Tag: إساءة استخدام السلطة

  • إقطاع | Feudalism

    إقطاع
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ مايو ١٩٤٧

    لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.

    هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.

    أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.

    ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!

    فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.

    هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!

    فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!

    ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!

    ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!

    والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!

    ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.

    نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!

    فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!

    وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    والشيخ إن قومته من زيغه لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى!

  • في الحرية الشخصية | On Personal Freedom

    حديث الوادي
    في الحرية الشخصية . . .
    الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعاً بنصوص الدستور القديم، وبنصوص الدستور الذي يراد إلغاؤه.
    وكانت مكفولة قبل إعلان الحياة الدستورية، بالقوانين العادية منذ عهد بعيد، فقد نشأ هذا الجيل حراً لا يعرف لأحد عليه حقاً فيما يأتي وما يدع ما دام لا يخالف القانون ولا يتجاوز حدود الآداب العامة، ولا يعرض غيره للأذى.
    فمن الغريب أن تتعرض هذه الحرية الشخصية للخطر بعد هذه الضمانات كلها، وبعد أن أمن الناس عليها منذ عهد بعيد، وبعد أن نشأت أجيال مصرية، لا يستطيع السلطان أن يتدخل في حريتها الشخصية أو يعرضها للتحكم والعبث.
    ولكن هذه الحرية الشخصية مع ذلك تنتهك حرماتها جهرة، وفي غير ما يدعو إلى أن تنتهك هذه الحرمات. كان ذلك يقع أيام صدقي باشا، وأيام عبد الفتاح باشا، لأن هذين الرجلين، وأعوانهما، لم يكونوا يرعون لشيء حرمة، ولا يرجون لأحد وقاراً إنما كانوا يحكمون بالهوى، ويفرضون إرادتهم وإرادة سادتهم فرضاً، ويقيمون الشهوة مقام القانون، ويمنحون الهوى سلطة الدستور، يعبثون بعقول الناس ويعبثون بعقول أنفسهم، فيحيلون إلى الناس وإلى أنفسهم أنهم ينفذون القانون، ويطبقون أحكام الدستور، مع أنهم يهدرون هذا، ويتجاوزون ذاك، في غير تحفظ ولا احتشام. لم يكن غريباً في العهد الماضي، أن يفرض مدير الدقهلية على المعلمين الإلزاميين زيّاً دون زيّ، وأن يعاقبهم إن خالفوا أمره، وأن يخيرهم بين المنصب والطربوش، ولم يكن غريباً أن يتحكم مدير المنوفية في اللحى وأن يأمر الموظفين أو ينصح لهم – ونصحه أمر – بحلقها ويخيرهم بين إرسالها وبين المنصب.
    لم يكن شيء من هذا غريباً في ذلك العهد فقد كان هذا وأكثر من هذا ملائماً لطبيعة الأشياء في ذلك الوقت، موافقاً كل الموافقة لأساليب الحكم وإنما الغريب أن يمضي المديران بعد قيام الوزارة الحاضرة، بما كانا يمضيان به في ظل الوزارتين الساقطتين. فما زال ناس يشكون من مدير الدقهلية ومن بطشه بالمعلمين، وتحكمه في أزيائهم وفصل من رجع منهم إلى زيه الذي يحبه في غير تمهل ولا أناة، وما زال الناس يذكرون من أمر مدير المنوفية في قصة اللحى، التي يجب أن تحلق، والتي لا ينبغي أن ترسل، ما يذكرون، وما زال قوم يعتذرون عن المديرين بالأعذار المختلفة ويتعللون لهما بالتعلات المتباينة ومع ذلك فالذي يعرفه المصريون جميعاً ويؤمنون به إيماناً لا يتعرض له الشك هو أن الوزارة القائمة إنما أقبلت لتنصف المصريين بعد أن جار عليهم رجال العهد السابق، ولترفع عنهم الظلم رفداً وتقر فيهم العدل إقراراً، ولترد إليهم هذه الحريات المقدسة التي اعتدى عليها المعتدون، وانتهك حرماتها الآثمون، في غير رعاية للحق، ولا احتفاظ بكرامة القانون، وكل شيء يطاق إلا أن يرى المصري نفسه في هذه الأيام خاضعاً لسلطان المدير وتحكمه، في الزي الذي يريد أن يتخذه، وكل شيء يحتمل إلا أن يرى المصري في هذه الأيام خاضعاً للمدير في لحيته، أيحلقها أم يرسلها؟ هذا كثير ما ينبغي أن تخوض الصحف فيه، ولا أن يحتاج الكتاب إلى أن يبينوا مقدار ما فيه من شر ونكر. ولقد تحدثت "البورص" منذ أيام في أمر اللحى، فاستحيينا للمصريين من أن تكتب عنهم الصحف الأجنبية، أنهم ليسوا أحراراً في إرسال لحاهم، أو إزالتها، واستحيينا لهم من أن يتحدث الأجانب في مجالسهم بأن المصريين يطلبون الاستقلال، ويلحون في الحرية وهم لا يزالون يقبلون أن يتدخل المدير بينهم وبين ثيابهم، أو أن يتدخل المدير بينهم وبين لحاهم دون أن يكون هناك قانون، يبيح للمدير أن يتدخل في أمر اللحى والثياب ولكنا حملنا ذلك على ما كان يخضع له الناس في العهد الماضي من ظلم، وما كان يثقل به العهد الماضي من سيئات وآثام. فأما الآن وقد نهضت وزارة الأمة، لترد إلى المصريين حرية الأمة فأما الآن وقد نهضت وزارة الحق لترد إلى المصريين سلطان الحق، فأما الآن وقد نهض بالحكم قوم مثقفون يقدرون الثقافة، متحضرون يفهمون الحضارة أحرار يقدسون الحرية فإنا نرجو أن يعنى رئيس الوزارة ووزير المعارف بإلغاء هذا العبث ومحو هذا الفساد وإطلاق حرية الناس فيما يختارون من الثياب وإطلاق حرية الناس في لحاهم أيضاً، وحماية مصر، من أن تكون مصدراً للسخرية والاستهزاء ووسيلة للهو والفكاهة، يتخذها الأجانب لينفسوا بها عن أنفسهم هموم الحياة. إن للمديرين أعمالاً أخرى أنفع وأكرم وأوجب وأجل خطراً من العناية بأمر الثياب، وحلق اللحى، فإذا كان هؤلاء المديرون لا يقدرون إلا على العبث ولا يحسنون إلا التحكم ولا يفكرون إلا في السخف، فإن بيوتهم أولى بهم من حكم الأقاليم. ومهما تكن المعاذير التي يذيعها أنصار هؤلاء المديرين فليس لحاكم أن يدخل بين أحد وثوبه، ولا بين أحد ولحيته، فلينظر رئيس الوزراء ووزير المعارف في هذا الأمر وليردوا إلى المصريين شعورهم القديم، لأنهم أحرار فيما يلبسون من ثوب، وما يتخذون من شكل. فإن الشعور بهذه الحرية هو الأساس الصحيح الوحيد الذي ينبغي أن تقوم عليه الثقة بالوزارات، بل أن تقوم عليه الثقة بنظم الحكم، بل أن تقوم عليه الثقة بصلاح الحياة الاجتماعية واستحقاقها للبقاء، ولقد يكون من أبغض الأشياء إلى الناس أن يظلموا في أموالهم وفي مناصبهم وفي حقوقهم السياسية، ولكن أشد من هذا كله بغضاً أن يظلم الناس في ثيابهم وفي لحاهم، فليس إلى وصف هذا الظلم من سبيل.
    وإني لأرجو ألا نحتاج إلى أن نتحدث في هذا الأمر مرة أخرى، كما لا ينبغي للوزارة وعلى رأسها نسيم باشا ولا لوزارة المعارف وعلى رأسها نجيب الهلالي بك، أن تضطرنا إلى إعادة هذا الحديث.
    طه حسين
    الوادي، ٢٤ نوفمبر ١٩٣٤.

  • عدوان | Aggression

    عدوان
    وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه.
    وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله.
    نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة.
    فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين.
    وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية.
    نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟
    والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين.
    زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد.
    ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين.
    يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره.
    يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟
    كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال.
    لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح.
    أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد.
    ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس.
    كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…!
    كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.