Tag: الاقتصاد

  • ثم

    ثم
    «نعم»، ثم كلمة تتردد في جميع الأفواه، وتنفتح عنها جميع الشفاه، وتضطرب في كل قلب، وترتسم في كل عقل، وتفرض نفسها على كل ضمير منذ خُتم لصدقي باشا، أو خُتمت أعمالُ «صدقي باشا»، أو خَتمت الظروف القاهرة لصدقي باشا حياته السياسية مساء الخميس.
    فـ«صدقي باشا» رجل من رجال السياسة، قد فرغ من السياسة، وفرغ الناس منه، وفرغت السياسة منه أيضًا، ما في ذلك شك، وما إلى الريب في ذلك سبيل؛ إنما يُعنى الرجل بالسياسة ويقف عليها قواه وجهوده حين يكون قادرًا على إنفاق القوى وبذل الجهود، أو حين يكون مالكًا من هذه القوى والجهود لقليل أو كثير، وليس لـ«صدقي باشا» من هذا شيء يستطيع أن ينفقه في السياسة. ونحن نتمنى أن يمده الله من القوى والجهد بما يمكنه من العناية بنفسه والإبقاء على صحته واستقبال الحياة في شيء من الهدوء الظاهر؛ فقد يخيل إلينا أن هذه الأعوام الثلاثة التي أنفقها «صدقي باشا» في قهر أمته والبطش بها، وفي إذلال وطنه والقسوة عليه، قد حالت بينه وبين هدوء الضمير.
    ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي يصرف أعمال الدولة، وفي فمه مقياس الحرارة. وليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يقضي في ديوانه إلا ساعتين أو أكثر منهما قليلًا، والذي لا يجد مع ذلك بدًّا من أن يتخلف عن هذا الديوان يومًا أو غير يوم في الأسبوع. ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يصل الحديث في شؤون السياسة مع رجل من رجال السياسة ساعة أو أقل من ساعة حتى يشعر بالضعف والإعياء، فيلغي المواعيد ويكف عن الحديث ويسرع إلى داره ليستريح.
    نعم، ليس «صدقي باشا» قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها لا في رئاسة الوزارة، ولا في زعامة الكثرة البرلمانية، ولا في الأندية الخاصة. وقد يخيل الأمل لـ«صدقي باشا» أنه يقدر من ذلك على بعض ما يقدر عليه الناس، وقد يخيل الوهم لفريق من أصفياء «صدقي باشا» أنه ما زال قادرًا على أن يكون رجلًا من رجال السياسة، وقد يندفع «صدقي باشا» مع هذا الأمل فيكلف نفسه بعض أعمال السياسة، وقد يدفعه أصفياؤه إلى هذا، وهو من غير شك حر فيما يريد لنفسه، وأصفياؤه من غير شك أحرار فيما يريدون لصاحبهم؛ ولكن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن «صدقي باشا» لن يُغني منذ اليوم في السياسة المصرية شيئًا.
    وليس المرض وحده هو الذي يُخرج «صدقي باشا» من ميدان الحياة السياسية، ولكن هذه السيرة التي سارها في أمته أكثر من ثلاثة أعوام، وهذه النتائج المنكرة التي أنتجتها سيرته أثناء هذا العهد الطويل الثقيل، قد أقامت أمام «صدقي باشا» من العقبات والمصاعب ما لا يستطيع أقوى الناس، فضلًا عن أضعف الناس، أن يذلله أو يتغلب عليه.
    فـ«رئيس الوزراء» المستقيل رجل قد كُتب عليه البعد المحتوم، لا عن الوزارة، ولا عن الزعامة البرلمانية المجدية، بل عن الحياة العامة كلها. وما رأيك في زعيم برلماني لا يستطيع أن يخطب أنصاره وأولياءه — إن كان له أنصار وأولياء — أو يتحدث إليهم إلا دقائق لا تتجاوز الخمس، ثم هو بعد ذلك متعب مكدود؟ فكيف به إذا احتاج إلى الجدال والنضال؟ وكيف به إذا احتاج إلى التروية والتفكير؟ وكيف به إذا احتاج أن يقرع الحجة بالحجة، ويدفع الدليل بالدليل؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يظهر على الخصوم في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يقهر الوزارة في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يتحدث إلى الشعب ليحمله على مذهب من المذاهب، أو يصرفه عن رأي من الآراء؟
    كل ذلك شيء لا سبيل إليه؛ لأن صحة «صدقي باشا» تحول دونه، ولأن سياسة «صدقي باشا» تحول دونه؛ فليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يذكر الحرية في «البرلمان» أو خارج «البرلمان»، وهو الذي سجن الحرية فضيّق السجن وأطاله، ولو أن إلى قتل الحرية من سبيل لما تحرج من قتلها، ولكن الحرية فوق القتل وفوق الموت، وهي تعمل سجينة أكثر مما تعمل مطلقة. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن عزة الشعب، وقد عبث بها «صدقي باشا» أمام الأجنبي حتى ظهر ازدراء الأجنبي للمصريين، وطمع الأجنبي في المصريين، واستغلال الأجنبي للمصريين، وإذلال الأجنبي للمصريين. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الكرامة الوطنية، وقد جهد «صدقي باشا» ما استطاع، وأنفق «صدقي باشا» ما يملك وما لا يملك لينسي الناس كرامتهم الوطنية. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الاستقلال، وقد أصبح أمامه كلامًا لا معنى له، ولفظًا لا يدل على شيء، ولونًا من ألوان العبث، وفنًّا من فنون الجدل.
    فأما الاقتصاد، وما أدراك ما الاقتصاد؟ فأما المال، وما أدراك ما المال؟ فأما الأزمة، وما أدراك ما الأزمة؟ فلن يستطيع «صدقي باشا»، إن واتته الصحة والقوة، وأذعنت له البلاغة والبيان، أن يعرض لها، ولو قد فعل بعد أن حيل بينه وبين الحكم، وصُرفت عن تأييده الشرطة والجنود، وكف عن معونته أصدقاؤه المحايدون، نعم، لو قد فعل لصاحب به الملايين: لا تذكر الاقتصاد وقد أفسدته، ولا تذكر المال وقد أقللته، ولا تذكر الأزمة وقد تركتها تتحكم في الرقاب. نعم، ولو قد فعل لم يستطع إلا أن يضحك من نفسه، ولم يستطع إلا أن يضحك منه الأولياء والأصفياء. ومع ذلك فقد كان يقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان إن «صدقي باشا» رجل الاقتصاد، ورجل المال، وحلّال الأزمات.
    كل شيء يُبعد «صدقي باشا» عن السياسة، وكل شيء يفرض على رجال السياسة ألا يحسبوا لهذا القائد العظيم والزعيم البارع حسابًا منذ اليوم؟ فقد أراد الله — ولا مردَّ لما يريد الله — أن يُطوى سجلُ حياته منذ يوم الخميس. ولعل أصدق تصوير لموقف الرئيس المستقيل، أو للموقف الذي ينبغي أن يقفه الرئيس المستقيل، ما روته «المقطم» أمس من أنه سيعبر البحر في الشهر المقبل إلى حيث يريح ويستريح، إلى حيث لا يخطب ولا يكتب، إلى حيث لا يجول ولا يصول، إلى حيث لا يُعنى بالسياسة من قريب أو بعيد. وإذن فماذا يكون بعد أن انقضى هذا الليل الطويل بما فيه من أحلام وأوهام؟ وعمَّ تشرق الشمس بعد أن أفاق «صدقي باشا»، فإذا عظمته كلها هباء، وإذا سلطانه كله وهم باطل، وظلٌّ زائل، لم يُفِد صاحبه إلا فوائد عاجلة فانية، ولقيت مصر في زمنه شرَّ ما لقيت في هذا العصر الحديث.
    أما ما تريده الأمة بعد أن كُشف عنها هذا الضر، وجُليت عنها هذه الظلمة، وأُزيح عن صدرها هذا الكابوس الثقيل، فذاك شيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. فقد وثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة آمنة، فارتاعتْ؛ فيجب إذن أن يزول الروع، وأن يعود الأمن. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة غنية، فافتقرت؛ فيجب إذن أن يزول الفقر، وأن يعود الغنى. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة حرة، فقيدها وقهرها؛ فيجب إذن أن يزول التقييد والقهر، وأن تعود الحرية مطلقة مشرقة مبتسمة، مبسوطة الجناحين على المصريين جميعًا. و«صدقي باشا» لم يُسلِّط هذا الشر كله على مصر إلا لأنه غلب مصر على حقها، وحكم مصر على غير ما كانت تريد، وسخَّر مصر للأهواء على حين كان يجب أن يُسخَّر كل شيء لمصر؛ فيجب إذن أن تعود الحال إلى مثل ما كانت عليه قبل أن يعدو «صدقي باشا» على أمته، ويثب «صدقي باشا» إلى مناصب الحكم.
    لا ترضى الأمة بغير هذا، ولا تستقيم الأمور بغير هذا، ولا تعرف مصر راحة بغير هذا. فأما ما يُراد بمصر بعد أن انجلى ذلك الليل الطويل الثقيل، ليل «صدقي باشا»، فشيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. المنهزمون المخفقون يطيفون برئيسهم المنهزم المخفق، فيمثلون قصة «الحزب السياسي» الذي يطمع في أن تكون له كلمة مسموعة، أو رأي يُلتفت إليه، وهذا أسخف ما يقع في مصر الآن، وأقل ما يستحق العناية من المصريين.
    والمستوزرون الطامعون يلتقون سرًّا وجهرًا، ويدبرون أمرهم بينهم، ويصطنعون ضروبًا من التشكيلات والتلفيقات، يضيفون رئاسة الوزارة إلى اتحادي مرة، وإلى مستقل مرة أخرى، ويلفقون حول هذا الرئيس طائفة من الأسماء والأشخاص، تجمعهم الأهواء والميول، ثم ينتظرون ما سيجري به القضاء، وقد يدفعهم الأمل الكاذب إلى أن يجدوا في توجيه القضاء كما يريدون. ولا يتحدث أحد عن هذه الضحية البريئة التي ذاقت ألوان العذاب أكثر من ثلاثة أعوام، ولا يفكر في رفع العذاب عنها، أو رد الحرية إليها، أو استمداد القوة منها.
    منهزمون مخفقون يريدون في غير غناء أن يُخفوا الهزيمة والإخفاق، ومستوزرون طامعون يريدون في غير حياء أن يثبوا إلى الحكم وثوبًا، والأمة تنظر إلى أولئك متهكمة، وإلى هؤلاء متحدية، وتثق بأن الذين لم يعتبروا بهزيمة المنهزمين وإخفاق المخفقين، ولم يتحرجوا من أن يفكروا في انتهاج ما كان لهم من نهج، وسلوك ما اتخذوا من سبيل، سيلقون مثل ما لقي أصحابهم من قسوة الظروف، وتنكر الأيام، وسخرية القضاء، وسيصبحون كما أصبح أصحابهم منهزمين مخفقين، يريدون في غير غناء أن يستروا الهزيمة ويخفوا الإخفاق.
    كلا، ليس الأمر ستر هزيمة وإخفاق، وليس الأمر وثوبًا إلى الحكم واستئثارًا بالسلطان، وإنما الأمر الذي تفرضه الظروف الآن فرضًا قاسيًا، وستفرضه غدًا فرضًا أشد قسوة وعنفًا، هو أن يندم المنهزمون المخفقون على ما جنوا على أمتهم وأنفسهم من السيئات، وأن يخلص المستوزرون الطامعون من كواذب الأماني ودوافع الطمع، وأن يعلم أولئك وهؤلاء أن حياة الأفراد أقصر وأضيق وأهون من أن تحتمل الجناية على الشعوب، والإساءة إلى الأمة، والاستئثار بالحق دون أصحاب الحق.
    فاللهم اهدِ الطامعين والمترددين إلى أن يفهموا الواجب، ويشعروا شعورًا قويًّا أن المصير الذي آل إليه «صدقي باشا» ليس شيئًا يُطمع فيه رجل له قلب أو عقل يُحسنان الإحساس والتفكير.
    [1] كوكب الشرق في ٢٣-٩-١٩٣٣.

  • مفاوضة

    مفاوضة
    ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
    والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
    نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
    وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
    كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
    وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
    وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
    ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
    وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
    كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣.

  • حياء

    حياء
    ولم لا تستحي الوزارة وأعضاؤها ناس من الناس، يشعرون ويحسون، ويرضون ويسخطون، ويجدون الألم حين يشتد على أقل تقدير، ويخافون سوء القالة حين يتجاوز الحد المعقول.
    وقد وقفت الوزارة من الاقتصاد مواقف أقل ما توصف به أنها مضحكة، لا يستطيع إنسان أن ينظر إليها نظرة الجد، أو أن يفكر فيها كما يفكر في المواقف التي تحتمل البحث والنقد، وتصلح موضوعا للتفكير والتقدير.
    لم تكد تتقدم بها السن حتى ملأت الأرض صياحا بأن خزانة الدولة في خطر، وأن الاقتصاد بل التقتير أمر لا بد منه ولا منصرف عنه، وأن الموظفين خليقون أن يستجيبوا لدعاء الواجب، ويسمعوا لنداء الوطن، ويزهدوا في حقهم من العلاوة والترقية حتى لا تخلو الخزانة، ولا تعجز الدولة، ولا تتعرض مصر للإفلاس. وضاق الموظفون بهذا الكلام، ولكنهم صدقوه، واطمأنوا إليه، واستجابوا لدعاء الواجب، وزهدوا في العلاوة والترقية، وما هي إلا أن تشتد حاجة الدولة إلى الاقتصاد، وتتعرض أموالها للنفاد، فإذا تضحية أخرى تطلب من الموظفين، وإذا التجاء آخر إلى الشعور الوطني والواجب القومي، والضن بمصر على العجز والإفلاس، وإذا مرتباتهم تنقص فيضيقون بالنقص، ولكنهم يقبلونه مستجيبين للواجب، ثم يظهر أن ما نقص من مرتباتهم قليل، فتطلب إليهم تضحيات أخرى، ويصور لهم الواجب الوطني في صوره تملأ القلوب رقة للوطن، ورفقا به، وعطفا عليه، فينزلون من مرتباتهم عن جزء آخر، وقد أخذوا أنفسهم بالاستعداد لتضحيات أخرى تطلب إليهم، وتكاليف أخرى تفرض عليهم، ولكنهم ينظرون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الترقيات والعلاوات تحظر عليهم عامة، ثم لا يلبث باب الاستثناء أن يفتح قليلا قليلا، وأن تنفذ منه الترقيات والعلاوات إلى طائفة من الأصفياء والأولياء، ومن المحسوبين والمقربين فيألمون ويسكتون، منهم من يستحي فيلزم الصمت، ومنهم من يشفق فيأخذ نفسه بالإغضاء والإعراض. ويزداد باب الاستثناء انفتاحا، وتزداد العلاوات والترقيات منه نفوذا، ويزداد ألم الموظفين شدة، وغيظهم حدة، فمنهم من يجمجم، ومنهم من يغمغم، ومنهم من لا يتحرج عن الكلام الواضح والإنكار الصريح، ثم ينظر الموظفون فيرون ويا شر ما يرون! يرون أن الوزارة قد نقصت مرتباتهم جميعا، ولكنها عادت فدارت حول بعض هذه المرتبات المنقوصة حتى ردتها كما كانت، أو زادت فيها بعض الشيء.
    فعلت ذلك مع جماعة من الأجانب احتجت مفوضياتهم على نقص مرتباتهم بضريبة التمغة، فزعمت أن ليس من قبول الأجانب لهذه الضريبة بد، ولكنها زادت في مرتباتهم بمقدار ما نقصت منها أو أكثر منه شيئا، فأعطي هؤلاء الأجانب باليمين، وأخذ هؤلاء الأجانب بالشمال. وفعلت ذلك مع بعض الأصفياء والأولياء، ومع بعض المحسوبين والمقربين فاستكشفت لهم أعمالا نادرة، وكفايات باهرة، وجزتهم على تلك الأعمال بالمال، وعلى هذه الكفايات بالترقيات وما زالت بهم حتى عوضتهم من النقص زيادة، ومن الخسارة ربحا. وحتى تمنى غيرهم لو نقصت مرتباتهم أضعافا، ثم استكشفت لهم أعمال تجزى بالمال، وكفايات تقدر بالترقيات. هنالك جمجم بعض الموظفين، وغمغم بعضهم الآخر، وغلى بعضهم فآثر التصريح على التلميح، وامتلأت مكاتب المصالح والوزارات، وأجواء الأندية والقهوات بيأس اليائسين، وطمع الطامعين، وسخط الساخطين، واحتيال المحتالين، وأصبح جو الحكومة جو مكر وكيد، ولوم وعتب، ويأس وسخط، هذا يشكو، وهذا يرجو، وهذا يتندر، وهذا يفوض أمره إلى الله. كل يفكر في مرتبه: أينقص أم يزيد أم يبقى حيث هو؟ وكل يفكر في درجته، وكل يفكر في زملائه الذين خرجوا معه من المدرسة أو خرجوا بعده منها، ثم سبقوه سبقا لا أمل له في أن يبلغ أمده.
    كل يفكر في هذا، وكل يتحدث بهذا، وكل يلهج بهذا في المكتب والنادي والقهوة حتى إذا عاد إلى بيته أظهر لأهله وجها مظلما، وجبينا مقطبا، وخلقا سيئا. ولم يتحدث إلى امرأته في شئون البنات والأبناء، ولا في جد الحياة وهزلها، ولا في لذات البيت وآلامه، وإنما تحدث إليها في أن فلانا قد ارتقى، وفلانا قد زاد، وهو ما زال حيث هو، لاحظ له من رقي ولا من زيادة، وفي أنه قد كتب مذكرة يشكو فيها ويتظلم، أو يضرع فيها ويستعطف، أو يدافع فيها عن حقه ويذود عن حظه، فطويت مذكرته طيا، وأهملت مذكرته إهمالا، وأخذ رؤساؤه ينظرون إليه شذرا، ويلقونه بابتسامة صفراء فيها الرحمة والازدراء.
    وأهله يسمعون لهذا الحديث فيأسون ويشقون، ثم يرثون ويعزون، ثم يجدون في التسرية والتسلية فلا يبلغون مما يريدون شيئا. وإذا هم ينغمسون في حزن عميق، وسخط كثيف وإذا هم مثله ينكرون ويستمطرون سخط الله على الظالمين، وصغار البيت يمرحون في لعبهم ولهوهم، ثم يبدو لهم فيقبلون بوجوه باسمة حلوة على أبويهم فلا يرون إلا وجوها عابسة مرة، فينصرفون وقد انطفأت في نفوسهم الناشئة جذوة الفرح والمرح، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: ما لأبينا قد غيَّر وجهه الحزن، وما لأمنا قد بللت خدها بالدموع؟
    ليس في هذا الحديث مبالغة، وليس في هذا الحديث إسراف، وأقسم أن صغار الموظفين ليعرفونه كله، وأقسم أنهم ليقرونه كله، وأقسم أن أهلهم ليثبتونه كله، لا ينكرون منه حرفا، ولا يغيرون منه شيئا، وأقسم أن بناتهم وأبناءهم ليشفقون في كثير من الأحيان من أن يلقوهم أو يسعوا إليهم، مخافة أن يجدوا في وجوههم من الحزن والهم ما يكرهون.
    ومع ذلك فهؤلاء الموظفون أحسن المصريين حالا، وأوسع المصريين آمالا، وأشد المصريين ثقة بغد، وأمنا من الظمأ والجوع.
    وكذلك مضت الوزارة تبسط يدها لفريق من الموظفين، وتقبضها عن فريق آخر حتى بلغ سوء الظن أقصاه بين الزملاء، وبين المرءوسين والرؤساء، منافسة تدعو إلى سوء الظن، وظلم يدعو إلى سوء الظن، وجور يدعو إلى سوء الظن، وأعباء الدولة في أثناء هذا كله مضيعة مشردة، ينفذ بعضها على كسل ومضض، ويهمل بعضها في سخط واستهزاء.
    حتى إذا كان يوم الخميس الماضي واجتمع مجلس الوزراء في المساء؛ عرضت عليه طائفة من الترقيات والعلاوات كلها استثناء، وفيها إسراف وغلو في الإسراف، جمجم بعض الوزراء فيما تقول الصحف، وغمغم بعضهم الآخر، وكانوا معذورين فكلهم في حاجة إلى الاستثناء، وكلهم قد وعد فأسرف في الوعد، وكلهم يسمع شكاة الشاكين، واستعطاف المستعطفين، فما بال أقوام يظفرون وقوم يخسرون؟! وكذلك انتهى الأمر بمجلس الوزراء إلى أن آثر الصراحة على الالتواء، ففتح باب الترقية والعلاوة على مصراعيه، وأذن للوزارات والمصالح في أن ترفع إليه أسماء الأكفاء الذين يستحقون ترقية أو علاوة لينظر في أمرهم ويجزيهم على صبرهم خيرا، ولكن هذه الترقيات والعلاوات التي أجيزت يوم الخميس الماضي كثيرة فاحشة، فيها محاباة ومداراة، وإيثار لقوم على قوم، وهي إن ظهرت أثارت من سخط الموظفين كل كمين، وهي إن ظهرت فتحت على الوزارة أبوابا يجب أن تظل مغلقة حتى يكون إنصاف المظلوم وإرضاء الغاضب، وهي إن ظهرت جعلت الوزارة مضرب الأمثال عند المعارضة في التصرفات المضحكة المضطربة التي لا تصدر عن قصد في التفكير والتقدير، ولا عن إيثار للمنفعة العامة على إرضاء الأولياء والأصفياء، ومجاراة المنافع والأهواء، والوزراء ناس من الناس يحسون الخجل، ويجدون الحياء، فيجب أن تكتم قرارات يوم الخميس وتحفظ سرا مصونا تلقى من دونه الأستار، ولا تنفذ إليه الأبصار حتى تسكن العاصفة، وتهدأ الثائرة، وتظهر ترقيات وعلاوات أخرى فتضيع هذه الاستثناءات وتمر دون أن يشعر بها الناس!
    وكذلك وجدت الوزارة لنفسها مخرجا من هذه الورطة، ولكنها تستطيع أن تستوثق بأن هذا المخرج لن يخرجها من شيء، فأسرارها هذه معروفة مهما تكتم، وغيبها هذا مكشوف مهما يستر ولن يخرجها من هذه الورطة إلا أمران، أحلاهما مر: فإما أن تلغي الاستثناءات التي أقرتها، وإما أن تغرق الموظفين في فيض من العلاوات والترقيات، ويومئذ يضحك الناس لأسطورة الاقتصاد، كما ضحكوا من قبل لطائفة كثيرة من أساطير الوزارة..!!
    أما إن سيرة الوزارة خليقة أن تثير في نفوس الوزراء عاطفة الحياء؟.
    كوكب الشرق في ١٥ – ٥ – ١٩٣٣

  • تجربة

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

  • غرور

    غرور
    إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا، واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقك أن تدعو إلى ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تلحّ في الدعوة لما ترى. وكنت آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تدلّهم على مواطن الشر في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.
    هذه أوليات يخيل إلى من يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويخيل إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا، لأن ترديدها قد كثر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات، حتى سئمها القائلون والسامعون. لكنها على ذلك ما زالت غامضة، وما زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب.
    فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغلو في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ، وهذا الإسراف، إلى أن نريد الإصلاح فنسيء، ونقصد إلى الهداية فنضل، ونتعمد الإرشاد فنتورط في الاعتداء.
    نقتنع بالرأي فيغرّنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون. ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية، وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا، وإذا نحن نزعم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدّس آراءنا تقديسًا، ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء، ونسير فيهم سيرة الأعداء.
    ولعلك حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيدونه، لم تجد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
    ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شرٌّ، لأنه لم يكن يلائم آمالهم وأطماعهم ومثلهم العليا في الحكم وتصريف الأمور. ورأوا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تزال، وأن تقرّ مكانها أصول أخرى. رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعدت حدودها لا تمكن من البقاء في الحكم إن أوصلتهم إليه المصادفات ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه، وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقصّ من جناحه. وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يفلحوا، وألحّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان.
    وكان الإعراض عن معاونتهم والانصراف عن دعوتهم مثيرين لسخطهم على هؤلاء الذين يُدعون فلا يستجيبون، ويُلَحّ عليهم في الدعاء فلا يحفلون. وزادهم هذا السخط إيمانًا بآرائهم وثقة بها، فألحّوا فيها وأصرّوا عليها. وما هي إلا أن أُغروا بهذه الآراء وأسرفوا في الغرور، فاعتقدوا أنها وحدها الحق، وأنها وحدها الخير، وأن غيرها باطل، وأن غيرها شر. ثم أخذوا يفكرون ويقدّرون، وجعلوا يجيئون ويذهبون ليفرضوا آراءهم هذه على الناس فرضًا، وليدفعوا الناس إلى آرائهم هذه كرهًا، بعد أن أعياهم الإقناع ولم يواسهم الدعاء الهادئ المطمئن.
    هنالك أُحكم التدبير، ووثب رئيس الوزراء إلى الحكم، فثار بالدستور القديم، وفرّق البرلمان القديم، واستحدث ما استحدث من نظام، وأجرى ما أجرى من انتخاب، وصرف أمور مصر كما يصرفها منذ نهض بالحكم، في قوة وعنف، وفي إكراه للشعب على ما يريد هو، وإرغام للشعب على ما يحب هو.
    وكانت في أوربا حركات إصلاحية ظاهرها القوة والشدة، فما أسرع ما وجد رئيس الوزراء لنفسه الأشباه والأنداد، وما أسرع ما قارنه أنصاره بموسوليني في إيطاليا، وهم الآن يقيسونه بهتلر في ألمانيا. ومع ذلك فلم يكن رئيس الوزارة يوم ألغى الدستور إلا خارجًا على النظام، مسيئًا إلى القانون، ومسيئًا إلى الأمة كلها. ذلك أن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لا ينبغي أن يُفرض على الناس فرضًا، ولا أن تؤخذ به الجماعات وهي كارهة له معرضة عنه، ولا أن تُرغم عليه الشعوب بقوة الحديد والنار. بل لا ينبغي للمصلح أن يمسّ الذين يريد إصلاحهم بشيء من الأذى، قليل أو كثير، حين يعرضون عما يحمل إليهم من إصلاح. وإذا لم يكن بد من أن يصيب الأذى في سبيل الإصلاح أحدًا من الناس، فإنما يجب أن يصيب المصلحين أنفسهم، ويجب على هؤلاء المصلحين أن يوطّنوا أنفسهم على احتمال الأذى والتعرض للمكروه، بل للموت أحيانًا، في سبيل ما يدعون إليه من إصلاح.
    وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكر المسلمين بتاريخهم، حافلة بالعبر والعظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكروا. فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يؤذِ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كرهًا، وإنما دعا الناس إليه رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم. ولقيَ منهم في سبيل هذا الرفق عنفًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا. وما زال يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارهم، ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة اللّٰه، وانتشر نوره، وعزّ دينه، فآمن به الثائرون عليه والمتنكرون له.
    والذين يتمدح رئيس الوزراء بأنه يشبههم ويسير سيرتهم لم يثوروا بنظم بلادهم كما ثار رئيس الوزراء بنظام بلاده. فلم يصل موسوليني إلى الحكم في إيطاليا إلا بعد أن وصل إلى زعامتها، ولم يصل موسوليني إلى زعامة إيطاليا إلا بعد أن جاهد جهادًا سلميًا رفيقًا، قوامه الدعوة إلى الخير، والإلحاح في النصح، حتى استجاب له من استجاب، واقتنع برأيه من اقتنع، والتفّت حوله كثرة إيطالية مكنته من أن يطلب الحكم ويظفر به، ويخلق لإيطاليا خلقًا جديدًا.
    ولم يصل هتلر نفسه إلى حكم ألمانيا إلا بعد أن دعا إلى رأيه، وأقنع به، والتفّت حوله هذه الكثرة التي أظفرته بالانتخاب، فاضطر رئيس الجمهورية الألمانية إلى أن يلقي إليه أزمة الحكم، وكان يأباها عليه ويذود عنها في شدة وإصرار.
    بعيدٌ جدًّا ما بين رئيس وزرائنا وبين المصلحين الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف. فهو لم يجاهد في نشر رأيه، ولم يُلحّ في الدعوة إليه، ولم يلقَ في ذلك شيئًا من الأذى، ولم يتعرض في ذلك لشيء من المكروه. وإنما هيئت له الأسباب، ودُبّرت له الأمور، ثم أُجلس على كرسي، وأُعطي أعنّة الحكم، وقيل له: انطلق، فانطلق، لا يأتي على شيء إلا عصف به عصفًا، وعبث به ألوان العبث. وهو على هذا كله لم يكتفِ بأن تهيّأت له الأمور من غير جهد ولا مشقة، بل أخضع أمته لضروب الجهد وألوان المشقة، فعكس الآية، وآثر نفسه بالراحة في سبيل الإصلاح، وآثر أمته بالشقاء والعناء في سبيل ما يراه إصلاحًا.
    ولهذا لم يوفَّق رئيس وزرائنا إلى شيء، ولم يصلح رئيس وزرائنا شيئًا، وسينزل رئيس وزرائنا عن الحكم فلا يبقى له في هذه الأمة أثر إلا هذه الذكريات المؤلمة التي تصور ما صبّ على أمته من عذاب، وما أنزل بأمته من شر. فأما السياسة التي فرضها فلن تستقر بعد أن ينزل هو عن السلطان، ذلك لأنه وصل إلى الحكم قبل أن تكون لنفسه هذه القوة الشعبية الصادقة، وصل إلى الحكم قبل أن يقنع الناس بآرائه في الإصلاح، وكان يجب أن يكون وصوله إلى الحكم نتيجة لسعيه لا مقدمة له.
    سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحل من حوله كل شيء، ويتفرق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله.
    أما المصلحون حقًّا فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبقي إصلاحهم قويًّا بعدهم واتسع سلطانه، لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء، ولم يؤثروا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه.
    فما أجدر الذين يفكرون في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أن يتعظوا بهذا الدرس القاسي الذي تلقيه الأيام على رئيس الوزراء، وأن يعلموا أن الأمم لا تُكره على الخير إكراهًا، وإنما تُقنع به إقناعًا، وتُرغّب فيه ترغيبًا. وإن اللّٰه — وقد استأثر وحده بالكمال، واستأثر وحده بالقوة والسلطان — لم يُكره الناس على الخير، ولم يدفعهم إليه بالشدة والعنف، وإنما أمر نبيه أن يدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفعهم إليه بالحجة والعبرة، وأن يحتمل في سبيل ذلك ما احتمل من الأذى، ويصبر في سبيل ذلك على ما صبر عليه من مكروه.
    أفيؤثر اللّٰه الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن، ويأبى الناس إلا أن يكرهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟
    كوكب الشرق ٨ – ٤ – ١٩٣٣

  • أحاديث

    أحاديث
    إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
    والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
    ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
    أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
    قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
    وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
    وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
    حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
    ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
    تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
    وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
    ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
    كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
    اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
    كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
    كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣

  • دعابة

    دعابة
    زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل.
    وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
    ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل.
    وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد.
    ١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد.
    ٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين.
    ٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله.
    ٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم.
    ٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه.
    ٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق!
    ٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز.
    ٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون.
    ٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه.
    ١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون.
    ١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج.
    ١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون.
    فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء.
    وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها.
    فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة.
    وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح.
    فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً.
    كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦.


  • نذير

    نذير
    قليل من الناس يستطيع أن ينصرف عن حديث اليوم إلى حديث أمس. وقليل جدًا من الناس من يستطيع أن ينظر إلى أحداث اليوم فيتبين منها أحداث الغد، ذلك لأن الحوادث الحاضرة التي تحيط بنا تشغلنا عن الماضي والمستقبل جميعًا، وتحد أعمالنا وآمالنا وتفكيرنا، فإذا نحن مثلها مؤقتون في كل ما نأتي وما نقول. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يفكروا في أمس لاعتبروا بما كان فيه، ولجنبوا أنفسهم شرًا كثيرًا. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يتبينوا ما ستتكشف عنه غدًا أحداث اليوم لأعرضوا عن كثير من الأعمال، ولجنبوا أنفسهم آلامًا كثيرة وضروبًا من الخيبة لا تُحصى…
    هذا كلام نقوله دائمًا، ولكننا لا نتعظ به، ولا نعتبر بما فيه، وكأنه قد كثر حتى أصبح مملولًا، وكأننا قد أسرفنا في ترديده حتى زهدنا فيه، كما نزهد في الحديث المعاد. وليس كل حديث معاد خليقًا أن يُمل ويُزهد فيه، بل من الحديث المعاد ما تستطيع أن تعيده وتعيده دون أن تستقصي ما فيه من عظة، وتستوعب ما فيه من حكمة، وتنتفع حق الانتفاع بما فيه من عبرة.
    والظاهر أن الوزراء ورجال الحكم هم أشد الناس إعراضًا عن أمس، ونفورًا من غد، وهم لذلك أشد الناس تعرضًا للخطأ، وتورطًا في الشر والإثم. وكأن الوزارة — كما صورتها جريدة «الشعب» منذ أيام في تشبيه بديع — خمر معتقة، لا يكاد يذوقها شاربها حتى تنسيه كل شيء، فتمحو من نفسه أمس، وتلقي بينه وبين غد حجابًا صفيقًا! ولو قد ذكر رئيس وزرائنا ما كان من الأحداث ذات الخطر أمس القريب أو أمس البعيد، لتعظ واعتبر، وصد نفسه عن أشياء، وكف عزيمته عن أشياء. فكم من الذين ضاقوا من قبله بالديمقراطية، فنصبوا لها الحرب، وبحرية الشعوب، لها الكيد، ثم باءوا بالهزيمة المنكرة والانخذال المهين، لأن الديمقراطية أقوى من أن تُغالب، وأصلب عودًا من أن تُحطم، لأنها صورة لإرادة الشعب، ومظهر لقوته، ومن العسير إن لم يكن من المحال أن يستطيع الفرد مهما تعاظمت قوته، وبلغ شأنه من الارتفاع والعلو، أن يقهر شعبًا كاملًا، أو يذله فيطيل إذلاله.
    ولو قد فكر رئيس الوزراء في غد لرأى هولًا بشعًا، ونكرًا عظيمًا، فقدر قبل أن يخطو، وتدبر قبل أن يعمل، ولكن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، ودفعه إلى ما أتى من الأعمال، وورطه فيما تورط فيه من شر، فهو يجني اليوم ثمار هذا النسيان لأمس، والإعراض عن غد، ويذوقها فإذا هي فجة مرة…!
    نهض بالحكم وهو مؤمن بقوته، معتز بكفايته، واثق بذكائه، مطمئن إلى سعة حيلته، لا يشك في أنه سيبلغ من هذا الشعب ما يريد، ولم يذكر أن قومًا آخرين كانوا مثله أقوياء أعزاء، وكانوا مثله أذكياء، وكانوا مثله أكفاء بارعين، قد نصبوا الحرب للشعب فلم يبلغوا منه ما كانوا يريدون، بل بلغ الشعب منهم ما أراد. بل يذكر أنه قد وقف قوته وعزته وذكاءه وكفايته على حرب الشعب والكيد له، فصال وجال، وقال فأطال القول، وأذاق الناس ضروب المحن وألوان الفتن، ثم لم يبلغ منهم شيئًا؛ وإنما انتهى به الأمر إلى أن أذعن لما كان الشعب يريد، فعمل تحت لوائه، وتقرب إلى زعمائه، وأسرف في تملقهم والتقرب إليهم، حتى انصرفوا عنه وزهدوا فيه.
    لم يذكر رئيس الوزراء ذلك، ولم يفكر فيه، فجدد في عهده الحاضر ما اقترف في عهده القديم. وأنا زعيم لك بأنه إن يسبغ اللّٰه عليه الصحة، ويمتعه بالحياة الهادئة، فسيرى فوز الشعب وانتصاره، وسيرى ظفر الديمقراطية وتفوقها، وسيحاول الانضواء تحت لوائها، وسينفق كثيرًا من حيلته الواسعة، وكفايته الرائعة، ليتقرب من الزعماء الذين يسرف الآن في الإساءة إليهم، والإغراء بهم، والتحريض عليهم، وسيود لو شملوه بالعطف، ولكن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وشغله عن اليوم…!
    ولو أن الأمر وقف عند ما يتعرض له رئيس الوزراء من خيبة الأمل، ومرارة الخذلان، لكان احتماله يسيرًا؛ فرئيس الوزراء رجل من الناس، يجب أن يتعلم كما يتعلم غيره من الناس، ويجب أن يستفيد من الدروس القاسية التي يلقيها الزمان على أبناء الإنسان. ولكن الأمر يتجاوز رئيس الوزراء إلى وطنه كله، وأمته كلها. فرئيس الوزراء حر في أن يسيء إلى نفسه، ويعرضها للمكروه، ولكن رئيس الوزراء لا يملك — وما كان ينبغي له أن يملك — الإساءة إلى أمته، وتعريضها كلها للمكروه. ورئيس الوزراء يعرض أمته لخطر ليس بعده خطر، ويدفعها إلى شر ليس مثله شر. ولو قد تمت له الآن، في هذه الراحة التي يضطره إليها المرض، أداة الروية والتفكير، فنظر وراءه، ونظر من حوله، ومد بصره قليلًا إلى أمام، لاستيقن أنه قد أشرف بأمته على هوة بعيدة القرار.
    لم يصل رئيس وزارة قط بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من ترغيبها عن قوة الحكومة، وإساءة الصلة بينها وبين الحاكمين، وإفعام قلوبها بالشك والريب في إخلاص الذين يشرفون على أمورها. ورئيس الوزراء أذكى عندنا من أن يصدق أنصاره الذين يزعمون له أن الناس يحبونه ويميلون إليه! فلم يرغب الناس قط عن وزير كما يرغب المصريون عن صدقي باشا، ولم يضق الناس بوزير كما يضيق المصريون بصدقي باشا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من أن يسود البغض بين الحاكمين والمحكومين…
    ولم يصل رئيس وزارة قط بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من سوء الحال الاقتصادية، وهو يعلم من هذا أكثر مما نعلم، ولعله يقدر من هذا مثل ما نقدر. وهو واثق بأن في مصر آلافًا وآلافًا من الناس يؤذيهم الجوع، ويلذعهم الحرمان، ويعذبهم ذكر ما كانوا فيه من نعمة، ويروعهم انتظار ما يتعرضون له من شقاء. وهو يعلم كما نعلم أن هذا البؤس المتصل، وهذا الإعدام المحيط، أخطر الأشياء على استقرار النظام الاجتماعي، فضلًا عن النظام السياسي.
    ولم يعجز رئيس وزارة قط كما عجز صدقي باشا عن إقرار النظام، وتثبيت الأمن، وهو يقيم نفسه بنفسه في كل يوم الأدلة القاطعة والبراهين التي لا تدع سبيلًا إلى الشك على أنه محتاج دائمًا إلى الجيش كله، وإلى الشرطة كلها، وإلى المكر كله، وإلى الكيد كله، ليحمي النظام، ويضمن هذا الهدوء المصطنع المتكلف…! ذلك ولم نذكر هذه القوة الخفية الظاهرة، الغائبة الحاضرة، التي يسمونها الاحتلال…!
    ورئيس الوزراء يعلم كما نعلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من هذا النظام الذي يقوم على دعائم من القش، والذي لولا الجيش والشرطة والكيد والمكر لانهار في ساعة من نهار…!
    عجز عن توثيق صلة الحب بين الحاكم والمحكوم، عجز عن حماية الشعب من الفقر والجوع، عجز عن إقرار النظام إلا بهذه القوة الخارقة التي لا يُلجأ إليها إلا في أوقات الخطر الداهم.
    هذه هي الحال التي تورط فيها رئيس الوزراء، لأن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وهو مع ذلك قائم في الحكم، مصرٌّ على أن ينسى أمس، وينصرف عن غد. فهل لهذه الكوارث العظام التي قد تتردى فيها مصر، إذا استمرت هذه الحال زمنًا طويلًا أو قصيرًا…?
    ولكن رئيس الوزراء ليس وحده الذي يجب أن يذكر أمس، ويفكر في غد، ويقدر هذا الخطر الذي ينتظر وطنه، بل هناك قوم آخرون، لعلهم حراص أشد الحرص على ألا تتردى مصر في هذه الهوة السحيقة التي أشرفت عليها، ولعلهم حراص على أن تظل مصر كما كانت من قبل بلد الأمن والنظام، واللين والرخاء. فما أجدر هؤلاء الناس أن يأخذوا أنفسهم بما لا يريد رئيس الوزراء أن يلم به: فيذكروا أمس، ويفكروا في غد…
    كوكب الشرق ٩ – ٤ – ١٩٣٣

  • استعجال

    استعجال
    رئيس وزرائنا عجلان لا يهدأ، ولا يريد أن يهدأ الناس من حوله، لا يستريح ولا يريد أن يستريح الناس من حوله منذ عاد إلى كرسي الحكم بعد مرضه الطويل.
    فقد أحس في آخر لحظة أن الاقتصاد المصري في خطر، وأن الثروة المصرية توشك أن تزول، وأن الشقاء الذي أخذ يرسل سحبه في بعض الأجواء المصرية يوشك أن يملأ الجو المصري كله بهذا السحاب المظلم الذي يبرق من خلاله الجوع، ويرعد من خلاله الموت، ويرسل الصواعق على البائسين والمحرومين. ورئيس وزرائنا رحيم شفيق، ورئيس وزرائنا شفيق رحيم، ورئيس وزرائنا رءوف رفيق، ورئيس وزرائنا قد آثر في هذه الأيام أن يضحي بصحته في سبيل بلاده؛ فعدل عن الاستقالة وأزمع البقاء في الحكم. ورئيس وزرائنا قد عاهد الله، وعاهد الناس، وعاهد نفسه منذ اعتزم البقاء في الحكم على أن يدفع عن الاقتصاد المصري كل خطر، وعلى أن يثبت الثروة المصرية في أيدي المصريين، وعلى أن يطرد سحب الجوع والحرمان، والشقاء والموت من جو مصر طرداً عنيفاً.
    ورئيس وزرائنا يتأهب لذلك في جد ما مثله جد، ويسعى لذلك في حزم ما مثله حزم، وهو لهذا كله قد خاصم الهدوء، وقطع الأسباب بين نفسه وبين الراحة، كما قطع الأسباب بين أعوانه وبين الراحة أيضاً. وآية ذلك بينة واضحة، ودليل ذلك ساطع جلي؛ فهو قد تحدث إلى وكيل المالية بالتليفون وتقدم إليه بأن يكلف المفتشين الماليين أن يدرسوا الشؤون المالية والاقتصادية في الأقاليم، وأن يرفعوا إليه تقارير يبينون فيها أحوال الناس: أقادرون هم أم عاجزون؟ أموسرون هم أم معسرون؟ ألهم طاقة بدفع الضرائب أم هم مكرهون على أن يلتووا بها ويعتذروا عن أدائها؟
    وتفرق المفتشون في الأقاليم ليبحثوا ويدرسوا وليفتشوا وينقبوا، ثم ليحرروا ويكتبوا. وقد يحتاج هذا كله إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهت التقارير إلى وزارة المالية، فقد يحتاج درسها إلى أيام تطول أو تقصر، حتى إذا انتهى هذا الدرس في مكاتب الوزراء ورُفعت خلاصته إلى وزير المالية، فقد يحتاج الوزير لدرس هذه الخلاصة إلى أيام تطول من غير شك؛ لأن الوزير مريض متعب، لا يستطيع أن يتكلف الجهد الثقيل. فإذا فرغ الوزير من الدرس فقد يقترح الدواء إن كان اقتصاد مصر مريضاً، وقد يتحدث إلى الصحفيين المصريين والأجانب بأن الحياة الاقتصادية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن، كما أن الحياة السياسية في مصر لم تكن في يوم من الأيام خيراً مما هي الآن.
    وليس على الوزارة بأس من طول هذا الدرس والبحث، ومن تفرق المفتشين للتفتيش والتنقيب وكتابة التقارير ورفعها؛ فالأموال تُجبى على كل حال؛ إما أن يؤدي الناس هذه الضرائب من تلقاء أنفسهم فيريحوا ويستريحوا، وإما أن يعجز الناس عن تأدية هذه الضرائب فتؤخذ منهم بالقوة والعنف، سواء كان عندهم ما يعطون أم لم يكن. فالحاصلات الزراعية لا يجوز نقلها أو بيعها أو التصرف فيها على أي نحو من أنحاء التصرف إلا بإذن من العمدة والصراف. وهذا العمدة أو هذا الصراف لا يعطي هذا الإذن إلا إذا استيقن أن ليس على خزانة الدولة بأس؛ لأن المال قد دُفع، والضريبة قد أُديت. وقد يؤدى المال وتُدفع الضريبة، ولكن العمدة محنق على صاحب الزرع، أو الصراف مغيظ من صاحب الزرع، فلا بأس بأن يرفض الإذن أو يؤخره حتى يعلم صاحب الزرع أن السلطان المخوف ليس سلطان المأمور والمدير والوزير فحسب، بل سلطان العمدة والصراف أيضاً.
    وإذن فلا بد من أن يُسلَّط بعض الناس على بعض، ولا بد من أن يُذل بعض الناس لبعض، ولا بد أن يتحكم بعض الناس في حياة بعض؛ لأن الدولة تريد أن تعيش، ولا بد لها من المال لتعيش، ولأن الدولة تريد أن تعيش مترفة فلا بد لها من المال لتعيش مترفة. وكيف يجتمع مؤتمر الطيران آخر هذا العام؟ وكيف يجتمع مؤتمر البريد أول العام المقبل؟ وكيف تُدفع معونة الممثلين والممثلات إذا أقبل الخريف؟ وكيف تُمنح العلاوات الاستثنائية؟ وكيف تُنشأ قاعة المحاضرات في الجامعة؟ وكيف تظهر مصر نفسها للناس غنية مترفة إذا لم تدفع إلى الدولة أموالها، ولم تؤدِّ إلى الدولة ضرائبها؟ وكيف تُدفع الأموال وتؤدى الضرائب إذا لم يُبسط سلطان العمدة والصراف على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى الموسرين والمعسرين؟ ولا ينبغي أن يضيق المصريون بذلك أو يشكوا منه، فعسى أن يكره المصريون شيئاً وهو خير لهم، وأي خير يطمع فيه المصريون أكثر من أن يأخذوا بالحكم الديمقراطي الصحيح، فتعنو وجوههم جميعاً للعمدة والصراف، لا فرق في ذلك بين الذين يرون لأنفسهم مكانة فوق مكانة العمدة والصراف، والذين لا يرون لأنفسهم حظاً من هذه المكانة؟
    المصريون جميعاً سواء أمام القانون، والمصريون جميعاً سواء أمام العمدة، والمصريون جميعاً سواء أمام الصراف؛ ولكن القانون يسوي بين المصريين بالحق والعدل، أما العمدة والصراف فيسويان بين الناس بالشهوة والهوى. ولا بأس على المصريين من هذا، ففيه تمرين لهم على احتمال الشدائد، والصبر على ما يكرهون. ولا ينبغي للمصريين أن يضيقوا بذلك أو يشكوا منه؛ فرئيس الوزراء عجلان، قد وقف عنايته على درس الأحوال وتعرف الشؤون، فهو يسأل عن سوق القطن، وهو يلقى مدير بنك التسليف، وهو يكلف المفتشين الماليين أن يتفرقوا في الأقاليم ليبحثوا أو يدرسوا ثم يرفعوا التقارير.
    فإذا سألت: أين كان وزير المالية ورئيس الوزراء قبل هذه الأيام ليعرفا شؤون الناس وأحوالهم وقدرتهم على الدفع أو عجزهم عن الأداء؟ فإن سؤالك يدعو إلى الابتسام وهز الرؤوس ورفع الأكتاف؛ فقد كان رئيس الوزراء ووزير المالية مريضين يستريحان في أوربا، ويترددان على لوسرن وباريس. وكان رئيس الوزراء مشغولاً بصحته الغالية عن أحوال الناس وشؤونهم، وعن قدرة الناس وعجزهم، وصحة رئيس الوزراء قوام الحياة المصرية، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يشغل بها قبل أن يشغل بشؤون الاقتصاد. ولا تقل إن الذي تشغله صحته عن الشؤون العامة يجب أن يفرغ لصحته وأن يدع الشؤون العامة؛ فهذا كلام فارغ لا يقوله العقلاء؛ لأن رئيس الوزراء صحيحاً ومريضاً، قريباً وبعيداً، قوياً وضعيفاً، رجل قد فرضته الظروف على مصر فرضاً، وهو وحده دون غيره قادر على فهم الشؤون والأحوال، وتدبير السياسة والاقتصاد.
    رئيس الوزراء معذور إذن حين شُغل بصحته عن الأزمة. ورئيس الوزراء معذور أيضاً حين شُغل بأزمته الوزارية الخاصة عن الأزمة الاقتصادية العامة. وليس على رئيس الوزراء ولا على مصر بأس ما سيتدارك رئيس الوزراء كل ما فات، وسينجز من الأعمال في هذه الأيام القليلة المقبلة ما لم يستطع إنجازه في تلك الأشهر الطويلة الماضية. وأي دليل على ذلك أبعث للأمل وأدعى للرجاء من أنه أخذ يسأل عن سوق القطن، ويقابل مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين الماليين البحث والدرس ورفع التقارير؟ ولا تذكر أمر المصارف والديون العقارية، ولا تذكر أمر الدول وأداء الدين وفوائده ذهباً أو ورقاً، فكل هذا شيء يسير سيفرغ له رئيس الوزراء بعد أن يتعرف أمر سوق القطن ويقرأ تقارير المفتشين عن قدرة الناس على تأدية الضرائب.
    فرئيس الوزراء متعجل، ولكن على مذهبه هو، لا على مذهبك أنت. وكل وزير خطير مكلف قبل كل شيء أن يدبر من المال ما يمكن الحكومة من الحياة الناعمة المترفة، ثم يفرغ بعد ذلك لشؤون الناس فيهون عليهم ويرد عنهم ما يخافون. ليطمئن المصريون إذن، وليناموا ملء جفونهم، وليذعنوا لتحكم العمدة وعبث الصراف، ولينتظروا؛ فرئيس الوزراء عجلان، وهو زعيم لهم منذ اليوم بأن تؤدى الضرائب على وجهها فتسعد الحكومة وتنعم، وبأن تؤدى الديون إلى المصارف فتسعد المصارف وتنعم، وتهدأ الأمة وتستريح، وبأن تُحل مشكلة الدين العام فترتع الحكومة والأمة في روضة بهيجة من اليمن والعز والنعيم والرخاء الذي لا حد له.
    لقد أقبلت الخطوب على مصر مخيفة مروعة، ولكن مصر خليقة ألا تخاف ولا ترتاع؛ فرئيس الوزراء عجلان، يسأل عن سوق القطن، ويلقى مدير بنك التسليف، ويكلف المفتشين أن يبحثوا أو يدرسوا ويرفعوا التقارير.
    كوكب الشرق ١٢ – ٩ – ١٩٣٣