عدوان
وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه.
وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله.
نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة.
فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين.
وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية.
نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟
والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين.
زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد.
ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين.
يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره.
يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟
كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال.
لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح.
أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد.
ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس.
كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…!
كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.
عدوان | Aggression
Share:
Leave a Reply