارة لجمال فني خاص، فكانت الرَّسائل قصيرة ليس فيها التفصيل، ولا المحاولات الفنية التي نجدها عند الشعراء من حيث الألفاظ.

    إنما في منتصف القرن الأول للهِجْرة كانت الفُتوح قد تَقَدَّمت كثيرًا، وكان العرب بدءوا يتصلون بغيرهم من الأُمَمِ، وكانت المَشَاكِلُ السياسية والاجتماعية قد كَثُرتْ حَتَّى هدمت نظام الخلافة، وأقامت نظام الملك. وكانَ هذا قد أنشأ الأحزاب السياسية … إلى جانب هذا التطور، نشأت أشياء أخرى منَ النَّاحية العَقْلية، فَأَسْلَم كثير منَ الأُمَمِ الأجنبية، وتَعَلَّمُوا العربية ودرسوا الدين الجديد، واختلط بهم العرب، وأخذوا نُظُمَهم السياسية والاجتماعية والأدبية. واتصل المسلمون بغيرهم في الجهة الدينية، ونشأت العلاقات بين أنصار الديانات الأخرى وبين المسلمين، وقامت بينهم محاجات.

    وأخذ العرب يُقيمون حضارة جديدة على أسس الحضارة القديمة؛ أي إنَّ العقل العربي الساذج في الجاهلية، وجد أمامهُ مشاكل حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة، ومنها ما يمس الحياةَ المادية والاجتماعية، ثم وجد أمامهُ مسائل فلسفية أثارها الفلاسفة مع من اتصل بهم عندما عرف العربُ بقايا فلاسفة الفرس واليونان.

    لم يكن بُدٌّ للعربي أن يُفكر ويشترك في التعبير عنها بِلُغَتِهِ، ولا بدَّ لهُ أنْ يُناقش في المسائل السياسية والدينية. ومن أهم الصفات التي تتصف بها الأُمَمُ عندما تبدأ حياة حضرية بعد حياة بدوية أنْ تروي قديمها، وتُظهِر لنفسها ولغيرها من الأمم أنَّها ذات مجد ومكانة قديمة. وإذن؛ اضطرت العرب أن يكون لها تاريخ تُعَبِّر فيه عن تاريخها، كما يُعَبِّر الفُرْسُ واليونانُ عن تاريخهم.

    ولا يستطيع الشِّعْرُ بحالٍ أنْ يُعَبِّر عن هذه المعاني الجديدة، ويبسط الرأي السياسي والديني والفلسفي، ويقص التاريخ قصصًا واسعًا مُفَصَّلًا؛ لذلك قام النثر للمُحاورة والمُناظرة، ووَصْفِ التاريخِ والعلوم. ففي هذا العصر، وجد النثر الأسباب التي مكنتهُ أنْ يقوى من جهة، وأن تنشأ له فنون جديرة من جهة أخرى. وما قوي فيه إنَّما هو الخطابة التي كانت موجودة في الجاهلية، وأما الذي نشأ فيه جديدًا فهو هذه الفنون التي تُعَبِّر عن هذه المعاني عن التاريخ والمناظرات العلمية وغيرها.

    إذن؛ فالنثر العربي ليس لغة التخاطب أو الحديث العادي، والذي لا يُعبِّر عن عاطفة أو شعور من حيث هي عاطفة أو شعور، بل من حيث هي صورة عامة يظهر فيها نتيجة التفكير. هذا النثر أثر من آثار الحياة الإسلامية الجديدة ظهر في الإسلام ولم يكن موجودًا.

    هذه الأسباب التي دعت لوجوده أسباب طبيعة لم تكن لأنَّ أمة أعارت العرب النثر، بل هو فنٌّ دعت إليهِ حاجة الحياة العربية؛ ولذلك يجبُ أن ننزع من نفوسنا أنَّ العرب استعارت النثر من غيرها من الأمم، ولكن ليس معنى هذا أن هذا النثر بعيد عن الفُرْس واليونان، بل كان عربيَّ النشأة إنما تأثر بهؤلاء وتطور بفضل اتصال العرب بتلك الأمم.

    أسلمت هذه الأمم الأجنبية وتعلَّم كثيرون اللغةَ العربية؛ فكتبوا بها فلم تستطع هذه الطائفةُ أنْ تتجرد من وطنيتها، إنما عندما تعلم اليونانيُّ والفارسيُّ العَرَبيةَ أدخل ما ورثهُ عن قوميتهِ، كمَا أنهُ تأثر بما فيها من ثقافة عربية خالصة، فكان مزاجًا لا نقولُ إنهُ عربي خالص، أو يوناني، أو فارسي خالص.

    وأي هذين العنصرين كان أقوى تأثيرًا في النثر العربي، الفرس أم اليونان؟ إنَّ أكثر المستشرقين يميلون إلى أن تأثير الفرس أقوى؛ بدليل أنَّ أكثر الذين كتبوا نثرًا في الإسلام (في العصر الأموي والعباسي) كانوا من الموالي وهؤلاء من الفرس، وها هو «ابن المُقفع» الفارسي زعيم الكُتَّاب.

    ولكن هنالك قوم آخرون — وأنا منهم — يرون أنَّ التأثير اليوناني كان أقوى رغم أنَّ كثرة الكُتَّاب من الفارسيين؛ وذلك لأنَّ الثقافة اليونانية كانت قديمة العهد في هذه البلاد منذ أيام الإسكندر — أي: القرن الثالث قبل الميلاد — ولم ينتهِ القرنُ الثاني قبل الميلاد حتى كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرَّسمية للشرق الأدنى، ولم يكد يتقدم التاريخ المَسِيحِيُّ حتى كانت كل بلاد الشرق الأدنى في مصر وسوريا والعراق، وقد انبثَّت فيها مدارس يونانية تعلِّم الفلسفة، والأدب، وعلوم اليونان.

    وعندما جاء الإسلام وخرج العرب فاتحين صادفوا تلك البلاد، وقد انبثت فيها هذه المدارس اليونانية؛ فتركت في عقول المصريين، والشاميين، والعراقيين … آثارًا لا يُمكن أن تُمحى إلا مع الزمن …

    هذه الثقافة اليونانية التي استمرت في الشرق تسعة قرون، ولم يقف أمرها على الشام والجزيرة والعراق ومصر، بل هجمت على البلاد الفارسية نفسها منذ عهد البطالسة في مصر والسلوقيين في آسيا.

    وأخذت الثقافة اليُونانية تَنْبَعِثُ في الفرس حتى وصلت إلى أقصى الشرق، وفي عهد الإمبراطورية الرُّومانية اشتدتْ الصِّلَةُ بين اليونان والفرس، وتعمقت الثقافة اليونانية في فارس. وفي أواخر هذا العصر، عندما ظهرت المسيحية وأصبحتِ الدِّيانَةُ الرَّسمية وأُغلِقتِ المعابد الوثنية؛ هاجرت الثقافة اليُونانية إلى بلاد الفرس، فوجدت منها حماية ونصيرًا ولقيت من الأكاسرة تعضيدًا … فتأثر العقلُ الفارسيُّ بها إلى حد أنَّ ابنَ المقفع — زعيم كُتَّاب العرب والفرس — كان عظيم الحظ من الثقافة اليونانية؛ حتى قيل إنَّهُ ترجم آثار اليونان. ونحنُ نعلم أنَّ لليونان أدبًا كان يُدَرَّس في الإسكندرية، وغزة، والرها، وأنطاكية قبلَ أنْ تستقر الثقافة اليونانية بفارس.

    والثقافة الفارسية محدودة، فإنْ كانَ للفُرس أدبٌ؛ فالوَاقِعُ أنَّ هذا الأدب هو في عصر اتصال العَرَبِ بالفرس لم يكن عظيمًا، والذي تُرْجِمَ إلى الآداب العَرَبية من الفارسية قليلٌ مع كثرة ما تُرْجِم من الآداب اليونانية. وتنحصر الآداب الفارسية في: كِتَابِ كليلة ودِمْنَة، وكتاب الأدب الكبير، وكتاب الأدب الصغير. والحِكَم التي يشتمل عليها شعر بعض الشعراء؛ كأبي العتاهية، وبعض الكتب السياسية.

    هذا هو كل ما يُمكن أن يُقال: إنَّهُ أدب فارسي وصل إلى العرب في القرنين الثالث والثاني، بينما وصلَ إلى العرب عن اليونان الفلسفة، ونُظُم مختلفة في التفكير لها أثرها في النحو والبيان وغيرهما من الفنون.

    والواقع أنَّ الفُرسَ أخذوا من العرب أكثر مما أعطوهم، وحسبنا أنْ نَعْلَم أنَّ الأدبَ الفَارِسِيَّ الحي إنما نشأ بعد أن اتصل الفُرسُ بالعرب، وبعد أنْ تعلموا العربية، ولم يُعطِ الفرس للنثر العربي في التأثير بمِقدار ما يتصوره المُستشرقون، وما كان يراهُ الشعوبية من الفرس الذين قالوا: إنَّ العرب مَدِينةٌ للفُرْسِ بكل شيءٍ! ولا شك أنَّ العرب مَدِينُون للفُرسِ بالكثير من المَادِّيات والنُّظُم السِّياسية وغيرها، وأمَّا في الأدب فأنا مُقتصِد جدًّا، وفي رأيي أنَّ العرب تدين في أدبها إلى الأمة اليونانية.

    هذا إلى أن أكثر الكُتَّاب الذين بدءوا يكتبون النثر لم يكونوا من الفرس، بل كانوا من الشام والجزيرة ومصر؛ فهم إما يونان أو ساميون ثقافتهم يونانية.

    ولنسأل: أليس يُوجَد نثر عربي غير الخطابة لم يتأثر بالفارسية أو اليونانية؟ فإذا استطعنا الظفر بهذا النثر كان من السهل علينا أن نرى الفرق. ووجود هذا النثر ليس صعبًا، بل يكفي أن نقرأ النقائض فنجد فيه إشارة إلى أيام العرب، ويضطر المُفسرون إلى أن يقصوا علينا أخبار هذه الأيام التي كان العرب يقولون: إنها وقعت بين «داحس والغبراء»، و«حرب البسوس»، و«يوم الكلاب»، وما كان بين «عامر وتميم»، و«أيام الفُجار» وغيرها.

    كل هذه القصص كانت تُروى في مدينتَيِ البصرة والكوفة عندما استقرَّ العربُ في هذين المصرَيْن، وكانَ الذين يتحدثون بها هم الأعرابُ. والذي يظهر في هذه القصص ليست العقلية اليونانية ولا الفارسية، بل العقلية العربية التي تُريد أنْ تُثبت للنابهين من القبائل أعظم حظ من الشجاعة.

    في هذه القصص التي كانت تُقَصُّ أيامَ العرب ومغازي النبي وأوائل الفتح الإسلامي والفتن الإسلامية أيام عثمان العربية الخالصة، ترى النثر العربي الخالص، فإذا استطعنا أنْ نُحَدِّد هذا النثر كانَ مِنَ السَّهل علينا أنْ نُوازِنَ بينهُ وبين نثر الكُتَّاب الذين ظهروا في القرنين (الثاني والثالث)، وهم المتصلون بهذا المزاج من الثقافة اليونانية والفارسية.

    وتُهدينا هذه الموازنة إلى التأثيرات المُختلفة التي أحدثتها الثقافات المختلفة في النثر العربي. فنحنُ عندما نُوازن بين كتابة الكُتَّاب من المَوالي الذين كانوا من أصل سرياني أو شامي أو مِصْرِي، والذين تأثروا بالثقافة اليونانية، وبين الموالي الذين كانوا من أصل فارسي نتبين الطابع اليوناني من الطابع الفارسي.

    ألقى الأستاذ وليم مَارسيه William Marcais مُحاضرة في أصل النثر العربي ختمها بهذا السؤال: «إلى أي حد كان تأثير اللغة الفارسية فيما كتب ابن المُقفع وفيما ترجم؟ أكانت ترجمتُه حرفيةً يغلب عليها الطابع الفارسي أم كانت واسعة يغلب عليها الطابع العربي؟» وأظهر الأستاذُ أَسَفَهُ، وقال: «إنَّ الجواب عن هذا السؤال ليس ميسورًا الآن؛ إذ إنَّ الذين يستطيعون الرَّدَّ عنهُ هم الذين أتقنوا العربية والفهلوية، ومن سوء الحظ أن الأصول التي ترجم عنها ابنُ المقفع قد ضاعت.»

    ومع هذا، فنستطيع أن نقول إن الجواب عن سؤال مارسيه ميسورٌ رغم ضياع الأصول؛ إذ نستطيع أن نجدهُ في الأدب الصغير والأدب الكبير.

    عندما تقرءون كتابة ابن المقفع تجدون فيها شيئًا من الالتواءِ والدوران، ونُحِسُّ ونحن نقرأ أنَّ الكَاتب يَجِدُ مشقة في التعبير عن المعاني التي يُحِسُّها، ونُحِسُّ هذا الضعف الذي يكلفه الكاتب للعربية. نُحِسُّهُ لا بعقولنا فحسب، بل بآذاننا، فنجدُ أنَّ المُقفع يُكلِّف النحو العربي تكاليفَ رُبَّما لم يكن النحو العربي مُستعدًّا لأنْ يحتملها.

    وإنَّ ابن المقفع نفسَهُ رغم أنهُ زعيم الكُتَّاب وصاحب الآيات، وواضع المَثل الأعلى للكتابة، لم يكن عظيم الحظِّ من الفصاحة والنَّحو العَرَبي. وإذا وازنَّا بينهُ وبين ما كتب أصحاب النحو، وجدنا أنهُ مستشرق يحسن اللغة العربية والفارسية، يبذل جهدًا فيُوفَّق كثيرًا ويخطئ أحيانًا.

  • في التجديد | On Renewal

    في التجديد

    طه حسين

    المجلة الجديدة

    ١٠ نوفمبر ١٩٢٩

    وإنَّما أريد التجديد الأدبي؛ لأنَّه بطيء مضطرب لا نظام له ولا اطِّراد، على حين يأخذ التجديد في نواحي حياتنا الأخرى طرقًا واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء. فالعلم يدرَّس في مدارسنا المدنية على النحو الأوروبي الجديد في غير مراوغة ولا تلكؤ. ولسنا نعرف مدرسة مدنية تدرس فيها الطبيعة أو الطب على نحو ما كان يدرسهما أصحاب أرسططاليس، وتلاميذ الفارابي وابن سينا، وإنَّما تدرس الطبيعة والطب وغيرهما من العلوم على أحدث نوع من أنحاء الدرس تعرفه أوروبا وأمريكا. وليس على ذلك اعتراض أو نكير، وإنَّما يكون الاعتراض والإنكار لو حاولت المدارس أن تعدل عن هذا النحو الجديد من الدرس إلى نحو آخر قديم ولو قليلًا. والفن الذي يتبع هذا العلم ويجاريه في الحياة العلمية مجاراة الظل للشخص يسلك طريقًا جديدة أيضًا.

    فكما أننا ندرس الطبيعة والميكانيكا والطب على النحو الجديد، فنحن نُطبقها أيضًا على النحو الجديد. أما حياتنا السياسية فمسرفة في الميل إلى التجديد، ويكفي أن تكون الصلة قد انقطعت بينها وبين ما ألف آباؤنا من الحياة السياسية، فليست هناك صلة ما بين نظامنا السياسي القائم مهما يكن، وما أَلِف المصريون القدماء من حكم الفراعنة، أو ما ألف المصريون المسلمون من حكم الخلفاء والسلاطين، وتستطيع أن تقول مثل هذا في حياتنا الاجتماعية، فهي ممعنة في التجديد، وحسبك أنَّ تشريعنا المدني كله يقتبس من أوروبا لا من النظم القديمة ولا من الإسلام نفسه، وحياتنا الاقتصادية جديدة كلها. فلم يعرف القدماء هذا النحو من البيوت المالية، وهذا النحو من التعاون المالي الذي نعرفه نحن، ونسرف فيه أكثر مما يُسرف فيه الأوروبيون أنفسهم.

    التجديد عندنا إذن مطَّرد في كل شيء تؤيده الحكومة، وتلح فيه، وتفرضه على الناس فرضًا، وتشرع القوانين في كثير من الأحيان لمعاقبة الذين يُنكرونه أو يخرجون عليه.

    وهذا التجديد ملائم كل الملاءمة لميولنا وأهوائنا ولطبائعنا وأمزجتنا، فنحن مطمئنون إلى ما يُشرَّع لنا من النظم التعليمية والقضائية والاقتصادية والسياسية، وإذا كنا ننكر على الحكومة شيئًا فإنَّما ننكر عليها إبطاءها في التجديد، وإذا كنَّا نتمنى شيئًا فإنَّما نتمنى الإسراع في هذا التجديد حتى تزول الفروق بيننا وبين الأوروبيين. ومع ذلك فهناك ناحية من نواحي حياتنا العامة والخاصة يشتد فيها إنكار التجديد، والخروج عليه، ولا يكاد المجددون يشقون فيها طريقهم إلا على شيء من المشقة والعناء غير قليل؛ وهي الناحية الأدبية.

    فالمجددون من الأدباء لا يزالون قلة في الشرق عامة وفي مصر خاصة، وهذه القلة ليست آمنة ولا مطمئنة على مُثُلها العليا، ومذاهبها في التفكير والتعبير، وإنَّما هي عرضة دائمًا للمقاومة والمناوأة وللكيد والدس، وما إلى هذا كله من ضروب الخصومة الشريفة وغير الشريفة. والذوق العام ينقاد لهم حينًا ويزورُّ عنهم حينًا آخر، وازوراره عنهم أشد من انقياده لهم. وهؤلاء المجددون أنفسهم على اقتناع كثير منهم برأيهم في التجديد، مضطربون لم يبلغ بهم الإيمان بمذهبهم الجديد إلى الحد الذي يستطيعون معه التضحية في سبيل مذهبهم أو الجهاد الصريح لنصر هذا المذهب. فمنهم من يفتر إذا اشتدت الخصومة، ومنهم من يتملق القديم؛ فيحتال في أن يلون آراءه الجديدة بلون فيه ميل قوي أو ضعيف إلى القدم. فما علة هذا النوع من التناقض بين حياتنا الأدبية وغيرها من فروع الحياة المختلفة التي نحياها؟ وما السبيل إلى إلغاء هذا التناقض، والملاءمة بين حياتنا العاقلة الشاعرة، وحياتنا العامة؟

    أما جواب السؤال الأول فيسير فيما يظهر؛ ذلك أنَّ تطور العقل والشعور بطيء بطبعه، أشد بطئًا من تطور الحياة العملية، فقد يكون من اليسير أن ندفع الزي الشرقي إلى الزي الغربي، وأن نجلس إلى الموائد لنأكل ونشرب على النحو الذي يأكل عليه الأوروبيون ويشربون، دون أن يكون لهذا كله مصدر إلا الرغبة اليسيرة في التقليد، والميل اليسير إلى ما هو أدنى إلى الراحة، وأقرب إلى المنفعة، فحياتنا المادية تتطور وتسرف في التطور دون أن يؤثر ذلك في حياتنا العقلية والشعورية. وكثيرون جدًّا هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوروبا قد درسوا فيها وأقاموا فيها أعوامًا طوالًا، وظهر عليهم التأثر بدرسهم الأوروبي، وإقامتهم في أوروبا حتى وصفهم الناس بالتفرنج، واقتنعوا هم أيضًا بأنَّهم متفرنجون، ولكنَّهم على ذلك يُفكِّرون كما يفكِّر الشرقي الخالص، ويشعرون كما يشعر الشرقي الخالص، وهم شرقيون بأشدِّ معاني هذه الكلمة دقةً إذا خلوا إلى أنفسهم أو أرسلوا طبائعهم على سجاياها.

    وكثيرًا ما يكون لهذا أثر بعيد منكر في حياة الشرقيين والأوروبيين جميعًا. فهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يخدعون أنفسهم، ويخدعون الناس، ويمضون في هذه الخديعة حتى يصهروا إلى الأوروبيين، يحسبهم الأوروبيون أمثالهم في التفكير والشعور؛ فيقبلونهم أصهارًا، ويظنون هم أنفسهم أنَّهم أوروبيون في التفكير والشعور؛ فيقترنون بالأوروبيات حتى إذا عادوا إلى مصر وصهرتهم شمسها الحارة زال عنهم هذا الطلاء، فظهرت شخصياتهم الشرقية واضحة جلية، فأنكرهم أزواجهم وأنكروا هم أزواجهم أيضًا، واتصلت لهم ولأزواجهم حياة مرة منغصة.

    وهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يتحدثون إليك في أوروبا أو حين يعودون منها، فإذا هم ينكرون في مصر كل قديم، وإذا هم حِرَاص على التجديد حتى إنَّك لتخافهم على النظام، وتحسبهم دعاة ثورة وفتنة، ثم لا يمضي عليهم في مصر زمن قليل حتى يصبحوا — أو قل حتى يعودوا — أنصارًا للقديم كما كانوا قبل أن يذهبوا إلى أوروبا.

    لا مصدر لهذا كله إلا ما قلناه من أنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء بطبعه، وإذا كان تطور التفكير والشعور بطيئًا فلا جرم تبعه في البطء تطور التعبير؛ أي تطور الحياة الأدبية، فلأجل أن تُجيد الإنشاء الفني شعرًا أو نثرًا يجب أن يكون هذا الإنشاء صادقًا؛ أي صورة قوية صحيحة لما يضطرب في نفسك من خاطر، وما تجد من عاطفة أو هوى. وإذا كنت شرقيًّا خالصًا فستخطر لك الخواطر الشرقية، وستجد العواطف الشرقية، وستعبر عنها كما يُعبِّر الشرقيون؛ أي ستكون قديمًا في تفكيرك وشعورك وتعبيرك.

    أما الجواب عن السؤال الثاني: فما نظنه أشد عسرًا من الجواب عن السؤال الأول؛ ذلك أنَّ من الواضح أنَّ أحسن دواء إنَّما هو استئصال العلة التي تدعو إلى المرض، فإذا كان التجديد في الأدب بطيئًا لأنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء؛ فخير طب لهذا إنَّما هو إعانة التطور العقلي والشعوري على أن يتحقق ويسرع إلى حد ما. وبمقدار ما نعين هذا التطور على الإسراع يكون حظ أدبنا العربي من التجدد.

    ومن الغريب أنَّك تُلاحظ بين حياتنا العلمية والأدبية تناقضًا في حظهما من التجديد مصدره التناقض فيما بُذل من الجهود لتحقيق التطور العلمي والأدبي؛ فقد بُذلت جهود عنيفة كثيرة متصلة لتحقيق التطور العلمي منذ أول القرن الماضي، فَفُرض العلم المدني على النَّاس فرضًا؛ لأنَّ حاجتهم في حياتهم العلمية كانت تقتضي ذلك، وبلغنا بفضل هذه الجهود إلى حياة علمية قد تكون قوية منتجة وقد تكون ضعيفة قليلة الإنتاج، ولكنَّها جديدة على كلِّ حالٍ.

    أمَّا الجهود التي بُذلت لتحقيق التطور الأدبي فقليلة ضئيلة متقطعة؛ لأنَّ التطور الأدبي لم تدعُ إليه الحاجة العاجلة، فبينما كان التقدم العلمي قد مضى إلى أمد بعيد في مصر كانت الحكومة لم تُفكِّر بعد في إنشاء مدرسة دار العلوم. فلما أنشأتها مضت في إنشائها على استحياء، وجدَّدت في نظامها بمقدار، ثم وقفت عند هذا الحد من الجهد لتحقيق التطور الأدبي. وطبيعي أن تكون ضئيلة ثمرات هذا الجهد الضئيل. ثم انتظرت الحكومة نصف قرن، وأضافت إلى جهدها الأول جهدًا آخر هو إنشاء كلية الآداب في الجامعة، ولكنَّ هذا الجهد لم يؤتِ ثمره بعد؛ لأنَّه لا يزال حديث العهد. جهد الحكومة لتحقيق التطور الأدبي ضئيل بالقياس إلى جهدها لتحقيق التطور العلمي، ومع ذلك فقد تطور الأدب العربي نحو التجديد في مصر تطورًا لا بأس به مصدره جهود فردية بُذلت لنشر الكتب القديمة وترجمة الكتب الحديثة، وقُرئت هذه الكتب وتلك، فكانت هذه النهضة التي نشهدها الآن.

    ولو قد عني الأفراد بالعلم عنايتهم بالأدب لكانت حياتنا العلمية أرقى جدًّا مما هي الآن، ولو قد عنيت الحكومة بالأدب عنايتها بالعلم لكانت حياتنا الأدبية أرقى جدًّا مما هي الآن. على أنَّ هذا كله من التاريخ، وربما كان الخير في أن تفكر الحكومة في بذل شيء من الجهد القيم الجدِّي لتحقيق التطور الأدبي، حتى لا يوجد هذا التناقض بين حياتنا الأدبية وفروع حياتنا الأخرى، وحتى تنشط الألسنة والعقول والقلوب كما تنشط الأيدي، وحتى تصبح اللغة العربية لغة للمصريين حقًّا؛ تلائم حاجاتهم ملاءمة صحيحة، وسبيل هذا الجهد عندي أن تُدرَّس الآداب الحديثة كما تُدرَّس العلوم الحديثة، وأن تُفرض هذه الآداب على شباب المتعلمين كما فرضت عليهم العلوم، ولا أكاد أفهم معنى لجهل العلم الحديث فرضًا لا تنال الإجازات بدونه، وإهمال الأدب الحديث كأنه لم يُوجد.

    سيقولون إن العلم الحديث سبيل إلى الحياة المادية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، فنقول: والأدب الحديث سبيل إلى الحياة الروحية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، إلا أن تتحول مُثُلنا العليا فنقنع بأن نكون أجسامًا لا أرواح فيها، على أنَّ قليلًا من التفكير كفيل بإثبات أنَّ الحياة العلمية الخالصة نفسها لم تُوجد ولم تقوَ في عصر من العصور إلا لأنَّ الأدب وجد قبلها فأحيا العقل، وأحيا الشعور، ودفع النَّاس إلى البحث والاستقصاء ثُمَّ إلى الإنتاج والاختراع.

    ومن يدري؟ لعلَّ العلة الصحيحة في أنَّ كثرة علمائنا مقلدون لا ينتجون ولا يبتكرون، إنَّما هي قلة بضاعتهم من الأدب المنتج.