Tag: التدخل السياسي

  • الحق المر | The Bitter Truth

    الحق المر
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٩

    يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.

    ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.

    ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.

    فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.

    فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.

    كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.

    ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.

    وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.

    أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.

    مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.

    مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.

    مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.

    هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.

    أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»

  • الجيل الضائع | The Lost Generation

    الجيل الضائع
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

    أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

    ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

    واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

    فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

    ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

    وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

    ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

    لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

    لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

    ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

    فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

    وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

    ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

    النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

    والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

    لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

    فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

    نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

  • قصة المجمع اللغوي | The Story of the Language Academy

    قصة المجمع اللغوي
    طه حسين
    مجلة مجلتي
    ١٥
    يونيو ١٩٣٥
    لا أريد مجمعنا اللغوي المصري، وإنما أريد المجمع اللغوي الذي إذا أطلق عليه هذا اللفظ فُهِم منه فهمًا يسيرًا في غير حاجة إلى التفسير ولا إيضاح، وهو هذا الذي أنشئ في باريس منذ ثلاثة قرون، والذي سيحتفل العالم ببلوغه هذه السن بعد أن يظهر هذا الفصل بيومين اثنين.
    فقد جدَّ الكاردينال ريشوليو، وزير فرنسا العظيم، في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي في مثل هذا العام من القرن السابع عشر، ولم يكن إنشاؤه هينًا ولا سهلًا رغم ما كان لمنشئه العظيم من القوة والبأس، ومن الجاه والسلطان، وإنما كان عسيرًا شديد العسر، ملتويًا شديد الالتواء؛ ولهذا استطاع كاتب فرنسي أن يضع لإنشائه العسير الملتوي قصة ظريفة طريفة نشرتها الإلستراسيون في ملحق لعدد من أعدادها ظهر في شهر يناير الماضي.
    وهذا الكاتب الفرنسي هو أميل ماني، وقد عنون قصته بهذا العنوان الظريف مولد الأكاديمية الفرنسية.
    وأنا أكتب هذا الفصل لمناسبة هذه الأعياد التي ستقام في باريس بعد يومين، وأرجو أن يكون هذا الفصل تحية لهذه الجماعة الأدبية العظيمة التي يسميها الفرنسيون — بحق أو بغير حق، صادقين حينًا وعابثين حينًا — آخر جماعة الخالدين؛ فليس الفرنسيون جميعًا يحبون مجمعهم اللغوي، ويرضون عنه، ويعجبون به، بل كثير منهم ومن خِيارهم يسخرون من المجمع اللغوي، ويغضون من قدْره ما وسعهم ذلك وما وجدوا إليه سبيلًا.
    ومن هؤلاء الساخطين الساخرين مَن يغلو في السخط والسخر ما أتاح الشباب له ذلك، حتى إذا دنا من الشيخوخة أو توسط الكهولة تهالك على المجمع اللغوي تهالكًا، وود — بجدع الأنف — لو استطاع أن يظفر بكرسي من كراسي الخالدين.
    ومن هؤلاء الساخطين الساخرين من يَجدُّ في ذلك ويصدق ويخلص في بغض المجمع اللغوي وازدرائه والإعراض عنه، ويأبى كل الإباء هذا الخلود الذي لا يغني عن صاحبه شيئًا.
    وليس من شك في أن كثيرًا من الذين سيقرءون هذا الفصل قد قرءوا هذه القصة الرائعة التي وضعها ألفونس دوديه وسمَّاها الخالد، وأعلن على صفحتها الأولى أنه لم يرد ولا يريد ولن يريد أن يكون عضوًا في المجمع اللغوي، ثم صوَّر فيها بعد ذلك من ضعف الخالدين وفنائهم وطفولتهم، وصِغَر النفوس عند كثير منهم ما لا يزال يثير الرحمة والإشفاق إلى الآن.
    ومن المعاني المألوفة الشائعة عند الفرنسيين أن الخالدين «هؤلاء» هم في جملتهم أقل الناس حظًّا من الخلود، فهم يظفرون بالخلود حين يشرفون على الموت، وينحنون على القبر، وهم بعد أن يلقوا الموت ويهووا إلى قاع القبر لا يحتفظون في أكثر الأحيان بهذا الخلود الذي انتهوا إليه في آخر أيامهم، وإنما تطوي الأيام ذكرهم طيًّا، ويطغي عليهم النسيان طغيانًا.
    والمحقق الذي ليس فيه شك هو أن الكثرة الضخمة من أسماء الخالدين، الذين لبثوا الثوب الأخضر منذ ثلاثة قرون، قد ذهبت أسماؤهم إلا من سجلات المجمع، ومن الجريدة الرسمية الفرنسية، ومن بعض كتب التاريخ، وليس خلود الذين بقيت أسماؤهم ظاهرة من أعضاء هذا المجمع ناشئًا عن انتسابهم إليه، أو دخولهم فيه، وإنما هو ناشئ قبل كل شيء عن آثارهم الأدبية أو غير الأدبية التي فرضتهم على التاريخ فرضًا.
    وأكبر الظن أن المجمع انتفع بانتسابهم إليه، وشرف بدخولهم فيه أكثر مما انتفعوا أو شرفوا بتسجيل أسمائهم في قصر مازين. ومَن الذي يستطيع أن يزعم أن فكتور هوجو، وأناتول فرانس، وأكاريشال فوش، والماريشال جوفر، وريمون بونكاريه قد شَرُفوا بالمجمع أكثر مما شَرُف المجمع بهم؛ وهم مع ذلك لم يكونوا يقبلون أن يمضوا فصلًا من الفصول، أو مقالًا من المقالات، أو كتابًا من الكتب دون أن يضيف كل منهم إلى اسمه العظيم هذا اللقب العظيم؛ وهو: العضو في المجمع اللغوي الفرنسي.
    ليس أعضاء المجمع خالدين جميعًا، وإن وصفوا جميعًا بالخلود، ولكن المجمع نفسه خالد من غير شك، المجمع الذي لا يتألف من هؤلاء الأشخاص، أو من أولئك الأشخاص، وإنما هو معنى من المعاني، وفكرة من الفكر، ومعقل للسنة الفرنسية، واللغة الفرنسية، والأدب الفرنسي، والتقاليد الفرنسية الصالحة، والمجد الفرنسي بوجه عام.
    هذا المجمع خالد من غير شك لا يستطيع الزمن أن يعدو عليه إلا بمقدار ما يستطيع أن يعدو على فرنسا نفسها، وما دامت فرنسا المجيدة قائمة؛ فسيظل مجمعها اللغوي على رأسها تاجًا مجيدًا.
    وفي درس القصة التي أحاطت بنشأة هذا المجمع وظهوره عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، وموضوع تأمل وتفكير للذين يحبون التأمل والتفكير، وسبيل إلى الموازنة والانتفاع للذين يغرون بالموازنة والانتفاع.
    ولعل القصة التي أشرت إليها آنفًا أجمل ما صوَّر نشأة هذا المجمع العظيم؛ فنحن حين ننظر في هذه القصة نرى في أولها رجلًا من أوساط الناس وأشرافهم متصلًا بعظيم من عظماء فرنسا، يعمل في إدارة أمواله وأملاكه، وقد أجهده العمل ذات يوم فأراد أن يُرفِّه على نفسه، فزار صديقًا له قسيسًا، هو ليبو روبير، الذي كان أثيرًا عند الكاردينال ريشوليو، منقطعًا إليه، يُسليه ويُلهيه ويتجسس له على الأشراف والعظماء، والذي كان أديبًا مترفًا، وشاعرًا متكلفًا، ورجلًا مرنًا من رجال الدين.
    فلما انتهى هذا الشريف إلى هذا القسيس وأخذا في حديثهما؛ عرف القسيس أن صاحبه يختلف إلى اجتماع خاص سري يتألف من تسعة نفر سمَّاهم له، وأن هؤلاء النفر قد ألَّفت بينهم المودة الخالصة والحب الصادق للأدب؛ فهم يلتقون من حين إلى حين في بيت واحد منهم، يتحدثون في الأدب والشعر، وفي الفلسفة والحكمة، ويعرض كل منهم على أصحابه ما أحدث من أثر؛ فيتناولونه بالنقد في نصح صارم لا يحب الهوادة ولا المداراة.
    فلما سمع القسيس من أمر هؤلاء النفر ما سمع، رابَه أمرهم، وأشفق أن يكونوا قد ألَّفوا جماعة سرية تخرج على القانون وتأتمر بالوزير العظيم، فاندس إليهم متجسسًا، واتصل بهم مُترفِّقًا، ولكنه لم يسمع منهم ولم يتحدث إليهم حتى أمنهم على الدولة وعلى مولاه، وحتى أحب ما يعملون وأطال فيه التفكير، وود لو استطاع أن يُحوِّل هذا المجمع إلى شيء رسمي تعترف به الدولة، ويعينه السلطان، فتحدث في ذلك إلى مولاه، وأذِن له مولاه في أن يطلب إلى هؤلاء الناس أن ينظموا أمرهم، ويضخموا عددهم، ويُهيِّئوا أنفسهم ليصبحوا جماعة رسمية.
    ثم نمضي في القصة فنرى هؤلاء الأدباء وقد أُلقِي إليهم أمر الوزير العظيم، فضاقوا به، وارتاعوا له، وأشفقوا على حريتهم وعلى أدبهم من عبث السياسة وكيد السلطان، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا إلا أن يذعنوا لما أُمروا به، ويستجيبوا لما دعوا إليه؛ فنظموا أمرهم، ووضعوا لأنفسهم قانونًا، وأخذوا يضمون إلى أنفسهم جماعة من أعلام الأدب والشعر.
    ولكنهم أحسوا أنهم قد نزلوا عن حريتهم منذ قبلوا عطف السلطان، فالوزير العظيم لا يحب لهم أن يختاروا من أعلام الأدباء والشعراء مَن يريدون، ولا من تُهيِّئهم كفايتهم ليكونوا أعضاء في المجمع، وإنما يحب لهم، بل يأمرهم أن يختاروا من يريد هو، ومَن يرضى عنهم هو، ومن تُهيِّئهم أعمالهم السياسية الظاهرة أو الخفية ليكونوا المجمع اللغوي.
    وما دام هؤلاء النفر قد أذعنوا مرة، فلا بد لهم من المضي في الإذعان، وهل كانوا يستطيعون أن يخالفوا عن أمر الوزير العظيم؟ إنما كانوا مخيرين بين الطاعة المطلقة والمحنة المطلقة؛ فآثروا الطاعة على المحنة، ووضعوا قانونهم، وضخموا عددهم، كما أراد ريشوليو لا كما أرادوا.
    ثم نمضي في القصة فنرى الوزير الكاردينال يطلب إلى الملك لويس الثالث عشر توقيع أمر تعترف فيه الدولة بهذه الجماعة، فيجيبه الملك إلى ما طلب، وتبتهج الجماعة بهذا الأمر؛ فقد أصبحت للغة الفرنسية جماعة رسمية تحميها من العبث، وتحفظها من الضياع، وتضمن لها النمو والصفاء.
    وهذا أمر الملك يرسل إلى البرلمان ليسجل فيه، كما كان النظام يريد في ذلك الوقت، وهذا البرلمان يحيل أمر الملك على مقرر اختاره لدرسه، وعرض أمره عليه، ولكن هذا المقرر كان رجلًا مترف المعدة والحلق والفم، غليظ العقل والقلب، يؤثر صناعة الطبخ على صناعة الأدب، ويُقدِّم ألوان الطعام على فنون الشعر.
    وكان البرلمان والشعب الباريسي معه يكرهان الوزير الكاردينال، ويسيئان الظن به وبأعماله وأوليائه، فلم يشك الناس ولم يشك البرلمان في أن المجمع اللغوي إنما هو أداة سياسية لطغيان هذا الطاغية.
    ومن هنا سخط الشعب على المجمع، وعد أصحابه من الخونة، وسخط البرلمان على المجمع، واستجاب لدعاء مقرره فرفض تسجيل الأمر الملكي، وأبى الاعتراف بهذه الجماعة.
    وتناقل الناس عن مقرر البرلمان أنه كان يقول: إن بطون الفرنسيين أحق بالعناية من عقولهم؛ فالعقول تستطيع أن تصبر، وأما البطون فليس لها إلى الصبر سبيل. وكان المجمع اللغوي في أثناء ذلك يائسًا بائسًا، حزينًا مسكينًا، ليس له مستقر يطمئن فيه، ولا ملجأ يأوي إليه، إنما هو يتنقل بين الدور التي كان يسكنها أعضاؤه؛ فهو اليوم ضيف على هذا العضو، وهو غدًا ضيف على ذاك.
    وكان أعضاء المجمع إذا انصرفوا عن اجتماعاتهم لم يسمعوا ولم يقرءوا إلا شرًّا ونكرًا؛ فقد كانوا لهو الحديث، وسمر السامرين، بل كانوا موضوعًا للغناء الهازل، والدعابة اللاذعة. وهم كانوا يستحقون كثيرًا مما كان يصيبهم من الشر؛ فهم قد حمَّلوا أنفسهم أثقالًا لم يستطيعوا حملها: أخذوا أنفسهم بوضع المعجم، ثم لم يشرعوا فيه، وأخذوا أنفسهم بإصلاح النحو، ثم لم يصلحوا منه شيئًا، وإنما أنفقوا في اجتماعاتهم المتصلة في خطب ومحاضرات ليس لها رأس ولا ذيل.
    وقد زهد فيهم مولاهم الوزير الكاردينال نفسه، واستيئس منهم، وانصرف عنهم إلى عمل أدبي آخر كان يحبه ويتهالك عليه؛ فقد كان الوزير الكاردينال يحب التمثيل كما كان يقرض الشعر، وقد بدا له ذات يوم أن يختار خمسة من الشعراء، من بينهم كورني، ومن بينهم قسيسه ليبو روبير، وأن يقترح عليهم موضوعًا ينشئون فيه قصة تمثيلية، وأن يرسم لهم خطة هذه القصة. وقد شغله هذا كله عن مجمعه اللغوي، وتم إنشاء القصة، واستمع لها ورضي عنها، ونقد بعض الشعراء، وهو كورني، وأجاز بعضهم الآخر، وهيَّأ القصة للتمثيل، وأمر بتمثيلها وأنفق فيه مالًا كثيرًا، ولكن القصة أخفقت شر إخفاق.
    وقد غضب كورني من نقد الوزير له، فنفى نفسه من باريس وأقام في نورمانديا حينًا مغاضبًا للعاصمة، عاكفًا على فنِّه، وأصبح الناس ذات يوم وإذا باريس لا تتحدث إلا بكورني، وبقصة تمثيلية أنشأها كورني، فنجحت نجاحًا باهرًا، وظفرت بفوز عظيم؛ وهي قصة السيد.
    وفي أثناء هذا الوقت الذي نجحت فيه قصة السيد وشغلت باريس، كان الوزير الكاردينال يُهيئ لتمثيل قصتين اقترحهما ورسم خطتهما؛ ورضي عليهما بعد إنشائهما، وأمر بتمثيلهما.
    فلما سمع بقصة السيد وما أدركت من فوز غاظه ذلك، على أنه أخفى غيظه وأمر قسيسه أن يشهد التمثيل، وأن يُحدِّثه عن هذه القصة، وجاء القسيس يثني على القصة ثناء حسنًا، ولا يعيبها إلا بأنها لم تخضع للقاعدة المقدسة قاعدة الوحدات الثلاث التي كان الوزير الكاردينال يحميها ويحرص عليها كأنها قانون من قوانين الدولة.
    على أن الوزير لم يغضب للوحدات الثلاث، وإنما غضب لأمرين اثنين؛ الأول: أن قصة السيد تشيد بالمبارزة، وهو كان قد حرَّمها وقتل بعض الأشراف الذين خالفوا عن أمره وأقدموا على المبارزة، والثاني: أن قصة السيد تشيد بالإسبانيين في وقت كانت جيوش إسبانيا فيه قد احتلت بعض الأرض الفرنسية، ولم تجلُ عنها إلا بعد جهد عظيم.
    ويريد سوء الحظ أن تُمثَّل القصتان اللتان اقترحهما الوزير فيدركهما الإخفاق المنكر، كما أدرك القصة الأولى، على حين لا تزداد قصة السيد إلا نجاحًا وفوزًا.
    وكان الوزير الكاردينال يود لو عاقب كورني على نجاحه، ولكن ماذا يصنع والجمهور معجب بالقصة، والقصر معجب بالقصة أيضًا، فقد شهدتها الملكة مرتين، فلم ير بدًّا من أن يشهدها هو أيضًا، فأمر فمثلت له في قصره، وأظهر الإعجاب بها، والثناء عليها، ورتب للشاعر مكافأة حسنة متصلة.
    ولكنه دبر أمره من وراء الغيب تدبيرًا، فهؤلاء جماعة من الشعراء والكُتَّاب ينقدون القصة نقدًا عنيفًا، وهؤلاء جماعة آخرون يدافعون عنها دفاعًا قويًّا، وهؤلاء الباريسيون يشغفون بهذه الخصومة الأدبية شغفًا لا عهد للأدب الفرنسي بمثله، وهذا كورني يدافع عن نفسه دفاع المؤمن بنبوغه المُعلِن له، الذي لا يتحرج حتى من التعريض الخَطِر بالوزير العظيم.
    وهذا كاتب ينشر رسالة عنيفة في نقد قصة السيد، ولكنه يقترح اقتراحًا غريبًا — لا شك في أنه صدر عن الوزير الكاردينال — فهو يقترح تحكيم المجمع في هذه الخصومة التي شجرت بين الأدباء حول قصة السيد.
    والوزير الكاردينال يرضى عن هذا الاقتراح ويشجعه، ويأمر مَن يُوحي إلى المجمع بقبول هذه القصة، وكان المجمع في أول أمره متحرجًا من النظر فيها، ولكنه أذعن لأمر الوزير كما أذعن من قبل.
    على أن قانون المجمع لم يكن يَسمَح له بالقضاء في كتب الناس إلا إذا رضي أصحاب الكتب قضاءه فيها؛ فلم يكن بدٌّ إذن من أن يقبل كورني تحكيم الخالدين في قصته، وقد رفض كورني هذا التحكيم أول الأمر لسبب يسير، وهو أنه إن قبل فقد سنَّ سُنَّة خطرة تبيح لجماعة من الناس أن يتحكموا في الأدب والفن، وفي الحرية والنبوغ أيضًا، ولكن كورني خُيِّر بين قبول التحكيم وإلغاء المرتب الذي فرَضه له الوزير، فآثر مرتبه ورضا الوزير على الحرية والنبوغ، وأذعن لحكم الخالدين.
    وأخذ الخالدون منذ ذلك الوقت يدرسون القصة درسًا دقيقًا، فألفوا لذلك لجانًا، ووضعت اللجان تقريرًا وتقريرًا وتقريرًا، وكان كل تقرير يعرض على الوزير فينظر فيه ويمسه بالتغيير والتبديل، وربما كره سيرة التقرير فكلَّف موظفًا من موظفيه أن يضع مكانها صفة أخرى. وكان المجمع يرى هذا ويكرهه، ولكنه يذعن له، وما دام قد بدأ حياته الرسمية بالإذعان فهو مضطر إلى أن يمضي في هذا الإذعان.
    على أن هذه القضية هي التي ضمنت للمجمع وجوده الرسمي، فما دام الوزير الكاردينال قد أراد أن يقضي المجمع في قصة السيد، وأن يقضي فيها كما تريد السياسة، أو كما تريد شهوة الطاغية المستبد، لا كما يريد الأدب والفن؛ فلا بد من أن يظفر هذا المجمع بكل الصفات الرسمية التي تجعل حكمه رسميًّا خليقًا بالإكبار والاحترام.
    وإذن فلا بد من أن يسجل البرلمان أمر الملك، ولا بد من أن يعترف البرلمان بالوجود الرسمي لهذه المحكمة الأدبية العليا. وقد كاد المجمع يفسد الأمر على نفسه إفسادًا؛ فقد هيَّأ حكمه وأرسله إلى المطبعة قبل أن يرسله إلى الوزير، على أن الوسطاء أصلحوا هذا الأمر وضمنوا عفو الوزير عن هذه الغلطة، وجدَّ الوزير في حمل البرلمان على تسجيل الأمر الملكي، وجدَّ البرلمان في رفض هذا التسجيل.
    وانتهى الأمر إلى أزمة بين الحكومة والبرلمان، وانتهت الأنباء إلى البرلمان بأن الحكومة والقصر قد ينظران في اختصاص البرلمان، وقد يُضيِّقان من سلطانه؛ فأذعن البرلمان آخر الأمر، كما أذعن المجمع أول الأمر، وسجل الأمر الملكي سنة ١٦٣٧م، وتمت ولادة المجمع بعد أن جاهد فيها الكاردينال أكثر من عامين.
    ولم يكد الأمر الملكي يُسجَّل ويصبح المجمع هيئة رسمية من هيئات الدولة حتى صدر حكمه في قصة السيد، فإذا هو حُكْم لا يرضي كورني؛ لأن فيه نقدًا شديدًا، ولا يُرضِي خصوم كورني؛ لأن فيه إغضاء شديدًا، ولا يُرضي المجمع نفسه؛ لأن فيه تجاوزًا للحق والفن، ولكنه يرضي الوزير الكاردينال؛ لأن فيه غضًّا من كورني، هذا الشاعر الجريء الذي استطاع أن يقول الشعر ويعلن النبوغ، ويعلن أنه ليس مدينًا لأحد بهذا النبوغ حتى ولو للوزير الكاردينال.
    وكذلك كان التجسس داعيًا إلى التفكير في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي، وكان الطغيان السياسي وسيلة إلى إنشاء هذا المجمع، وكان ظلم السياسة للأدب سببًا في الوجود الرسمي لهذا المجمع، وكانت قصة السيد ضحية غُذِّي هذا المجمع بدمها، ولكن الغريب أن قصة السيد لم تمت، وإنما ظفرت وظفر صاحبها المظلوم بالخلود، وأن المجمع نفسه لم يمت، وإنما ظفر بالخلود أيضًا.
    فأما الذي مات، ومات موتًا ليس بعده بعث ولا نشور، فهو طغيان الوزير الكاردينال، وأدب الوزير الكاردينال، وشهوة الوزير الكاردينال.
    أراد ريشوليو أن يتخذ الحق سبيلًا إلى الباطل، وأن يتخذ الأدب وسيلة إلى السياسة، وأن يتخذ المجمع اللغوي أداة للظلم، فأخفق ريشوليو وزهق باطله، وعجز ظلمه عن أن يبلغ غايته، وعاش كورني، وعاشت قصة السيد، وعاش المجمع اللغوي، وعاشت فرنسا يتألق على جبينها تاجها الأدبي الخالد بعد أن نزعت عن جبينها تاجًا آخر لم يكن يستمد قوته ولا جماله من الفن والأدب، ولا من العقل والقلب، وإنما كان يستمد قوته وجماله من البأس والبطش والطغيان.

  • حزم البدار | The Resolve of Promptness

    حديث الوادي
    حزم البدار…
    كلمة أحدثها النائب العام في أول الربيع، أو في آخر الشتاء، فظفرت بحظ قلما تظفر به الكلمات في هذه الأيام، جرت بها الأقلام وانطلقت بها الألسنة وأثارت في قلوب بعض الناس خوفاً وأثارت على شفاه بعضهم الآخر ابتساماً.
    والكلمة غريبة في حقيقة الأمر، قد لا يكون عليها اعتراض من الناحية اللغوية، وقد لا يضيق بها سيبويه أو الخليل كما يضيقان ببعض ما يدفع إليه النائب العام من الكلمات. ولكن غرابتها تأتي من أنها تثير ميلاً إلى التأويل وإلى التأويل الذي يدور دوراناً متصلاً، لا ينقطع حتى يتعب المؤولين. فالحزم مصدر والبدار مصدر آخر، وإضافة أحد هذين المصدرين إلى صاحبه يحدث حيرة لذيذة في الفهم والتقدير، ويخلع أحد المصدرين على صاحبه في غير تحديد ولا تحقيق. فحزم البدار قد يفهم منه البدار الحازم وقد يفهم منه الحزم المبادر، فالمضاف صفة للمضاف إليه، أو المضاف إليه صفة للمضاف، أو كلاهما صفة لصاحبه، وأنت تستطيع أن تدور بين هاتين الصفتين خالعاً إحداهما على الأخرى كما أنك تستطيع إذا أتعبك الدوران أن تستريح فتخلع الصفتين على رجل واحد هو صاحب العزة النائب العام الذي أحدث هذه الكلمة إحداثاً.
    فحزم البدار أو بدار الحزم أو الحزم المبادر أو البدار الحازم أو النائب العام الذي يجمع بين الحزم والبدار معاً فيكون حازماً مبادراً ويكون مبادراً حازماً ويكون حازماً إذا بادر، ويكون مبادراً إذا حزم. كل هذا يملأ القلوب روعة وروعاً في وقت واحد، وهو خليق أن يصدر من المجمع اللغوي أو هو خليق على كل حال -نقول هذا في غير مزح ولا دعابة- أن يرقى بالنائب العام صاحب العزة لبيب عطية بك إلى المجمع اللغوي، وإن كانت الطرائق الندد وتعدية الفعل الذي لا يتعدى قد تردان عن هذا المجمع رداً. فمهما يكن من شيء فإن حزم البدار أو بدار الحزم لم يكن في يوم من الأيام لازماً واجباً محتوماً كما هو في هذه الأيام وهو لازم واجب محتوم بالقياس إلى النائب العام نفسه، وليس في هذا شيء من الغرابة، فالنائب العام قد ابتكر حزم البدار وبدار الحزم فهو خليق أن يمضي بهما إلى أقصى الغايات وأبعد الآماد. وليس حزم البدار ولا بدار الحزم أن تجد حازماً مبادراً أو مبادراً حازماً حين تريد أن تأخذ الناس بما يجب أن تأخذهم به مما يقتضيه الحق والعدل والقانون فحسب، وإنما حزم البدار وبدار الحزم أن تأخذ نفسك بذلك قبل كل شيء وقبل كل إنسان. والنائب العام يعلم أن قد أضيفت إليه أمور منها أنه اشترك في عمل سياسي، وكانت نتيجة اشتراكه أن أقحم القضاء في السياسة أو أقحمت السياسة في القضاء، أو اتخذ القضاء وسيلة لحل أزمة سياسية بين الوزارة والإنجليز. وقد سكت النائب العام على هذا حين أضيف إليه وإن نفاه نفياً خفيفاً، ولم ينكره صراحة إلا حين جد الجد، وأخذت آثار ذلك تظهر وتشغل بها الدوائر الرسمية. وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفي هذا الأمر من فوره وأن يكون هذا النفي صادقاً قاطعاً، لا سبيل إلى الشك فيه. ولكنه أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم، وترك الصحف تقول والناس يخوضون. فلما نفى بعد أيام أقبلت السياسة اليوم تتحداه نوعاً من التحدي غريباً، وتطالب الأهرام وتستحلفها بالشرف والنزاهة أن تقول إن الذي أنبأها بهذا النبأ لم يكن هو النائب العام. وإذن فالسياسة لا تقبل نفي النائب العام لما أذيع من اشتراكه في السياسة وإقحامه القضاء فيها، أو إقحامها في القضاء. بل هي تريد أن نفهم الناس شيئاً أبعد من هذا يفهمه كل من قرأ سؤال السياسة للأهرام.
    ومن هذه الأمور التي أضيفت إلى النائب العام ما رواه الأستاذ الكبير الهلباوي بك فقد تحدث الناس به أثناء الصيف، ونشرته السياسة صباح الخميس، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفيه مساء الخميس وألا يقف عند النفي بل يتجاوزه إلى التحقيق في هذا الأمر وفي الأمر الآخر الذي نشر يوم الثلاثاء، ولكن النائب العام أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم يوم الخميس كله ويوم الجمعة كله، حتى تنحى المستشاران عن نظر القضية صباح السبت. وكان النائب العام يستطيع لو آثر حزم البدار أو بدار الحزم أن يرد عن هذين المستشارين الكريمين هذا الحرج. ولكنه لم يفعل والغريب أن يصطنع حزم البدار وبدار الحزم رجل آخر غير النائب العام هو رئيس تحرير الوادي فيطلب يوم السبت في حزم مبادر أو بدار حازم أن يستقيل النائب العام أو أن يلغى انتدابه للنيابة العامة. وبعد أن ظهر ما ظهر وكتب صديقنا الزيات ما كتب ذكر النائب العام حزم البدار وبدار الحزم فنفى في الأهرام صباح أمس، ما أضافه الأستاذ الهلباوي بك إليه من الحديث. نفى ولكن الأستاذ الهلباوي بك يصر على صدق ما قال ويؤكده تأكيداً، أكده لمندوب الوادي صباح أمس، وأكده في توسع وتفصيل للسياسة صباح اليوم. ووقف الناس جميعاً من النائب العام والذين أضافوا إليه ما أضافوا، هذا الموقف الغريب الذي يجب أن يرتفع عنه الأمين على الدعوى العامة.
    النائب العام ينفي أن يكون قد اشترك في عمل سياسي، والسياسة تتحداه، والنائب العام ينفي أن يكون قد قال في المستشارين ما نسب إليه والهلباوي بك يتحداه. فنظن أن حزم البدار أو بدار الحزم يقضي على النائب العام وعلى وزير الحقانية وعلى رئيس الوزراء أن يبينوا للناس وجه الحق في هاتين القصتين بطريقة قاطعة حاسمة لا تدع للشك إلى نفوسهم سبيلاً.
    ونظن أن أول ما يفرضه حزم البدار أو بدار الحزم على النائب العام إنما هو أن يتنحى عن أمانة الدعوى العامة حتى يظهر الحق واضحاً جلياً. وإذا كان حزم البدار قد أهمل حتى شكا من إهماله الناس، فقد يكون من الحق ومن المعقول أن يرفق النائب العام ووزير الحقانية ورئيس الوزراء بحزم البدار وأن يردوا إليه شيئاً من الاعتبار.

    طه حسين
    الوادي، ٢٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • دفاع (٢) | A Defense (2)

    حديث المساء: دفاع (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ مارس ١٩٣٤

    انطلق به لسان فصيح ذَرِب من هذه الألسنة الفصيحة الحادة التي امتازت بها وزارة التقاليد. وكان المُقَطَّم مهبطَ الوحي، ومنبر الفصاحة، ومرآة الدفاع المجيد عما يريد وزير التقاليد بطلاب الجامعة واتحاد الجامعيين. فالناس يعلمون أن بين الطلاب الجامعيين ووزير التقاليد خلافًا، إنْ صَحَّ أن يكون هناك خلاف بين قوم لا يملكون من أمرهم شيئًا ورجل يملك من الأمر كل شيء.

    والموضوع الأول والأخير لهذا الخلاف هو موقف الطلاب من مشروع القرش. همَّ قومٌ أن يدفعوا هذا المشروع في السياسة دفعًا، ويقحموه فيها إقحامًا، ويُسَخِّروه لبعض الأهواء والأغراض، التي لا تتصل بالاقتصاد، وإنما تتصل بما بين الأحزاب من خصام. ومشروع القرش عمل من أعمال الطلاب نهضوا به واحتملوا أثقاله، وباعدوا بينه وبين السياسة، وانتهوا به من الفوز إلى أمد بعيد، فلمَّا رأى الطلاب أن قومًا يُريدون أن يَدْفَعُوهم إلى السياسة أنكروا ذلك وقاوموه، وظنوا أنهم يؤدون واجبهم الوطني، وينفذون القوانين، ويرعون أمر الوزارة الذي يحظر على الطلاب الاتصال بالسياسة من قرب أو من بعد.

    ولكن بعض الظن إثم، فالسياسة محظورة على الطلاب بشرط أن لا تنفع الوزارة، ولا تسوء المعارضين لها؛ فأمَّا إذا كانت السياسة تأييدًا للوزارة، ومُحَارَبَةً للمُعَارَضَة، فمِنَ الإثم أن يعرض عنها الطلاب، أو يزهدوا فيها، أو يصدوا إخوانهم عنها، أو ينفروا إخوانهم منها. وهذا بالضبط هو الذي فعله الطلاب: صدوا عن مشروع القرش، ولم يعلموا أن هذا الصد مُحاربة للسياسة التي لا ينبغي أن تُحارب، ومُقاومة للسياسة التي تنفع أحزابًا، وإن كانت لا تضر أحزابًا أخرى يريد قوم بها الشر، ويتمنى قوم لها المكروه، فلا يظفرون بشيء مما يُريدون.

    مهما يكن من شيء، فقد أَثِمَ الطلاب عند وزير التقاليد؛ لأَنَّهم قاوموا مشروع القرش، ولكل إثم عقاب، فما أسرع ما بطش وزير التقاليد بجماعة من الآثمين فأخرجهم من الجامعة إخراجًا لم يرعَ في ذلك نظامًا وقانونًا، ولا تذكر استقلال الجامعة؛ فقد مات استقلال الجامعة — رحمه الله — منذ زمن بعيد. لم يكن من حق وزير التقاليد أن يخرج طلاب الجامعة من الجامعة دون أن يُحاكموا أمام مجالس التأديب الجامعية؛ لأنَّ القانون الذي أصدره وزير التقاليد نفسه يقضي بذلك ويفرضه فرضًا، ولكن من الذي قال إن القوانين تُلزِم الوزراء، وتلزم وزير التقاليد بنوع خاص، إنما تُلْزِم القوانين أمثالك وأمثالي من عباد الله الذين خلقوا ليكونوا رعية يجب عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأَمَّا الوزراء فقد رُخِّصَ لهم في أنْ ينفذوا هذه القوانين متى شاءوا وكيف شاءوا، وفي أن يهملوها إن أعجبهم هذا الإهمال.

    وإذن فقد عاقبَ وزير التقاليد هؤلاء الطلاب فأخرجهم من الجامعة بغيرِ حَقٍّ، وقبلتْ الجَامِعَةُ تجاوز الوزير لقوانينها، وإعراض الوزير عن استقلالها، ولكن هؤلاء الطلاب الذين عُوقِبُوا لم ينفردوا بالإثم، وإِنَّما شاركهم فيه قوم آخرون فيما يظهر، لم تبلغهم يد الوزير، ولم تصل إليهم عقوبة.

    وزير التقاليد، حازم، ولكنه حكيم، ووزير التقاليد يعاقب، ولكنه يؤثر أن يقطع أسباب العقاب، وأن يتقي الشر قبل وقوعه، وإذن فقد بحث وزير التقاليد عن الأسباب التي دعت الطلاب إلى مقاومة مشروع القرش، فعرف أن لهم اتحادًا، وأن اتحادهم هذا يستمتع بشيء من الحرية في تدبير أمره، ويجتمع في نادٍ يقوم في القاهرة، فرأى — ورأيه الأعلى؛ لأنه رئيس الجامعة الأعلى — أن يُغَيِّر نظام الاتحاد، وأن يصوغه في شكل يجعل مقاومته لمشروع القرش مستحيلة، وخضوعه لسلطان الوزارة أمرًا محتومًا.

    هنالك طلب الوزير إلى الجامعة أن تصنع له القيود والأغلال التي يقيد بها أرجل الطلاب، ويغل بها أيديهم وأعناقهم، فأسرعت الجامعة إلى ما أراد الوزير، ومتى أبطأت الجامعة عما أراد الوزير، ومتى امتنعت الجامعة على الوزير، وصنعت كلية الحقوق للوزير ما أراد من قيود وأغلال، على النحو الذي رآه القراء حين نشر لهم النظام الجديد لاتحاد الجامعة.

    وقد غضب قليل من أساتذة الجامعة، وغضبت جماعة الطلاب على اختلافها، ونشرت الصحف أطرافًا من ذلك، فلم تر وزارة التقاليد بُدًّا من أن تدافع عن هذا النظام الجديد، فأوحى بعض المسئولين فيها إلى المُقَطَّم أمس دِفاعًا مجيدًا، قوامُه أنَّ هذه اللائحة ستصدر قريبًا، وما شككنا في أنها ستصدر، سواء رضيت الجامعة أم سَخِطَتْ، بل نحن أعلنا ذلك وأكدناه؛ لأنَّ إرادة وزير التقاليد لا مرد لها من الجامعيين، ولا من غير الجامعيين.

    ثم زعم المسئول الذي أوحى إلى المقطم أنَّ هذه اللائحة ستكون كلائحة الاتحاد الذي أنشئ في مدرسة الهندسة. وسُبحان الذي يقلب الأمور رأسًا على عقب، ويجعل التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا؛ فقد كَانَتْ مدرسة الهندسة تسعى إلى تقليد الجامعة، وإلى الانضمام إلى الجامعة، طمعًا فيما كانت تَسْتَمْتِعُ به الجامعة من حرية، فأصبحت الجامعة — والحمد لله — تُدفع إلى تقليد مدرسة الهندسة حبًّا لما يثقلها من القيود والأغلال.

    ولا تقل: إنَّ مدرسة الهندسة تابعة لوزارة المعارف، ليست مُسْتَقِلَّة ولا كالمستقلة، وإن الجامعة مُستقلة فيما يظهر. لا تقل شيئًا من هذا؛ فقد اختلط المُسْتَقِلُّ بغير المستقل، والتابع للوزارة بالمنفصل عنها، وما دام شخص وزير التقاليد يُشرف على هذه كما يُشرف على تلك؛ فالأمر سواء. وهذه وتلك يجبُ أن تخضعا لأمر وزير التقاليد، وقد تحدى المسئول الذي أوحى إلى المقطم خصوم الوزير — نستغفر الله — بل خصومه وأنصاره، فأعلن أن اللائحة ستصدر وإن أنكرها الطلبة والأساتذة، وأعلن أن النادي سينقل إلى الجيزة، وإن حرص الطلبة على أن يكون في القاهرة، وأعلن أنْ ليس على أغراض الاتحاد خوف إذا كانت هذه الأغراض ظاهرة واضحة لا خفاء فيها.

    ومعنى ذلك أن هذا المسئول يظن أن من أغراض الاتحاد ما هو خفي أحيانًا، أي ما لا تحب الوزارة أن يكون، أي ما يتصل بالسياسة التي تفزع منها الوزارة، ولهذا غير النظام ووضع مكانه هذا النظام الجديد الذي يخضع الطلاب لمُراقبة دقيقة واسعة النطاق كما يقولون. ما أشد خوف الوزارة وإشفاقها من الوهم، وفزعها من الخيال! والغريب أنَّ الذين يَدْرُسون تاريخ الجامعات، وما بين الطلاب والأساتذة فيها من صلة، يُلاحظون شيئًا لا بأس بملاحظته الآن؛ لأنَّه يضحك حقًّا، فقد كانَ أَمْرُ الجامعات في القرون الوسطى إلى الطلاب دون الأساتذة؛ لأنَّ الطلَّاب هم الذين أنشئوا الجامعة، وهم الذين كانوا يأجرون الأساتذة على التعليم.

    وكان الأساتذة يخضعون لسلطان طلابهم وتلاميذهم، وكان هؤلاء الطلاب والتلاميذ هم الذين يحاكمون الأساتذة، ثم كان صراع وجهاد بين الطائفتين، انتهى إلى ظفر الأساتذة بالحرية والاستقلال، وإفلاتهم من سيطرة الطلاب، وأصبح الأساتذة يديرون أمورهم بأنفسهم، وأصبح الأستاذ لا يؤدب إلا أمام زملائه، ثم قوي سُلطان الاستبداد في الدولة وفي الكنيسة، وفي الجامعة أيضًا، فاستأثر الأساتذة بأمور الجامعة كلها، حتى إذا كان عصر الديمقراطية الحديثة، عادت الأمور إلى شيء من الاعتدال، وأصبح الطلاب الآن يُدَبِّرون أمورهم الخاصة بأنفسهم في أنديتهم وجماعاتهم، فإذا اشترك معهم الأساتذة في تدبير هذه الأمور، فعلى قاعدة المُساواة.

    ثم ارتقى أمر الطلاب في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، فأصبحوا يمثلون في مجلس الجامعة في فرنسا. أمَّا في مصر فالأمور تجري في طريق أخرى؛ لم يكن للطلاب وجود، ثم ظفروا بوجود حر، ثم يراد أن ينزع منهم حقهم في هذا الوجود الحر الذي كسبوه، وأن يخضعوا حتى في أمورهم الخاصة لسلطان الأساتذة الذين يخضعون لسلطان الوزير، ولكنا واثقون بأنَّ كل ما نحن فيه الآن لا يعدو أن يكون عبثًا، وأنَّ عصرًا غير طويل لن يَنْقَضي حتى تُرَدَّ الأمور إلى نصابها، وحتى يستمتع الطلاب باتحادهم الحر الذي يُلائم الحياة الجامعية في هذا العصر الحديث.

    فليصدر وزير التقاليد نظامه؛ فإنا نؤكد له أنَّ عُمْرَ هذا النظام لن يطول.

  • مقاطعة … | Boycott…

    حديث المساء: مقاطعة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ يناير ١٩٣٤

    يجب أن نهنئ بها رئيس مشروع القرش إذا كان الشرُّ مما يُهَنَّأ به؛ فقد وفِّق صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم — مع الأسف الشديد — من حمل الناس على مقاطعة هذا المشروع والانصراف عنه، إلى شيء كثير جدًّا لم يكن ليوفق إلى بعضه لو أنه دعا إلى المقاطعة جهرة، ورغب الناس فيها ترغيبًا، وألح عليهم فيها إلحاحًا.

    نعم، يجب أن نهنئ رئيس مشروع القرش بهذه النتيجة السيئة التي انتهى إليها المشروع هذا العام، إذا كانت النتائج السيئة من الأشياء التي يُهَنَّأ بها الناس، ومَنْ يدري؟ فقد يكون بين الناس مَنْ يحرصون على أن يُهنِّئوا بالخير، فإن لم يوفقوا إليه، فهم حراص على أن يهنِّئوا بالشر؛ لأنهم يريدون أن يهنئوا على كل حال. وقد حفظت لنا الأساطير قصة ذلك الرجل اليوناني الذي أراد أن يذكره التاريخ رغم أنفه؛ فعمد إلى دار من دور الكتب فخمة ضخمة، فحرقها تحريقًا ليقول التاريخ عنه شيئًا، والنحويون يستشهدون في النحو ببيت لا يخلو من ظرف يجريه مجرى الأمثال:

    إذا أنت لم تنفع فضُرْ فإنما يُرْجَى الفتى كيما يضر وينفع

    وقد كان رئيس مشروع القرش نافعًا من غير شك، حين كان يعصم مشروع القرش من عبث السياسة، ويمضي به في الطريق البريئة التي أرادها له الشباب الأبرياء، فلما أَخَذَت السياسة الآثمة تندس إلى هذا المشروع، نَبَّهَ الناس الرئيس إلى ذلك، فتنبأ على استحياء، وأظهر العناية بما نَبَّهَهُ الناس إليه؛ ولكنها — مع الأسف — لم تكن إلا عناية ظاهرة لم تُغْنِ عن الحقائق الواقعة المؤلمة شيئًا، فظلت السياسة تمضي في طريقها إلى هذا المشروع حتى أصابته بعللها وآثامها، وحتى جعل الذين ينشطون له، ويحدبون عليه، يرون ويسمعون ما كان يؤذيهم في آرائهم وعواطفهم ومُثُلهم الوطنية العليا.

    هنالك أَلَحُّوا على رئيسهم أن يرد عنهم إثم السياسة وكيد السياسة، وأن يحفظ عليهم عملهم اقتصاديًّا بريئًا، شابًّا مثلهم، نقيًّا مثلهم، خالصًا مثلهم للوطن، ولكن الرئيس أعرض عنهم إعراضًا، وتجافى عن دعائهم المتصل وندائهم الملح؛ فاضطروا إلى أن يعصموا أنفسهم بأنفسهم من السياسة الآثمة، وإلى أن ينجوا بقلوبهم ونفوسهم وضمائرهم من هذا الفساد، ثم لم يكتفوا بهذه النجاة، ومتى اكتفى الشباب بالقليل؟ ومتى قنع الشباب باليسير؟

    لم يكتفوا بنجاة أنفسهم، بل أرادوا أن ينجوا مواطنيهم أيضًا من هذه السياسة الخفية، التي لا تستطيع أن تظهر للناس جهرة؛ فتسعى إليهم من وراء ستار، والتي لا تستطيع أن تلقى الناس وجهًا لوجه؛ فتندس إليهم من طريق الدين، ومن طريق الاقتصاد، ومن طريق الألفاظ الضخمة التي لا تدل على شيء؛ هنالك استقال الشباب من المشروع وأعرضوا عن تأييده، ودعوا مواطنيه إلى أن يقاوموه حتى يعود بريئًا كما بدأ بريئًا، وحتى يخلص للشعب كما بدأ للشعب، وحتى يرتفع عن خدمة الأغراض الخفية لأولئك الذين يتجرون بكل شيء، ويستغلون كل شيء.

    هنالك ظهر شيء لم يكن يُقدِّره الكائدون لهذا المشروع، والصائدون في الماء العكر. هنالك ظهر أن الشباب وإن كان هادئًا مستقرًّا لم ينس شبابه، ولم ينس قوته، ولم ينس جرأته في الحق، ولم ينخدع عن الذين يمكرون به ويريدون به السوء. نعم، وهنالك ظهر أن الشباب ما زال قادرًا على أن يريد فيفعل، وعلى أن يقول فيصدق، وعلى أن يدعو فيستجيب له الناس. نعم، وهنالك ظهر أن هذا العنف الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية جهرة، وأن هذا الكيد الذي اتصل أكثر من ثلاثة أعوام ليقتل الحرية غيلة؛ لم يبلغا من الحرية شيئًا في نفوس الشباب؛ لأن الحرية لا تقتل، ولأن الحرية لا تغتال، ولأن الحرية لا تخدع عن نفسها، ولأن الحرية جذوة مقدسة خالدة ليس إلى إخمادها من سبيل.

    نعم، وهنالك ظهر أن جماعة الشباب ما زالت كما كانت على عهد مصر بها، لا تخدع عن الحق، ولا تدفع إلى الباطل، ولا تبلغ منها الألاعيب؛ وهنالك اضطر الكائدون لمشروع القرش، والذين اتخذوه وسيلة للسياسة إلى أن يُلْقُوا به في أحضان هذه الأحزاب التي لا قوة لها إلا بالسلطان، ولا وجود لها إلا بالسلطان، ولا سند لها من حب الشعب وتأييد الجمهور.

    هنالك التمسوا لهذا المشروع دعاة وأنصارًا من الاتحاديين والشعبيين، هنالك التجئوا إلى صحف الاتحاديين والشعبيين لتؤيده وتذود عنه، بعد أن أعرضت عنه الصحف الوطنية، كما أعرض عنه شباب الوطن. هنالك نهضت الحكومة تحوط المشروع وتحميه، وهنالك أصبح المشروع عملًا حكوميًّا، أو شيئًا يشبه العمل الحكومي، ورئيس المشروع يسمع ويرى، ورئيس المشروع يشهد هذه المأساة المحزنة التي انتزعت من يد الشعب عملًا من أعمال الشعب، وألقت في أحضان الحكومة عملًا ما كان ينبغي أن تُشْرِفَ الحكومة عليه.

    فإذا كان مثل هذه النتيجة شيئًا يُهنَّأ به صاحبه؛ فإِنَّا نُقدِّم لصاحب السعادة علي باشا إبراهيم أصدق التهنئة؛ لأنه قد وُفِّق إلى هذه النتيجة حقًّا. هذا الجمال الرائع جمال الشباب المخلص قد اندفع إلى العمل النافع يستحيل الآن إلى جمال آخر ليس أقل من ذلك الجمال روعة، إلى جمال الشباب اليقظ يدافع عن نفسه، ويرد عن إخلاصه وحريته وصفاء ضميره كيد الكائدين، وعبث العابثين.

    إن رئيس المشروع ليعلم حق العلم أن الشر المحض لا يوجد في الأرض، فرُبَّ شرٍّ أنتج خيرًا، ورُبَّ ضرٍّ انتهى إلى نفع. وقد أُرِيدَ بالشباب شرٌّ فَجَنَى منه الشباب خيرًا، أُرِيْدَ بالشباب أن ينقاد لأغراض السياسة وكيد أصحاب الكيد؛ فأظهر الشباب أنه ليس سهل القياد. وليس هذا بالشيء القليل. أريد بالشباب أن يكون أداة من أدوات الفساد، فأظهر الشباب أنه لن يكون إلا أداة من أدوات الإصلاح، وليس هذا بالشيء القليل، فإذا كان صاحب السعادة علي باشا إبراهيم حريصًا على أن نُهنِّئه، فقد نستطيع أن نُهنِّئه؛ لأن موقفه الغريب قد أظهر لأصحاب الأغراض والمطامع أن الشباب المصري أعزُّ من أن يطمع فيه.

    وبعدُ، فكم كنا نحب لطبيبنا الفذ، وجراحنا البارع، ومدير جامعتنا الناشئة أن يكون عمله كله خيرًا، وأن يكون ذكره كله حسنًا، وأن يكون حديث الناس عنه كله ثناء، فقد كان طبيبنا الفذ وجراحنا البارع خليقًا بهذا كله؛ له مكانته العليا في الطب والجراحة، لا في مصر وحدها، بل في غيرها من أقطار الأرض في الشرق والغرب، له على كثير من المصريين يد الطبيب المسعف المنقذ، وله على مصر كلها يد الرجل الذي جعل لها اسمًا حسنًا في الطب والجراحة؛ فكان خليقًا أن يكتفي بهذا، وأن يستزيد منه، وكان خليقًا أن لا يلقى من مصر إلا ما هو أهل له من الحب والإعجاب والثناء، ولكنه أبى إلا أن يتجاوز الطب والجراحة، وأبى إلا أن يتورط في الإدارة والسياسة، وأبى إلا أن يُعَرِّضَ نفسه لنتائج هذا التورط؛ فيجعل للنقد واللوم وسوء الظن على نفسه سبيلًا.

    لقد كان سعد — رحمه الله — أنصح لعلي باشا إبراهيم، وأرفق به من علي باشا إبراهيم، حين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يرشح نفسه لمجلس النواب، وحين أبى سعد — رحمه الله — على علي بك إبراهيم أن يكون عضوًا في مجلس الشيوخ.

    فليت علي باشا إبراهيم انتفع بنصيحة سعد؛ فوقف نفسه وجهده على الجراحة والطب، ولم يتورط فيما تورط فيه من الإدارة والسياسة، ولم يتعرض لما تعرض له من الزلل الذي يدعو إلى النقد واللوم.

    على أن الرجل الذكي الحازم هو الذي لا يستكبر على الحق، ولا يدفعه العناد إلى اللجاج في الباطل، والمضي في الخطأ، وما زالت نصيحة سعد — رحمه الله — قائمة، وما زال الدكتور علي باشا إبراهيم قادرًا على أن ينتفع بها، وما زال الذين يحبونه — وهم كثيرون، ونحن من أشدهم حبًّا له، وضنًّا به على سخف الحياة — ينصحون له كما نصح له سعد بأن يخلص للطب والجراحة، ويدع السياسة والإدارة للذين يحسنونهما، ويحسنون حمل أثقالهما، ويصبرون على نارهما وعلى ما تجران من مكروه.

    هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع، وهو الآن يستريح في أسوان في الوقت الذي يعاني الشباب فيه ما يعاني من آثار تلك السياسة الطائشة التي لم يستطع لها دفعًا، هل لطبيبنا الفذ وجراحنا البارع أن ينتهز فرصة هذه الراحة؛ ليفكر ويقدر لعله يقتنع بأن سعدًا — رحمه الله — قد نصح له، وبأنه يحسن إذا استقال من مشروع القرش، وترك أمره للذين يحسنون النهوض به؟

    سيقول قوم للدكتور علي باشا إبراهيم: لا بأس عليه؛ فإن المقاطعة لمشروع القرش لن تضره ولن تؤذيه، سيعرض عنه الشباب، ولكن ستؤيده الإدارة، سيعرض عنه الجمهور، ولكن ستغنيه الحكومة، فلا تخف ولا تستقل؛ فسيجمع المشروع قروشًا إن لم تجئ من أفراد الشعب؛ فستجيء من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم.

    سيقول قوم من الناس هذا الكلام للدكتور علي باشا إبراهيم، ولكنا نحب أن يعلم أنا نكره له حقًّا أن يكون أداة من هذه الأدوات التي تعمل لحزب الشعب وحزب الاتحاد، وقوم آخرين يشبهون حزب الشعب وحزب الاتحاد؛ فليتقِ الله في نفسه، وفي أمته، فإن الله لم يرد له أن يكون رجلًا حزبيًّا، وإنما أراد له أن يكون للمصريين جميعًا، ليرحْ نفسه إذن من مشروع القرش، وليفرغ للطب وكلية الطب؛ فذلك خير له وللناس.

  • عيد (٢) | A Holiday (2)

    حديث المساء: عيد (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١ يناير ١٩٣٤

    قل: إنه كان أمس، وقل: إنه ما زال متصلًا اليوم، فقد احتفلت الأسرة القضائية به واتصل بأول العام فلم يكن عيدًا لمعنى واحد، بل كان عيدًا لمعنيين أو لمعانٍ مختلفة كثيرة لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكان غيره من الأعياد الخليقة بهذا الاسم حافلًا بما يملأ النفوس بهجة وحبورًا، وبما يثير في القلوب ألمًا وحزنًا. فأين المصري الذي لا يبتهج ولا يغتبط حين يرى أسرة القضاء مبتهجة مغتبطة؛ لأنها تحيي عيدها الذهبي، وتودع نصف قرن أنفقته جاهدة، مخلصة صادقة في إحياء العدل وتأمين الناس على أحب ما يطمعون في الأمن عليه وفي إحياء مصر بالعدل ورفع ذكرها بين الأمم وإعلاء كلمتها بين الشعوب وتستقبل نصف قرن جديد — أو قل: تستقبل الزمان كله — بقلوب يملؤها الإيمان بالعدل والحرص على حمايته، وصيانته والارتفاع به عن أغراض الحياة وأمراضها التي تفسد على الناس أمورهم، وتشوه مثلهم العليا وتردهم لولا العدل إلى حياة لا تليق بالإنسان؟ أين المصري الذي لا يبتهج حين يرى أسرة القضاء مبتهجة، بتوديع ما ودعت من أيامها الخصبة، واستقبال ما تستقبل من أيامها السعيدة؟ بل أين المصري الذي لا يشعر بأن ابتهاج الأسرة القضائية إنما هو ابتهاج مصر كلها، وعهد لمصر على الزمان أنها ستمضي جادة في طريق مستقيمة يسيرة إلى الرقي واستكمال حظها الطبيعي من الاستقلال؟ كل المصريين كان مشاركًا لأسرة القضاء في عيدها أمس، وكل المصريين كان سعيدًا بهذا العيد، وكل المصريين كان يشعر أمس بما كانت تشعر به أسرة القضاء من العزة والكرامة، وكان يشعر بما لم تكن تشعر به أسرة القضاء من حب لها وازدهاء بها، واستشعار لهذه العزة المقدسة التي يشعر بها الرجل الحر في بلد حر يظله قضاء حر.

    ولكن أين المصري الذي لم يكن يشعر في الوقت نفسه أمس بحزن لاذع وألم ممض حين يرى السياسة تدخل بين أسرة القضاء فتفرقها فريقين، وتشقها قسمين، وتدفع طائفة منها إلى الأوبرا وسيمراميس وطائفة أخرى إلى فندق هليوبوليس؟

    ليقل أنصار الوزارة ما يقولون، وليقل الوزراء أنفسهم ما يقولون؛ فلن يستطيعوا أن ينكروا أن السياسة قد اقترفت أمس إثمًا عظيمًا، وأن أسرة القضاء كلها قد أحست أمس ما أحس المصريون جميعًا من الحزن اللاذع والألم الممض لهذه الفرقة التي لم يكن يدعو إليها داعٍ، ولا يدفع إليها دافع لولا هذه الأهواء التي تعبث بنفوس الساسة فتُحمِّلهم وتُحمِّل غيرهم من الأبرياء شططًا ما كان ينبغي أن يحتملوه. لقد كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها هذا العبء الذي لا طاقة لها بها؛ عبء التفريق حين يجب التأليف. ولقد كانت تستطيع أن تجنب أمتها هذا الألم الذي لم تكن في حاجة إليه؛ ألم النظر إلى الإخوة يشتركون في الابتهاج بالعيد، ولكنهم لا يستطيعون أن يجتمعوا لإظهار هذا الابتهاج؛ فيظهره كل فريق منهم بمعزل عن صاحبه، تأتلف القلوب والنفوس، وتفترق الأجسام والأصوات؛ لأن هذا السلطان السياسي المادي قد منع الأجسام والأصوات من أن تجتمع وتلتقي. كانت الوزارة تستطيع أن تجنب نفسها وتجنب الأمة هذه الفرقة التي حدثت أمس فآلمت المصريين وصورتهم في نفوس الأجانب تصويرًا لا يلائم الحق ولا يمثل الواقع؛ لأن المصريين ورجال القضاء منهم بنوع خاص متفقون غير مفترقين ومؤتلفون غير مختلفين، ولا سيما في حب العدل وإكبار القضاء.

    كانت الوزارة تستطيع ذلك لو أنها استطاعت أن تضبط نفسها وتكبح ميولها وأهواءها وتنسى السياسة في أشياء لا ينبغي أن تدخل فيها السياسة، وتذكر المثل العليا في أشياء لا ينبغي أن يذكر فيها إلا المثل العليا. وقد أشار إلى ذلك قاضي القضاء أمس في عبارة مهما تكن رفيقة، فقد كانت لاذعة شديدة القسوة، مصورة لما كان يحسه القضاة ورجال النيابة أمس من الألم لاضطرار المحامين إلى ألا يشاركوهم في أعيادهم المادية وإن شاركوهم في أعيادهم المعنوية كلَّ المشاركة. ولست أدري كيف وقعت هذه العبارة الرفيقة القاسية على الوزارة وتصرفها من قلوب الوزراء وضمائرهم وقلوب أنصار الوزراء وضمائرهم؟ ولكني أعلم أنها وقعت من قلوب المصريين موقع الحكم على هذا التصرف الذي لا يوصف بأقل من أنه كان اندفاعًا مع العواطف الجامحة، لا سلطان للإرادة الهادئة المطمئنة عليه.

    كان المصريون جميعًا مبتهجين أمس مع أسرة القضاء، وكان المصريون جميعًا محزونين أمس مع أسرة القضاء. وكان الوزراء لو فتشت عن قلوبهم وقرأت في نفوسهم في موقف يشبه موقف الحياد لا يبتهجون ولا يبتئسون، وإنما يؤدون عملًا من هذه الأعمال الرسمية، وينهضون بتكليف من هذه التكاليف التي لا ينهض بها الوزراء في أيام الحفل والأعياد.

    وبينما كان المحامون مجتمعين في هليوبوليس، وكان إخوتهم مجتمعين في سيمراميس كان المصريون يتحدثون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا أفادت الوزارة من هذا الاندفاع وما انتهى إليه من التفريق؟ أرادت أن تخرج مكرمًا من نقابة المحامين فجمعت حوله قلوب المحامين على اختلاف مذاهبهم، وأهوائهم وآرائهم، وأتاحت للأستاذ فكري أباظة أن يلقي كلمته البليغة أمس فيسجل فيها أن الحكومة والبرلمان لو أرادا تكريم هذا الرجل وتسجيل إكبارهما له وإعجابهما به لما بلغا من ذلك ما بلغاه أمس حين أرادا إقصاءه عن نقابة المحامين. أرادت أن تظهر قوة وبأسًا وأن تبين أنها قادرة على أن تأمر فتكره الناس على إنفاذ ما تأمر به، فلم تزد على أن جمعت أكثر من ثلاث عشرة مائة من المحامين أقبلوا من أقطار مصر كلها ليظهروا — وقد أظهروا بالفعل — تضامنهم واحترامهم لأنفسهم وحسن فهمهم لمعاني العدل والإنصاف والمحاماة والقضاء.

    وفيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن عدد المحامين الذي كانوا يجتمعون في هليوبوليس قد أربى على الألف، وكلهم منكر لما فعل الوزراء، ساخط على ما فعل الوزراء، يحكم عليه في قسوة حازمة عادلة لا تقبل هوادة ولا لينًا؟ فيم كان يفكر الوزراء أمس حين كانوا يعلمون أن ألفًا ونصف ألف من المصريين المثقفين الممثلين في غير شك لأقطار مصر قد اجتمعوا ليقضوا على تصرفها قضاء لا لين فيه؟ لم يكونوا يفكرون في شيء، إنما كانوا يستمعون لغناء أم كلثوم وتوقيع الموقعين، ويشهدون مناظر الرقص مع الشاهدين. أما الذين كانوا يقدرون اجتماع هليوبوليس ويفهمون مغزاه ويتمثلون نتائجه ويتخذونه مقياسًا للحكم على تصرف الوزارة، هم المصريون الذين لم تفكر فيهم الوزارة، وإنما فكرت في نفسها، ولم تحفل بهم الوزارة وإنما حفلت بنفسها.

    كان أمس عيدًا، وكان كغيره من الأعياد حافلًا بالمواعظ البالغة والعبر النافعة، ولكنه لم يكن على ذلك يخلو من الفكاهة. والله عز وجل رفيق بالناس عطوف عليهم يبتليهم بالحزن، ويمتحنهم بالألم، ولكنه يسوق لهم ما يبعث في نفوسهم العزاء، ويسري عنهم من الهم بعض ما يجدون. فقد كان المحامون أمس يجتمعون إلى الشاي ويجتمعون إلى الخطب، وأي خطب؟ كلها جِدٌّ حازم صارم كأنه العدل. وكانت الوزارة في الوقت نفسه تحيي لرجال القضاء حفلة ساهرة لا بأس بها ولا غضاضة فيها على القضاة. ولكنها على كل حال لم تكن تحب التقاليد ولا توافقها ولا تطمئن إليها. فليس بالغناء بأس فيما يقال، وليس بالتوقيع بأس فيما يذاع من كلام الناس. ولكن الغناء والتوقيع في رمضان لا يوافق التقاليد، وإنما تلاوة القرآن الكريم هي التي تلائم التقاليد لو فكر وزير التقاليد، بل لو فكرت وزارة التقاليد، فأما مناظر الرقص، وما أدراك ما مناظر الرقص! ففيها قولان؛ فأما المعتدلون فلا يرون فيها بأسًا بشرط أن لا يكون الشهر شهر الصوم، وأما المتحرجون فيرون فيها البأس كلَّ البأس، في شهر الصوم وفي شهور الإفطار. وأما التقاليد فتحرمها في معهد التمثيل وتبيحها في سيمراميس بمحضر من كبار الدولة ووجوهها. وأما شيخ الأزهر ورجال الدين وعبد الحميد أفندي سعيد فلا يقولون شيئًا الآن؛ لأنهم في شغل بطاعة الله عن نقد الناس.

    لتسعد أسرة القضاء كلها بعيدها أمس ولتكن أيامها كلها أعياد! وليسعد المصريون بالقضاء وأعياد القضاء، ولتهنأ الحكومة بما أحرزت أمس من فوز أقل ما يوصف به أنه كان صورة صادقة للقوة البالغة والذوق الجميل!

  • خذلان (٢) | Betrayal (2)

    حديث المساء: خذلان (٢)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٤ ديسمبر ١٩٣٣

    إلى أين تريد الوزارة وأنصارها أن يدفعوا هذا البلد؟! وإلى أين تريد الوزارة وأنصارها أن يذهبوا بما لهذا البلد من كرامة ومنفعة؟! وإلى أين تريد الأهواء والأغراض أن تدفع هؤلاء الناس؟! وماذا تريد الأهواء والأغراض أن تُحمِّل هؤلاء الناس من أثقال لا قِبَل لهم بها ولا قدرة لهم على احتمالها؟!

    إن هؤلاء الناس يكلفون أنفسهم شططًا، وينهضون بما لا يستطيعون أن ينهضوا به، ويضطرهم ذلك إلى أن يسيئوا إلى بلادهم إساءاتٍ ثقيلة فيها شر كثير عميق التأثير بعيد المدى. إن الرجل الطيب خليق أن يخلو إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وأن يحاسب ضميره في هذا الشر الذي يوشك موقفه وموقف أصحابه أن يصبُّوه على مصر صبًّا وأن يُعرِّضوها به إلى أقبح الأخطار.

    لم يَنْصَح للرجل الطيب مُشِيروه حين ألقوا في روعه أن مجلس الوزراء يستطيع أن يصدر إنذاره إلى المحامين قبل أن ينتخبوا نقيبهم، ولم ينصح للرجل الطيب مُشِيروه حين ألقوا في روعه أن مجلس الوزراء يستطيع أن يهيئ تشريعه لمعاقبة المحامين بعد أن انتخبوا نقيبهم، ولم ينصح للرجل الطيب مُشِيروه حين ألقوا في روعه أن مجلس الوزراء يستطيع أن يقر هذه المذكرة الإيضاحية التي قدَّمَها وزير الحقانية بين يدي هذا التشريع الخطير.

    لم ينصح للرجل الطيب مُشِيروه في شيءٍ من هذا، وإنما دفعوه إلى مأزقٍ كان خليقًا أن يتجنبه ويمتنع من الاندفاع فيه؛ لأن في هذا كله فكرة خاطئة لا يقصر شرها على الذين ابتكروها، ولا على الذين أريدوا بها، وإنما يتجاوز أولئك وهؤلاء إلى قومٍ آخرين لا ينبغي أن يرقى إليهم الشر ولا ينبغي أن ينالهم الأذى ولا ينبغي أن يُذكَروا إلا بالإكبار والإجلال؛ لأن إكبار الناس لهم وثقة الناس بهم، وإجلال الناس إياهم شرط أساسي لكل حياة منظمة في كل بلد متحضر خليق بهذا الوصف. وهؤلاء الناس هم القضاة.

    وعنت الوزارة في إنذارها أن في ترشيح المحامين الذين حُكِم عليهم تجريحًا لأحكام القضاء وما كان ينبغي للوزارة لو احترمت الحق أن تقول شيئًا كهذا، وهي تعلم حق العلم إذا خلت إلى نفسها وإلى ضمائرها أن ليس بين المصريين محامٍ أو غير محامٍ يفكر في تجريح أحكام القضاء أو تُحدِّثه نفسه بتجريح أحكام القضاء.

    وما كان ينبغي للوزارة لو قدرت ما يجب للقضاء ورجاله من كرامة وقدس أن تسجل في بلاغ رسمي يصدر عن السلطة التنفيذية أن بين المصريين وبين المحامين خاصة من يجرح أحكام القضاء أو يفكر في هذا التجريح. هذا كلام ما كان ينبغي أن يصدر عن السلطة التنفيذية، وإنما السلطة القضائية وحدها هي التي تملك أن تقوله، وتملك أن تعاقب الذين يجرءون على أن يجرحوا أحكام القضاء، وقد رأت محكمة الجنايات في تصرُّف أولئك المحامين غضًّا من هيبتها فقَضَتْ عليهم بالغرامة، ورأت النيابة في هذا التصرف غضًّا من هيبة القضاء، فرفعته إلى مجلس التأديب وقضى فيه مجلس التأديب بما قضى فلم يقل أحد شيئًا، وما كان لأحد أن يقول شيئًا، وما نعلم أن محكمة الجنايات شكت إلى النيابة، وما نعلم أن مجلس التأديب شكا إلى الحكومة، وما نعلم أن ناحية قضائية طلبت إلى الحكومة أن تنتصف للقضاء من المحامين الذين رشحوا أنفسهم أو رشحهم زملاؤهم لانتخاب ١٥ ديسمبر، وما نعلم وما تعلم الحكومة نفسها أن هذا الترشيح قد وقع بعد صدور الحكم من مجلس التأديب، وإنما نعلم وتعلم الحكومة أن هذا الترشيح قد كان قبل صدور الحكم بأيامٍ طوال.

    فالحكومة إذا أسرفت على المحامين حين أضافت إليهم تجريح أحكام القضاء في إنذارها وأسرفت على القضاء نفسه حين زعمت بغير حق أن المحامين يجرحون أحكامه، وأسرفت على نفسها حين أقحمت أمور القضاء في خصوماتها السياسية، ثم أسرفت على مصر كلها بهذا الموقف الخاطئ الذي دفعتها إليه الخصومة السياسية؛ لأنها ألقت في روع المصريين أن جماعة المحامين وهم شركاء القضاة في حماية الحق والعدل قد يتحدَّون القضاء ويجرحون أحكامه.

    كان هذا إسرافًا من الحكومة، وإسرافًا منكرًا. وقد نبهها المحامون إليه، وقد أنكره المحامون أشد الإنكار في اجتماعهم العام، وقد أعلن المحامون إعلانًا صريحًا قاطعًا أنهم لا يضمرون للقضاء ورجاله إلا المودة والإكبار والإجلال. فكانت الحكومة خليقة أن تثوب إلى رشدها وتعود إلى صوابها وتكف عن إسرافها، ولكن المشيرين الذين لم ينصحوا للرجل الطيب فيما أصدر مجلس الوزراء من إنذار مضوا في مشورتهم الخاطئة وأغروا الرجل الطيب بإنفاذ الوعيد وتحقيق التهديد.

    وإذا مجلس الوزراء يهيئ تشريعه ويستصدر به المرسوم، وإذا هو مدفوع وعلى رأسه الرجل الطيب إلى شططٍ لا يليق بالرجال الطيبين. وإذا هو يسجل بالقانون شيئًا لم يقع، وهو يعلم حق العلم أنه لم يقع، يسجل أن المحامين قد تحدوا القضاء، وهم لم يتحدوه ولا يمكن أن يتحدوه. ثم يتجاوز هذا الخطأ القبيح إلى خطأ آخر ليس أقل منه قبحًا، فيجر أحكام قانونه على الماضي مخالفًا في ذلك أبسط مبادئ التشريع متكلفًا في ذلك من التعلات والتحلات ما لا يسيغه أيسر الناس علمًا بأصول التشريع.

    وتنتج عن هذا كله نتائجه الطبيعية الخاطئة المسيئة إلى مصر، المسيئة إلى القضاء. وهذه صحيفة من صحف الوزارة الصباحية التي صدرت اليوم لا تتورع، ولا تستحي، أن تقول في لفظ صريح إن المحامين قد هزءوا القضاء وحقروه، وإن الوزارة إنما هيأت هذا التشريع انتصافًا للقضاء وحمايةً له. وهي تكتب هذا ليعرفه الأوروبيون فيما تقول، فلا يُخدَعوا بما تكتبه الصحف العربية وما تنقله عنها الصحف الأجنبية الأخرى.

    فصحيفة من صحف الوزارة إذًا تقول باسم الوزارة للأجانب إن المحامين المصريين يحقرون القضاء المصري، وإن الحكومة المصرية تخالف المألوف في التشريع لتنتصف للقضاء وتحميه من المحامين! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أن هذا الكلام إثم؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أنه مسئول مع وزارته عن استباحة الصحف لنفسها نشر هذا الكلام وما يشبهه؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أن من الإثم أن يُقال للأجانب وللمصريين إن المحامين في مصر يحقرون القضاء؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أنه كان خليقًا، وكان أصحابه خليقين أن يكظموا غيظهم ويضبطوا أنفسهم ويكبحوا أهواءهم ويحتملوا انتخاب مكرم نقيبًا للمحامين، وأن هذا كله كان أهون من أن تذيع الصحف للمصريين والأجانب كذبًا وبهتانًا أن المحامين يحقرون القضاء؟! أليس الرجل الطيب يوافقنا على أن من حق القضاء أن يلومه ويلوم زملاءه؛ لأنهم كانوا سببًا في إذاعة هذه المقالة الكاذبة المسيئة؟!

    ثم ما رأي النيابة العامة في هذا الكلام؟ أيرضى أن يُقال للأجانب والمصريين إن أمر القضاء قد هان في مصر حتى أجمعت الجمعية العمومية للمحامين على تحديه، وحتى اضطرت الحكومة إلى أن تحميه بتشريع متجاوز للعدل مخالف للمألوف؟! أليس من حق النيابة العمومية أن تسأل صحيفة الوزارة عن هذه الكلمة الآثمة التي أذاعتها صباح اليوم لتصون كرامة القضاء إذا لم يكن يعنيها أمر المحامين؟! لقد صدق الذين قالوا إن هذه الوزارة لم يُقدَّر لها التوفيق، وإنما قُدِّر عليها الخذلان.

    وأي خذلان أكثر من هذا الذي هي فيه؟! تزعم أنها تريد حماية القضاء، فلا تبلغ إلا الإساءة إلى القضاء، والقضاء أكبر وأجل من أن يُحمى بالظلم، والقضاء أكبر وأجل من أن يفكر أحد في الاعتداء عليه، والقضاء أكبر وأجل من أن يقر المصريون أحدًا كائنًا من كان — ولو كان مكرمًا وأصحابَ مكرم — على تجريح أحكامه.

    لم تكن الوزارة مُوَفَّقة، ولو قد كانت على حظ من التوفيق وحسن التدبير لَمَا تورَّطَتْ ولَمَا ورَّطَتْ مصر معها في هذا الشَّرِّ العظيم.

  • تحقيق | Inquiry

    حديث اليوم: تحقيق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٧ يوليو ١٩٣٢

    في وزارة المعارف تحقيق عظيم الخطر، بعيد الأثر، مروع الذين يحسن ظنهم بالأمور العامة في مصر، فيحسبون أن فيها تعليمًا ووزارة للتعليم.

    في وزارة المعارف تحقيق لا تشرف عليه كله وزارة المعارف، وإنما تشرف عليه لجنة نصفها من الوزارة، ونصفها الآخر موزع بين إدارة الجامعة، وإدارة الأوقاف الملكية، وإدارة المعاهد الدينية. ومعنى هذا أن وزارة المعارف لا تثق بنفسها، ولا تطمئن إلى أهلها، ولا ترى أن تكون لجنتها من الذين يشرفون فيها على التعليم؛ حتى تضمَّ إليهم قومًا آخرين، وحتى تجعلَ الأمر في هذه اللجنة مناصفةً بحيث لا يستطيع رجال الوزارة وحدهم أن يكوِّنوا أغلبية في اللجنة أو يستقلوا فيها برأي قاطع.

    وزارة المعارف إذن تنكر نفسها، وتستطيع أن تصدقني حين أؤكد لك أنها لم توفق في شيء كما وفقت في هذا الإنكار. هي جديرة أن لا تثق بنفسها، جديرة ألَّا يثق بها الناس؛ لأنها فقدت فيما يظهر كل ما يحمل على الثقة، أو يدعو إلى الاطمئنان. ولست أنا الذي يزعم ذلك أو يدعيه، وإنما الوزارة هي التي تؤكده وتقيد عليه ألف دليل.

    انظر إليها تؤلف لجنتها على هذا النحو، فثبت للذكي والغبي أنها لا تطمئن إلى رجالها، ولا تأمن إن جعلت اللجنة كلها أو أكثرها منهم أن يجوروا في الحكم، وأن يحابوا وزارتهم ويقولوا فيها غير الحق. والوزارة تريد الحق، وتريده كله، وتريده صارمًا قاطعًا؛ لأنها تريد أن تحدد التبعات وتعاقب المقصرين عقابًا يضمن لها حسن النتائج في الأعوام المقبلة.

    ثم انظر إليها في هذا التحقيق نفسه مع من تحقق، وعلى من تقيم هذه القيامة، وحول من تثير هذه الضجة، وفيمن تثير هذه الشكوك المخزية؟ في هيئة التدريس كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة النظار كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة التفتيش كلها في المدارس الثانوية، ثم في مراقب التعليم الثانوي ومساعده.

    المعلمون والنظار والمفتشون والمراقب ومساعده، كل هؤلاء خاضعون الآن لتحقيق تجريه معهم لجنة نصفها من غير رجال الوزارة، ثم تزعم لي بعد ذلك أن وزارة المعارف خليقة أن تثق بنفسها أو أن يثق بها الناس؟!

    ولمن يعمل هذا التحقيق؟ لوزير المعارف ووكيلها. وأين وزير المعارف ووكيلها؟ ذهب أحدهما إلى فرنسا ليستشفي، وذهب الآخر إلى إنجلترا ليستريح فيما يُقال. ألست ترى معي أن أقل ما توصف به وزارة المعارف وهي بهذه الحال أنها مضحكة. وإذا كانت وزارة المعارف مضحكة، فلا ينبغي أن تنتظر منها تعليمًا ولا تربية؛ لأن التعليم والتربية ليسا من الكوميديا في شيء.

    تأمر وزارة المعارف بالتحقيق مع المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، وتنسى أن تأمر بالتحقيق مع الوزير ووكيل الوزارة. فهما وحدهما اللذان ينبغي أن يُسألَا، وأن يكون معهما التحقيق. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها؛ لما قبل مجلس الوزراء من وزير أن يأمر بالتحقيق في أمر التعليم الثانوي كله حتى إذا أمضى قراره هذا ركب البحر إلى فرنسا ليستشفي ويستريح. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها، ولو أن مصالح الناس تُرعى في هذا البلد — كما تُرعى في البلاد الأخرى — لما سمح مجلس الوزراء بأن يشرف على التعليم وكيل لا يكاد يقترح إنشاء هذه اللجنة حتى يركب البحر إلى إنجلترا ليستريح إن صحَّ أنه ذاهب ليستريح.

    وأين كان وزير المعارف ووكيله وسكرتير الوزارة العام طوال السنة؟ أين كانوا من المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، ليتعرفوا أمرهم اليوم وليسألوا لجنة مختلطة أن تبيِّن لهم أدَّى هؤلاء الناس واجبهم أم قصَّروا فيه؟

    الذي أعلمه أن هؤلاء الثلاثة قضوا عامهم في وزارة المعارف، وكانوا يتصلون كل يوم بالمراقب ومساعده، وكان هذا المراقب يعرض عليهم كل يوم شئون التعليم الثانوي على اختلافها. وإذن ففيمَ التحقيق وفيمَ السؤال؟ وفيم هذه الفضيحة التي لا تحتملها وزارة تقدر نفسها وكرامتها لو أن رئيس الوزراء ملتفت إلى وزارته غير منهمك في طلب المفاوضات أو الطيران إلى الحدود؟

    إلَّا أن الأمر في وزارة المعارف لا يحتاج إلى تحقيق، وهو لا يحتاج إلى تحقيق من هذا النوع على الأقل، وإنما يحتاج إلى تحقيق آخر يأمر به مجلس الوزراء أو البرلمان؛ ذلك أن وزارة المعارف مشغولة بالديوان عن التعليم. وإذا قلت إنها مشغولة بالديوان، فمعنى ذلك أنها مشغولة عن التعليم بأمرين: أحدهما السياسة، والآخر الخصومة بين كبار الموظفين.

    فأمَّا السياسة، فهي في وزارة المعارف فنون وألوان. وتستطيع أن تصدقني؛ فأنا أحدثك عن علم: في وزارة المعارف لون من السياسة يُراد به الإعلان عن الحكومة، وإقامة الأدلة على أن الناس قد أحبوها وانصرفوا إليها عن المعارضة، ويظهر هذا اللون حين يتفضل الوزير بزيارة المدارس والمعاهد، فتُهيأ له الخطب والقصائد، ثم ترسل البلاغات بعد ذلك إلى الصحف.

    وفي وزارة المعارف لون من السياسة الحسيبة حين يتعقب الموظف؛ لأنه كان فيما مضى من الزمان سعدي اللون أو دستوري الهوى. وفي وزارة المعارف لون آخر من السياسة، لا أسميه ولا أستطيع أن أطيل القول فيه، وإنما يستطيع تفصيله وكيل الوزارة ووزير المعارف السابق ورئيس الوزراء وأشخاص آخرون مصريون وغير مصريين.

    ثم في وزارة المعارف تنافسٌ بين كبار الموظفين وأوساطهم. يستقيم الأمر بين الوزير والوكيل حينًا، فيعوج بين الوزير وخصوم الوكيل، وهم كثيرون. ثم يعوج الأمر بين الوزير ووكيله، فيستقيم في الحال بين الوزير وخصوم الوكيل. وخصوم الوكيل هؤلاء من كبار الموظفين وأوساطهم. فإذا سألت عن صغار الموظفين ماذا يصنعون، فهم يسعون بين أولئك وهؤلاء بالخير والشر، ويحملون إليهم المنكر والمعروف.

    أحسَّ وزير المعارف في الصيف الماضي حاجة ديوان الوزارة إلى شيءٍ من الإصلاح، ورأى خصومة شديدة بين كبيرين في الوزارة يُفسد لها أمر الديوان، فخطر له أن يفصل أمر الإدارة عن أمر التعليم. ولم تكد تظهر هذه الفكرة البريئة التي لم يُرد بها الوزير إلَّا الخير، حتى فسد الجو في الوزارة فسادًا تامًّا، وكانت حرب شعواء صمَّاء، عنيفة حقية، بين المراقبين ومساعدي المراقبين؛ أيهم يكون له الفن؟ وأيهم تكون له الإدارة؟ وكانت هذه الحرب سجالًا، ينتصر فيها فريقٌ، فتنشر الصحف أن فلانًا سيكون مراقبًا عامًّا للتعليم، ثم ينتصر الفريق الآخر، فتنشر الصحف أن تعيين فلان هذا لم يتقرر بعد، ويتضاحك صغار الموظفين في الديوان حين يقرءون هذه الأنباء المتناقضة.

    فأمَّا المعلِّمون والنظَّار والمفتِّشون، فكانوا يؤدون واجباتهم المختلفة كما يستطيعون، لا يلتفت إليهم أحد، ولا يحفل بهم إنسان.

    وإذا شُغِل رجال الديوان بالسياسة والكيد، وانصرفوا عن أمور التعليم، فبأي حقٍّ يلام المعلم أو الناظر أو المفتش أو المراقب إذا ساءت نتيجة الامتحان؟ وما قيمة اللجان التي تؤلف في الوزارة أو خارجها؟ أو التي تتناول هؤلاء المظلومين بالسؤال والاستجواب، ثم باللوم والعقاب، وهم أبرياء لا إثم عليهم ولا تثريب؟!

    لست أزعم أن هيئة التعليم الثانوي عندنا تحقق المثل الأعلى في الكفاية والعناية بأداء الواجب، بل هي مع الأسف الشديد بعيدة جدًّا عن هذا المثل الأعلى، ولكنها على كل حال أقل الناس استحقاقًا للوم واحتمال التبعة حين تسوء نتيجة الامتحان.

    وأخرى قد كثر الكلام فيها، ولكنها لن تُوفَّى حقَّها مهما يكثر فيها الكلام، وهي الضعف الخلقي عند الذين يشرفون على التعليم. فهؤلاء الناس الذين يُحارب بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكبر بغضهم لبعض، يخاف بعضهم بعضًا إلى حد غريب! وهم يضحُّون في سبيل هذا الخوف بشيءٍ كثيرٍ مما لا يحب الرجل العادي أن يضحي به إلَّا نادرًا.

    أذكر أني حين نقلت إلى وزارة المعارف، وذهبت إليها مغاضبًا للوزير، أعرض عن لقائي فيها قومٌ كانوا يظهرون لي المودة، وشيئًا فوق المودة، حين كانت الصلات بيني وبين الوزير حسنة. فلم أنكر منهم ذلك لأني جربت إقبالهم وانصرافهم مع تغير الوزارات، ولكن واحدًا منهم رأى أن الأمر بينه وبيني لا يحتمل مثل هذا الإعراض، فأخذ شجاعته بيديه — كما يقول الفرنسيون — وجاءني في غرفتي زائرًا، وإنه يشرب القهوة ويحرق السيجارة، ويخوض في أمر الوزارة إذ فتح باب الغرفة، ثم أغلق، ونظر الخادم بين ذلك كأنه يريد أن يعرف من بالغرفة. هنا وقف زائري فجأة كأنما دُفع إلى الوقوف دفعًا عنيفًا، ثم قال: «يا خبر أسود، هم يتجسسون على من يزورك، لن تراني بعد اليوم.» وقد صدق، فلم أره إلى الآن وكثيرًا ما كنت أراه، ولم أسمع صوته إلى الآن وكثيرًا ما كان يتحدث إليَّ بالتليفون، وهو على ذلك من أشجع رجال التعليم في وزارة المعارف!

    كلا، لا يصلح الأمر في وزارة المعارف بالتحقيق، ولو قامت به لجنة مختلطة، ولو أمر به مجلس الوزراء أو البرلمان. وإنما وزارة المعارف في حاجة إلى التغيير، في حاجة إلى أن تنشأ من جديد. في حاجة إلى أن يدعها هذا الجيل الذي كوَّنه دنلوب والمغربي باشا وعبد الفتاح باشا صبري، ويستخلف عليها جيل جديد لم يتأثَّر بهؤلاء الثلاثة. يومئذ لا تحسن نتيجة الامتحان وحدها، وإنما يحسن التعليم نفسه في جوهره، وتحسن الأخلاق، وتستطيع مصر أن تنتظر الخير من وزارة التعليم، فأمَّا قبل ذلك فلا.