Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

بين الحلفاء

بين الحلفاء
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١١ نوفمبر ١٩٤٥

يخطئ الذين يظنون أن أمور السياسة العالمية تجري على خير ما تحب الشعوب، سواء في ذلك الشعوب المنتصرة والشعوب المحررة والشعوب التي اصطلت نار الحرب من بعيد. وفي الوقت نفسه يخطئ الذين يسرفون في التشاؤم؛ فيتوقعون الأخطار الكبار، وينتظرون الأهوال الجسام. فأمور السياسة العالمية مضطربة اضطرابًا شديدًا لا يُشَكُّ فيه، ولكن ليس هذا الاضطراب غريبًا، وإنما الغريب هو أن تستقر أمور العالم بعد هذه الحرب العنيفة الطويلة التي خضعت لها الأرض كلها ستة أعوام.
أمور العالم إذن مضطربة اضطرابًا شديدًا، لكن هذا الاضطراب طبيعي — إن صح أن يكون الاضطراب طبيعيًّا — ويكفي أن نعلم أن السلام الجديد ما زال حديث العهد صغير السن، ولد في مايو الماضي، ولم تتمَّ ولادته إلَّا في أغسطس. فإذا لم تستقر أمور العالم في هذه الأشهر القليلة، فليس في ذلك شيء يدعو إلى العجب أو إلى التشاؤم. والهدم أيسر من البناء، وإثارة الحرب أيسر من توطيد السلم، فإذا استطاع زعيم من الزعماء أو وزير من وزراء الخارجية أن يعلن الحرب، ويملأ الأرض فسادًا بكلمة تقال، أو كلمة لا تقال؛ فلن يستطيع هذا الزعيم أو هذا الوزير أن يردَّ أمور الناس إلى نصابها بعد انتهاء الحرب بكلمة تقال أو لا تقال.
فالحرب أولها كلام كما قال الشاعر العربي القديم، ولكن السلام لا يتقرر بالكلام، وإنما يتقرر بالأعمال، والأعمال لا تنتج إلَّا إذا صدرت عن النيَّات الخالصة، والإيمان البريء، وخلوص النيَّات، وبراءة الإيمان، وصدق العزم.
كل هذه الأمور لا تأتي فورًا، ولا تُبْلَغ بمجرد الرغبة في بلوغها، ولكنها نتيجة الروية والتفكير والجهود الصادقة، وكثير من التضحية بألوان الغرور الفردي والاجتماعي، والانتفاع بالدروس القاسية التي تلقيها الحوادث على الأفراد والجماعات.
وكل هذا يحتاج إلى الوقت الطويل. فليس هناك إذن ما يدعو إلى الإسراف في التشاؤم، وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى الإسراف في التفاؤل أيضًا. فلنَسِرْ إذن مع العالم كما يسير، ولنجرِ مع الزمان كما يجري، لا مسرفين في الرضا، ولا مسرفين في السخط. وليس المهم أن نرضى أو نسخط؛ فإن الأحداث لا تحفل برضا الناس أو سخطهم، وإنما المهم أن نتبصَّر ونتدبَّر ونفهم ما يجري حولنا من الحوادث؛ لنتبيَّن لأرجلنا موضعها قبل الخطو، ولنتجنَّب الزلل ما وجدنا إلى تجنب الزلل سبيلًا. وقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية زعماء الدول الثلاث الكبرى يتحدثون إلى شعوبهم، وإلى أمم الأرض كلها، ويعرضون سياستهم ومذهبهم في بناء العالم الجديد. ويجب أن نعترف بأن أحاديث هؤلاء الزعماء إن دلَّت على شيء فإنما تدل على أنهم بعيدون أشدَّ البعد عن الاتفاق.
وقد كان أسرعهم إلى الحديث رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد ألقى خطبته المشهورة في الاحتفال بالبحرية الأمريكية، فأعلن مبادئه الاثني عشر، كما أعلن الرئيس ولسن مبادئه الأربعة عشر. وواضح أن الإنسانية قد تلقت دروسًا خطيرة قاسية، تعلمت منها ألَّا تنخدع بهذه المبادئ، سواء أكانت أقل من عشرة أو أكثر من عشرة أو أكثر من عشرين. فقد آمنت مصر بمبادئ ولسن، وكان ولسن أسرع إلى الاعتراف بالحماية البريطاينة على مصر. وآمنت الإنسانية كلها بميثاق الأطلنطي والحريات الأربع، ثم أنبأنا المستر تشرشل بأن هذه كلها مثل عليا تطلب ولا تنال.
ويجب أن ننصف رئيس الولايات المتحدة؛ فهو قد أعلن أن مبادئه الاثني عشر أمور تحرص عليها الدولة الأمريكية العظمى، وإن لم تكن واثقة من تحقيقها، فهو إذن — كالمستر تشرشل — يراها مثلًا عليا تُطلب ولا تُنال. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نستبقيه من خطة الرئيس ترومان هو أن أمريكا معتزة بقوتها في البر والبحر والجو، ما ظهر منها وما خفي، وأنها حريصة على أن تحتفظ بهذه القوة وتزيدها ما استطاعت، وأنها حريصة كذلك على أن تستخدم هذه القوة الهائلة المتزايدة لحماية السلم وتأمين الناس على حياتهم ومنافعهم، وأَهَمُّ شيء في هذه القوة الأمريكية الهائلة هو القنبلة الذرية، وقد صرَّح الرئيس ترومان بأن سرَّها سيظل مكتومًا، وأنها ستظل أداة من أدوات السلم كما تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية.
وخلاصة هذا كله: أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد السلام المسلح، والمسلح بأسرار لا يعرفها الحلفاء، فضلًا عن الأعداء. وقد تكلم الرفيق مولوتوف بعد الرئيس ترومان فلم يكن أقل منه اعتزازًا بالقوة الروسية الهائلة التي سحقت الطغيان الألماني في الغرب، والعدوان الياباني في الشرق، والتي أتاحت النصر للحلفاء، وردَّت الحرية إلى أوروبا. ولم يكن أقلَّ منه حرصًا على استبقاء هذه القوة والاستزادة منها لتكون أداة للسلم كما يفهمه الروسيون.
ثم صرَّح الرفيق مولوتوف بأن الائتلاف الديمقراطي الذي كسب الحرب يجب أن يبقى ويتعاون ليكسب السلم، وبأن بقاء هذا الائتلاف وتعاونه وفوزه، كل ذلك رهين بصدق النيَّات، وصفاء القلوب في السرِّ والجهر. وإذن فلا معنى لاستئثار الولايات المتحدة بأسرار القنبلة الذرية. على أن مثل هذه الأسرار لا يمكن في هذه العصور الحديثة أن تظل مكتومة زمنًا طويلًا. ثم أضاف الرفيق مولوتوف إلى هذا كله أن روسيا تملك طاقة ذرية وأشياء كثيرة أخرى. فهناك إذن قوتان هائلتان: إحداهما في أمريكا والأخرى في شرق أوروبا، وكلتاهما تريد أن تكون أداة للسلم، وكلتاهما تحتفظ بأسرار هجومية ودفاعية لا تعرفها الأخرى.
ثم تكلم المستر تشرشل ووزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني مساء الأربعاء، فكان موقف الزعيمين البريطانيين آية في الرشاقة واللباقة؛ فأمَّا أحدهما — وهو المستر تشرشل — فقد أعطى روسيا كلامًا كثيرًا جدًّا، حسنًا جدًّا، يبلغ السحر أحيانًا. ولكنه لم يعطها إلَّا الكلام؛ فهو مؤمن بشجاعتها وقوتها وبأسها، وفضلها على الحلفاء، وتضحيتها في سبيل الحرية والنصر، ووجوب التعاون المتصل بينها وبين بريطانيا العظمى. ولكنه بعد هذا كله لا يريد أن يُبيح لها سر القنبلة الذرية، فيجب أن يكون هذا السر مقصورًا على أصحابه الأمريكيين والبريطانيين والكنديين. ويرى مستر تشرشل أن روسيا لو استكشفت القنبلة الذرية لما أباحت أسرارها للحلفاء.
ولا يصدق مستر تشرشل أن روسيا تملك طاقة ذرية، وإذن فلا ينبغي أن تخاف روسيا من هذه الناحية، وإذن فيجب أن تحتفظ بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وكندا بهذا التفوق الذي أتيح لهن ولم يتح لحليفتهن في شرق أوروبا. فأنت ترى أن مستر تشرشل كان جوادًا في القول، بخيلًا بالعمل؛ فهو يثني على روسيا ما استطاع الثناء، وهو يطوي عنها سر القنبلة الذرية ما استطاع له طيًّا.
أمَّا وزير الخارجية المستر بيفن، فلم يُرِدْ أن يعرض للقنبلة الذرية، وإنما آثر أن يخرج بالصمت من لا ونعم، كما يقول شاعرنا القديم.
ونتيجة هذا كله أن في العالم الآن قوتين خطيرتين، تريدان حفظ السلم وإقرار الأمن: إحداهما تأتلف من أمريكا والإمبراطورية البريطانية، والأخرى تأتلف من روسيا وما يخضع لنفوذها من البلاد الأوروبية الأخرى. وكل واحدة من هاتين القوتين تريد أن تحمي السلم، ولكنهما لا تتفقان فيما بينهما. فالسؤال الذي يلقى على العالم الآن هو: هل يكون السلام روسيًّا، أم يكون السلام إنجليزيًّا سكسونيًّا؟
وقد عرف العالم القديم سلامًا رومانيًّا أزهرت فيه الحضارة الإنسانية إزهارًا هائلًا لا تزال تنعم بآثاره إلى الآن، ولكن هذا السلام الروماني لم يتحقق إلَّا بعد أن سحقت روما دول الأرض كلها في ذلك الوقت، واستأثرت وحدها بالسلطان، وأخضعت العالم القديم كله لنفوذها الذي كان يتدرج مما كان يسمى محالفة الند للند — وكان يعادل الحماية في هذه الأيام — إلى الاستعمار البسيط. فأي قوة تريد أن تحقق السلام في هذا العصر الحديث، وأن تحققه وحدها مضطرة قبل كل شيء إلى أن تسحق القوة الأخرى التي تقابلها؛ أي إلى أن تثير الحرب العالمية الثالثة؟ ومن هنا يبعد جدًّا أن يفكر زعيم عاقل في أن ينفرد مقرًّا السلم. ومن هنا يضطر الساسة جميعًا إلى التفكير في إقامة التوازن الدولي؛ ليكون السلم شركة بين القوى المتكافئة لا يستأثِر به فريق دون فريق.
ولكن هذا التوازن الدولي يمكن أن يقوم على وجهين: أحدهما قديم عرفته أوروبا في العصر الحديث، وانتهى بالكارثتين العالميتين اللتين وقعت إحداهما سنة ١٩١٤ وثانيتهما سنة ١٩٣٩. وهذا التوازن يقوم على المودة الظاهرة والعداوة الخفية بين الدول، يقوم على الأسرار المكتومة والأعمال المستورة؛ لضمان التفوق يوم تقع الواقعة. هذا التوازن يقوم على بركان مستعد للانفجار في أي وقت. أمَّا التوازن الآخر فهو الذي طلبته الإنسانية بعد الحرب العالمية الأولى، فلم توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية أبت أن تشارك في عصبة الأمم. وتطلبه الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية فلا توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بسر القنبلة الذرية، ولأن قلوب المنتصرين لا يصفو بعضها لبعض، ولأن في أعماق الضمير الإنساني بقعةً من الخوف والشك وسوء الظن لا تُريد أن تُمحى.
وقد ذكر الشاعر الفرنسي ألفريد دي موسيه بقعة الإثم التي تستقر في أعماق القلب الإنساني، فلا تستطيع البحار إذا مرت على هذا القلب أن تمحوها؛ لأنها استقرت في أعماق الضمير، ولو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لقال لنا شيئًا كهذا الشعر في هذه البقعة التي تمثِّل الخوف والشك وسوء الظن، ثم تمثَّل بعد ذلك ما يستتبعه هذا كله من الحذر والتحفظ والاحتياط للمستقبل، ثم تمثل بعد ذلك هذا السلم الخائف، وهذا الأمن القلق، وهذا الصلح الذي هو أشبه بالهدنة الموقوتة منه بأي شيء آخر …
نعم لو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لذكر هذه البقعة المنكرة التي استقرت في أعماق الضمير الإنساني، والتي عجزت عن محوها بحار الدماء حين سالت في الحرب العالمية الأولى، وحين سالت في الحرب العالمية الثانية. وما دام الإنسان خائفًا قلقًا شاكًّا سيئ الظن؛ فسيظل دائمًا حذرًا متحفظًا محتاطًا مستعدًّا للدفاع والهجوم؛ أي مستعدًّا للحرب. وإذن فما عسى أن نستفيد نحن من هذا الدرس القاسي المر! نستفيد شيئًا بسيطًا جدًّا، وهو أن من الغفلة أن نأمن ونطمئن حين تقلق الدول الكبرى وتخاف، وأن الكياسة كلَّ الكياسة هو أن نقلق ونخاف كما يقلق الناس ويخافون، وأن نتحفَّظ ونحتاط كما يتحفَّظ الناس ويحتاطون، وأن نذكر أن مصدر شقائنا الذي نريد أن نخرج منه هو أننا أسرفنا في الأمن والاطمئنان. فكنَّا كالحَمَل الوادع الذي يريد أن يعيش آمنًا بين الذئاب، ونحن مع ذلك نحفظ قول شاعرنا القديم:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يَظْلِم الناس يُظلمِ
وأعوذ بالله أن أدعو إلى أن نظلم الناس لنتجنب الظلم، ولكني أتمنى — على الأقل — أن نكون من القوة المعنوية والمادية بحيث يتردد الناس قبل أن يظلمونا.

Share:

Comments

Leave a Reply