تكريم
ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.
Tag: التعليم
-
تكريم
-
فوز
فوز
الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.
كوكب الشرق ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣ -
بلاء
بلاء
كان بلاء حسنا، وكان بلاء سيئا هذا الذي أبلاه شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ أمس، فرفع كلمة الإسلام، وأعز دين الله، ونشر لواء الحق ظافرا منصورا، وأظهر نور الله واضحا باهرا، لا يغشاه ظل، ولا تخفيه ظلمة، ولا يحول بينه وبين الناس غيم صفيق أو رقيق، ولكنه على هذا كله لم يصنع شيئا ولم يفد الإسلام قليلا ولا كثيرا.
كان بلاء حسنا حقا هذا الذي أبلاه أمس، شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه أمس عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ، وكيف لا يكون بلاء حسنا هذا الجهد العنيف الذي بذله الشيخ أمس منذ ابتدأت الجلسة إلى أن ختمت فقام على المنبر يدعو إلى كتاب الله، ويذود عن كتاب الله، ويلح في تحفيظ كتاب الله، ويشفق أن يضيع كتاب الله. والشيوخ يستمعون له أول الأمر، ثم لا يلبثون أن يضيقوا به شيئا فشيئا، ثم يستحيل هذا الضيق إلى تبرم، ثم إلى سخط، ثم إلى هياج، ثم إلى تفرق عن الشيخ وانسحاب من الجلسة، ويكون أول المتفرقين، والسابق بين المنسحبين صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر.
تبارك الله، ما أثقل كلام الشيوخ على آذان الشيوخ! وما أضيق رجال الدين ببراعة رجال الدين! تبارك الله، ألم يكن يجب لهذا المجاهد الصادق في سبيل الله، ولهذا الخطيب الناطق بحجة الله، ولهذا البطل الذائد عن دين الله، ولهذا الفارس المدافع عن كتاب الله، ألم يكن يجب له شيء ولو قليل جدا من التشجيع والتأييد يبذله له، ويمده به صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر، الذي جعلت الظروف إليه حماية الإسلام، ورعاية حرماته، والدفاع عن القرآن، والذود عن ذماره، ولكن شيخ الأزهر سخط وثار، ثم نهض فطار، وأسلم الشيخ الخطيب للتقريع والتأنيب، فجعل الشيخ يصول ويجول، ويسكت ويقول، ويقصر ثم يطول. والأعضاء من حوله بين مقبل عليه، مصغ إليه، وبين معرض عنه، نافر منه، حتى إذا بلغ به الجهد أقصاه، رفق به منهم رفيق، فدعا له بقدح من ماء شربه الشيخ فعاد إليه النشاط وقويت في جسمه حركة الحياة، فانطلق لسانه وتدفق بيانه، وعظم سلطانه، وطغى سيله، واشتد ويله، حتى صاح وزير التقاليد: «واغوثاه، واغوثاه، أنحن في مدرسة من مدارس اللغة، أم في مجلس من مجالس التشريع؟».
والشيخ يزأر ويهدد، ويضطرب ثم يستقر، ويذكر المواضيع وصوابها الموضوعات، ويذكر المظاريف وصوابها الظروف، ويذكر الكيلومتر ويريد أن توضع مكانها الذراع، ويذكر مجانا وصوابها بالمجان، ويذكر الجغرافيا وصوابها تقويم البلدان.
ووزير التقاليد يسكت فيطيل، ويعتدل ثم يميل، ورئيس المجلس ينبه، والشيخ لا ينتبه، وعضو من المجلس يهبط على الشيخ فيزعق الشيخ في وجهه زعقة ترتج لها أنحاء المجلس: «لأمضين في الكلام حتى الصبح». ويمضي ثم يمضي. وقد أخذ المجلس وجوم، وتساقطت على المجلس هموم، ويرقى إلى الخطيب شيخ من رجال الدين، ثم شيخ آخر من رجال الدين. هذا يستعطفه، وهذا يستكفه عن القول، ولكن الشيخ لا يعطف ولا يكف، بل يمضي. يا لها من جذبة روحانية رائعة، بسطت سلطان الشيخ على الميدان حتى خلا من كل منازع. ثم يقترح الشيخ تعديلا لمادة من مواد القانون، ويريد الشيخ بهذا التعديل أن يفرض على أبناء المسلمين جميعا حفظ القرآن، ويأخذ الشيخ في الدعوة إلى الله، وفي إنهاض الهمم، وإثارة الحفائظ وتنبيه الشعور، وإذكاء العواطف. فيستجيب للشيخ رجال ليس منهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر. والشيخ ماض في إنهاض الهمم والدعوة لله، ولو قد خلى بين الشيخ وما أراد لظفر وانتصر، وأصبح حفظ القرآن كله فرضا على أبناء المسلمين، ولكن الجلسة ترفع، ويخرج الرئيس ويتبعه الأعضاء، ويخرج الشيخ مع الخارجين، ثم يعود مع العائدين، ثم يؤخذ الرأي فإذا حفظ القرآن فرض كفاية، لا فرض عين، يقوم به من أراد من المسلمين كما أحب القانون، لا كل المسلمين كما كان يريد الشيخ. والشيخ مصر على رأيه ملح فيه، ولكن الاتفاق قد تم خارج الجلسة، وأمن المجلس من أن يؤخذ على غرة. وانتهى الأمر كما بدأ، وذهب جهد الشيخ الجاهد في غير طائل، وضاعت على المجلس جلسة كاملة لو لم يشغلها الشيخ ببيانه الرائع ودفاعه البارع لأتيح للأعضاء أن يفرغوا لدرس القانون، وتمحيص طائفة من مواده كانت تحتاج إلى التمحيص.
وكان نفر من رجال التعليم الإلزامي قد أقبلوا ليشهدوا المجلس ويسمعوا ما يقال فيه حول هذا الموضوع ذي الخطر العظيم، فرأوا الشيخ وسمعوه، ولم يروا المجلس ولم يسمعوه، وإذا أبى الله توفيقه على بعض الناس دفعهم إلى الإغراق في الصمت أو إلى الإغراق في الكلام، فأضاعوا الحق، وعطلوا المنفعة بالأمرين جميعا.
في هذه الجلسة عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، ودرس لمن أراد أن يفهم الدروس. فيها أن الإغراق في الصمت كما كان يفعل شيوخ الأزهر مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن الإغراق في الكلام كما فعل الشيخ أمس مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن خير الأمور أوسطها، وأن الإسراف لا خير فيه مهما يكن مصدره ومهما تكن غايته، ومهما يكن موضوعه.
وفيها أن صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد وقف أمس موقفا لم يكن ينبغي له، فقد كان من الحق عليه، وعليه قبل أي إنسان آخر أن يقول في هذا الموضوع كلمة رجال الدين فيقر بها الأمر في نصابه، ويبين للمجلس طريقة واضحة جلية، لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الشيخ راغ وزاغ، وآثر الصمت ثم آثر الانسحاب ثم عاد موثرا للصمت، فلا هو غاب عن الجلسة، ولا هو شهدها، فكان شهوده نافعا مفيدا، كان من الحق عليه أن يأخذ صاحبه بالصمت، وأن يبين أن الله عز وجل أرفق بعباده من أن يفرض عليهم جميعا حفظ القرآن كله، وأن الخير في أن تنهض بحفظ القرآن جماعة صالحة من أبناء المسلمين كما أراد القانون، ولكن الشيخ أشفق أن يجهر بهذا الحق فيتهم بالتخذيل عن الدين، والتقصير في الذود عنه، وأشفق أن ينضم إلى الشيخ فيغضب الوزير ويسخط أصحاب السلطان، وآثر الشيخ أن يقف موقفا غريبا، أقل ما يوصف به أنه كما يقول القرآن الكريم: ﴿لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء﴾ كانت تنقصه الصراحة والصراحة في الحق ألزم الأشياء لرجال الدين.
ولكن من ذا الذي ينتظر من مولانا الأكبر موقفا غير موقفه؟ وهل أخطأ الشاعر القديم حين قال:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
لقد نفض الشيخ يده أمس فلم يبق فيها شيء. أما المجلس فلم يكن موقفه أقل غرابة من موقف الشيخ الأكبر. كان ضيقا بالخطيب، مسرفا في الصبر عليه. ولعله كان خائفا منه، وكيف لا يخاف وهو يذكر الدين، ويظهر الدعوة إليه، والشيخ الأكبر خائف يترقب، لا يستطيع أن يؤيد صاحبه، ولا أن يخذله.
وكذلك مضى هذا القانون في غير درس ولا تمحيص، لأن شيخا من شيوخ الأزهر أراد أن يظهر الغيرة على الدين، فأسرف فيما أراد. وأراد المجلس أن يصبر عليه، فأسرف في الصبر. وضاعت مصالح الناس بين انتفاش الشيخ وانكماش المجلس. فاللهم اهدِ القوم إلى حسن القصد في تقدير الأمور.
كوكب الشرق ١٣ – ٦ – ١٩٣٣ -
عدل
عدل
لم يظهر إلى الآن من يذود عن وزارة المعارف، أو يدفع ما قيل عن امتحان اللغة الإنجليزية لطلاب الكفاءة من أنه كان عسيرًا مسرفًا في العسر، أو سخيفًا مغرقًا في السخف، أو ممتازًا بالعسر والسخف جميعًا. بل لا تظهر صحف الصباح، ولا تظهر صحف المساء إلا وفيها إنكار المنكرين، وسخط الساخطين، ونقد الناقدين، واستهزاء المستهزئين أيضًا. وقد سكت الطلاب وتكلم الأساتذة فأنت لا تكاد تقرأ في الصحف شكاة يتقدم بها طالب أو استعطافًا تتقدم به جماعة من الطلبة، وإنما تقرأ أحاديث يلهج بها الأساتذة من الإنجليز والمصريين، وأحاديث أخرى يلهج بها القادرون على نقد موضوعات الامتحان من غير رجال المعارف. وأولئك وهؤلاء متفقون على أن هذا الامتحان العسير أو السخيف، أو العسير السخيف معًا كان ظلمًا مرهقًا، فلا بد من رفعه أو إنقاذ الطلاب من شرِّه. ولا بد بعد ذلك من اتخاذ الوسائل التي تكفل امتناع هذا الظلم، وتحول دون وقوعه مرة أخرى.
ولكن كيف يرفع هذا الظلم؟ بإحدى اثنتين: إما أن تمضي وزارة المعارف في هذا الامتحان وتصحيحه كأن شيئًا لم يكن، وكأن ظلمًا لم يقع، وإذن فسينال الطلاب ما يستحقون من الدرجات. وحينئذ فسترسب كثرتهم من غير شك، وسيكون الظلم صارخًا شنيعًا. وإما أن تأمر وزارة المعارف لجان التصحيح بالرفق والرحمة والتجاوز للطلاب عن بعض الخطأ، والتسامح معهم في بعض الهفوات، والنزول لهم عن بعض الدرجات، وإذن فسينجح منهم فريق ويرسب فريق. فأما الناجحون فسينجحون بغير حق، وسيفوزون في غير استحقاق للفوز. وأما الراسبون فسيرسبون في غير حق أيضًا، وسيخفقون في غير استحقاق للإخفاق.
وما دام الامتحان قد كان قاسيًا عسيرًا سخيفًا بالقياس إليهم جميعًا فيجب أن ينجحوا جميعًا بغير حق، أو أن يرسبوا جميعًا بغير حق. وكذلك نتيجة الأعمال التي لم تقم على إيثار العدل والمنفعة، وتوخي القصد والإنصاف والصواب، لا يمكن إلا أن تكون شرًّا كلها.
فالرحمة إذن لا تصلح علاجًا لهذا الموقف المؤلم السخيف الذي تقفه وزارة المعارف اليوم من هؤلاء الطلاب البائسين. والرحمة إنما يفكر الناس فيها بعد أن يستنفدوا ما يجب من العدل. فأما قبل العدل فليس إلى التفكير في الرحمة سبيل، لأنها تصبح ظلمًا وجورًا. ولست أدري لم ينجح فلان ويرسب فلان إذا كان الامتحان عسيرًا سخيفًا بالنسبة إليهم جميعًا. ولست أدري كيف ينجح الطلاب جميعًا إذا كنا نريد أن يظفروا بشهاداتهم لأنهم استحقوها وكسبوها، ولأنها لم تقدم إليهم هدية ولا هبة. ولست أدري كيف يرسب الطلاب جميعًا إذا كانوا جميعًا قد اجتهدوا طوال العام، وكانت كثرتهم خليقة بالنجاح لو أن الامتحان كان معقولًا. فالعدل وحده إذن هو الذي ينقذ وزارة المعارف ويصلح موقفها، ويرد الطلاب إلى ما يجب لهم من الإنصاف. وهذا العدل كغيره من الفضائل ثقيل لا يحتمله إلا القادرون على أن يأخذوا أنفسهم بأداء الواجب، واحتمال الأمانات على ثقلها، وما تكلف من مشقة وجهد وعناء.
هذا العدل يقضي بإلغاء امتحان الإنجليزية لهؤلاء الطلاب، وأخذهم بامتحان جديد، توضع له أسئلة معقولة في نفسها، ملائمة لبرنامج الدراسة ملاءمة صحيحة لا غبار عليها. هذا العدل هو الذي يرد الأشياء إلى نصابها حقًّا فيمكن الطلاب الجادين من النجاح الذي يستحقونه، ويرد الطلاب المقصرين إلى الإعادة التي لا بد لهم منها، ويضمن للبلاد شبانًا نجحوا في الامتحان نجاحًا صحيحًا لا رحمة فيه، ولا محاباة ولا عطف فيه ولا إحسان.
وأنا أعلم حق العلم أن وزارة المعارف ستضيق بهذا الاقتراح، وستمنعها الكبرياء من أن تحفل به وتلتفت إليه، ولكني أعلم حق العلم أن هذا الاقتراح وحده هو الحل الصحيح الملائم للحق والعدل والمنفعة، وأن حرص الوزارة على كبريائها لا ينبغي أن يكون أشد من حرصها على مستقبل هذا الجيل من الطلاب، وعلى إنصاف المظلومين من هؤلاء الطلاب. ولا ينبغي بحال من الأحوال أن يضحَّى بالمصالح العامة في سبيل هذه الأنفة الكاذبة. وهذه الكبرياء السخيفة التي تمنع الناس من أن يرجعوا إلى الحق إذا علموا أنهم مخطئون.
ومهما يكن من شيء فلا بد من تحقيق دقيق بريء من كل المؤثرات ليتبين الناس جلية الأمر في هذا الامتحان. وهذا التحقيق لا تستطيع وزارة المعارف أن تجريه لأنها متهمة، فهي التي وضعت الامتحان وراجعته وورطت الطلاب فيه. فلا بد أن تنهض به إذن لجنة بعيدة عن مكاتب الوزارة، قوامها جماعة من رجال التعليم الذين يستطيعون أن يقضوا في هذا الأمر دون أن يكون عليهم بأس من هؤلاء السادة المتسلطين في ديوان الوزارة. وكل حل غير هذا معرض للشك والريبة، ووسيلة إلى الظلم والطغيان.
هناك مسألة أخرى يجب أن تفكر فيها وزارة المعارف منذ الآن،
وهي مسألة العدول عن وحدة الامتحانات العامة بالقياس إلى مصر كلها. فمن السخف حقًّا أن توضع أسئلة في أي علم من العلوم لتفرض على طلاب المدارس جميعًا مهما تكن مدنهم وبيئاتهم، لا لشيء إلا لأنهم طلاب التعليم الثانوي أو طلاب التعليم الابتدائي. إنما سبيل المنفعة في ذلك أن تؤلف لجان مختلفة، لكل لجنة طائفة من المدارس تضع لها أسئلة الامتحان دون أن تلتزم هذه الوحدة التي تشبه التنظيم العسكري له قيمته، ولكنه أقل النظم ملاءمة لشئون التعليم والامتحان.
ولو أن وزارة المعارف لم تلتزم هذه الوحدة الغريبة، ولم تفرض على الطلاب جميعًا أسئلة بعينها، لما كان هذا الظلم بأسئلة الكفاءة في هذا العام شاملًا ولا عامًا، بل لشكا منه فريق بعينه، هو الذي يكون الله قد ابتلاه بمن وضع له هذا الامتحان السخيف، ولكان غير هذا الفريق من الطلاب آمنًا من هذا السخف، هادئًا لا يشكو ولا يستعطف. ولوجدت الوزارة نفسها أمام شرٍّ ضيقٍ حصورٍ.
فلتفكر الوزارة في إصلاح هذا الشر الذي تورطت فيه هذا العام، ولتصطنع في ذلك كله شيئًا من الجد والسرعة والحزم، فذلك خير لها وللناس جميعًا.
كوكب الشرق ١١-٦-١٩٣٣ -
أزياء
أزياء
يقال إن الحرية الشخصية مكفولة للمصريين جميعًا بنص واضح صريح من نصوص الدستور، ويقال إن هذا النص لم يغير، ولم يصبه تعديل ولا تبديل حين غُير الدستور القديم وأقيم مقامه الدستور الجديد، ولكن يظهر أن هذا النص إنما وضع في الدستور زينة وتحلية! لأن الدساتير كلها تشتمل على مثله، ولأن الأمم الحديثة كلها تحرص أشد الحرص على أن يقال إنها تكفل الحرية الشخصية للناس، ومصر- كما تعلم – جزء من أوربا، فينبغي أن يكون لها دستور كغيرها من البلاد الأوروبية وينبغي أن يشمل دستورها على مثل ما تشتمل عليه الدساتير الأوروبية من النصوص، وأن يقوم دستورها على مثل ما تقوم عليه الدساتير الأوروبية من القواعد والأصول، وإلا لم تكن مصر جزءًا من أوربا، ولم يكن أهلها قومًا متحضرين، ولم تكن دولتها خليقة أن تُعد بين الدول الراقية.
وقد تكون هذه النصوص في نفسها سقيمة سخيفة، وقد يكون الدستور في نفسه لونًا من ألوان الكلام الذي لا فائدة منه، ولا خير فيه، ولكنه على كل حال شيء لا بد منه في هذه الأمم لكل بلد يريد أن ينظر إليه نظرة فيها إكبار وتقدير. فليكن لنا دستور وليشتمل هذا الدستور على نصوص تكفل الحرية الكاملة للأفراد والجماعات في حدود القانون، ولكن لنكن مهرة، لبقين في احترام هذا الدستور وتنفيذ هذه النصوص، فإن الأجانب لم يتعمقوا في درس شؤوننا وتعرف أخبارنا وأحوالنا والتحقق من احترامنا للدستور أو إعراضنا عنه. سيكتفون بأن لنا دستورًا، وبأن دستورنا هذا يشبه ما عندهم من الدساتير. وإذا خدعنا الأوروبيين عن أنفسنا، وخيلنا إليهم أننا قوم مثلهم، فلنصنع فيما بيننا وبين أنفسنا ما نشاء، ولننظر إلى هذه الحرية الشخصية التي يكفلها الدستور النظرة التي تستحقها. فالواقع أن هذه الحرية الشخصية ضرب من السخف، وفن من فنون الهزل، وأن الناس جميعًا لا يستحقون أن يستمتعوا بها، ولا أن يُخلى بينهم وبينها. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن قومًا كرجال المعارضة يستحقون أن يستمتعوا بحريتهم الشخصية في حدود القانون فيقولوا ما يشاءون، ويأتوا من الأمر ما يريدون، ويتنقلوا من أرض مصر حيث يشاءون؟ ومن الذي يستطيع أن يزعم أن من الخير أن يُخلى بين هؤلاء الناس وبين الحرية الشخصية التي تبيح لهم القول والنشاط والانتقال فلا يكادون يقولون أو ينشطون أو يتنقلون حتى يتصل بهم الشعب الذي يحبهم، ويفتتن بهم الشعب الذي يكبرهم، وإذا هم والشعب معهم خطر على الأمن والنظام، وخطر على الوزارة قبل الأمن والنظام!
يجب إذن أن تضيق الحرية الشخصية لهؤلاء الناس، وألا يُمنحوا منها إلا ما يمكنهم من الطعام والشراب والنوم، فأما ما يزيد على هذا فينبغي أن يُقتر عليهم فيه، وألا يأخذوا منه بحظ إلا أن يأذن به وزير الداخلية! ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن هؤلاء الناس الذين يسمون أنفسهم أفراد الشعب، ومنهم الصانع والزارع، ومنهم التاجر والموظف يستحقون أن يستمتعوا بهذه الحرية الشخصية! وهم قاصرون لا يُحسنون التفكير في شؤونهم والنظر إلى مرافقهم. وهم محتاجون دائمًا إلى الأوصياء يعلمونهم كيف يعيشون، وكيف يتصرفون في شؤون الحياة، وحظهم من السذاجة عظيم، يرون نصًا في الدستور يكفل لهم الحرية الشخصية حقًا، وينسون أن احترام هذه الحرية الشخصية في النصوص وعلى الورق، وأن احترامها العملي في الحياة اليومية شيء آخر.
انظر إلى رجال التعليم الأولي والإلزامي كيف خدعوا عن هذه الحقيقة الواضحة الجلية، فخيلوا إلى أنفسهم أنهم أحرار، يستطيعون أن يتخذوا من الأزياء وأشكال الناس ما يشاءون، وما يلائم منافعهم وميولهم، فعدل كثير منهم عن العمامة إلى الطربوش، وعن الجبة والقفطان إلى الجاكتة والبنطلون حتى فسدت بذلك أمورهم وأمور القرى، واضطربت أحوالهم وأحوال القرى، وشك الناس فيهم وساءت بهم الظنون.»
وما رأيك في قوم لبسوا البنطلون فصرفهم عن غشيان المساجد وأداء الصلاة؟ وغطوا رؤوسهم بالطربوش فحال بينهم وبين القدرة على الوعظ والإرشاد!! أتظن أن هؤلاء الناس أهل لأن يستمتعوا بالحرية الشخصية حتى ولو كفلها ألف دستور؟ كلا، يجب أن تُلف أجسامهم في الجبب والقفاطين وأنوفهم راغمة! يجب أن يُخيروا بين الحرية الشخصية وبين العيش! فمن شاء منهم أن يأكل ويشرب ويطعم أهله ويسقيهم فلينزل عن حريته الشخصية هذه! ومن شاء منهم أن يستمتع بهذا البدع الجديد، ويكون رجلًا حرًا، يلبس ما يشاء هو، لا ما يشاء رؤساؤه، فلينزل عن عمله في التعليم، وعن رزقه الذي يعيش منه، ويلتمس قوته وقوت أهله عند هذه الحرية الشخصية، وليلتمس مسكنه ومسكن أهله عند هذه الحرية الشخصية. يجب أن يختار المعلمون بين مناصب التعليم وكرامة الرجال. فمن شاء أن يكون معلمًا فلينزل عن كرامته، ومن شاء منهم أن يكون كريمًا فلينزل عن التعليم.
أنت تقرأ هذا الكلام فتعجب، ويخيل إليك أني أذهب في الهزل والدعابة إلى حد بعيد، ولكني لا أحب الهزل ولا الدعابة في هذا الموضوع، وإنما أصور الحق الواقع الذي لا شك فيه. وقد تستطيع أن تقرأ في غير هذا المكانِ منشورًا أذاعه مدير الدقهلية في رجال التعليم الأولي والإلزامي، يخيرهم فيه بين الزي الإفرنجي ومناصبهم في التعليم، ويؤجلهم شهرين ليختاروا، ويأخذ عليهم عهدًا بأنهم قد تسلموا هذا المنشور، وقرأوه فهم ملزمون به.
فإذا أردت بعد ذلك أن توفق بين عمل هذا المدير، وبين ما كفله الدستور للناس من الحرية الشخصية فستضيع وقتك في غير طائل، وستضيع جهدك في غير عناء، فالمدير بهذا العمل معتدٍ على الحرية الشخصية، متعمد للطغيان على هؤلاء المعلمين، مخالف أبسط قواعد الحق والعدل وأوضح أصول الدستور والقانون. فليس للدولة بحال من الأحوال، ولا للسلطة الإقليمية بحال من الأحوال أن تدخل بين الناس وبين ثيابهم إلى هذا الحد.
وأنت تعلم حق العلم أن المدير يلبس الطربوش، ويلبس الجاكتة والبنطلون، وهو رجل مسلم يمثل حكومة إسلامية، ومن الحق عليه لو احترمت شعائر الإسلام في هذا البلد أن يشهد الصلوات الخمس كل يوم في المسجد العام، فهل يشهدها؟ فإن كان يشهدها فهل يغير زيه كلما ذهب إلى الصلاة؟ أم هل يذهب إليها بزيه الإفرنجي؟ وإن كان لا يشهدها، فما حكم الله فيه؟ وما حكم الدولة الإسلامية فيه؟ وما رأي البرلمان الإسلامي فيه؟ وما باله يأمر الناس بالبر وينسى نفسه؟ وما باله يأخذ الناس بتغيير أزيائهم ويحتفظ هو بزيه لا يغيره ولا يبدله؟ ومن الذي أعطاه هذا السلطان يطغى به على حياة الناس وأرزاقهم ويتخذه وسيلة إلى العبث بحرية الناس وكرامتهم؟ وما قيمة هذا المعلم الذي يصبح عبدًا للمدير فيلبس ما يشاء المدير، لا ما يشاء هو؟ وما قيمة الطفل الذي يُنشئه هذا المعلم العبد؟ أينشأ شابًا حرًا، أم شابًا رقيقًا؟ وهب هؤلاء المعلمين أبوا أن يذعنوا لأمر هذا المدير فأبعدوا عن مناصبهم، وقطعت عنهم أرزاقهم، فما تصنع بهم الدولة؟ أترزقهم من غير عمل؟ أم تتركهم مشردين يموتون جوعًا إن آثروا الفضيلة، ويقترفون الآثام إن آثروا الحياة؟!
نريد أن نعتقد أن السلطة المركزية في القاهرة أعقل وأحزم وأكرم على نفسها من أن تدع هذا العبث يذهب فيه المديرون إلى غير حد، فهي إن فعلت فتحت بابًا للفتنة عظيمًا. إن الناس يُفتنون في آرائهم ومذاهبهم، فلا ينبغي أن يُفتنوا في
لباسهم وأزيائهم. ومن الذي زعم أن العمامة تدعو إلى الصلاة وتأمر بالمعروف، وأن الطربوش يدعو إلى المعصية ويأمر بالمنكر؟ أفكل وزرائنا ورجال دولتنا الذين يلبسون الطربوش عصاة لله، تاركون للصلاة، آمرون بالمنكر، ناهون عن المعروف؟ وإذن فما بقاؤهم في مناصبهم؟ وكيف يتفق هذا مع أن دين الدولة هو الإسلام؟ وإذا كان الطربوش إثمًا إلى هذا الحد فما بال البرلمان لا يصدر قانونًا بتحريمه على الناس جميعًا؟ وما بال الطربوش يباح لرجال التعليم كلهم إلا رجال التعليم الأولي والإلزامي؟
أحق أن العمامة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ وإذن فما بال الشيخ الأزهري الذي يشغل منصب التفتيش على التعليم الديني ثم لا يتحرج من أن يسرق مقدارًا ضئيلًا من المال فيما يقال من أموال الدولة؟ استغفر الله من أموال المسلمين؟ وما بال الشيخ الأكبر يسكت على هذا الشيخ أو يسكت عنه فلا يبرئه من تهمة السرقة ولا يعاقبه عليها؟
كلا ليس المعروف والمنكر أثرًا من آثار العمامة أو الطربوش، وإنما هما أثرٌ من آثار التربية الصالحة والتعليم الصحيح. ولم نعرف بعد أن أحدًا من رجال التعليم الأولي سرق من أموال الدولة، أو سافر في الدرجة الثانية، وأخذ من الدولة أجرة السفر في الدرجة الأولى.
يجب أن يضع وزير الداخلية حدًا لطغيان مدير الدقهلية وأن يأمر عماله في الأقاليم بأن يكفوا عن هذا العبث السخيف الذي يوشك أن يفتح على مصر أبوابًا من الشر ليس إلى إغلاقها من سبيل!!!
كوكب الشرق في ٩ – ٦ – ١٩٣٣ . -
تجديد
تجديد
لا أريد تجديد الأدب، فليس هذا موضع الحديث عن الأدب القديم والجديد، وإنما أريد تجديد الأزهر، فقد كثر الحديث فيه منذ أعوام، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بلاد الغرب أيضًا. وأكثر القراء يعرفون ما يتحدث الناس به في مصر وفي البلاد الشرقية عن إصلاح الأزهر، ولكن كثيرًا منهم — ولعل بينهم عددًا غير قليل من العلماء الأزهريين — يجهلون أن بعض البيئات الأوربية تعنى بما ينال الأزهر من إصلاح عناية خاصة. ويكفي أن نشير إلى فصول طوال كُتبت عن مصر باللغة الفرنسية لمجلة فرنسية من مجلات المستشرقين الكبرى، هي مجلة الدراسات الإسلامية التي يصدرها صديقنا الأستاذ لويس ماسينيون. ولا يكاد يصدر كتاب في أوربا وأمريكا عن حياتنا الأدبية والدينية إلا وفيه إلمام طويل أو قصير بموقف الأزهر من هذه الحياة، مشاركًا فيها تارة ومقاومًا لها تارة أخرى، وبما يُنتظر أن يسلك الأزهر من طريق في المستقبل القريب ليصل بين حياته القديمة وبين الحياة الجديدة في مصر خاصة وفي الشرق الإسلامي بوجه عام.
وكان مكاتب التيمس في القاهرة آخر من تحدث عن الأزهر وما يُراد به، وما يريد هو لنفسه من تجديد، في الفصل الذي نشرته له صحيفته أول أمس، ولخّصته الرسائل البرقية في الصحف المصرية. وليس الأوربيون مسرفين ولا غالين حين يقدّرون أن للأزهر خطرًا عظيمًا وأثرًا بعيدًا في حياتنا الجديدة. ولعل المصريين هم الذين يسرفون في التقصير حين ينظرون إلى الأزهر وما يناله من الإصلاح نظر المعرض عنه الذي لا يكاد يحفل به ولا يلتفت إليه.
فالأزهر مصدر من مصادر الحياة العقلية في الشرق الإسلامي، وهو أقدم هذه المصادر، وكان أقواها وأجلها خطرًا إلى عهد بعيد، وسيظل مصدرًا قويًا جدًا من مصادر الثقافة في هذا الشرق. ويكفي أن تلاحظ أمرين: أحدهما أنه أكبر معهد يُدرس فيه الإسلام.
والثاني أن الطلاب الذين يقصدون إليه ويدرسون فيه لا يُحصون بالمئات، وإنما يُحصون بالألوف. فهو من الناحية الأولى قوي أشد القوة لاتصاله بحياة المسلمين الدينية وتأثيره في هذه الحياة واضطرار المسلمين إلى أن يحوطوه ويرعوه ويحرصوا على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا، ما داموا حريصين على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا. وهو من الناحية الثانية بعيد الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لأن الطلاب الذين يقصدون إليه ويطيلون الاتصال به يخرجون من طبقات الأمم الإسلامية كلها مهما تختلف وتتباين، ثم يعودون إلى بيئاتهم وقد أتموا الدرس أو كادوا يتمونه، فيؤثرون في هذه البيئات تأثيرًا يلائم ما درسوا وما تعلموا، وما أثر في مزاجهم وطبائعهم من هذه المؤثرات التي تتصل بالتعليم وبالتعليم الديني بنوع خاص.
فالذين يهملون الأزهر حين يدرسون الحياة المصرية، والذين لا يحسبون للأزهر حسابًا حين يحللون هذه الحياة، وحين يقدرون مستقبلها من أي نحو من أنحائها، يسيئون إلى أنفسهم لأنهم يأخذونها بنوع من الدرس منقوص لا خير فيه ولا غناء، ويسيئون إلى أمتهم لأنهم يهملون مصدرًا من أقوى المصادر التي تؤثر في حياتها العقلية والدينية والشعورية. ثم تؤثر لهذا كله في حياتها السياسية والاجتماعية على اختلاف فروعها وأشكالها.
وما ينبغي بحال من الأحوال أن تكون عناية الأجانب بحاضر الأزهر ومستقبله أشد من عنايتنا نحن. فالأزهر لنا قبل أن يكون للأجانب. والأزهر مؤثر في حياتنا نحن قبل أن يؤثر في الصلة بيننا وبين الأجانب. ولعل مكاتب التيمس قد وفق توفيقًا عظيمًا حين لاحظ أن تلاميذ التعليم الحديث كانوا ينظرون منذ عشرين سنة إلى الأزهريين كما ينظرون إلى قوم غرباء، ليس بينهم وبينهم صلة. وأن هذه الحالة قد تغيرت الآن فقربت الآماد بين الأزهريين وبين غيرهم من المثقفين.
ولعل هذه الملاحظة تعيننا على أن نفهم إعراض الناس عن الأزهر وتقصيرهم في العناية به. فأكثرهم ما يزالون ينظرون إلى الأزهريين على أنهم غرباء أو كالغرباء. وأكثرهم ما يزالون يعتقدون أن الحياة الحديثة ستمضي في طريقها إلى الأمام، وأن الأزهر سيظل مثقلًا بالقديم فيضطره ثقل التراث الذي يحمله إلى التخلف أو إلى التقدم البطيء.
وهذا النحو من التفكير ظاهر الصواب ولكنه مغرق في الخطأ.
فالأزهر كغيره من المرافق المصرية مضطر إلى أن يخضع لضرورات الحياة الحديثة. والأزهريون كغيرهم من المصريين مضطرون إلى أن يخضعوا لضرورات هذه الحياة. وقد حاول المصلحون في مصر أن يدعوا الأزهر متخلفًا وينهضوا بإنشاء المعاهد التي تلائم حاجات الناس ومصالحهم وتخضع في سهولة ويسر للتطور الذي يخضعون له، فأنشئت دار العلوم في القرن الماضي، وأنشئت مدرسة القضاء الشرعي في أول هذا القرن، ولكن ظروف الحياة المصرية واضطراب السياسة المصرية أبت إلا أن ترد إلى الأزهر شيئًا من القوى والنشاط وتمكنه من أن يدافع عن نفسه، ومن أن يحاول النهوض بما يجب أن ينهض به من أعباء الحياة في هذا العصر الحديث، فألغيت مدرسة القضاء، ثم أعيدت ثم ألغيت. وهذه دار العلوم تريد أن تُلغى أو تريد أن تعود إلى أصلها وتفنى في الأزهر الذي أنشئت لتقاوم به أو لتأخذ عليه الطريق.
وهنا يخطئ مكاتب التيمس خطأً عظيمًا مصدره أنه لا يحسن العلم بتاريخ الأزهر منذ أول هذا القرن. فليس من الحق في شيء أن نهضة الأزهر حديثة يرجع تاريخها إلى هذه الأعوام الأخيرة، وإنما الحق الذي لا يشك فيه أن نهضة الأزهر بعيدة العهد، عرفتها مصر قبل الحرب الكبرى بأعوام. وكان للأستاذ الإمام محمد عبده الفضل الأكبر في تأسيسها وفي بعث الحياة القوية في نفوس نفر من الأزهريين، إلى بعضهم في هذه الأيام مقاليد الأمر في الأزهر، فليست نهضة الأزهر بنت الحرب الكبرى أو بنت الحركة الوطنية الأخيرة، وإنما هي بنت الحياة المصرية في أيام الأستاذ الإمام. وليس من أبناء هذا الجيل من ينسى جهود الأستاذ في إحياء الأزهر نفسه وبعد وفاة الأستاذ الإمام في الجهاد والكفاح للوصول إلى أعظم حظ ممكن فيه.
وقد استفادت نهضة الأزهر من الحركة الوطنية الأخيرة، ومن إعلان الاستقلال والدستور، كما استفادت المرافق المصرية كلها من هذه الحركة. فخُيّل إلى كثير من الأجانب الذين لا يدرسون حياتنا درسًا عميقًا أن النهضة الأزهرية قد ابتُكرت ابتكارًا في هذه الأيام.
وليس من شك في أن الفضل الأكبر لحضرة صاحب الجلالة الملك في توجيه هذه النهضة القوية وتنظيمها ورعايتها بعطفه السامي وعنايته الكريمة حتى أخذت هذه الطريق التي تسير فيها الآن.
ومن الغريب أن مظاهر النهضة الأزهرية في هذه الأيام تشبه مظاهرها قبل الحرب من وجوه كثيرة نذكر منها وجهين اثنين.
أحدهما أن الأزهريين قد أحسوا أنفسهم وطمعوا في أن يكون لهم ما لغيرهم من المصريين المثقفين من الحق والكرامة والاحترام، وفي الثقافة والعلم. ثم نظروا فرأوا أن غيرهم من المثقفين إنما يمتاز بالعلم الحديث واللغات الأجنبية، فأبوا إلا أن يكون لهم حظ من هذا العلم الحديث وهذه اللغات الأجنبية ليكونوا كغيرهم من الناس في المنزلة وفي المكانة وفي الكرامة والحرمة، وفي التفكير والتقدير.
الثاني: أن الأزهريين حين أحسوا أنفسهم طمعوا في أن ينهضوا بالواجبات المدنية كما ينهض بها غيرهم من الناس. ونظروا فإذا مناصب الدولة قد قُصرت على غيرهم وصُرفت عنهم، ولم يُحفظ لهم منها إلا اليسير. ثم نظروا فإذا مصدر هذا أن تعليمهم القديم لا يُعدهم للنهوض بالأعباء التي تفرضها هذه المناصب، فطالبوا بأن يُغيَّر التعليم في الأزهر، وبأن تُمحى الفروق بين الأزهريين وبين الطلاب في المدارس المدنية.
كان الأزهريون يشعرون بهذا أول القرن شعورًا قويًّا، وهم يشعرون بهذا الآن شعورًا قويًّا، ولن تجد تعليلًا آخر لإقبال الأزهريين على هذه النهضة يؤيدونها ويستبقون إلى أن يأخذوا منها بأعظم نصيب. ولو أن الدولة نظرت إلى الأزهر والأزهريين منذ أول هذه النهضة كما نظرت إلى غير الأزهر من المرافق وإلى غير الأزهريين من أبناء مصر، لأخذ الإصلاح الأزهري طريقه مستقيمةً منتجةً لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الدولة كانت تخاف من المحافظين في الأزهر فلم تكن تمس الأزهر بالإصلاح إلا على إسراف في الرفق والاحتياط. وكان للأزهر من الدولة وضع خاص قبل الحياة الدستورية يجعل سلطان الدولة عليه يسيرًا ضئيلًا، فلم تستطع الحكومة أن تواجه إصلاح الأزهر بما كان ينبغي من الحزم والنشاط.
والمسألة التي يجب أن يفكر فيها المصلحون الآن حين ينظرون إلى الأزهر ويقدّرون مستقبله، ذات وجهين فيما نعتقد. أحدهما أن الأزهر معهد من معاهد التعليم، لا أكثر ولا أقل. والثاني أن الأزهر معهد من معاهد التعليم الديني الإسلامي. فالوجه الأول يقضي بأن يُحال بين الأزهريين وبين كل ما من شأنه أن يفسد التعليم أو يضعف أثره في النفوس أو يشوّه تكوينه للعقل. والوجه الثاني يقضي بأن يُحال بين الأزهر وبين كل ما من شأنه أن يضعف سلطان الدين أو يُشكّك الناس في القائمين على خدمته أو يُسيء ظنهم بالذائدين عنه.
ومعنى هذا أن أوجب ما يجب على الدولة أن تعصم الأزهر من السياسة، وتبذل كل ما تملك من قوة لتجعله بمعزل عنها ومأمنًا منها. فلم تدخل السياسة في شيء من أمور الدين إلا أثارت حوله الريب والشكوك، وألقت بينه وبين الناس حجابًا كثيفًا. وكم نحب أن يُحال بين الأزهر خاصة، ومعاهد التعليم عامة، وبين السياسة وآثارها المفسدة لكل نظام من نظم التعليم حين تندسّ إليه.
كوكب الشرق في ٦-٨-١٩٣٣ -
امتياز
امتياز
إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام . -
إنصاف
إنصاف
لسادة اليوم وأعوانهم عناية بالألفاظ أشد جدا من عنايتهم بالمعاني، وتهالك على الظواهر أشد من السعي إلى الحقائق، ورغبة في الإعلان ونشر الدعوة أشد جدا من أن يكون هذا الإعلان أو هذه الدعوة ملائمين لواقع الأمر وحقائق الأشياء.
وهذا الاستعداد الغريب يدعوهم إلى أن يخدعوا أنفسهم ويخدعوا الناس أيضا عما يحيط بهم وبنا من الظروف، وعما يتعرضون له ويعرضون بلادهم له من أخطار قد تكون أبعد مدى وأقبح أثرا مما يظنون أو يقدرون. ولعل أوضح دليل على هذه الظاهرة في نفوس سادة اليوم وأعوانهم قصة التعليم الإلزامي هذه التي يبتهج بها فريق فيسرف في الابتهاج، ويشفق منها فريق فيشتد في الإشفاق. ولا يقدر أحد أنها أجل خطرا، وأبعد في حياتنا أثرا من أن ينظر إليها هذا النظر السريع، ومن أن تتخذ وسيلة من وسائل الدعاية السياسية للوزارة أو لغير الوزارة.
ففرض التعليم الإلزامي في مصر أمنية قومية، لا يتردد فيها مصري، ولا يستطيع مصري أن يقصر في تحقيقها دون أن يخالف إرادة الشعب، ودون أن يسيء إلى البلاد، ودون أن يظهر بمظهر الذين يحرصون على أن لا تسرع مصر نحو الرقي، وتخلص مصر من وصمة الجهل التي تعاب بها الأمم الحية، والتي تحول بينها وبين حقها الطبيعي في الرقي الصحيح. ولكن فرض التعليم الإلزامي ليس من المسائل اليسيرة الهينة التي يُقضَى فيها الوزير أو البرلمان بعد دراسة مهما تطل فهي قصيرة، ومهما يشتد فيها التحقيق والتدقيق فهي سطحية قليلة الحظ من التثبت والإتقان.
ويكفي أن نلاحظ أن مجلس النواب لم ينفق في درس هذه المسألة أسبوعا. وأين يقع الأسبوع من دراسة مسألة كهذه ستغير حياة مصر تغييرا لا حد له، وستعرض حياة مصر لأخطار شديدة جدا إذا لم نحطها من ضروب العناية والتثبت وتقدير الظروف والعواقب بما ينبغي.
وأريد الآن أن أقف عند وجه واحد من وجوه الخطر في هذه المسألة، وهو وجه الصلة بين رجال التعليم الإلزامي وبين حياتنا العامة، لا من الوجهة السياسية وحدها، بل من الوجهة الاجتماعية أيضا. فقد كان النواب الذين عرضوا لرجال التعليم الإلزامي خفافا حقا حين عرضوا لهم وتحدثوا عنهم، وقدروا مكانهم من الحياة المصرية. ظنوا أنهم جماعة من الموظفين، ومن صغار الموظفين، ومن أصغر الموظفين فأرسلوا القول فيهم إرسالا، وأسرفوا في هذا القول، ولم يحاسبوا أنفسهم على صحة ما قالوا. ظنوا أن الكلام في التعليم الأولى كالكلام في انخفاض أثمان البصل أو أثمان القطن أو في أي مظهر من مظاهر الأزمات المؤقتة التي لا بد من علاجها. ظنوا أن الكلام في رجال التعليم الأولى كالكلام في غيرهم من الموظفين الذين يراد أحيانا أن تنقص مرتباتهم، ويراد أحيانا أن تزاد مرتباتهم، وتضطرب الدولة في أمورهم بالزيادة والنقص حتى تعجز عن أن تضع لهم سياسة واضحة مضبوطة، فتضطر إلى التشديد، ثم إلى التخفيف، ثم إلى التشديد مرة أخرى ثم إلى الاستثناء، ثم إلى التوسع في هذا الاستثناء. وينشأ عن اضطراب الدولة في سياستها مع الموظفين أنفسهم، فإذا هم يشكون ويتنافسون، ويمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض، ونشكو نحن من فساد الحال بين الدولة والموظفين أنفسهم، ونشفق من تأثير هذا الفساد في مرافقنا العامة، ولكن أمر رجال التعليم الأولى أعظم خطرا من أمر الموظفين عامة، لأن أمر هؤلاء الموظفين لا يعدو أن يكون موقوتا، ولا يعدو أن يكون محدودا في المصالح والوزارات التي يشتد فيها الاضطراب ويكون فيها للاستثناء.
أما رجال التعليم الإلزامي فأمرهم لا يكاد يحد في الزمان ولا في المكان. هم منتشرون في أقطار مصر كلها وسيزداد عددهم ازديادا مطردا. وأثرهم في حياتنا لا حد له. وهو شديد الاتصال بما يملأ نفوسهم من سخط أو رضا، وما يملأ قلوبهم من اطمئنان أو اضطراب. فالمعلم الذي يلقى درسه وهو راض أو ساخط يترك في نفس تلميذه الصبي أثرا ملائما لرضاه أو سخطه. وكذلك تستطيع أن تقيس مستقبل جيل من الأجيال بالحياة النفسية التي يحياها هؤلاء الناس الذين يكونون نفوس الأطفال وعقولهم، وينشئون قلوب الأطفال وعواطفهم. فإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة راضية أو كالراضية، لا يشكون ولا يمتعضون، ولا يتكلفون الحيل ليعيشوا، ولا يترددون بين الفضيلة وبين الحياة، فثق بأنهم سيهيئون جيلا راضيا مبتسما مستعدا للقاء الحياة في شجاعة ونشاط وأمل. وإذا كان هؤلاء المعلمون يحيون حياة سيئة، فيها بؤس وحرمان، وفيها هم وتنغيص، وفيها ضيق باليوم، ويأس من غد، فثق بأن الجيل الذي ينشئونه سيكون جيلا حزينا، مظلم النفس شديد التأثر ما يدعو إلى السخط، قليل الانبساط لما يدعو إلى الرضا، شديد الإسراع إلى اليأس، ضعيف المقاومة للحوادث والخطوب.
فأنت ترى أن هذه الطبقة التي أرادها جماعة من النواب منذ أيام، والتي لا تكاد الحكومة تعنى بها إلا من حيث إنها أداة لمظهر من مظاهر الدعاية، هي نشر التعليم في غير تقدير لهذا التعليم، خليقة أن يُعْنَى بها الوزراء والنواب والشيوخ وكل من يفكر تفكيرا صادقا في حياة هذه البلاد ومستقبلها. ولست أقول إنهم خليقون بهذه العناية لأنهم مصريون فيجب أن يأخذوا نصيبهم من الحياة المصرية خيرها وشرها كغيرهم من المصريين. ولست أقول إنهم خليقون بالعناية لأنهم ناس كغيرهم من الناس، عليهم واجبات يجب أن ينهضوا بها، ولهم حقوق يجب أن يظفروا بها، ولهم آمال يجب أن تيسر لهم سبلها. لست أقول هذا الآن، ولو قلته لما تجاوزت القصد والإنصاف، وإنما أريد أن أقول إن العناية بهؤلاء الناس عناية بالأجيال التي ينشئونها فهي عناية بالشعب المصري كله، وهي عناية بالمستقبل القريب والبعيد لهذا الشعب، فمن أراد أن يكون لمصر أجيال حرة حقا مستعدة حقا للرقي، طامحة حقا إلى الحياة السعيدة التي يملؤها الأمل والنشاط فليعن بهؤلاء الناس الذين يكونون هذه الأجيال، والذين يتلقون الأطفال من آبائهم وأمهاتهم فيصوغونهم هذه الصيغة الوطنية القومية، ويجدون ما استطاعوا في أن يكونوهم تكوينا يلائم المثل العليا التي نصورها نحن في قانون التعليم الإلزامي.
هناك ناحية أخرى أيسر من هذه الناحية فهما، وأقرب من هذه الناحية متناولا، وأدنى إلى عقول الذين يشتغلون بالسياسة ويصرفون أمور الحكم، لأنها تمس منافعهم العاجلة، وتتصل بالعلاقة بينهم وبين الشعب، وهي أن طبقة المعلمين هذه هي أشد الطبقات اتصالا بالشعب، وانتشارا بين أفراده، وأقرب الطبقات إلى قلوب الناس، وأشد الطبقات تأثيرا في آمالهم وأعمالهم وفي ميولهم وأهوائهم. فليس من مصلحة حكومة ما أن يضيق هؤلاء الناس بالحياة أو يعبسوا لها، أو يتبرموا بها، لأنهم حينئذ خليقون أن يبثوا ضيقهم هذا راضين أو كارهين، مريدين أو غير مريدين من حولهم، وخليقون أن يكونوا أداة لنشر السخط والامتعاض في أقطار البلاد، وفي طبقات الناس على اختلافها.
وقد عرفت لهم البلاد الأوروبية هذه المنزلة كما أشرت إليها آنفا فحاطتهم من العناية والرعاية بما يعصمهم من الضيق والسخط، وبما يجعلهم أداة للرقي المنظم الهادئ، لا أداة للاضطراب وزعزعة النظام السياسي والاجتماعي فإذا كانت الحكومات المصرية على اختلافها واختلاف الأحزاب التي تكونها وتؤيدها؛ حريصة حقا على أن تحتفظ لمصر بنظامها الاجتماعي المعتدل، وتعصمها من التورط في نظام الطبقات، وما يتبعه من النتائج الخطرة، فأول واجب عليها هو أن تضمن لهؤلاء الناس حياة معتدلة مطمئنة تحول بينهم وبين السخط الذي يدعو إلى التماس السعادة العاجلة أو الآجلة من طرق يكرهها النظام.
وأول واجب على هذه الحكومات مهما تختلف هو أن تضع هؤلاء الناس بمعزل عن التفكير في السياسة والتعصب للأحزاب، وتجعلهم أمناء على تكوين الأطفال من حيث هم أبناء مصر، فيجب أن يكونوا لمصر، لا لحزب دون حزب، ولا لسلطة دون سلطة. وتخطئ الحكومات أشد الخطأ وأشنعه إن ظنت أنها تستطيع أن تمنع هؤلاء المعلمين من الاشتغال بالسياسة بحكم السلطان والقانون. فهي لن تستطيع أن تمنعهم بالسلطان والقانون إلا في ظاهر الأمر. ولن تستطيع أن تسيطر على ضمائرهم وقلوبهم، ولن تستطيع أن تحرمهم حق الانتخاب وحق الدعوة الطبيعية إلى ما يرون في الانتخاب. فالمنفعة الحقيقية إذن إنما هي في أن تكون حياة هؤلاء الناس بحيث لا تسخطهم ولا تحقد قلوبهم وتضطرهم إلى أن يعرضوا أنفسهم على الأحزاب أو يتهالكوا عليها، بل تمكنهم من أن يستمتعوا بحقوقهم السياسية في هدوء واعتدال وتقدير صحيح للمصلحة العامة في غير تأثر بدوافع المصالح الخاصة.
هذا كلام نقوله مخلصين، لأن مصلحة مصر تريده، ولأننا مقتنعون بأن التعليم مهما تكن درجاته يجب أن يكون فوق الأحزاب وخصوماتها السياسية.
فخليق بالذين يريدون أن يحققوا أمنية مصر في فرض التعليم الإلزامي أن يفكروا في هذا ويطيلوا التفكير، وأن يقدروا أن هذا التعليم لا سبيل إليه بدون المعلمين وأن صلاحه وفساده رهينان بما قد تكون عليه حال المعلمين من صلاح أو فساد.
لذلك كله أنكرنا وما زلنا ننكر خفة النواب الذين عرضوا لهؤلاء الناس في غير عدل ولا إنصاف، وقالوا فيهم غير الحق، وأصغروا من شأنهم وهو كبير، وإني لأرجو أن يكون حظ هؤلاء المعلمين عند الشيوخ خيرا من حظهم عند النواب. وأنا واثق كل الثقة على كل حال بأن حظهم عند مصر يوم ترد إليها حريتها وتفوض إليها أمورها؛ سيكون هو الحظ الذي يحبون ويرضون، لأن مصر تعرف حقها على نفسها، وتعلم أن مكان المعلم الأولى من الطفل إنما هو مكان الأب الثاني، ومصر الحرة شديدة الحرص على البر بالآباء.
كوكب الشرق في ٦ – ٦ – ١٩٣٣ . -
طغيان
طغيان . . .
إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النواب أن يطغوا على التعليم الأولي ، وإذا أذل وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النواب أن يذلوا رجال هذا التعليم، فالله قد فاوت بين الناس وفضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، للوزير التعليم العالي وأهله ، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله ، وللنواب ما دون ذلك ، وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ، ودعه للنواب واجعل اسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه ، واصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يفهم وما لا يفهم، ولم لا؟ . واي دليل على الرقى خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم ، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل ، ويسمى الضعف قوة ، وتعد القوة ضعفا وتصبح العزة ذلة ، والذلة عزة ، ويرضى الناس بهذا كله ، ويستزيد الناس من هذا كله ، ويستقر النظام على هذا كله ، ويذاع في أرجاء الأرض ، وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقى ما لم يبلغه بلد ، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم .
والواقع الذى لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد ، فالناس يقرأون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل والوان التحويل والتعديل ومن عبث بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي ، وانتهاك لحرمات القانون الذى لم يمض على صدوره أسابيع والناس يقرؤون كل يوم أن التعليم الثانوي قد اخضع هو أيضا لمحنة التغيير والتبديل . وفتنة التحويل والتعديل فبرامجه تدرس لتنقص أطرافها من ناحية ولتمد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذى يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه .
أما التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلاب فتان وباطنه يدعو الي الحزن والاسى ويثير الرحمة والإشفاق . يقال أن التعليم الإلزامي سيفرض في هذا البلد تنفيذا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوان وأعوام ، وتنفيذا لنصر الدستور القديم ونص الدستور الجديد ، وتنفيذا لما أجمعت عليه الأحزاب على أخلافها وتمت عليه كلمة المثقفين ، وغير المثقفين جميعا ، وهذا في ظاهره خير لا بأس به ، ولكن أمره كأمر غير من المرافق لا يريد أن يجرى على حدود المصلحة الخالصة ، والمنفعة العامة التي لا ينبغي إن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سيأسى حزبي، فالذين يقرؤون ما ألقى من الخطب في مجلس النواب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعون بأن في الأمر شيئا يريد أن يخفي ولكنه ظاهر جلى .
ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النواب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ، ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل الى الاعتدال ، وفي غير حب للصدق ورغبة في لإنصاف ، ما هذه الحرب التي أثارها بعض النواب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ، ولم يهون من شدتها ، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها الى شيء من القصد والصواب . ماذا قدم رجال هذا التعليم الأولي من السيئات الى هؤلاء النواب ليشبوا عليهم هذه الحرب ، والى وزير المعارف ليدعهم طعاما لهذه النار ، أليس غريبا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ، ويذودا عنهم ، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود ، فما بال وزير المعارف لا يحمى هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النواب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق ، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحت لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم ، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكونون نفوسهم الناشئة . يصف بعض النواب هؤلاء المعلمين بانهم معربدون وبأنهم عاطلون وبانهم متشردون وبانهم غير نافعين وبانهم يصطنعون الزى الحديث ليعكفوا علي اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد فإحدى اثنتين إما أن يكون هذا النائب قد قال الحق ، وإذا فما سكوت الوازرة عن هؤلاء الناس وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشى نفوسهم ، أتريد الوزارة إن ينشأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟ وإما إن يكون هذا النائب قد قال غير الحق وهو الذى نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعا من المصريين وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون وإذا فما سكون الوزارة علي تجريحهم والتشهير بهم الى هذا الحد الذى يزرى بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها .
وهب الأجانب قرأوا خطبة هذا النائب وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها ، فهم مضطرون الى أن يصدقوا هذا النائب ، وهم مضطرون الى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين، افيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة ، وان توصم مصر بهذه الوصمة ، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيئ للغد جيشا ، قوامه الفساد والبطالة ، والأعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم .
نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي ، ولكنا نعلم أيضا انهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس ، ودون أن ينالوهم بالأذى ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة ، ودون أن يسيئوا الى سمعة مصر ، ويذيعوا عنها السوء ، هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر ويكلوا إليهم امر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدوا في ذلك إن استطاعوا ولكن في هدوء واعتدال وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم ، فإذا سالت فيم يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النواب أبناء الأزهر علي غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو انهم يعتقدون انهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها ، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء ، فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانا لكل سياسة واتباعا لكل حزب فقد افلت الشباب المصري كله من هذا الضعف وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص .
ظريف جدا حرص النواب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنا معينة واتخذوا زيا خاصا ، وظريف جدا حرص هؤلاء النواب على أن تفرض العمامة على المعلم الأولي وعلى أن يقصى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش . وإذا كان
نوابنا حراصا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم ، وما لهم لا يأخذون بها الوزراء ، وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعا ، إذا كان الطربوش إثما فيجب أن يزول عن كل الرؤوس واذا لم يكن إثما فيجب أن يباح لكل الرؤوس فمن المحقق أن الرؤوس المصرية لم تتفاوت الي هذا الحد الذى يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش ، ومن المحقق أن سيكون من اظرف الأشياء واطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء ، فليتقدم بعض النواب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة علي غير المعممين .
أما آراء النواب في أجور المعلمين الأوليين فقيمة لا عوج فيها ولا غبار عليها فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين إما المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون به جنيها ونصف جنيه ، واذاً فيسنفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصبي المعلم الأولي ، فاذا انتهى إليه انفق فيه ما ينفق من جهد وبذل فيه ما يبذل من قوة واحتمل فيه ما يحتمل من عناء ليتقاضى آخر الشهر جنيهين ، أو جنيها ونصف جنيه .
فأما الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادما ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر ولن يسال عن مستقبل الشعب ، ولا عن تكوين أبنائه ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم ، ولا عن إعدادهم للحياة ، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر، هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليق أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النواب بهذا التعليم ، فهم لا يقدرونه حق قدره وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة . وإنما يريدون أن يقال انهم اقروا التعليم الأولي من جهة ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى، ولو انهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلا المعلم الكريم ، وأن المعلم الجائع المحروم خليق أن تهون عليه نفسه وعزته ، وأن يلتمس ما يقيم أوده ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه ، ولوان النواب أرادوا حقا أن يعنوا بالتعليم الأولي لكلفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال في غير مصر من البلاد الراقية، اذا لا عرفوا أن هذه البلاد لا تزدرى رجال التعليم الأولي وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامه من اقوى دعائمها ، وهى لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء ، إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر اجرأ لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا ، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة ، وهو يشترك في الأعمال العامة ، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه .
فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي لان عهده بالتعليم الأولي حديث فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر الى الرجل الذى يستحق أن ترعى في حرمته وتحفظ كرامته وتيسر له أسباب الحياة .
ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة ، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون .
يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي، ورجال التعليم عامة فهم كغيرهم من المصريين يمتحنون وقد يطول الامتحان ، وقد يشق ، وقد يكون ثقيلا على النفس وقد يكون مؤذيا للكرامة ولكنه على كل حال لا بد من أن يزول .
طه حسين
جريدة كوكب الشرق ، ٢ يونيه ١٩٣٣ . -
جهد
جهد
جهد ضائع هذا الذي تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به، بل ليس مرغوبا فيه. فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه. والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة، ألا ترى في حياة الناس شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؟ فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين، ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.
نحب أن نعلم فيمَ غُيِّر قانون الجامعة، وفيمَ تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد، وفيمَ اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه؟ لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة، ومحوا لحقها في الحرية، وقضاء على شخصيتها العلمية. وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير، ونشتد في اللوم، وكنا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير. وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم. فقد ظهر الآن أننا كنا مخطئين أشد الخطأ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة. فلابد من تغييره هو أيضا، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها. فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه. ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون. فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة، قصة اختيار العميد لكلية العلوم!!
كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا. ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس. لم يشذ منهم أحد في ذلك.
فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه، فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار. وأُنفِذ القانون في كليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.
فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم، ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون، ولما يمض على صدوره شهر. اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أقصي العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظَ للجامعات. ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ. فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يُقْنِعَ هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب ويُنفَّذَ العميد السابق بين المرشحين. وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه. قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم، وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا. هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد. ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي وأعيد مكانه انتخاب جديد نُفِّذَ فيه العميد الإنجليزي السابق. ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفَع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.
في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدرًا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا.
أليس رئيسها هو الذي رد على ماكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة. فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها، وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحرصوا لها على الاستقلال!!
وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورا قويا رهيبا يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز…. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها، من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف، فقد قبلوا أن يخالف القانون، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد الإنجليزي.
ثم يُتَّهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم. وفيها عبرة أخرى وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم على هذا النحو، وماداموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.
طه حسين
كوكب الشرق، ١ يونيو ١٩٣٣.