Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

المظلمة الكبرى

حديث الوادي
المظلمة الكبرى. . .
هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
طه حسين
الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.

Share:

Comments

Leave a Reply