مسألة القبول في الجامعات
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ أكتوبر ١٩٤٠
بدأ أمس العام الدراسي في كليات جامعة فؤاد الأول بالقاهرة وفرعها بالإسكندرية، وقد التحق بالجامعة عدد يسير من الناجحين ممَّن حصلوا على مجموع من درجات النجاح يزيد على ٥٥٪، وبقي كثيرون من الراغبين في الالتحاق بالكليات المختلفة، وينقصهم المجموع المطلوب، حائرين لا يعرفون ماذا يصنعون.
ونذكر في هذا المقام أن مدير الجامعة وبعض عمداء الكليات والسكرتير العام للجامعة يميلون إلى عدم الخروج عن القرار السابق، في حين أن كثيرين من الأساتذة — ولا سيما في الكليات النظرية — يَرَوْنَ تذليل العقبات القائمة في وجوه الطلاب هذه السنة.
ويتجه الآن أولياء أمور التلاميذ صوب رئيس الجامعة الأعلى؛ رجاء حل هذه المسألة في الأيام القريبة القادمة، خشية أن يطول الزمن على أولادهم وهم خارج الدرس.
وقد اتصل أمس كثيرون من أولياء أمور الطلاب بمندوبنا، وذكروا له أنهم اعتزموا التوجُّه نحو ساحة المليك؛ لرفع الأمر إلى الذات العلية.
كلمة للدكتور طه حسين بك وقد سأل أحد محرري «الأهرام» الأستاذ الدكتور طه حسين بك، أستاذ الأدب العربي بالجامعة، ومراقب الثقافة العامة بوزارة المعارف، رأيه في مشكلة الطلاب الذين رَفضت الجامعة قبولهم هذا العام، فأدلى إليه بالحديث التالي: «كنت دائمًا من أشد الناس ممانعة في تضييق التعليم العالي، مهما تكن الحجج التي يحتج بها أنصار هذا التضييق؛ لأني أعتقد أن مصر ما زالت بعيدة كل البُعد عن الوقت الذي يصح فيه أن توضع مسألة التعليم العالي موضع المناقشة. وكنت وما زلت أعتقد أن الدولة المصرية لم تَقطع بعدُ الطريقَ التي ينبغي أن تقطعها في نشر التعليم الثانوي والعالي، وأن من المضحك حقًّا أن يتناقش الناس في هذا في بلد لا يبلغ المتعلمون فيه عشرين في المائة وله ميزانيته الضخمة وله ثراؤه العريض. وكنت وما زلت أعتقد أن الذين يرغبون في تضييق التعليم، إمَّا أن يكونوا من الذين يأخذون بظواهر الأمور فيتحدثون عن أزمة التعليم في مصر كما يتحدث الناس في أوروبا وأمريكا ليس غير، وإمَّا أن يكونوا من الذين يريدون أن تتكون في مصر طبقة ممتازة بالثقافة، كما تتكون فيها طبقة ممتازة بالمال. فأمَّا الذين ينظرون إلى الأمور نظرة صادقة ديمقراطية خالصة لمصلحة الوطن، فلا ينبغي أن يفكروا في تضييق التعليم قبل أن يتسع التعليم بالفعل. كذلك كنت وما زلت أعتقد، ولكننا في هذه السنة أمام مشكلة جديدة يجب أن نَنظر إليها نظرًا خاصًّا، وأن تُعالج في حزم وسرعة كما تُعالج الطوارئ التي تطرأ في أوقات الحرب. وقد أصبح سفر أبنائنا إلى أوروبا مستحيلًا، وأصبحت إقامتهم فيها عسيرة جدًّا، ولا بدَّ مع ذلك من أن يتعلموا. كما أن الحكومة تُعنى بأن تجد في مصر الأشياء الضرورية التي كُنَّا نستوردها من أوروبا ثم أصبح استيرادها عسيرًا، فقد يجب على الحكومة أن تعلِّم الشبَّان الذين كنا نعلِّمهم في أوروبا ثم أصبح تعليمهم فيها مستحيلًا. وكنت أعتقد أن الجامعة ستؤجل المناقشات الأفلاطونية في رفع مستوى التعليم العالي أو خفضه أو الاحتفاظ به كما هو إلى أن ينتهي وقت الطوارئ. ولكني آسف لأني أرى هذه المناقشات مستمرة في هذا العام كما كانت في الأعوام الماضية، كأنَّ الصلة بيننا وبين أوروبا ما زالت سريعة منظمة. ويُخيَّل إليَّ — بعد أن انقضى على الحرب عام كامل ودخلت في العام الثاني من أعوامها — أنه قد آنَ الوقت لنعرف أن العالم في حرب، وأن للحرب ظروفَها القاسية التي تقتضي نُظُمًا ملائمة لها، والتي حملت الحكومة والبرلمان على إعلان الأحكام العرفية. ولا غرابةَ في أن تتجاهل الجامعة هذا كله، فمن طبيعة العلماء أن يعيشوا في «برجهم العاجي» وأن يشعروا بما حولهم من الأحداث، ولكن إن الغرابة إنما هي في أن الحكومة لا تُنبئ الجامعة بأن في الأرض حربًا، وبأن هناك طلابًا يجب أن يتعلموا، وبأن تركهم يضطربون في الشوارع إن جاز في أوقات السلم لا يجوز في أوقات الحرب. وأظن أن من الحق على وزارة المعارف أن تُدافع عن شهادتها الثانوية، فما ينبغي أن تُغلَق أبواب الجامعة في وجه طالب يحمل هذه الشهادة، مع أن هذه الشهادة نفسها تفتح له أبواب الجامعات الأوروبية كافة. وقد تكون هناك أعذار للجامعة، ولا سيما بالقياس إلى الكليات التي تحتاج إلى المعامل، ولكن من الحق على الحكومة أن تُعِين الجامعة على تذليل هذه العقبات. وأذكر أن وزير المعارف القائم الآن قد كان له موقف في وزارته السابقة ما أظن أن الجامعة نسيته. فليقِفْ هذا الموقف مرة أخرى، وإن من الظريف حقًّا أن تقبل كلية الحقوق وكلية الآداب حملة الشهادة الثانوية من شعبتي العلوم والرياضة في أثناء السِّلم، فإذا جاءت الحرب وأزماتها رفضت الكليتان هؤلاء الطلاب. إن الأمر لا يحتمل — فيما أعتقد — ريثًا ولا أناةً، كما أنه لا يحتمل فكاهةً ولا دعابةً، فلتأخذه الجامعة والحكومة بالجِدِّ والحزم؛ فإن لآباء التلاميذ من أزمات الحرب المالية والاقتصادية ما يكفي، فلنُرِحْهم من هذه الأزمة التعليمية، فذلك أيسر ما يجب لهم علينا.»
مسألة القبول في الجامعات
Share:
Leave a Reply