راحة
أما القاهرة فمغرقة في هدوء يشبه النوم، هو هذا الهدوء الذي يألم فيه الضمير أشد الألم، ويضطرب فيه القلب أشد الاضطراب، وتظل فيه الحواس الظاهرة مطمئنة مستقرة كأن ليس من وراء هذا الاطمئنان والاستقرار الظاهرين ضمير فائر، ولا قلب مضطرب.
وأما أقصى مصر فيقظان، شديد اليقظة، متحرك عنيف الحركة، هائج عظيم الهياج. يشترك في ينته وحركته وهياجه ضميره وشعوره، وقلبه وحواسه الظاهرة جميعاً.
كان هادئاً مستقراً كالقاهرة أمس فاستيقظ واندفعت به يقظته إلى هذه الحركة العنيفة اليوم، لأن زعيمين من زعماء الشعب قد سعيا إليه يزورانه، ويجددان العهد به: هما صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد، والأستاذ الكبير مكرم عبيد. ورئيس وزرائنا المريض يرى هدوء القاهرة فيرضى ويحس حركة الصعيد فيسخط.
لست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يحتمل ما يختلف على نفسه من آثار هذا الرضا الذي لا عمق له ولا ثبات، ومن آثار هذا السخط الذي يشبه الخوف. ولست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يتدبر فلسفة هذا الهدوء الذي لا يريح، وفلسفة هذا النشاط الذي لا يطمئن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الحياة السياسية لا تبسم لرئيس وزرائنا المريض عن ثغر عذب جميل. ولعل نظراته الهادئة الحزينة التي لا تخلو من وجل تقع من هذه الحياة السياسية على وجه فيه كثير من العبوس، وعليه كثير من التقطيب، لا حظ له من بشر الأمل، ولا من هذه الغبطة التي تدل على القوة وحب البقاء والرغبة في الاستزادة منه.
فقد كانت طرائق رئيس الوزراء منذ وثب إلى الحكم طويلة جداً، شاقة جداً، ملتوية جداً. لا يتقدم خطوة إلا اضطر إلى الوقوف، ولا ينظر أمامه إلا اضطر إلى أن ينظر وراءه، ولا ينحرف إلى اليمين إلا اضطر إلى أن يتحرف إلى الشمال وهو كلما تقدم أمامه، وأخذ منه الجهد وانتهى به الإعياء إلى أقصاه، نظر فإذا الطريق أمامه ممتدة إلى غير أمد، ملتوية في غير نظام. فهو يمضي ويرجع، وهو يأخذ عن يمينه ويأخذ عن شماله. وهو يطيل النظر إلى السماء، ويطيل النظر في الأرض وهو يستمع بأذنيه جميعاً لعله يتبين شيئاً واضحاً من هذه الأصداء التي تصل إليه فلا يتبين شيئاً.
ويؤثر هذا كله في قوته المحدودة فتضعف، وفي نشاطه فيفتر، وفي صحته فتعتل. وينسى الطريق الطويلة التي أمامه، وينسى الطرق القصيرة التي قطعها. وينسى العقاب والصعاب، وينسى هذه الأصداء المختلطة ويغرق في علته وآلامه حيناً فيستريح في تعب وهدأ في قلق، ثم يفيق ويسعى سعياً هيناً إلى الشفاء، ويسعى الشفاء إليه سعياً هيناً أيضاً.
ويؤوي إلى هذا الفندق في ظل الأهرام ليستكمل حظه من هذه الراحة المتعبة، ويفتح عينيه لينظر أمامه فإذا الطريق ممتدة إلى غير أمد، ولينظر وراءه فإذا هو لم يقطع إلا مسافة قصيرة، قصيرة جداً ويهبط إلى نفسه يلتمس فيها العدة والزاد لقطع هذه الطريق التي لا تنتهي فإذا صحته ضئيلة في حاجة إلى العناية. وإذا قوته نحيلة في حاجة إلى الرعاية وإذا ما بقي له من الجهد أعظم ألف مرة ومرة مما عنده من نشاط، وهو مكدود يغضب في غير ثورة، ويسخط في غير هياج. وإذا ابتسامة كلها إذعان ترتسم على وجهه الشاحب وجبينه المنقبض.
كذلك يقضي رئيس الوزراء أيامه الآن في ميناهوس. قد قطع شوطاً بعيداً شاقاً، ولكنه ما زال في أول الطريق، وليس لديه من أدوات السفر ما يمكنه من المضي في طريقه. كل شيء من حوله ينبئه بأن سياسته قد فشلت وفشلت. فلا هو كسب تأييد الشعب. ولا هو كسب حيدة الشعب، ولا هو حقق لهذا الشعب من آماله ما إن جحده اليوم فقد يضطر إلى الاعتراف به غداً. ولا هو قادر على أن يصلح ما فات ويستأنف سياسة جديدة تمحو آثار سياسته القديمة كلها أو بعضها.
كل شيء من حول رئيس الوزراء في السياسة قاتم مظلم حتى في بيئته الخاصة. أعوانه ضعفاء، لا تستقل أكتافهم مهما تكن عريضة يحمل هذه الأثقال التي حملها وحده. والناس يحسون ذلك ويخوضون فيه فيسرفون والبرلمان يمشي في طريقه مشياً رفيقاً، لا نشاط فيه ولا خصب حتى تصفه الأهرام بأنه مريض مقعد، والأمة تنظر إلى هذا كله في سخط ملؤه هذه الكبرياء التي تظهر في صورة الإشفاق والرحمة لهؤلاء الذين أفنوا في الإساءة إليها والعبث بمصالحها قوة كان من الخير أن تنفق في الإحسان إليها والتحقيق لآمالها.
هذه هي راحة رئيس الوزراء الآن في ميناهوس. ليست هي الراحة التي يستحقها المريض بعد أن أنّ المرضى، وليست الراحة التي يستحقها المجاهد بعد أن أضناه الجهاد، ولكن رئيس الوزراء هو الذي اختار طريقه إلى هذه الراحة، فوقف من أمته كلها هذا الموقف الذي لم يجد عليه خيراً، ولم يعقبه إلا مرضاً وألماً وحزناً. وهو الذي بذل صحته كلها في سخاء يشبه الإسراف ليحقق ما لا سبيل إلى تحقيقه، ويبلغ ما لا أمل في بلوغه. فلو أن أحداً استطاع أن يضطر النيل إلى أن يرجع أدراجه ويصعد إلى منبعه بدل أن يجري هابطاً إلى البحر، لاستطاع رئيس الوزراء أن يضطر الأمة المصرية إلى أن تعرض بوجهها عن آمالها ومثلها العليا في الحرية الصحيحة والكرامة الصحيحة والاستقلال الصحيح. وإلى أن ترضى بالقليل من مظاهر الحرية، ومظاهر الكرامة وأعراض الاستقلال في ظل الأوصياء المعصومين.
سيجري النيل دائماً إلى البحر، وستجري مصر دائما إلى تحقيق آمالها وبلوغ مثلها العليا. وسيتعب دائماً ويخفق دائماً، ويكتئب دائماً كل أولئك الذين يقدرون لأنفسهم من القوة أكثر مما تملك فيسلكون هذه الطريق الطويلة الشاقة الملتوية التي سلكها رئيس الوزراء.
كوكب الشرق في ٢٠ – ٣ – ١٩٣٣، صـ ٢١٩.
راحة | Rest
Share:
Leave a Reply