Tag: الأدب الفرنسي

  • سحر العمر بقلم الأستاذ توفيق الحكيم | The Charm of a Lifetime, by Tawfiq al-Hakim

    سحر العمر: بقلم الأستاذ توفيق الحكيم
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ٣٠ يناير ١٩٦٥

    ليس هذا الكتاب تاريخًا لحياة الأستاذ توفيق الحكيم فيما يقول، ولكنه تصوير دقيق لحياته إلى أن أصبح كاتبًا معروفًا، وما أظن هذا يرضيه، ولكنه الحق على كل حال.

    فالذي يُنبئُنا بأنه وُلِد هادئًا لا يصيح ولا يبكي كما يفعل كل وليد، والذي يحدثنا عن طفولته الأولى وعن تعلمه منذ اختلف إلى الكتاتيب، ثم إلى المدرسة الابتدائية إلى أن يظفر بإجازة القانون، والذي يحدثنا عن البيئات المختلفة التي تنقل بينها أثناء طفولته الأولى، وفي آخر الصبا وأول الشباب، ويحدثنا عن ذهابه إلى فرنسا وعودته منها دون أن يظفر بإجازة الدكتوراه؛ لأنه لم يحفل بالقانون، وإنما عني بالثقافة عامة، وفن التمثيل خاصة، والذي يصور لنا حياته في باريس، وعودته إلى مصر، وتقلُّبه بين المناصب المختلفة، إنما يكتب لنا تاريخ حياته.

    بل هو يذهب إلى أبعد من هذا، فهو يحاول أن يفسر هذه الحياة، ويرد كثيرًا من ظواهرها إلى الوراثة، ويحاول أن يرد هذه الوراثة إلى أبويه يعطي كل واحد منهما نصيبه من هذه الحياة. ولا يكتفي بكتابة تاريخ حياته، ولكنه يجتهد في أن يفلسفها، ويريد أن يقسم ظواهر حياته بين أبويه، فيحدثنا عما يمكن أن يكون قد ورث من طبع أبيه، وما يمكن أن يكون قد ورثه عن طبع أمه، إنما يصور تاريخ حياته تصويرًا دقيقًا، ويضيف إليها فلسفتها، وهو مع ذلك ينبئنا بأنه لم يكتب تاريخ حياته.

    وسواء أرضاه هذا الحديث أم لم يرضه، فإني أؤكد أنه قد أعطانا صورة واضحة لحياته كل الوضوح، دقيقة كل الدقة، ومع أنه يزعم أن أمله أكبر من جهده، وأن جهده أكبر من موهبته، وأن موهبته سجينة طبعه الذي ورث أكثره عن أبويه؛ فإني أؤكد أولًا أن أمل كل كاتب أكبر من جهده، وأن هذه هي مزية الكاتب الجدير بهذه الصفة، كما أنها مزية الشاعر الممتاز والفنان البارع بوجه عام، وويل للأديب الذي يكون أمله على قدر جهده؛ فهذا الرجل ليس من الأدب الحق في شيء، إنما هو الأديب المتكلف، والمتكلف لما لا يحسن ولما لم يخلق له. وأما أن يكون جهده أكبر من موهبته، فقد يكون هذا على شيء من الحق؛ لأن الأستاذ توفيق ينحرف عن موهبته أحيانًا، ويغامر بها فيما لم تُهيَّأ له كما فعل في أمرين — على الأقل — أذكرها الآن.

    أولهما: حين أراد أن يكون فيلسوفًا وينشئ نظرية التعادل، مع أن موهبته لم تخلق للفلسفة ولم تهيأ لها، وإنما خلقت لإنشاء القصص التمثيلي الممتع، والثاني: حين حاول أن يكتب القصص غير المعقول، فكتب يا طالع الشجرة وما يشبهها، مع أنه لم يخلق لهذا، وإنما خلق ليكون معقولًا حين يكتب وحين يقرؤه قُرَّاؤه. وأما أن موهبته سجينة طبعه، فلا غرابة في هذا؛ لأن المواهب كلها سجينة الطباع التي فطر عليها أصحابها، وليس من الممكن غير هذا؛ لأن مانحها يلائم دائمًا بين ما يَهبُ وما يفطر الناس عليه، فلا يُؤاخِذُ الأستاذ توفيق إذا قلتُ: إن هذه العبارة التي ابتدأ بها كتابه أشبه شيء بالسراب يحسبها الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجد شيئًا.

    وبعد هذا كله أقول — لا لأرضي صاحب الكتاب، بل لأرضي الحق: إن هذا الكتاب ممتع، وأشهد لقد قرأته مرتين في أقل من ثلاثة أيام، وأقل ما فيه من المتعة أنه يصور حياة كاتب بارع أحبه الناس وكلف به أكثرهم، ثم لا يكتفي بتصوير حياة الكاتب وحده، وإنما يصور حياة أبويه. ولست أدري ماذا يكون تاريخ الحياة إذا لم يكن وصفًا دقيقًا لمولد الكاتب ونشأته وأطواره التي تنقل بينها حتى انتهى إلى مكانته المرموقة الآن، وإذا دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن أمل الأستاذ توفيق الحكيم أكبر من جهده. قد أرَّخها تاريخًا دقيقًا. وحياته في نفسها جديرة بأن تُؤرَّخ؛ فهي حياة نادرة في بيئتنا، وإن كانت مألوفة في بيئات كثيرة.

    وقد نبأنا أنه مشغوف بالكاتب الفرنسي أناتول فرانس، فليعلم إذن أن هذا الكاتب الفرنسي العظيم لم يظفر بالشهادة الثانوية، وإنما أضحك منه لجنة الامتحان حتى وصفه أحد الممتحنين بأنه حمار؛ فليحمد صديقنا لربه أنه قد ظفر بالشهادة الثانوية، وبشهادة الليسانس في الحقوق، ولا بأس عليه إن لم يظفر بالدكتوراه، بل هو المسئول الأول عن ذلك؛ لأنه حين ذهب إلى باريس لم يطلب هذه الدرجة، وإنما طلب الثقافة العامة وفن القصص التمثيلي. ودرجة الدكتوراه في الحقوق، أو في الآداب، أو ما شئت من الدراسات لا تهبط على الناس من السماء، وإنما على الناس أن يَجِدُّوا ويَكِدُّوا ليظفروا بها.

    وصاحبنا لم يبذل في سبيل الدكتوراه جهدًا أكبر من موهبته أو أصغر منها، ولو كان أبواه في باريس حين ذهب إليها لبذل هذا الجهد، ولأصبح دكتورًا في الحقوق على رغمه.

    والمهم هو أنه كتب لنا كتابًا قيِّمًا ممتعًا؛ لا لأنه أرَّخ لنا حياة كاتب ممتاز فحسب، بل لأنه مع ذلك أرخ للتمثيل في مصر تأريخًا دقيقًا مفصلًا شيِّقًا واضحًا كل الوضوح، ثم صور لنا حياته الأدبية أدق تصوير وأبرعه، حتى كأننا كنا معه نسجل ما اختلف عليه من الأطوار. وليس هذا كله بالشيء القليل، وإذا كان هذا كله لا يكفيه ولا يرضيه؛ فليس ذلك غريبًا ولا متناقضًا لطبائع الأشياء؛ لأن الكاتب المتقن لفنه لا يرضى عما يكتب إلا إذا ملأه الغرورُ واستأثر بعقله وطبعه.

    وقد كنا نجهل — أو كان أكثر قرائه يجهلون — أنه قد كتب القصص التمثيلي أثناء دراساته في مصر، وأن بعض ما كتب قد أتيح له أن يُمثَّل ويراه النَّظَّارة، ولم أكن أعلم أنه كان يكتب شعرًا أو ما يشبه الشعر. كان يكتب كلامًا يلحنه الملحنون، ويغنيه المغنون، ولست أدري لما أعرض منذ ذهب إلى فرنسا عن هذا اللون من الكلام الذي يغني فيه. ومن يدري لعله لو استمر على كتابة هذا النوع من الشعر وما يشبه الشعر لكان أكثر من كاتب القصص التمثيلي، ولأضاف إلى ذلك إنشاء الأوبرا والأوبريت، ولكن فرنسا فيما يظهر قد صرفته عن هذا اللون من القول.

    وأنا أشكر للكاتب إشارته إليَّ وذِكْرَه أننا صِرْنا صديقين، ولكني لا أدري لماذا لم يبين كيف صرنا إلى الصداقة. ومن يدري لعل ذلك لأن طبعه أكبر من موهبته ومن جهده ومن أمله معًا؟

    ويقول الكاتب: إنه قد ورث عن أبيه — رحمه الله — كثيرًا من الخصال؛ منها: إيثار كالاقتصاد في الإنفاق والقول، ولعله قد نسي خصلة أخرى، وإن كنت لا أدري عمن ورثها؛ وهي الاقتصاد في الحركة أيضًا.

    فهو قليل الحركة لا يطيق إنفاق جهده في شيء غير الكتابة، ولعله لا يشق على نفسه وحدها في ذلك، وإنما يشق على غيره أيضًا، ولست أدري أكان أبوه — رحمه الله — تغريه وتسيطر عليه رؤية الدنانير، ولكني أعلم لأنه سجل ذلك في بعض كتبه. أعلم أنه كان يساوم ناشرًا للكتب، فلما رأى في يد هذا الناشر ورقة مالية لم يستطع أن يستمر في المساومة، وإنما أعطى الكتاب وأخذ الورقة ذات العشرة الجنيهات.

    ولست أصدق ما يردده دائمًا من أنه يؤثر المال إلى حد البخل به، لا أصدق ذلك لأني جربت كرمه وسخاء يده في البذل، وقد قلت ذلك حين استقبلته في المجمع اللغوي، وإن كان قد عتب علي في ذلك بعد انتهاء الجلسة، معللًا عتبه بأن هذا القول قد يطمع فيه الناس، ويغري به أصحاب الحاجات.

    وأنا على كل حال أهدي إلى الكاتب الصديق تهنئة خالصة، وشكرًا جميلًا؛ لأنه تفضل فلم يرسل إليَّ كتابًا من كتبه منذ سنين، فله الشكر كل الشكر، وإن كنت أرجو أن يأذن لي في أن آخذ شيئًا من هذا الشكر لأهديه إلى الصديق الكريم الذي أعارني هذا الكتاب.

  • ماتت الساحرة | The Enchantress Has Died

    ماتت الساحرة

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٦ أغسطس ١٩٥٤

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، أم يعرفها من بينهم فريق بعينه من أولئك الذين يعنون عناية صادقة بالأدب الرفيع، ويتتبعون الإنتاج الأدبي الفرنسي بشيء من هذا الشغف الذي لا يتاح إلا للذين يسحرهم جمال الفن من حيث هو، لا من حيث إنه يحقق هذه المنفعة أو تلك، ويوصل إلى هذا الغرض أو ذاك، من حيث إنه الجمال الخالص الذي تجد النفس فيه الرضا والمتعة، وإن ضاقت ببعض ما فيه من التفصيل؟

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، ولكني أعلم أن الفرنسيين جميعًا يُكْبِرونها ويُقدِّرون أثرها في حياتهم الأدبية، ويرونها من أبرع كُتَّابهم في هذا العصر الحديث، ويتجاوزون ذلك إلى ما هو أعظم منه خطرًا، فيرون أنها قد رقَّت النثر الفرنسي وارتفعت به إلى منزلة لم يبلغها إلا قليل من كُتَّابهم النابهين.

    وأعلم كذلك أن صوتها الأدبي قد تجاوز حدود وطنها منذ عهد بعيد جدًّا، فأصبحت علمًا من أعلام الأدب الإنساني في هذا القرن، وما أرى إلا أن كثيرًا من آثارها قد نقل إلى اللغات الحية الكبرى، وإنْ كنتُ لا أذكر أني رأيت ترجمة لأثر من آثارها في لغتنا العربية.

    هذه هو كوليت التي نقلت إلينا الصحف الإيطالية نعيها منذ يومين، ووصلت إلينا الصحف الفرنسية اليوم تحدثنا عن حياتها الخصبة المضطربة الرائعة المروعة بالشيء الكثير.

    وقد أخذت هذه الكاتبة تسلك طريقها الأدبي إلى المجد منذ أواخر القرن الماضي قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين، وظلت تنتج فتبهر وتسحر بإنتاجها إلى أن أدركها الموت بعد أن جاوزت الثمانين، فهي قد أنفقت أكثر من نصف قرن منتجة للأدب الرفيع، مجاهدة ألوانًا من الجهاد الغريب في حياتها المضطربة الحافلة بالخطوب، المليئة بما يرضي وما يسخط، وبما يسرُّ وما يَسوءُ.

    وما رأيك في فتاة تنشأ في قرية من قرى بورجونيا، فلا تكاد تعقل حتى تألف الطبيعة وتهيم بها وتوشك أن تغني فيها؟ فهي كلفة بالغابات، مشغوفة بالحدائق، مولهة بكل ما يروع ويعجب من مناظر الطبيعة، وهي لا تشغف بالطبيعة كما يشغف بها أمثالها من الصبية فتتخذها متاعًا ولهوًا، وإنما تشغف بها شغفًا خاصًّا: تريد أن تبلوها، وتصل إلى أعماقها وحقائقها، وتمتزج بها، وتصير جزءًا منها، وهي إلى ذلك تحب الخلوة إلى هذه الطبيعة مُتحدثةً في أعماق نفسها إلى شجرها، وزهرها، وثمرها، وعشبها، وحيوانها النافر والمستأنس.

    تعيش بين هذا كله كما يعيش الطفل بين أهله وأدوات لعبه، وتسبغ على هذا كله من نفسها خير ما فيها من الحياة والحس والشعور، وتسبغ على نفسها من هذا كله خير ما فيه من الجمال والروعة والحياة الطلقة الحرة الجامحة التي لا تحب نظامًا ولا قيدًا.

    فإذا أرسلت إلى المدرسة لم يصرفها الدرس عن حبيبتها الطبيعة، بل أصبحت المدرسة جزءًا من هذه الطبيعة، فهي تلاحظ أترابها ومعلماتها كما تلاحظ الشجر والثمر والزهر، ولا تكاد تتجاوز العشرين من عمرها حتى يلمَّ بأسرتها فتى كاتب مستهتر من باريس فيَشْغفها حبًّا. وأكبر الظن أنها أحبته على هذا النحو الذي ألفته من حب الشجر والزهر والثمر.

    والمهم أنها كلفت به وأصبحت له زوجًا، وانتقلت معه إلى باريس، وكأنها خلبته بما كانت تتحدث به إليه من أنباء حياتها الناشئة في المدرسة، فطلب إليها أن تكتب أحاديثها هذه لينظر فيها بعد ذلك، وقد فعلتْ، ونظر الزوج فيما ألقت إلى الدفتر من أحاديث نفسها فلم يحفل بها أول الأمر، ثم عاد إليها بعد عام وبعض عام، فرضي عنها وأصلح فيها ودفعها إلى الناشر، فظهر أول كتاب شاركت فيه هذه الفتاة، ولم يكد يظهر حتى فتنت به باريس، ثم فتنت به فرنسا، ثم أصبح الحلقة الأولى من سلسلة ظهرت كلها مصورة لحياة كوليت في المدرسة وفي الأسرة وفي بيت الزوجية، وأصبحت هذه السلسلة من أعظم الكتب رواجًا في أول هذا القرن.

    يقرؤها الأديب الممتاز فيرى فيها بشائر تفوق وتجديد، ويقرؤها الفرنسي المتوسط — والفرنسية المتوسطة خاصة — فيرى فيها مرآة لنفسه وميوله وأهوائه، وخفايا ضميره التي لا يكاد يظهرها أو يجمجم بها، ويرى فيها مرآة لوطنه وطبيعته الساحرة الآخذة بالقلوب والأحباب.

    ولا يكاد القرن يبلغ السادسة من عمره حتى تضيق الكاتبة بزوجها، فيكون بينهما الطلاق الذي يفتح لها أبوابًا من الحياة الغريبة والمغامرات التي لا تنقضي؛ فهذه المرأة التي لم تجاوز الثلاثين إلا قليلًا جامحة الطبع، مرسلة نفسها على سجيتها، معتدة بقوتها وقدرتها على الجهاد، غير حافلة برأي الناس فيها أو حديثهم عنها، غير قادرة إلا لرأيها هي وحكمها هي على الناس والأشياء. وهي في الوقت نفسه مرسلة نفسها على سجيتها، مخلية بين غرائزها وبين الحياة تأخذ منها ما تحب، وتدع منها ما تكره، لا مقياس لها في ذلك إلا ذوقها هي، وحكمها هي، وما تجد من لذة أو ألم، ومن رضا أو سخط، ومن إقبال أو نفور.

    وهي في حاجة إلى أن تعيش، فما لها لا تكسب حياتها من حيث تحب أن تكسبها، وإذا هي راقصة في مراقص باريس، وإذا إقبالها على الرقص يتيح لها الإبداع فيه، وإذا هي تجدد وتبتكر ولا تكتفي بالرقص، بل تبتكر فيه فنونًا وألوانًا، فإذا ضاقت بالرقص أو أخذت منه ما يكفيها، أقبلت على التمثيل فمثَّلت قصصَ غيرِها، وأتاح لها ذلك أن تتقن دقائق التمثيل، وأن تصبح في يوم من الأيام منشئة للقصص التمثيلي، ممثلة للشخصيات التي تبتكرها.

    فإذا أخذت من هذه الحياة المضطربة بحظها أصبحت صحفية تشهد جلسات البرلمان وتصورها أبدع تصوير، وتشرف على القسم القصصي في إحدى الصحف الباريسية الكبرى، ثم تميل إلى حياة الأسرة فتتخذ لنفسها زوجًا من الأشخاص البارزين في الحياة الفرنسية، ثم تمضي في حياتها هذه المضطربة الهوجاء، المنتظمة رغم ذلك؛ لأنها تلائم طبيعة الكاتبة ومزاجها وذوقها. وهي في أثناء هذا كله متصلة الإنتاج لا يكاد يمضي عام أو عامان حتى يظهر لها كتاب يملأ النفوس إعجابًا بها، وحبًّا لها، ورضًا عن فنها، وإذا هي تصبح ذات يوم عضوًا في المجمع الأدبي البلجيكي تشغل مكان الشاعرة الفرنسية العظيمة أنادي نواي.

    ولا تمضي أعوام على هذا النُّجْح حتى تصبح عضوًا في مجمع جونكور بباريس، ثم رئيسة لهذا المجمع، وإنتاجها الأدبي مع ذلك مستمر مطَّرد، ولا يدركه ضعف ولا وهن ولا فتور، وإذا هي ملهمة للموسيقى؛ فموريس رافل يضع التلحين لإحدى قصصها التي تمثل في الأوبرا كوميك، وتلهم التمثيل الخالص فتمثل قصصها في ملاعب باريس المختلفة، وتلهم السينما فتعرض بعض قصصها في أفلام تظفر بالنُّجْح كل النُّجْح. وهي بعد هذا كله مستقرة على عرش القصة قد بلغت فيها أقصى ما يمكن أن يبلغ كاتب من الإتقان، مستقرة على عرش النثر الفرنسي قد جودته وبرزت فيه حتى أصبحت رابعة أربعة يراهم الفرنسيون أئمة النثر الفرنسي الحديث؛ وهم: أندريه جيد، وبول فاليري، وكلوديل، وكوليت.

    وربما كانت أقرب الناس في فنها إلى أندريه جيد؛ فقد أرسلت نفسها مثله على سجيتها في الحياة أولًا، وفي التعبير عن هذه الحياة بعد ذلك، ولم تحفل بسخط الناس على سيرتها أو رضاهم عنها، كما أن أندريه جيد لم يحفل بشيء من ذلك، على حين تحفظ كلوديل بحكم مسيحيته، وتحفظ فاليري بحكم فلسفته الصارمة.

    والغريب من أمر كوليت وأندريه جيد أنهما لم يحفلا بالأوضاع الاجتماعية، والتقاليد الموروثة، والسنن المألوفة بحال من الأحوال، ولم يخضعا إلا لسلطان واحد لم يحاولا في يوم من الأيام أن يخالفا من أمره، أو يخرجا على قوانينه؛ وهو سلطان الفن. كلاهما حجة في اللغة كصاحبيهما، وكلاهما حريص أشد الحرص على صفاء اللفظ ورصانته ودقته ورقته، وعلى القواعد التي رسمها الأدب الفرنسي القديم كصاحبيهما في ذلك أيضًا، وكلاهما بعد هذا حر إلى أبعد آماد الحرية في التعبير: يصف من حقائق الحياة ودقائقها ما كان الأدب الكلاسيكي يترفع عن وصفه، ويصور من شئون الغرائز والأهواء والميول ما كان الأدب الفرنسي الكلاسيكي ينأى عن تصويره.

    والغريب مع ذلك أن هذه الحرية الواسعة إلى أبعد غايات السعة، العميقة إلى أقصى غايات العمق، لم تسفل بأحدهما عن أصول الأدب الرفيع، وإنما أتاحت لكليهما آفاقًا وميادين لم يكن الأدب الرفيع يبلغهما، فكلاهما قد بسط سلطان الأدب على فنون من الشعور والميول والأهواء والحس كان الأدب يتحرج من مقاربتها، وكلاهما من أجل ذلك قد فرض نفسه على الناس فرضًا، فأخذ الناس يقرءون آثار جيد وآثار كوليت على كره شديد منهم لحياة جيد وكوليت. وقل في هذا الكره ما شئت، قل: إنه كان صادقًا عند أصحاب الوقار والتزمت الاجتماعي، وعند أصحاب الإيمان والتزمت الديني، وقل: إنه كان كاذبًا منافقًا عند الذين يتكلفون الوقار والدين.

    ولكن الشيء المحقق هو أن هذين الكاتبين قد اغتصبا إعجاب الخصوم والصديق جميعًا، وظفرا بهذا الإعجاب غلابًا؛ فرضاه فرضًا على النفوس لما أتيح لهما من صفاء الفن، وجمال الرونق، وصدق اللهجة، وإيثار الحرية الفنية على كل شيء. فليس غريبًا أن يجزع الشعب الفرنسي لموت أندريه جيد مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بأندريه جيد وحريته في القول والسيرة جميعًا، وليس غريبًا كذلك أن يبتئس الشعب الفرنسي من موت كوليت، مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بهذه الحياة المضطربة التي أنتجت أدب كوليت.

    وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن الجماعات المختلفة من الفرنسيين، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، قد جعلت تحتشد حول المنزل الذي استقر فيه جثمان كوليت بعد أن أدركها الموت. وقد كان جيد بروتسنتي النشأة، ولم يحفل قط بأن يرضى عنه أو يسخط عليه رجال الدين، وكانت كوليت كاثوليكية النشأة، ولم تحفل قط في أن يرضى عنها أو يسخط عليها رجال الدين، ولكن أسرتها حريصة فيما يظهر على أن تراعي الأوضاع الكاثوليكية في دفنها. وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن المفاوضات تجري والمساعي تُبذل لتظفر الأسرة بإذن الكنيسة بدفن كوليت على الأوضاع المسيحية الكاثوليكية.

    وأخص ما يلاحظ حين نقرأ نعي كوليت أمران؛ أحدهما: أن هذه الكاتبة ربما كانت أعظم كاتبة فرنسية على كثرة النساء والكاتبات المتفوقات في الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر، وهي مَدينةٌ بمجدها للفن وحده؛ ليست من أسرة نبيلة، وليست لها مشاركة في السياسة كما كان هذا شأن كثير من النساء النابهات قبل الثورة الفرنسية وأثناء القرن الماضي، وإنما طبيعتها الخصبة الحرة الممتازة، وصدقها في تصوير نفسها وفي تصوير الناس والأشياء من حولها، واستمساكها بالأصول التقليدية للأدب الفرنسي، كل هذه الخصال هي التي أتاحت لكوليت هذا المجد الأدبي الذي لم يُتح لكاتبة غيرها من الفرنسيات. وقد كان الناس يحتفلون في هذا العام بالكاتبة الفرنسية البارعة في القرن الماضي، جورج صاند؛ لمرور قرن ونصف قرن منذ مولدها، وهم الآن يذكرون أفول هذا النجم الفرنسي المشرق الذي ملأ الحياة الأدبية الفرنسية جمالًا ونورًا في هذا القرن.

    الأمر الثاني أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم آنفًا، والذين اعتبرهم الفرنسيون أئمة أدبهم الحديث، قد مات منهم الآن ثلاثة، كان أولهم بول فاليري، وكانت ثالثتهم كوليت، ولم يبق منهم إلا الشاعر الكاتب العبقري بول كلوديل. والغريب أن كل واحد من هؤلاء الأربعة قد أثر في الحياة الفرنسية أعظم الأثر وأعمقه، ولكن واحدًا منهم لم يترك تلميذًا يمضي على نهجه، ويحفظ سنته، ويصون مذهبه الفني من الضياع. وربما كان أندريه جيد أحسنهم حظًّا، فبَينَ الفرنسيين الذين قاربوا الشيخوخة من يكتب على مذهبه، ويحرص على منهجه الفني، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن موت هؤلاء الأئمة الثلاثة فقر خطير للأدب الفرنسي المعاصر.

    وما أكثر ما تلقى الفرنسي الذي يلتمس غذاء عقله ومتاع ذوقه الآن عند الأمم الأخرى: عند الكتاب الأمريكيين، أو الإنجليز والإيطاليين، أو كتاب شمال أوروبا، أو الكُتَّاب الألمانيين؛ لأنهم لا يجدون أو لا يكادون يجدون ما يقرءون في الإنتاج الأدبي الفرنسي الخالص، ولكن للفرنسيين مزية تتيح لهم أن يلتمسوا المتاع الفني في الآداب الأجنبية إذا لم يجدوا في أدبهم الوطني؛ وهي عنايتهم بالترجمة، وحرصهم على الاستكثار منها ما أتاحت لهم ذلك وسائل النشر. ومن يدري لعل الأزمة المحققة التي يشقى بها الأدب الفرنسي في هذه الأعوام الأخيرة ليست إلا فصلًا من فصول الأزمة الشاملة التي تشقى بها فرنسا في حياتها كلها منذ ألمت بها كوارث الحرب العالمية الأخيرة، ولعل هذه الأزمة الشاملة أن تكون ليلة طويلة ثقيلة من هذه الليالي الطوال الثقال التي تغشى حياة الأمم بين حين وحين، والتي لا يلبث الصبح أن يبدد ظلماتها؟ ومن يدري أتجد المرأة الفرنسية في النصف الثاني من هذا القرن كاتبة تؤثر في الأدب الفرنسي، بل في الأدب العالمي مثل ما أثرت فيه هذه الكاتبة الساحرة التي تتوارى في قبرها منذ اليوم؟

  • صراحة الأديب | A Writer’s Candor

    صراحة الأديب

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢٨ يناير ١٩٤٩

    بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.

    والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.

    ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.

    وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.

    ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.

    وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.

    فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.

    فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.

    كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.

    وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.

    ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.

    هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟

  • قصة المجمع اللغوي | The Story of the Language Academy

    قصة المجمع اللغوي
    طه حسين
    مجلة مجلتي
    ١٥
    يونيو ١٩٣٥
    لا أريد مجمعنا اللغوي المصري، وإنما أريد المجمع اللغوي الذي إذا أطلق عليه هذا اللفظ فُهِم منه فهمًا يسيرًا في غير حاجة إلى التفسير ولا إيضاح، وهو هذا الذي أنشئ في باريس منذ ثلاثة قرون، والذي سيحتفل العالم ببلوغه هذه السن بعد أن يظهر هذا الفصل بيومين اثنين.
    فقد جدَّ الكاردينال ريشوليو، وزير فرنسا العظيم، في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي في مثل هذا العام من القرن السابع عشر، ولم يكن إنشاؤه هينًا ولا سهلًا رغم ما كان لمنشئه العظيم من القوة والبأس، ومن الجاه والسلطان، وإنما كان عسيرًا شديد العسر، ملتويًا شديد الالتواء؛ ولهذا استطاع كاتب فرنسي أن يضع لإنشائه العسير الملتوي قصة ظريفة طريفة نشرتها الإلستراسيون في ملحق لعدد من أعدادها ظهر في شهر يناير الماضي.
    وهذا الكاتب الفرنسي هو أميل ماني، وقد عنون قصته بهذا العنوان الظريف مولد الأكاديمية الفرنسية.
    وأنا أكتب هذا الفصل لمناسبة هذه الأعياد التي ستقام في باريس بعد يومين، وأرجو أن يكون هذا الفصل تحية لهذه الجماعة الأدبية العظيمة التي يسميها الفرنسيون — بحق أو بغير حق، صادقين حينًا وعابثين حينًا — آخر جماعة الخالدين؛ فليس الفرنسيون جميعًا يحبون مجمعهم اللغوي، ويرضون عنه، ويعجبون به، بل كثير منهم ومن خِيارهم يسخرون من المجمع اللغوي، ويغضون من قدْره ما وسعهم ذلك وما وجدوا إليه سبيلًا.
    ومن هؤلاء الساخطين الساخرين مَن يغلو في السخط والسخر ما أتاح الشباب له ذلك، حتى إذا دنا من الشيخوخة أو توسط الكهولة تهالك على المجمع اللغوي تهالكًا، وود — بجدع الأنف — لو استطاع أن يظفر بكرسي من كراسي الخالدين.
    ومن هؤلاء الساخطين الساخرين من يَجدُّ في ذلك ويصدق ويخلص في بغض المجمع اللغوي وازدرائه والإعراض عنه، ويأبى كل الإباء هذا الخلود الذي لا يغني عن صاحبه شيئًا.
    وليس من شك في أن كثيرًا من الذين سيقرءون هذا الفصل قد قرءوا هذه القصة الرائعة التي وضعها ألفونس دوديه وسمَّاها الخالد، وأعلن على صفحتها الأولى أنه لم يرد ولا يريد ولن يريد أن يكون عضوًا في المجمع اللغوي، ثم صوَّر فيها بعد ذلك من ضعف الخالدين وفنائهم وطفولتهم، وصِغَر النفوس عند كثير منهم ما لا يزال يثير الرحمة والإشفاق إلى الآن.
    ومن المعاني المألوفة الشائعة عند الفرنسيين أن الخالدين «هؤلاء» هم في جملتهم أقل الناس حظًّا من الخلود، فهم يظفرون بالخلود حين يشرفون على الموت، وينحنون على القبر، وهم بعد أن يلقوا الموت ويهووا إلى قاع القبر لا يحتفظون في أكثر الأحيان بهذا الخلود الذي انتهوا إليه في آخر أيامهم، وإنما تطوي الأيام ذكرهم طيًّا، ويطغي عليهم النسيان طغيانًا.
    والمحقق الذي ليس فيه شك هو أن الكثرة الضخمة من أسماء الخالدين، الذين لبثوا الثوب الأخضر منذ ثلاثة قرون، قد ذهبت أسماؤهم إلا من سجلات المجمع، ومن الجريدة الرسمية الفرنسية، ومن بعض كتب التاريخ، وليس خلود الذين بقيت أسماؤهم ظاهرة من أعضاء هذا المجمع ناشئًا عن انتسابهم إليه، أو دخولهم فيه، وإنما هو ناشئ قبل كل شيء عن آثارهم الأدبية أو غير الأدبية التي فرضتهم على التاريخ فرضًا.
    وأكبر الظن أن المجمع انتفع بانتسابهم إليه، وشرف بدخولهم فيه أكثر مما انتفعوا أو شرفوا بتسجيل أسمائهم في قصر مازين. ومَن الذي يستطيع أن يزعم أن فكتور هوجو، وأناتول فرانس، وأكاريشال فوش، والماريشال جوفر، وريمون بونكاريه قد شَرُفوا بالمجمع أكثر مما شَرُف المجمع بهم؛ وهم مع ذلك لم يكونوا يقبلون أن يمضوا فصلًا من الفصول، أو مقالًا من المقالات، أو كتابًا من الكتب دون أن يضيف كل منهم إلى اسمه العظيم هذا اللقب العظيم؛ وهو: العضو في المجمع اللغوي الفرنسي.
    ليس أعضاء المجمع خالدين جميعًا، وإن وصفوا جميعًا بالخلود، ولكن المجمع نفسه خالد من غير شك، المجمع الذي لا يتألف من هؤلاء الأشخاص، أو من أولئك الأشخاص، وإنما هو معنى من المعاني، وفكرة من الفكر، ومعقل للسنة الفرنسية، واللغة الفرنسية، والأدب الفرنسي، والتقاليد الفرنسية الصالحة، والمجد الفرنسي بوجه عام.
    هذا المجمع خالد من غير شك لا يستطيع الزمن أن يعدو عليه إلا بمقدار ما يستطيع أن يعدو على فرنسا نفسها، وما دامت فرنسا المجيدة قائمة؛ فسيظل مجمعها اللغوي على رأسها تاجًا مجيدًا.
    وفي درس القصة التي أحاطت بنشأة هذا المجمع وظهوره عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، وموضوع تأمل وتفكير للذين يحبون التأمل والتفكير، وسبيل إلى الموازنة والانتفاع للذين يغرون بالموازنة والانتفاع.
    ولعل القصة التي أشرت إليها آنفًا أجمل ما صوَّر نشأة هذا المجمع العظيم؛ فنحن حين ننظر في هذه القصة نرى في أولها رجلًا من أوساط الناس وأشرافهم متصلًا بعظيم من عظماء فرنسا، يعمل في إدارة أمواله وأملاكه، وقد أجهده العمل ذات يوم فأراد أن يُرفِّه على نفسه، فزار صديقًا له قسيسًا، هو ليبو روبير، الذي كان أثيرًا عند الكاردينال ريشوليو، منقطعًا إليه، يُسليه ويُلهيه ويتجسس له على الأشراف والعظماء، والذي كان أديبًا مترفًا، وشاعرًا متكلفًا، ورجلًا مرنًا من رجال الدين.
    فلما انتهى هذا الشريف إلى هذا القسيس وأخذا في حديثهما؛ عرف القسيس أن صاحبه يختلف إلى اجتماع خاص سري يتألف من تسعة نفر سمَّاهم له، وأن هؤلاء النفر قد ألَّفت بينهم المودة الخالصة والحب الصادق للأدب؛ فهم يلتقون من حين إلى حين في بيت واحد منهم، يتحدثون في الأدب والشعر، وفي الفلسفة والحكمة، ويعرض كل منهم على أصحابه ما أحدث من أثر؛ فيتناولونه بالنقد في نصح صارم لا يحب الهوادة ولا المداراة.
    فلما سمع القسيس من أمر هؤلاء النفر ما سمع، رابَه أمرهم، وأشفق أن يكونوا قد ألَّفوا جماعة سرية تخرج على القانون وتأتمر بالوزير العظيم، فاندس إليهم متجسسًا، واتصل بهم مُترفِّقًا، ولكنه لم يسمع منهم ولم يتحدث إليهم حتى أمنهم على الدولة وعلى مولاه، وحتى أحب ما يعملون وأطال فيه التفكير، وود لو استطاع أن يُحوِّل هذا المجمع إلى شيء رسمي تعترف به الدولة، ويعينه السلطان، فتحدث في ذلك إلى مولاه، وأذِن له مولاه في أن يطلب إلى هؤلاء الناس أن ينظموا أمرهم، ويضخموا عددهم، ويُهيِّئوا أنفسهم ليصبحوا جماعة رسمية.
    ثم نمضي في القصة فنرى هؤلاء الأدباء وقد أُلقِي إليهم أمر الوزير العظيم، فضاقوا به، وارتاعوا له، وأشفقوا على حريتهم وعلى أدبهم من عبث السياسة وكيد السلطان، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا إلا أن يذعنوا لما أُمروا به، ويستجيبوا لما دعوا إليه؛ فنظموا أمرهم، ووضعوا لأنفسهم قانونًا، وأخذوا يضمون إلى أنفسهم جماعة من أعلام الأدب والشعر.
    ولكنهم أحسوا أنهم قد نزلوا عن حريتهم منذ قبلوا عطف السلطان، فالوزير العظيم لا يحب لهم أن يختاروا من أعلام الأدباء والشعراء مَن يريدون، ولا من تُهيِّئهم كفايتهم ليكونوا أعضاء في المجمع، وإنما يحب لهم، بل يأمرهم أن يختاروا من يريد هو، ومَن يرضى عنهم هو، ومن تُهيِّئهم أعمالهم السياسية الظاهرة أو الخفية ليكونوا المجمع اللغوي.
    وما دام هؤلاء النفر قد أذعنوا مرة، فلا بد لهم من المضي في الإذعان، وهل كانوا يستطيعون أن يخالفوا عن أمر الوزير العظيم؟ إنما كانوا مخيرين بين الطاعة المطلقة والمحنة المطلقة؛ فآثروا الطاعة على المحنة، ووضعوا قانونهم، وضخموا عددهم، كما أراد ريشوليو لا كما أرادوا.
    ثم نمضي في القصة فنرى الوزير الكاردينال يطلب إلى الملك لويس الثالث عشر توقيع أمر تعترف فيه الدولة بهذه الجماعة، فيجيبه الملك إلى ما طلب، وتبتهج الجماعة بهذا الأمر؛ فقد أصبحت للغة الفرنسية جماعة رسمية تحميها من العبث، وتحفظها من الضياع، وتضمن لها النمو والصفاء.
    وهذا أمر الملك يرسل إلى البرلمان ليسجل فيه، كما كان النظام يريد في ذلك الوقت، وهذا البرلمان يحيل أمر الملك على مقرر اختاره لدرسه، وعرض أمره عليه، ولكن هذا المقرر كان رجلًا مترف المعدة والحلق والفم، غليظ العقل والقلب، يؤثر صناعة الطبخ على صناعة الأدب، ويُقدِّم ألوان الطعام على فنون الشعر.
    وكان البرلمان والشعب الباريسي معه يكرهان الوزير الكاردينال، ويسيئان الظن به وبأعماله وأوليائه، فلم يشك الناس ولم يشك البرلمان في أن المجمع اللغوي إنما هو أداة سياسية لطغيان هذا الطاغية.
    ومن هنا سخط الشعب على المجمع، وعد أصحابه من الخونة، وسخط البرلمان على المجمع، واستجاب لدعاء مقرره فرفض تسجيل الأمر الملكي، وأبى الاعتراف بهذه الجماعة.
    وتناقل الناس عن مقرر البرلمان أنه كان يقول: إن بطون الفرنسيين أحق بالعناية من عقولهم؛ فالعقول تستطيع أن تصبر، وأما البطون فليس لها إلى الصبر سبيل. وكان المجمع اللغوي في أثناء ذلك يائسًا بائسًا، حزينًا مسكينًا، ليس له مستقر يطمئن فيه، ولا ملجأ يأوي إليه، إنما هو يتنقل بين الدور التي كان يسكنها أعضاؤه؛ فهو اليوم ضيف على هذا العضو، وهو غدًا ضيف على ذاك.
    وكان أعضاء المجمع إذا انصرفوا عن اجتماعاتهم لم يسمعوا ولم يقرءوا إلا شرًّا ونكرًا؛ فقد كانوا لهو الحديث، وسمر السامرين، بل كانوا موضوعًا للغناء الهازل، والدعابة اللاذعة. وهم كانوا يستحقون كثيرًا مما كان يصيبهم من الشر؛ فهم قد حمَّلوا أنفسهم أثقالًا لم يستطيعوا حملها: أخذوا أنفسهم بوضع المعجم، ثم لم يشرعوا فيه، وأخذوا أنفسهم بإصلاح النحو، ثم لم يصلحوا منه شيئًا، وإنما أنفقوا في اجتماعاتهم المتصلة في خطب ومحاضرات ليس لها رأس ولا ذيل.
    وقد زهد فيهم مولاهم الوزير الكاردينال نفسه، واستيئس منهم، وانصرف عنهم إلى عمل أدبي آخر كان يحبه ويتهالك عليه؛ فقد كان الوزير الكاردينال يحب التمثيل كما كان يقرض الشعر، وقد بدا له ذات يوم أن يختار خمسة من الشعراء، من بينهم كورني، ومن بينهم قسيسه ليبو روبير، وأن يقترح عليهم موضوعًا ينشئون فيه قصة تمثيلية، وأن يرسم لهم خطة هذه القصة. وقد شغله هذا كله عن مجمعه اللغوي، وتم إنشاء القصة، واستمع لها ورضي عنها، ونقد بعض الشعراء، وهو كورني، وأجاز بعضهم الآخر، وهيَّأ القصة للتمثيل، وأمر بتمثيلها وأنفق فيه مالًا كثيرًا، ولكن القصة أخفقت شر إخفاق.
    وقد غضب كورني من نقد الوزير له، فنفى نفسه من باريس وأقام في نورمانديا حينًا مغاضبًا للعاصمة، عاكفًا على فنِّه، وأصبح الناس ذات يوم وإذا باريس لا تتحدث إلا بكورني، وبقصة تمثيلية أنشأها كورني، فنجحت نجاحًا باهرًا، وظفرت بفوز عظيم؛ وهي قصة السيد.
    وفي أثناء هذا الوقت الذي نجحت فيه قصة السيد وشغلت باريس، كان الوزير الكاردينال يُهيئ لتمثيل قصتين اقترحهما ورسم خطتهما؛ ورضي عليهما بعد إنشائهما، وأمر بتمثيلهما.
    فلما سمع بقصة السيد وما أدركت من فوز غاظه ذلك، على أنه أخفى غيظه وأمر قسيسه أن يشهد التمثيل، وأن يُحدِّثه عن هذه القصة، وجاء القسيس يثني على القصة ثناء حسنًا، ولا يعيبها إلا بأنها لم تخضع للقاعدة المقدسة قاعدة الوحدات الثلاث التي كان الوزير الكاردينال يحميها ويحرص عليها كأنها قانون من قوانين الدولة.
    على أن الوزير لم يغضب للوحدات الثلاث، وإنما غضب لأمرين اثنين؛ الأول: أن قصة السيد تشيد بالمبارزة، وهو كان قد حرَّمها وقتل بعض الأشراف الذين خالفوا عن أمره وأقدموا على المبارزة، والثاني: أن قصة السيد تشيد بالإسبانيين في وقت كانت جيوش إسبانيا فيه قد احتلت بعض الأرض الفرنسية، ولم تجلُ عنها إلا بعد جهد عظيم.
    ويريد سوء الحظ أن تُمثَّل القصتان اللتان اقترحهما الوزير فيدركهما الإخفاق المنكر، كما أدرك القصة الأولى، على حين لا تزداد قصة السيد إلا نجاحًا وفوزًا.
    وكان الوزير الكاردينال يود لو عاقب كورني على نجاحه، ولكن ماذا يصنع والجمهور معجب بالقصة، والقصر معجب بالقصة أيضًا، فقد شهدتها الملكة مرتين، فلم ير بدًّا من أن يشهدها هو أيضًا، فأمر فمثلت له في قصره، وأظهر الإعجاب بها، والثناء عليها، ورتب للشاعر مكافأة حسنة متصلة.
    ولكنه دبر أمره من وراء الغيب تدبيرًا، فهؤلاء جماعة من الشعراء والكُتَّاب ينقدون القصة نقدًا عنيفًا، وهؤلاء جماعة آخرون يدافعون عنها دفاعًا قويًّا، وهؤلاء الباريسيون يشغفون بهذه الخصومة الأدبية شغفًا لا عهد للأدب الفرنسي بمثله، وهذا كورني يدافع عن نفسه دفاع المؤمن بنبوغه المُعلِن له، الذي لا يتحرج حتى من التعريض الخَطِر بالوزير العظيم.
    وهذا كاتب ينشر رسالة عنيفة في نقد قصة السيد، ولكنه يقترح اقتراحًا غريبًا — لا شك في أنه صدر عن الوزير الكاردينال — فهو يقترح تحكيم المجمع في هذه الخصومة التي شجرت بين الأدباء حول قصة السيد.
    والوزير الكاردينال يرضى عن هذا الاقتراح ويشجعه، ويأمر مَن يُوحي إلى المجمع بقبول هذه القصة، وكان المجمع في أول أمره متحرجًا من النظر فيها، ولكنه أذعن لأمر الوزير كما أذعن من قبل.
    على أن قانون المجمع لم يكن يَسمَح له بالقضاء في كتب الناس إلا إذا رضي أصحاب الكتب قضاءه فيها؛ فلم يكن بدٌّ إذن من أن يقبل كورني تحكيم الخالدين في قصته، وقد رفض كورني هذا التحكيم أول الأمر لسبب يسير، وهو أنه إن قبل فقد سنَّ سُنَّة خطرة تبيح لجماعة من الناس أن يتحكموا في الأدب والفن، وفي الحرية والنبوغ أيضًا، ولكن كورني خُيِّر بين قبول التحكيم وإلغاء المرتب الذي فرَضه له الوزير، فآثر مرتبه ورضا الوزير على الحرية والنبوغ، وأذعن لحكم الخالدين.
    وأخذ الخالدون منذ ذلك الوقت يدرسون القصة درسًا دقيقًا، فألفوا لذلك لجانًا، ووضعت اللجان تقريرًا وتقريرًا وتقريرًا، وكان كل تقرير يعرض على الوزير فينظر فيه ويمسه بالتغيير والتبديل، وربما كره سيرة التقرير فكلَّف موظفًا من موظفيه أن يضع مكانها صفة أخرى. وكان المجمع يرى هذا ويكرهه، ولكنه يذعن له، وما دام قد بدأ حياته الرسمية بالإذعان فهو مضطر إلى أن يمضي في هذا الإذعان.
    على أن هذه القضية هي التي ضمنت للمجمع وجوده الرسمي، فما دام الوزير الكاردينال قد أراد أن يقضي المجمع في قصة السيد، وأن يقضي فيها كما تريد السياسة، أو كما تريد شهوة الطاغية المستبد، لا كما يريد الأدب والفن؛ فلا بد من أن يظفر هذا المجمع بكل الصفات الرسمية التي تجعل حكمه رسميًّا خليقًا بالإكبار والاحترام.
    وإذن فلا بد من أن يسجل البرلمان أمر الملك، ولا بد من أن يعترف البرلمان بالوجود الرسمي لهذه المحكمة الأدبية العليا. وقد كاد المجمع يفسد الأمر على نفسه إفسادًا؛ فقد هيَّأ حكمه وأرسله إلى المطبعة قبل أن يرسله إلى الوزير، على أن الوسطاء أصلحوا هذا الأمر وضمنوا عفو الوزير عن هذه الغلطة، وجدَّ الوزير في حمل البرلمان على تسجيل الأمر الملكي، وجدَّ البرلمان في رفض هذا التسجيل.
    وانتهى الأمر إلى أزمة بين الحكومة والبرلمان، وانتهت الأنباء إلى البرلمان بأن الحكومة والقصر قد ينظران في اختصاص البرلمان، وقد يُضيِّقان من سلطانه؛ فأذعن البرلمان آخر الأمر، كما أذعن المجمع أول الأمر، وسجل الأمر الملكي سنة ١٦٣٧م، وتمت ولادة المجمع بعد أن جاهد فيها الكاردينال أكثر من عامين.
    ولم يكد الأمر الملكي يُسجَّل ويصبح المجمع هيئة رسمية من هيئات الدولة حتى صدر حكمه في قصة السيد، فإذا هو حُكْم لا يرضي كورني؛ لأن فيه نقدًا شديدًا، ولا يُرضِي خصوم كورني؛ لأن فيه إغضاء شديدًا، ولا يُرضي المجمع نفسه؛ لأن فيه تجاوزًا للحق والفن، ولكنه يرضي الوزير الكاردينال؛ لأن فيه غضًّا من كورني، هذا الشاعر الجريء الذي استطاع أن يقول الشعر ويعلن النبوغ، ويعلن أنه ليس مدينًا لأحد بهذا النبوغ حتى ولو للوزير الكاردينال.
    وكذلك كان التجسس داعيًا إلى التفكير في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي، وكان الطغيان السياسي وسيلة إلى إنشاء هذا المجمع، وكان ظلم السياسة للأدب سببًا في الوجود الرسمي لهذا المجمع، وكانت قصة السيد ضحية غُذِّي هذا المجمع بدمها، ولكن الغريب أن قصة السيد لم تمت، وإنما ظفرت وظفر صاحبها المظلوم بالخلود، وأن المجمع نفسه لم يمت، وإنما ظفر بالخلود أيضًا.
    فأما الذي مات، ومات موتًا ليس بعده بعث ولا نشور، فهو طغيان الوزير الكاردينال، وأدب الوزير الكاردينال، وشهوة الوزير الكاردينال.
    أراد ريشوليو أن يتخذ الحق سبيلًا إلى الباطل، وأن يتخذ الأدب وسيلة إلى السياسة، وأن يتخذ المجمع اللغوي أداة للظلم، فأخفق ريشوليو وزهق باطله، وعجز ظلمه عن أن يبلغ غايته، وعاش كورني، وعاشت قصة السيد، وعاش المجمع اللغوي، وعاشت فرنسا يتألق على جبينها تاجها الأدبي الخالد بعد أن نزعت عن جبينها تاجًا آخر لم يكن يستمد قوته ولا جماله من الفن والأدب، ولا من العقل والقلب، وإنما كان يستمد قوته وجماله من البأس والبطش والطغيان.

  • النفس والرقص | The Soul and the Dance

    النفس والرقص


    للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري

    ترجمة الدكتور طه حسين

    استكشف صديقي الدكتور محمد عوض محمد في نقده القيم الظريف لكتابي على هامش السيرة أن وراء هذا الطلاء الرقيق الذي أظهره من الثقافة الغربية أزهريا قحا. فحق عليّ أن أهنئه بهذا الاستكشاف وأن اشكره له، فقد دلني على نفسي أظهرني على حقيقة أمري. ولعله يأذن لي في أن اهدي إليه هذه الترجمة اعترافاً بفضله ومكافأة له على جهده الخصب العظيم.

    وأحب أن اقدم بين يدي هذه الترجمة ملاحظات لابد منها

    الأولى: إنني حرصت اشد الحرص على أن تكون الترجمة دقيقة تشبه الحرفية، لأنقل إلى القراء صورة إن لم تكن مطابقة فهي مقاربة لما أراد الكاتب أن يقول

    والكاتب نفسه غامض. فهذا النحو من الترجمة يزيده غموضا ولكني سأجتهد في توضيحه بتعليقات قصيرة تبين ما يريد.

    الثانية: أن الكاتب زعيم من زعماء الرمزيين فهو يطلب الاستعارة والمجاز فالتشبيه والتمثيل، ويبعد فيها ويصل بهذه الأبعاد إلى إشراك القارئ معه في لذة التفكير والاستنباط، فلا ينبغي إذن أن يضيق القارئ بما سيرى من غرابة، وإنما يجب عليه أن يصبر على هذه الغرابة ويروض نفسه على مواجهتها حتى يألفها ويطمئن إليها فيصبح صديقا للكاتب ومحبا لآثاره.

    الثالثة: إن هذا الكتاب حوار بين سقراط واثنين من تلاميذه في آخر وليمة من ولائم العشاء، فليلاحظ القارئ هذا وليلاحظ أن سقراط وأصحابه كانوا وثنيين، فهم يتحدثون لغة الوثنيين، يذكرون آلهة عدة، لا إلهاً واحداً.

    الرابعة: أن عنوان هذا الكتاب وموضوعه قد يؤذيان سمع المتحرجين من الشرقيين، ولكنهما لا يؤذيان سمع الفرنسيين، ومن المحقق أن بول فاليري لم يكتب كتابه لنا، ولو أنه فكر فينا وقدر أننا قد نترجم كتابه لكان من الممكن أن يتخذ لكتابه موضوعا وعنوانا غير الرقص. ومن يدري لعله كان يحس أن الأسباب بينه وبيننا مقطوعة غير موصولة، وانه قد يعجز عن أن يكتب لنا، وقد نعجز نحن عن أن نقرأه.

    وليس هذا الكتاب ما يسوء، وليس فيه ما يغضب المتحرجين، إنما هو أثر من الآثار الفنية أراد صاحبه أن يصور في وضوح وقوة ما بين النفس والجمال الخارجي من صلة. فهو إلى أن يكون رسالة في علم الجمال أدنى منه إلى أي شيء آخر.

    والآن نستطيع أن نأخذ في الترجمة.

    أركسيماك – أي سقراط إني أموت!. . اعطني شيئا من الروح! صب لي الفكرة!. . قدم إلى انفي ألغازك الحادة! هذا الطعام الذي لا رحمةفيه يتجاوز كل رغبة معقولة في الطعام، وكل ظمأ جدير بالثقة!. . يالها من حال، حال الذين يعيشون بعد جيد الألوان ويرثون عنها هضما!. . لم تعد نفسي إلا حلما تصنعه المادة التي تجاهد نفسها! أيتها الألوان الجيدة المسرفة في الجودة إني آمرك أن تمضي!. .

    وأحزناه! مازلنا منذ وجبت الشمس فريسة لخير ما يوجد في الأرض، هذا الخير الهائل يضاعفه امتداد الزمان، يثقل محضره على النفوس حتى أني لتهلكني رغبة شاذة في أشياء جافة، خالصة للعقل. . . إيزن أن أجيء فأجلس إلى جانبك أنت والى جانب فيدر، موليا ظهري في جرأة لهذه اللحوم التي تتجدد دائما، ولهذه الأقداح التي لا تنضب، دعني أمدد لكلماتك، هذه الكأس العليا كأس عقلي، ماذا كنتما تقولان؟

    فيدر – لم نكن نقول شيئا بعد. إنما ننظر إلى أمثالنا يأكلون ويشربون.

    اركسيماك – ولكن سقراط لا ينقطع عن التفكير في شيء ما. . . . وهل استطاع قط أن يخلو إلى نفسه وأن يظل صامتا إلى أعماق النفس! لقد كان يبسم في حنان لشيطانه على الحافة المظلمة لهذه المأدبة. بم تغمغم شفتاك أي سقراط العزيز؟

    سقراط – هما تقولان لي في هدوء أن الرجل الذي يأكل هو أعدل الناس. . .

    اركسيماك – هذا هو اللغز وهذه هي شهوة العقل التي خلق اللغز ليثيرها.

    سقراط – تقولان أن الرجل الذي يأكل يغزى ما فيه من خير وشر. كل لقمة يجدها تذوب وتتفرق في جسمه تقدم قوة جديدة إلى فضائله، كما تقدم قوة جديدة إلى رذائله دون تمييز وتنقسم في بعض الأنحاء بين الشهوة والعقل، وهي تقيم أود آلامه كما تنمي آماله. يحتاج إليها الحب كما يحتاج إليها البغض. وان فرحي وحزني وذاكرتي وهمي لتقتسم كما الاخوة ما في اللقمة من غذاء. ما رأيك في هذا يا أبن اكومين؟

    اركسيماك – رأيي إني أرى ما ترى

    سقراط – يالك من طبيب! لقد كنت أعجب في صمت بأعمال كل هذه الأجسام التي تتغذى. كل واحد منها يعطي على غير علم لما فيه من قدرة على الحياة، أو جرثومة للموت، حظه العادل من الغذاء. هي لا تعرف ما تأتي ولكنها تأتيه كأنها الآلهة.

    اركسيماك – لقد لاحظت منذ زمن بعيد أن كل ما يمتزج بجسم الإنسان يمضي بعد ذلك بوقت قريب كما يريد القضاء. كأن برزخ الحلق عتبة للضرورات الجامحة والألغاز المنظمة. هنا تنقطع الإرادة وينتهي الميدان المحقق للمعرفة. ولهذا أعرضت في ممارسة فني عن كل هذه الأدوية المضطربة التي يفرضها عامة الأطباء على مرضاهم المختلفين وأخذت نفسي في غير تسامح بأدوية بديهية مرتبة كل واحد منها بازاء الآخر

    فيدر – ما هذه الأدوية؟

    اركسيماك – هي ثمانية؛ الحار والبارد، الحمية ونقيضها، الهواء والماء والسكون والحركة؛ هذه هي.

    سقراط – أما النفس فليس لها إلا دواءان يا اركسيماك

    فيدر – وما هما؟

    سقراط – الصدق والكذب.

    فيدر – وكيف ذلك؟

    سقراط – أليست الصلة بينهما كالصلة بين اليقظة والنوم؟ الست تلتمس اليقظة وصراحة الضوء حين يؤذيك حلم رديء؟ أليست الشمس نفسها تبعثنا من مراقدنا؟ أليس حضور الأجسام الصلبة يقوينا؟ ثم على العكس من ذلك ألسنا نطلب إلى النوم والى الأحلام أن تفرج همومنا وان تقف آلامنا التي تتبعنا في عالم النهار؟ وإذن فنحن نهرب من أحدهما إلى الآخر وندعو النهار في أثناء الليل. ثم ندعو الظلمة حين نستمتع بالنور، تشوقنا المعرفة، ويسعدنا الجهل، نبحث فيما هو موجود عن دواء لغير الموجود، ونلتمس فيما لا وجود له راحة مما يوجد، يتلقانا الحق الواقع تارة، ويتلقانا الوهم تارة أخرى. والنفس في آخر الأمر لا حلية لها إلا في الصدق الذي هو سلاحها، والكذب الذي هو وقاؤها.

    أركسيماك – حسن! حسن!. . ولكن ألا تظن أي سقراط العزيز أن لخاطرك هذا نتيجة

    سقراط – أي نتيجة

    أركسيماك – هذه: وهي أن الصدق والكذب يرميان إلى غاية واحدة. فشيء واحد يستطيع من طريقين مختلفين أن يجعلنا صادقين أو كاذبين، وكما أن الحر والبرد يهاجماننا حينا ويحمياننا حينا آخر، فان الصدق والكذب والإرادرت المختلفة التي تلائمهما، تنفعنا حينا وتضرنا حينا

    سقراط – ليس شيء أوكد من هذا ولا حيلة لي فيه. إنما هي الحياة تريد هذا، وانك لتعلم اكثر مني إن الحياة تستخدم كل شيء. كل شيء حسن عندها يا أركسيماك، ثم هي لا تنتهي بشيء إلى غاية ما، ومعنى ذلك أنها لا تنتهي إلا إلى نفسها. أليست هي هذه الحركة الخفية التي تحولني دائما إلى نفسي بفضل كل هذه الحوادث التي تطرأ ثم تردني سريعة إلى شخص سقراط لألقي نفسي فيه ثم لأكونه لأني أتخيل أني سأعرفه من غير شك – إنما هي امرأة ترقص ولو استطاعت أن تمضي في وثبتها حتى تبلغ السحاب لتنزهت عن أن تكون امرأة، وكما أننا لا نستطيع أن نمضي إلى غير نهاية لا في الحلم ولا في اليقظة فهي أيضا تعود دائما إلى نفسها وتخرج عن أن تكون ثلجا منثوراً أو أن تكون طائراً، أو أن تكون فكرة، أو أن تكون أي شيء أراد المزمار أن تكونه لأن الأرض التي بعثتها تدعوها وتردها متعبة إلى طبيعتها الأولى طبيعة المرأة، ثم إلى صديقها.

    فيدر – يا للمعجزة!. . . يالك من رجل عجيب. . يكاد ما أرى أن يكون معجزة حقا! لا تكاد تنطق حتى تخلق ما لابد منه. . . لا تستطيع الصور التي تحدثها أن تبقى صورا. . انظر محققا كأنما فمك الخالق قد انشأ النحلة والنحلة. انظر إلى الجوقة ذات الأجنحة تتألف من الراقصات الشهيرات!. . . إن الهواء ليدوي مرجعا ما سيتكشف عنه فن الرقص!. . . كل المشاعل تستيقظ! وغمغمة النائمين تتحول، وعلى الجدران التي يهزها اللهب المضطرب تذهل وتشفق الظلال العريضة ظلال السكارى. . . انظر إلى هذه الفرقة التي تجمع بين الخفة الظريفة والجد الحازم! – هن يدخلن كأنهن الأرواح

    سقراط – لله ما أوضح هؤلاء الراقصات؟. . يالها مقدمة حية رشيقة لأفكار أدنى إلى الكمال!. . أن أيديهن لتنطق وكأن أقدامهن تكتب – كم من دقة في هذه الكائنات التي تجتهد في أن تستخدم موفقة مالها من قوى ناعمة. كل مصاعبي تهجرني، وليست هناك الآن مسألة تجهدني، إنما أطيع سعيدا حركة هذه الأشكال! إنما اليقين هنا لعب، كأنما المعرفة قد وجدت نفسها، وكأنما العقل يستجيب فجأة للجمال الظريف الذي لا تكلف فيه انظر. إلى هذه الفتاة أشدهن نحافة وأكثرهن فناء في الاستقامة الخالصة. . . من تكون؟ أنها لصلبة في عذوبة، وأن مرونتها لتعجز الواصفين. . إنها لتسلم أنها لتستعيدانها لتؤدي الوزن في دقة حتى لو أغمضت عيني لرأيتها كما هي بمسعى أني لاتبعها، إني لأجدها وليس إلى أن افقدها من سبيل ولو قد سددت أذني ونظرت إليها كما هي وزن وموسيقى لكان المستحيل ألا اسمع القيثارة!

    فيدر – هي رودبيس هذه التي تخلبك

    سقراط – إذن فما اجمل اتصال أذن رودبيس بكعبها. . . ما أدقها. . . إنها لترد إلى الزمن الشيخ شبابه

    اركسيماك – كلا يا فيدر!. . . . . رودوبيس هي هذه الأخرى التي تلاطف بطرفها إلى غير حد في عذوبة وسهولة.

    سقراط – وإذن فمن هذه النحيفة ذات المرونة الشاذة؟

    اركسيماك – هي رودينا

    سقراط – ما أجمل اتصال إذن رودينا بكعبها!

    اركسيماك – على أني اعرفهن جميعا واحدة واحدة وأستطيع أن اسميهن لكما فأسماؤهن تنتظم انتظاما حسنا في شعر قصير يسهل حفظه: نبس، نفويه نيما – نكتيريس، نيفيليه، نيكتيس – رودوبيس، رودينا، بتليه. . . أما هذا الراقص القصير الدميم فيسمى نتاريون. ولكن ملكة الجوقة لم تدخل بعد.

    فيدر – ومن تملك على هذه النحل؟
    اركسيماك – هي المدهشة، هي البالغة غاية الإبداع في الرقص (اتكتيه)

    فيدر – ما أعرفك بهن!

    اركسيماك – لكل هؤلاء الحسان أسماء كثيرة أخرى بعضها يأتيهن من الاسرة، وبعضها يأتي من الاخصاء

    فيدر – أنت أخص هؤلاء الأخصاء!. . تعرفهن اكثر مما ينبغي!

    اركسيماك – أنا اعرفهن اكثر جدا من المعرفة الحسنة، ومن بعض الأنحاء أحسن مما يعرفن أنفسهن. أي فيدر! الست أنا الطبيب؟ عندي وبي تستحيل أسرار الطب كلها، أسرارا تشترى بها كل أسرار الراقصة! هن يدعونني لكل شيء، يدعونني لالتواء القدم، وللدمل، والذهول، ولما يمس القلب من حزن، وللأحداث المختلفة التي تصيبهن من الصناعة (وهذه الأحداث الجوهرية التي تنتج في سهولة من مهنة شديدة الحركة) وضبقهن الخفي، حتى الغيرة سواء أكان مصدرها الفن أو الغرام، وحتى للحلم. . أتعلم انه يكفي ان يسررن إلى ببعض ما يقلقهن من الأحلام لاستنبط من ذلك ان في بعض أسنانهن فساد؟

    سقراط – يالك من رجل خليق بالإعجاب يعرف الأسنان بالأحلام! أتظن إن أسنان الفلاسفة كلها فاسدة؟

    اركسيماك – لتحمني الآلهة من عض سقراط؟

    فيدر – دع هذا وانظر إلى هذه الأذرع والسوق التي لا تحصى! عدد ضئيل من النساء يظهر ألف شيء ألف مشعل، ألف رواق معمد قليل البقاء، عروشا، عمدا. . الصور تذوب تنمحي. إنما هي جماعة من الشجر حسان الغصون يهزها نسيم الموسيقى! أترى يا اركسيماك أن هناك حلما يصور من الألم واضطراب العقل اكثر مما يصور هذا الذي نراه الآن؟

    سقراط – ولكن هذا الذي نراه إذا حققت ابعد الأشياء عن الحلم أي فيدر العزيز

    فيدر – ولكني أنا حالم. . حالم بالعذوبة تضاعف نفسها بنفسها إلى غير حد بما يكون بي هؤلاء العذارى من التلاقي ومن تبادل الصور. حالم بهذا التماس الذي لا يوصف والذي يحدث في النفس بين الأزمنة، بين بياض الأذرع واشتباكها بمقدار، وأصوات هذه الأنغام المؤتلفة الخافتة والتي يظهر عليها كل شيء كأنه مصور محمول. تنفس اختلاط هؤلاء الفتيات الساحات كأنه شذى مسكي مركب، ويهيم محضري في هذا الظرف المختلط حيث تضل كل واحدة منهن مع رفيقة ثم تظهر مع رفيقة أخرى

    سقراط – إن نفسك لمفتونة باللذة، إن ما تراه لنقيض الحلم لا أثر للمصادفة فيه. . ولكن نقيض الحلم ما هو يا فيدر؟ إنما هو حلم آخر! حلم تنبه ويقظة يحلمه العقل نفسه! – وماذا يمكن أن يحلم العقل؟ لو حلم العقل صلبا قائما مثلج العين مطبق الفم كأنه سيد شفتيه – فالحلم الذييراه هل يكون إلا شيئاً كالذي نراه الآن – هذا العالم من القوة الدقيقة والتخيل المتعمد في عناية وإتقان! حلم، حلم، ولكنه حلم يملؤه التناسق كله نظام، كله فعل وغناء. . من يدري أي القوانين المقدسة تحلم هنا الآن وقد اتخذت وجوها نضرة واتفقت على أن تظهر للناس كيف تستطيع الأشياء الواقعة وغير الواقعة والمعقولة ان تمتزج وتأتلف حسب ما لآلهة الفن من مقدرة؟

    اركسيماك – من الحق يا سقراط ان كنز هذه الصور لا يقدر. . ألا تظن أن فكرة الآلهة هي بالضبط ما نرى وان هذا التشابه الفخم إلى غير حد. هذا التداور والتقابل والتقاطع التي لا تنتهي والتي تظهر لأعيننا ينقلنا إلى عالم المعرفة الإلهية؟

    فيدر – ما أجمله ما أظرفه هذا المعبد الصغير الوردي المستدير الذي يؤلفنه الآن والذي يدور في بطء كأنه الليل! انه ليتفرق فتيات أن الأردية لتتطاير وكان الآلهة قد غيروا من تفكيرهم

    اركسيماك – إن الفكرة الإلهية الآن هي هذه الجماعات الكثيرة المختلفة الألوان من الوجوه الباسمة. أنها تبدئ المعاد من هذه الحركات الحدة وهذه العَواصف اللذيذة التي تتألف من جسمين أو ثلاثة أجسام ثم لا تستطيع أن تفترق. . لقد وقعت إحداهن فيما يشبه الأسر فلن تخرج من سلاسلهن السحرية!

    سقراط – ولكن ماذا يصنعن فجأة؟. . . إنهن ليختلطن، ثم يمضين مسرعات!. . .

    فيدر – هي يطرن إلى الأبواب، ينحنين ليستقبلن اركسيماك – أي اتكتيه! أي اتكتيه!. . . يا للآلهة!. . اتكتيه الخافقة!

    سقراط – ليست شيئاً.

    فيدر – هي طائر صغير

    سقراط – شيء لا جسم له!

    اركسيماك – شيء لا ثمن له!

    فيدر – أي سقراط! كأنها تطيع إشكالا لا ترى!

    سقراط – أو تذعن لقضاء جليل!

    اركسيماك – أنظر! أنظر! أترى أنها تبتدئ بمشي الاهي؛ مشي يسير مستدير. . تبتدئ بأرقى ما عندها من الفن، تمشي في يسر على ما انتهت إليه من القمة! طبيعتها الثانية هذه أبعد ما تكون عن طبيعتها الأولى، ولكن يجب أن تشبهها، حتى تخدعنا عنها.

    سقراط – إني لاستمتع إلى أقصى حد بهذه الحرية. أن صاحباتها الآن لمستقرات كأنهن مسحورات. وأن الموسيقيات ليسمعن لأنفسهن دون أن يحولن أبصارهن عنها. . . يمتزجن بها كأنما يلححن في كمال التوقيع.

    فيدر – إحداهن كأنها المرجانة الوردية قد انعطفت على نفسها وهي تنفخ في قوقعة عظيمة.

    اركسيماك – صاحبة المزمار هذه العالية في الطول ذات الفخذين النحيفتين كأنهما المغزلان، قد لفت إحداهما على الأخرى، ومدت قدمها الظريفة التي تخفق إبهامها بوزن الموسيقى. . . أي سقراط ما ترى في هذه الراقصة؟

    سقراط – أي اركسيماك هذه المخلوقة الصغيرة تدعو إلى التفكير. . أنها تجمع على نفسها أنها تحتمل جلالا كان مفرقا فينا جميعا وكان يحل غير مشعور به كل الذين يشتركون في هذا اللهو. مشى يسير، وإذا هي الآهة، وإذا نحن جميعا كأننا الآلهة!. . . مشى يسير ايسر التسلسل كأنها تأجر الفضاء بأعمال جميلة متساوية وتضرب بعقبها حركات كالدنانير ذات الرنين. كأنما تعد وتحصي في قطع من الذهب الخالص ما ننفقه نحن غافلين نقدا عاديا من الخطوات حين نسعى لأي غاية من الغايات

    اركسيماك – أيها العزيز سقراط. إنها تعلمنا ما نعمل، مظهرة لنفوسنا في جلاء ما تأتي أجسامنا من الحركات، تظهر لنا ساقاها حركاتنا كأنها المعجزات. ثم هي تدهشنا بمقدار ما ينبغي أن ندهش

    فيدر – في أي شيء تمتاز هذه الراقصة عندك بشيء سقراطي، فتعلمنا من المشي كيف نعرف أنفسنا بأنفسنا خيراً مما كنا نعرفها،

    اركسيماك – في هذا بالضبط وهو أن خطواتنا تبلغ من اليسر والألف حدا لا نشرفها معه بملاحظتها في أنفسنا ومن حيث هي أعمال غريبة إلا أن يكون أحدنا مقعداً أو مريضاً فيضطره العجز إلى الإعجاب بها – وإذن فهن يحملننا كما يعرفن، ونحن نجهلهن، وهن يختلفن باختلاف الأرض والغاية والأخلاق والأحوال بل وضوح الطريق، ونحن ننفقهن في غير تفكير.

    ولكن انظر إلى هذا المشي التوقيعي الكامل. تمشيه اتكتيه على ارض لا عيب فيها، وهي حرة صريحة تكاد تكون مرنة تضع في تناسق على مرآة قوتها قدميها متتابعتين، عقبها يصب جسمها نحو مقدمة رجلها، ثم تمر رجلها الأخرى فتتلقى الجسم وتصبه إلى امام، وهكذا على حين تخط قمة رأسها البديعة في الحاضر الأبدي جبهة موجة متثنية

    وإذا كانت الأرض هنا كأنها مطلقة قد برت من كل عوج مفسد للتوقيع أو دافع إلى التردد فهذا المشي العظيم الذي لا غاية له إلا نفسه، والذي برئ من الوان الفساد على اختلافها يصبح نموذجا عاما

    (انظر أي جمال، أي أمن شامل للنفس ينشأ من طول خطواتها الفخمة، هذه الخطوات الممتلئة ملائمة لعددها الذي يلائم الموسيقى ولكن عدد الخطوات وطولها ملائمتان من ناحية أخرى لقوام الجسم

    سقراط – انك لتحسن الحديث عن هذه الأشياء أيها الخبير اركسيماك حتى أنى لمظطر إلى أن أرى كما تتفكر. إني لأنظر إلى هذه المرآة التي تمشي وتثير في نفسي شعور السكون لا اعني إلا بما لحركاتها من المساواة. . .

    فيدر – إنها لتقف بين محاسنها التي لا تنتهي. .

    اركسيماك – ستريان!

    فيدر – إنها تغمض عينها. .

    سقراط – إنها كلها في عينيها المغمضتين وحيدة مع نفسها في إفناء عنايتها الخاصة. تشعر كأنها أصبحت شيئاً حادثا جليلا.

    اركسيماك – انتظرا، ان. . . الصمت الصمت!

    فيدر – يالها لحظة حلوة! هذا الصمت تناقض. كيف السبيل إلى إلا أصبح. الصمت!

    سقراط – لحظة عذراء حقا. ثم لحظة نحس فيها كأن شيئا يجب ان ينقطع في النفس وفي الانتظار وفي الجماعة. . شئ ينقع ولكنه في الوقت نفسه كأنه يتصل.
    الرسالة (العددان ٢٥ و٢٦)

  • في الجو | In the Air

    في الجو…
    للدكتور طه حسين
    أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
    كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
    وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
    وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
    الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
    لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
    رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
    أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
    طه حسين
    الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934

    النقد والطربوش وزجاج النافذة
    للدكتور طه حسين
    وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
    كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
    وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
    وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
    وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
    وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
    فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
    والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
    وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
    أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
    طه حسين
    «مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934

  • بول فاليري | Paul Valéry

    بول فاليري

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.

    أيها السادة

    كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery ، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.

    ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.

    ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.

    وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.

    بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.

    ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

    ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.

    كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»

    والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.

    فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.

    ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.

    وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.

    هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA ؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.

    ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.

    احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.

    هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.

    بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.

    كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.

    سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.

    وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.

    ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.

    ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.

    هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»

    استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.

    وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.

    وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.

    أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.

    يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.

    في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.

    والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE ؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.

    والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.

    والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.

    وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.

    سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.

    من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.

    ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.

    نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»

    ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.

    هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»

    يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!

    ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.

    ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.

    وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.

    هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.

    من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.

    وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.

    وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.

    والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.

  • حول قصيدة | On a Poem

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    "أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها".
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

  • الأمل اليائس | A Hopeless Hope

    الأمل اليائس
    ولدت في آخر القرن السابع عشر سنة ١٦٩٧، وماتت في آخر القرن الثامن عشر سنة ١٧٨٠، وجمعت لنفسها من مزايا هذين العصرين ما جعلها أبرع الناس أدباً، وأشد الناس شكاً، وأوسع الناس أملاً، وأقتم الناس يأساً، وأظهر الناس فرحاً، وأعمق الناس حزناً. ولكني نسيت أن أسميها، وقد كان يجب أن أبدأ بتسميتها هذا الحديث؛ فهي ماري دي فيشي شمبرند، التي يعرفها تاريخ الآداب الفرنسية باسم مدام دي ديفان.
    كان مولدها ونشأتها في هذه السنين القاتمة التي ختمت حكم لويس الرابع عشر، وأدركها اليتم طفلة فأُرسلت إلى دير من هذه الأديرة التي كان يُرسل إليها بنات الأغنياء. وكانت أسرتها عريقة في الشرف والنبل، متقدمة في خدمة الدولة، محتفظة بمكانة رفيعة بين أشراف الأقاليم. وكانت هذه الأسرة من أشراف بورجوني، وأهل هذا الإقليم من فرنسا معروفون بالنشاط القوي، وحدة الذهن، وذلاقة اللسان، وحب الحياة، وإيثار ما تقدمه إلى الناس من لذات.
    فلم يطل مقام هذه الصبية في ديرها الأرستقراطي حتى ظهر من حديثها وسيرتها ما أقلق الأسرة وأقلق رئيسة الدير. ويجب أن يكون هذا الذي ظهر من سيرتها وحديثها خطيراً جداً؛ فلم تكن أسر الأشراف لتقلق من شيء يسير، ولم يكن أهل الأديرة ليضيقوا إلا بالشيء الذي لا يطاق. ذلك بأن حياة الناس في ذلك العصر كان قد أخذها الفساد الخلقي من جميع نواحيها، حتى استهانوا بكل شيء، وتجافوا عما لم يكن يتجافى الناس عنه إلا في مشقة وعنف. وحسبك أن تعلم أن الأديرة كانت قد استحالت في ذلك العصر إلى قصور فخمة يلهو فيها من أبناء الأشراف وبناتهم من لم تسمح له ظروف الحياة بالعمل في السياسة أو في الجيش، ومن لم تتح لهن ظروف الحياة أن يظفرن بالزوج. وكان بنات الأشراف خاصة يتخذن من هذه الأديرة دوراً للعبث واللهو، يسترن ذلك بستار رقيق من اسم الدين، ولم يكنّ ليتحرجن من استقبال الزائرين والزائرات، ولا من إقامة الحفلات الراقصة، بل كان الرقص والموسيقى جزأين أساسيين من برنامج التعليم الذي كان يُلقى إليهن فيها.
    فإذا استطاعت صبيتنا هذه أن تزعج أسرتها ورئيسة الدير بما أظهرت في سيرتها وأحاديثها من خروج على التقاليد، فيجب أن تكون قد أتت أمراً عظيماً. وهي قد أتت أمراً عظيماً حقاً، فقد كانت تجادل في الدين ولما تبلغ الثانية عشرة، وكان جدالها هذا خطراً مخيفاً؛ لأنها كانت تنكر أصول الدين إنكاراً. وقد استعانت الأسرة ورئيسة الدير على جحود هذه الصبية بعظيم من عظماء الكنيسة وخطيب من أبرع الخطباء في عصره وهو ماسيلون، فدُعي هذا الحبر للقاء هذه الطفلة ومحاورتها، فلما رآها سمع لها وتحدث إليها وانصرف عنها يائساً وهو يقول: إنها لظريفة! فلما سألته رئيسة الدير عما تصنع لردها إلى طريق الحق أطال الصمت ثم قال: ضعي في يدها كتاباً من أرخص كتب الدين، ثم لم يزد على ذلك شيئاً. وذكرت الصبية حين تقدمت بها السن حوارها مع هذا الحبر العظيم، فقالت: إن عقلي قد اضطرب أمام عقله، وقالت: إنني لم أذعن لحجته وإنما أذعنت لجلاله؛ ومعنى ذلك أن الخصمين التقيا فلم يقنع أحد منهما صاحبه.
    فلما بلغت هذه الفتاة العشرين أو جاوزتها قليلاً، زُوّجت من رجل شريف عظيم الخطر من حكام الأقاليم، ولكنها لم تكد تقضي معه أشهراً حتى أنكرته وضاقت به وكرهت عشرته كرهاً شديداً. وكانت تقول عنه إنه يبذل أقصى ما يستطيع ليسوءك ويصرفك عنه. على أنها قد أقنعته بالرحلة إلى باريس، ولم تكد تصل إلى هذه المدينة وتستقر فيها حتى اندفعت في حياة اللهو والعبث اندفاعاً لفت إليها الناس، وجعلها موضوع الأحاديث في هذه المدينة الباسمة اللاهية.
    وكان لويس الرابع عشر قد مات، وكان أمر الدولة إلى الوصي الذي أُقيم على الملك الصبي لويس الخامس عشر. وكان هذا الوصي صاحب لهو لا حد له، وصاحب مجون وعبث لا حد لهما أيضاً، وكان الناس قد ساروا سيرته كأنما أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم في تلك الأيام الحزينة التي ختمت حكم الملك الشيخ. وما أسرع ما اتصلت صاحبتنا بقصر الوصي واشتركت فيما أقام فيه من حفلات، ثم اتصلت بالوصي نفسه وأصبحت له خليلة، ولكن حبه لها لم يتجاوز خمسة عشر يوماً، على أنها قد ربحت من هذا الحب القصير ستة آلاف من الجنيهات الفرنسية تُصرف لها في كل عام ما امتدت لها الحياة.
    وأسرفت صاحبتنا في اللهو حتى أنكرها أصحاب اللهو من أهل باريس، وحتى ساءت الصلة بينها وبين زوجها، فافترقا دهراً ثم كان بينهما صلح لم يطل وعادا إلى الفرقة، ثم كان بينهما صلح آخر قوامه أن يلتقيا على الغداء والعشاء وألا يعيشا معاً، ولكن هذا الصلح نفسه لم يتصل أيضاً، ففُرّق بينهما وعاد الرجل إلى قصره في الأقاليم، وأقبلت هي على لهوها في باريس لا تدع فناً من فنون العبث إلا أخذت منه بحظ عظيم.
    على أنها لم تكد تجاوز الثلاثين حتى تبينت أن ما هي فيه من الأمر باطل كله، وحتى سئمت اللهو وعافته، وأخذت تحس انصراف الناس عنها، فآوت إلى أخ لها قسيس أقامت عنده دهراً، ثم انصرفت عنه إلى أخ آخر لها في الأقاليم، ثم عادت مرة أخرى إلى باريس. واتصلت بقصر من قصور الأشراف كان يؤوي أكبر من تعرفهم فرنسا وأوروبا من الأدباء والفلاسفة وأصحاب الفن، وفي هذا القصر ظهرت قيمتها الأدبية، واستُكشفت براعتها في الحديث، وتبين الذين عاشروها أنها امرأة ليست كغيرها من النساء، بل ليست ككثير من الرجال، وإنما تمتاز بقلب ذكي، وعقل قوي، ولسان فصيح عذب، ومهارة في تصريف الحديث لا تبلغ الإعجاب وحده، ولكنها تبلغ إعجاز المحدثين مهما تكن منزلتهم.
    ومن ذلك الوقت أخذ أمر هذه المرأة يعظم وشأنها يرتفع، لا من حيث أنها امرأة جميلة خلابة تحب اللهو وتسرف فيه، فقد كانت في ذلك الوقت قد بدأت تقصر عن اللهو وتُعري أفراس الصبا ورواحله – كما يقول زهير – بل من حيث أنها امرأة أديبة أريبة يستطيع أن يستمتع بحديثها وعشرتها وبراعتها ذوو العقول. وقد آثرتها صاحبة القصر إيثاراً عظيماً حتى لم تكن تصبر على فراقها، وأحبها فولتير، وكُلّف بها منتسكيو، وأطاف بها أعلام الأدب والفلسفة من الفرنسيين يستبقون إلى مودتها.
    وما هي إلا أن تتخذ لنفسها داراً في باريس وتدعو إليها أصدقاءها هؤلاء من الأدباء والعلماء والفلاسفة يسمرون عندها يوم الأربعاء من كل أسبوع، ثم تضيق هذه الدار بمن يقصد إليها من رجال فرنسا وأوروبا على اختلافهم، فتتحول عنها إلى دار أخرى رحبة تستأجرها في دير من هذه الأديرة الأرستقراطية في باريس. وفي هذه الدار التي استأجرتها كانت تقيم قبلها مدام دي منتسبان خليلة لويس الرابع عشر، تلك التي ملأت حياة الملك العظيم لذة وإثماً، وكلفت رجال الدين من حوله مشقة وجهداً، والتي كانت تؤوي إلى هذا الدير من حين إلى حين تستغفر الله من خطاياها وتضرع إليه في الوقت نفسه أن يحفظ عليها هذه الخطايا.
    أقامت صاحبتنا في هذه الدار ونظمت استقبالها لأعلام فرنسا مرتين في الأسبوع؛ يتناولون عندها العشاء ويسمرون إلى قريب من آخر الليل، ويتحدثون فيما شئت من أدب وعلم، ومن فلسفة وفن، ومن سياسة وحرب. ولكنها لم تكن تحب أن تشارك الأدباء والعلماء والفلاسفة فيما كان يجري بينهم من حوار؛ لأنها كانت تكره الأدب والعلم، وكانت تكره الفلسفة خاصة وتضيق بها ضيقاً شديداً، وكانت تُعنى بأشخاص زائريها أكثر مما تُعنى بما كان عندهم من علم، أو أدب، أو فلسفة. كانت مسرفة في الشك، وكان إسرافها في الشك يصرفها عمّا كان يُكلف به الناس في عصرها من هذه الفلسفة الحرة الغالية التي كانت تعمل في الهدم أكثر مما كانت تعمل في البناء.
    وتتقدم السن بصاحبتنا وقد مات زوجها وأصبحت حرة حتى أمام القانون، وقد جدّت بتنظيم حياتها وانصرفت عن اللهو والمجون إلى حياة الجد ولذة الحديث والسمر، ولكنها على ذلك اتخذت لها خليلاً عاشت معه عيشة الأزواج، لم تكن تحبه ولكنها لم تكن تكرهه، إنما كانت تستعين به على احتمال الحياة، كما كانت تستعين بكل شيء على احتمال الحياة. فقلما عرف تاريخ الآداب امرأة ضاقت بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة، بل قلّما عرف تاريخ الآداب رجلاً ضاق بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة. كانت متشائمة كأشد ما يكون التشاؤم، وكانت تردد هذه الكلمة التي تقربها من أبي العلاء: إن شر من ابتُلينا به من الشقاء إنما هو الحياة. وكانت تستعين بإسرافها في المجون والعبث، ثم في الجد والإنتاج الأدبي على احتمال الحياة، ولعلها لم تلهُ ولم تعبث ولم تجدّ إلا لتنسى الحياة وتنصرف عن نفسها؛ فقد كانت تكره العزلة وتخافها خوفاً شديداً، فكانت تسهر الليل ولا تنام إلا قليلاً في النهار، وتنفق وقتها قارئة أو لاهية أو مستقبلة.
    ولا تكاد تبلغ الخمسين من عمرها حتى يتم الله محنته لها، وحتى يأخذها الشقاء من كل وجه؛ فهذا حجاب رقيق يُلقى شيئاً فشيئاً بينها وبين النور، ثم يتكاثف هذا الحجاب قليلاً قليلاً، وهي تحس ذلك وتجزع له وتلجأ إلى الأطباء والسحرة والمشعوذين فلا تجد عند أحد منهم شيئاً. والحجاب يتكاثف ويتكاثف حتى يستحيل إلى سور صفيق يقطع كل سبب بينها وبين الضوء، وإذا هي عمياء.
    أفتظن ذلك قد غير من سيرتها أو اضطرها إلى شيء من القصد والاعتدال؟ ليس من شك في أنها قد حزنت لذلك حزناً عميقاً، ولكنه حزن أُضيف إلى حزن؛ حفظته في أعماق نفسها ولم تظهر منه للناس شيئاً، إنما كتبت إلى بعض أصدقائها من أعلام الأدب والسياسة تنبئهم بهذه الكارثة، فمنهم من رق لها كفولتير، ومنهم من عبث بها كمنتسكيو، وكلهم قد مضى في إكبارها والاختلاف إليها لم يغير من سيرته شيئاً كما لم تغير هي من سيرتها شيئاً. فظلت مائدتها تُقام يوم الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، وظلت تختلف إلى الأوبرا والملاعب وتشترك في الحفلات كما كانت تفعل من قبل.
    واتخذت لها رفيقة فتاة من أهل الأقاليم ولدت في أسرة شريفة ولكن مولدها لم يكن شرعياً، وكانت هذه الفتاة مدموازيل لسبيناس؛ ذكية بارعة الذكاء، حساسة قوية الحس، مثقفة واسعة الثقافة. وكانت المودة بينها وبين سيدتها قوية متينة، دامت عشر سنين لم يكدر صفوها مكدر. ثم لاحظت صاحبة الدار أن زوارها أو فريقاً منهم إذا انصرفوا عنها لم يخرجوا، وإنما أتموا سمرهم عند الفتاة، فغاظها ذلك وكانت القطيعة بين الصديقتين، ولكنها لم تكن قطيعة مألوفة، إنما كانت حدثاً من أحداث العصر في باريس، انقسم له الأدباء والفلاسفة انقساماً عظيماً؛ تعصب بعضهم للشيخة وتعصب بعضهم للفتاة، وكانت كثرة الفلاسفة وعلى رأسهم دالامبير من أنصار الفتاة، وكانت الأرستقراطية المعتدلة والمحافظة من أنصار الشيخة.
    ثم استأنفت الحياة المنظمة طريقها عند صاحبتنا، واتخذت الفتاة لها نادياً أو صالوناً أدبياً واشتدت المنافسة بين هاتين المرأتين. وصاحبتنا الآن في الثامنة والستين من عمرها قد فقدت البصر منذ ثماني عشرة سنة، وعظمت مكانتها في أوروبا حتى لم يكن عظيم من الأوروبيين يزور باريس إلا رأى حقاً عليه لنفسه ولمكانته أن يلقاها ويتحدث إليها.
    وفي أكتوبر من هذه السنة ١٧٦٥ زار باريس رجل من عظماء الإنجليز هو هوراس ولبول؛ كان أبوه روبرت وزيراً وكان هو عضواً في البرلمان، فلما مات أبوه ترك السياسة وانصرف إلى الأدب والفن، وكان في الخمسين من عمره. ولم ير هذا الرجل بداً من أن يزور صاحبتنا هذه ويغشى ناديها كما كان يغشى أندية الأدب والسياسة كلها في باريس. فلما رأى هذه الشيخة أنكرها، وكتب إلى صديق له يصفها بأنها عجوز عمياء فاجرة العقل. على أن وقتاً قصيراً لم يمضِ على هذه الزيارة حتى تغير الأمر بين هذا الإنجليزي وهذه الفرنسية، وتكررت الزيارة فوقع الإنجليزي من نفس هذه المرأة موقعاً غريباً؛ رد إليها الشباب بل رد إليها الصبا فأحبته. وأنا أعني بهذه الكلمة معناها، أحبته وقد أشرفت على السبعين ولم يرفض هو هذا الحب، ومن المحقق أنه لم يلقَ هذا الحب بمثله، ولكنه أضمر لهذه المرأة مودة قوية صادقة لم تغيرها الأيام، وأظهر بها إعجاباً لا حد له.
    واتصلت أسباب المودة والحب بينهما ما أقام في باريس، فلما رجع إلى لندن اتصلت بينهما الكتابة، وكان يأتي إلى باريس من حين إلى حين ليرى حبيبته أو ليرى عاشقته، أو ليرى يتيمته – كما كانت تسمي نفسها – فقد كانت تسمي نفسها يتيمة وتسميه هو وصياً، وكان هو يسميها ابنته الصغيرة، وكان الحنان بينهما كأقوى ما عرف الناس من الحنان بين المحبين. وكانت نتيجة هذا الحب أربعة مجلدات نُشرت بعد موتها وفيها ثمانمائة من الرسائل التي اتصلت بينهما، وهي آيات من آيات الأدب الفرنسي لا أكثر ولا أقل؛ فيها تصوير لهذه العواطف النادرة الشاذة التي لم يألفها الناس، والتي تملأ قلوبهم مع ذلك رحمة وبراً وإشفاقاً وعطفاً. وما رأيك في هذه الضريرة التي نيفت على السبعين والتي تكتب لصاحبها رسائل حب وغرام كرسائل الفتيات اللاتي لم يتجاوزن العشرين!
    على أن صاحبها كان إنجليزياً، ومعنى ذلك أنه كان يخاف السخرية والمزاح، وكانت الرقابة مضروبة على الرسائل في إنجلترا ذلك الوقت، فكان صاحبنا مروعاً دائماً يخشى أن تُفضّ رسائل صاحبته وأن يُعرف ما فيها من هذا الحب الغريب فيتندر الناس به في القصر وفي الأندية. فكان يرد صاحبته إلى القصد في تصوير عواطفها الحارة، وكانت هي تخاصمه في ذلك، وكان الأمر يفسد بينهما أحياناً ولكنه لا يلبث أن يعود إلى خير ما كان.
    وانقطعت رسائله عنها مرة فكتبت إليه:
    “يظهر أنك لا تريد أن تظهرني من أمرك على شيء، فاحذر أيها الوصي أن تصبر على ذلك؛ فإني خليقة إن فعلت أن أرسل إليك سكرتيري وأن أكلفه الإسراع إلى لندن وآمره أن يلزمك وأن يرسل إليّ بأنبائك، وأن يعلن إلى الناس جميعاً وفي كل مكان أنني يتيمتك، وأنك وصيي، وأنني أحبك، وأن يهيئ لي عندك مكاناً فألحق به، وأعلن إلى الناس جميعاً ما بيننا، لا أخاف فضيحة مهما تكن، فاختر لنفسك بين الفضيحة والكتابة إليّ”.
    ولعلها كانت في بعض الوقت تذعن وتطيع، وترد نفسها إلى القصد ثم تثور فترسل نفسها على سجيتها وتطلق حبها صريحاً حراً.
    وكذلك عاشت هذه المرأة خمس عشرة سنة، استرد قلبها فيها شبابه كله، وتبينت هي وتبين هو وتبين الناس في عصرهما ومن بعدهما أن ما اندفعت فيه هذه المرأة من العبث واللهو، ومن المجون والفساد، ثم من الجد الخصب والنشاط المنتج، كل ذلك لم يكن إلا ضيقاً بالحياة وافتقاداً لهذا النور الذي يحببها إلى النفس وهو الحب، ومصارعة لهذا العدو الفاتك وهو اليأس. فلما بلغت السبعين أو كادت تبلغها ظفرت بالحب عند هذا الإنجليزي، وظفرت به من غير طريقه كما كان يقول المعاصرون؛ فإن العيون هي أوضح طرق الحب إلى النفوس، ولكن الحب قد يسلك إلى النفوس طريق الآذان كما قال شاعرنا القديم. وأكبر الظن أن صوت هذا الإنجليزي هو الذي حمل الحب إلى نفس هذه الفرنسية فثبته فيها تثبيتاً.
    وفي سنة ١٧٨٠ ماتت هذه المرأة، وكتبت قبل موتها بقليل جداً إلى صاحبها كتاباً تنبئه فيه بقرب آخرتها، وتنبئه بأنها لا تأسف لفراق الحياة؛ لأنها لا ترى في الحياة خيراً بعد أن كتب إليها ألا يلقاها، وتنصح له بأن يستمتع بالحياة ما استطاع، وتنبئه بأنه سيحزن عليها، فليس من اليسير أن يتعزى الناس عمن كان يؤثرهم بالحب. فلما أتمت إملاء كتابها همّ سكرتيرها الشيخ أن يقرأه عليها كعادته فلم يستطع؛ لأنه كان يقطع قراءته بالبكاء. هنالك أحست هذه المرأة المتشائمة اليائسة التي أسرفت في سوء الظن بالناس، أحست أن هذا السكرتير لم يكن يعمل عندها ليعيش، فقالت له بصوت خافت فيه نغمة الموت، وفيه مع ذلك نغمة الرضا والغبطة: “أكنت تحبني إذن؟”
    هذه صورة من صور هذه المرأة، وهي من غير شك أشد هذه الصور اتصالاً بالنفوس وتأثيراً بالقلوب، ولكن لهذه المرأة صوراً أخرى عظيمة الخطر جداً في حياة الأدب الفرنسي؛ فقد كانت ناقدة، ولها في أدباء فرنسا وفي كبار أدبائها خاصة آراء قيمة تثير الإعجاب لرقتها ولبراعة الصياغة التي كانت تعلن فيها. كانت تؤثر فولتير، وكانت تضيق بروسو. فانظر إلى هذه الجملة البديعة التي تنقد فيها أسلوب جان جاك:
    “إن لروسو حظاً من الوضوح، ولكنه وضوح البرق، وله حظ من الحرارة ولكنها حرارة الحمى”.
    واتصلت هذه المرأة بأصحاب السياسة، واتصلت بالعظماء والأشراف وكانت منهم، وقد كتبت إليهم وتلقت منهم الكتب، وقد صورتهم وصوروها؛ فهذه ناحية أخرى من حياتها لها أثرها في توضيح التاريخ السياسي والاجتماعي لفرنسا في القرن الثامن عشر وقبل الثورة الفرنسية الكبرى.
    وبعد، فلعل أحسن ما كُتب عن هذه المرأة إلى الآن فصلان كتبهما سانت بوف في أحاديث الاثنين؛ تستطيع أن تقرأ أحدهما في الجزء الأول، وثانيهما في الجزء الرابع عشر، فإن أردت الإيجاز المقنع فاقرأ الفصل الذي نُشر عنها في (مجلة العالمين) أول أغسطس، فإن أبيت أن تتكلف القراءة أو تشق على نفسك بالبحث، فقدّر هذا الوصف الذي كان يصفها به فولتير وفكّر فيه؛ فإنه يعطيك منها صورة قوية تملأ نفسك رحمة وإعجاباً، فقد كان فولتير يسميها: “الضريرة المبصرة”.
    الرسالة ١\٩\١٩٣٣