حديث الوادي
تضحية . . .
والمضحون هم الوزراء، وأي الناس أحب للتضحية وأرغب فيها، وأحرص عليها من الوزراء؟ لقد أقاموا على ذلك أدلة ناصعة، وبراهين ساطعة، وحججًا قاطعة، فهم في التضحية منذ نهضوا بأعباء الحكم، لا يقبل عليهم الصباح إلا أقبلوا عليها، ولا يقبل عليهم المساء إلا دفعوا إليها، هم مضحون حين يعملون، ومضحون حين يستريحون، هم مضحون حين يصحون، ومضحون حين يمرضون، ومضحون بنوع خاص حين يبقون في مناصب الحكم، على حين يزهدهم كل شيء في مناصب الحكم. وحين يمضون في تصريف الأمور على حين ينفرهم كل شيء من تصريف الأمور. وما رأيك في قوم يريدون الخير كل الخير لبلادهم، فلا يستطيعون أن يبلغوا منه شيئًا، ولكنهم مع ذلك يبقون في مناصبهم، ويختلفون إلى دواوينهم، لا حبًا للبقاء في المناصب، ولا إيثارًا للاختلاف إلى الدواوين، ولكن تضحية في سبيل هذا البلد، الذي يوشك إن تخلوا عن مناصب الحكم فيه أن يلتمس الوزراء فلا يجدهم، وأن يلتمس الأكفاء فلا يظفر بهم وأن يتعرض للأهوال فلا يجد بين أبنائه من يدفع عنه الأهوال. أتظن أن رئيس الوزراء الرجل الطيب يبقى في منصبه محبًا له، راغبًا فيه بعد أن أصابه ما أصابه من الإخفاق، وناله ما ناله من الفشل، وقضى الله عليه بما قضى من العجز عن حل المشكلات، التي كان يريد جاهدًا أن يحلها بالطرق العملية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يحلها بالطرق السياسية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يستسلم لله، ويذعن لحكم القضاء، ويحلها بالصبر عليها، والاحتمال لها، وانتظار ما ستتكشف عنه الأيام لعل هذه المشكلات أن تحل نفسها بنفسها أو أن ينزل لها ملك من السماء أو يخرج لها عفريت من الأرض فيحلها ذلك بإذن الله، أو يحلها هذا بإذن الشيطان.
أتظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب يبقى في منصبه مع هذا الهم الثقيل حبًا للمنصب أو رغبة فيه؟ كلا إنما هي التضحية والتضحية وحدها، والتضحية بالصحة وراحة البال، وبطيب النفس وقرة العين في ذات الوطن الذي لا يهمل أمره إلا الكافرون بالنعمة، والجاحدون للجميل. وقل مثل ذلك في وزرائنا جميعًا، فهم لا يبقون في مناصبهم حبًا لها، ولا إيثارًا لما تفيض عليهم من جاه وسلطان، ولا حرصًا على ما تغل لهم من نعمة ومال، وإنما هي التضحية والتضحية وحدها، تبقيهم في المناصب وهم للمناصب كارهون. إني لأعرف كثيرين من المصريين لم يناموا الليل أمس حبًا للوزراء، ورفقًا بالوزراء، وعطفًا على الوزراء، ودعاء للوزراء، وشكرًا لهم على ما يقدمون لمصر من تضحية، وشكرًا لله على ما يلهمهم من حب التضحية في سبيل مصر. وإني لأعرف كثيرين من المصريين قد أنفقوا سواد الليل يبتهلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إليه في أن يمنح وزراءنا القدرة على احتمال هذه الأثقال، التي يأخذون بها أنفسهم أخذًا على حين قد فشت الأثرة في الناس وذاع بينهم الكسل، فهم يتخففون من الأثقال، ويفرون من التكاليف. أمِن المصريين من قرأ «عدية يس» طول الليل، ومنهم من قرأ الفاتحة يرددها طول الليل، ومنهم من قرأ سورة الإخلاص يرددها منذ أظلم الليل إلى أن أسفر الصبح، ومنهم من قرأ الأوراد، ومنهم من تلا العزائم، ومنهم من اصطنع الطلاسم، كلهم يتوسلون إلى الله في أن يعين الوزراء على احتمال ما يحتملون، والصبر على ما يأخذون أنفسهم به من المكروه، ذلك أنهم قرأوا صحف المساء ورأوا فيها أن وزراءنا قد رأوا حال مصر، وأحسوا حاجتها إلى بقائهم فيها، وعنايتهم بها وسهرهم على منافعها، فقرروا وما أخطر ما قرروا، وأزمعوا وما جَلَّ ما أزمعوا، قرروا البقاء، لا في مناصبهم فهم مشدودون إلى مناصبهم بالأمراس، ولكن في مصر، أثناء الصيف، قرروا ألا يسافر أحد منهم إلى أوروبا، حرموا على أنفسهم عبور البحر، وزيارة باريس، والاستمتاع بمناظر الجبال الخضراء، والاستشفاء بمياه الينابيع والاستراحة إلى هذه الألوان من الجمال التي كانوا يستريحون إليها كل عام، إذا أقبل الصيف. قرروا أن يقيموا في الإسكندرية، وأن يكتفوا هذا العام بنسيمها الذي يقول الناس عنه أنه عليل، وما هو بالعليل، وببحرها الذي يقول الناس إنه جميل، وما هو بالجميل، وبما تقدم الإسكندرية إلى المصطافين مما يسميه الناس لذة، وراحة، ونعيمًا، وما هو باللذة ولا بالراحة ولا بالنعيم، وإنما هو الألم والتعب والبؤس. وقرروا أن يكتفوا بما يكلفون الدولة في سبيل اصطيافهم في الإسكندرية، من هذا المال الزهيد، الضئيل الذي تنفقه عليهم وعلى من يتبعهم من الموظفين كبارًا وصغارًا. وألا يحملوها نفقات أخرى، هي التي يفرضها السفر إلى أوروبا، والاختلاف إلى مدنها الكبرى.
ثم قرروا إذا لم يكن بد من تغيير الهواء والترفيه على النفس، وتبديل ما تقع العين عليه من المناظر، أن يعمدوا إلى سفينة من سفن الدولة، فيقضوا عليها يومًا أو بعض يوم، يتنزهون بها في البحر أو يذهبون بها إلى الحدود. قرر الوزراء هذا كله لا زهدًا في السفر ولا رغبة عن الراحة ولا كراهية لعبور البحر، ولكن تضحية في سبيل مصر لأن مصر محتاجة إليهم، مفتونة بهم، لا تستطيع على فراقهم صبرًا، ولا تجد بدًا من أن تحس بقاءهم فيها، حين تسطع شمس النهار، وتتألق نجوم الليل. أفرأيت تضحية تشبه هذه التضحية؟ أفرأيت إيثارًا يقارب هذا الإيثار؟ أفرأيت وطنية تعدل هذه الوطنية؟ أفرأيت وزراء يقاسون إلى هؤلاء الوزراء؟ كلا. ولا نصدق هؤلاء الكاشحين الذين يطوون قلوبهم على البغض والحقد ويلوون ألسنتهم بالكلام في غير بصيرة ولا فهم، يزعمون أن أحداثًا ستحدث وأن خطوبًا ستلم، وأن أخطارًا ستحدق وأن الضرورة وحدها هي التي تكره الوزراء على البقاء، أثناء الصيف. كلا. ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين ينطلقون في الأندية ويطلقون ألسنتهم بأن وزراءنا لا يريدون أن يبرحوا الأرض قبل أن يبرحها المندوب السامي، فإذا سافر المندوب السامي آخر هذا الشهر، انقضى فصل الإجازات، ولم يجد وزراؤنا بدًا من البقاء فوزراؤنا أكبر وأكرم على أنفسهم من أن يجعلوا سفرهم وإقامتهم رهينين بممثل أجنبي وإن كان هذا الممثل هو المندوب السامي.
ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين يتحدثون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم بأن وزراءنا يجدون ريح الاستقالة، فهم يريدون أن ينتظروها في مصر حتى تبلغهم، وهم مطمئنون، وهم يكرهون أن يسافروا وأن تدركهم الاستقالة، وهم غائبون متفرقون.
لا نصدق شيئًا من هذا، وصدق ما قلته لك، فوزراؤنا يبقون في مناصبهم مضحين، ويبقون في مصر أثناء الصيف مضحين، وهم إن سافروا واستمتعوا بلذات أوروبا ونعيمها فيسافرون مضحين أيضًا، لأنهم قد فطروا على التضحية، لا يعرفون غيرها، ولا يحبون شيئًا سواها، ولا يميلون إلا إليها.
فادع الله لهم معي بطول البقاء في الأرض، لا في المناصب، فأمر المناصب شيء آخر، وهو أهون شيء على الوزراء . .
طه حسين
الوادي، ٨/٩/ ١٩٣٤ .
تضحية
Share:
Leave a Reply