Tag: التعليم

  • الروح الجامعي

    الروح الجامعي
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
    والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
    فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    الهلال ديسمبر ١٩٦٧
    بقلم الدكتور طه حسين

  • تيسير

    تيسير
    من أوراق الدكتور طه حسين
    تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
    بقلم: د. أحمد حسن الزيات (الهلال، ١ يونيو ١٩٨٨)
    بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ وجهه إلى وزير التربية والتعليم أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية يقول فيه: "إن هاتين المسألتين المشكلتين خطر عظيم هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان." وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي إلى التفكير استعمال الحروف اللاتينية فأنكر طه حسين ذلك عليه وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل هاتين المسألتين المشكلتين يقول طه حسين في خطابه: "إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة ونخادعها أشنع الخداع حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية ونفقههم فيها ونبصرهم بها ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا بما يريدون أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.

    فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا ولا تتعرض لريب أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها العالم بها المتقن لدقائقها وأسرارها وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا ويحتملون في ذلك ويحتمل معهم أساتذتهم جهدًا ثقيلًا فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الجميل. وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها هذه الحقيقة بعد أن أقنعتها التجربة بها ودلتها الحوادث عليها فساقَتْ إلى الذين يُعنَون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر فيمن تلقاه وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات ولكني آثرت الصمت واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة واثقًا بأنها لن تغني شيئًا مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة كما يصل إليها من الإجابات فتقرأ أو لا تقرأ ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين أو تُسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.

    وكنت محقًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها البيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.

    وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم وإلى الجرأة والإقدام وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها.
    وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين لولا أني وجدت من حديث معاليكم ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية ما رد بعض الأمل وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة مغتبط أشد الاغتباط حين ألحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة ما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا ومقدمة سعيدة خطوات موفقة إن شاء الله.

    ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين إن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يُعلَّم في البصرة والكوفة وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة أي أننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يُعلَّم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها إلا علوم اللغة العربية فإنها ظلت كما هي لم تتطور ولم تتغير إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا ولعله يصعب السهل ويدفع الواضع إلى الغموض وليست العلوم وحدها هي التي تطورت أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير فأنتج علمًا مخالفًا ما كان نتيجة عن قبل وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي وابن سينا أو أرسطاطليس وجالينوس ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.

    ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد ثم استقر في نفوسهم وامتزج بعقائدهم وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفسادها ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل وأن يبقى التصرف فيها على أي وجه من الوجوه يعرضها للتغير أو التطور وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا وكثيرًا ولكن الناس لم يفطنوا هذا أو لم يحفلوا به وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم. ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر. وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء أو ترفع بضمة قبل الواو وتنصب بفتحة قبل الألف وتجر بكسرة قبل الياء أو تُعرب بالحركة والحرف جميعًا أو تُعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف مهما تكن علامة إعرابها وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو فقلنا أن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا ما كان هذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين وهو الابتداء أو عناء فهم هذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.

    وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه وتعقدت ألوان المعرفة إلى أن نريحه من العناء الذي لا يُغني ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يسيغه ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا وصرفناه عنه صرفًا وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه ولا تتحدث إلى عقله ولا تلائم طبعه ومزاجه وإنما هي ألغاز لا تُفهم أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليها نظرة الجد.

    وكيف نريد التلميذ على أن يفهم أننا إذا قلنا حمدُ أقبل فلابد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على حمد. وكيف نريد الطالب على أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة ويستتر وجوبًا مرة أخرى وهو في كل حال مبني ومحله دائمًا محل الرفع كل هذا كلام لا يسيغه العقل الحديث ولا سيما في طور الطفولة والشباب فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى فإنما نفرضه على الذاكرة ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم وأن يعيده في الامتحان كما يعيد الببغاء ما تحفظ من الصيغ والألفاظ وهذه الأمثلة التي ذكرت أهون ما يلقى التلميذ حين يأخذ في درس النحو ولا أريد أن أعرض للحركات التي تُقدر ويُمنع من ظهورها التعذر أو يُمنع من ظهورها الثقل أو تُمنع من ظهورها كسرة المناسبة ولا أريد أن أعرض للاشتغال ولا أريد أن أعرض للحروف التي تنوب عن الحركات ولا الحركات التي ينوب بعضها عن بعض كالفتحة التي تنوب عن الكسرة والكسرة التي تنوب عن الفتحة ولا أريد أن أعرض لنظرية العامل التي تكلف التلميذ والطالب عناءً ثقيلًا دون أن يفهمها أو يسيغها وما أكثر ما يسأل التلميذ نفسه عن هذه الأدوات التي تنصب الاسم وترفع الخبر كيف تعمل النصب والرفع مع أنها في حقيقة الأمر لا تعمل شيئًا. فلو أرحنا الطالب من هذا كله ويسرنا له أمور النحو تيسيرًا وحببنا إليه دروس اللغة العربية وأتحنا له فهمها وذوقها والانتفاع بها في الكلام والفهم نعرض اللغة خطرًا قليلًا أو كثيرًا، كلا إنما نحط عن التلميذ عبئًا ثقيلًا ليس هو في حاجة إلى احتماله وإنا واثق كل الثقة بأن إراحة التلميذ من هذا العناء الثقيل السخيف ستغير نظرته إلى دروس اللغة العربية وإقباله عليها وستظهر نتيجة ذلك في أسرع الوقت وأقصره.

    أما إصلاح الكتابة فليست الحاجة إليه أقل من الحاجة إلى إصلاح النحو ولعلها أن تكون أشد منها وأكثر شيوعًا فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب وهو في حاجة إلى أن يُعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق في حديثكم الذي أذعتموه منذ حين وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة كما هي مقدسة لا ينبغي أن تُمس ولا أن ينالها التغيير كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يُمس ولا أن يناله التغيير وقد نسي الناس أن الكتابة تغيرت وتطورت ونالها العلماء بالإصلاح فلم يصب اللغة من ذلك شر ولم يلم بها مكروه وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية كغيرها من الكتابات السامية ناقصة نقصًا شنيعًا تصور نصفها وتهمل نصفها الآخر، تصور حروفها الجامدة وتهمل حروفها اللينة ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني وهي على كل حال شديدة العسر ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرأوا وقد يمكن أن يُقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها وتتفرد بها كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا وأن يكتبوا فأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرأوا وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتفوقين وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم لا غاية يمكنهم الفهم منها وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا بلفظ "كَتَبَ" لا ننطق بالكاف والتاء والباء وحدها وإنما ننطق معها بهذه الفتحات الثلاث التي هي النصف اللين هذه الكلمة فما بالنا نصورها النطق في الكتابة؟ وكيف السبيل للقارئ الساذج إذا رأى هذه الأحرف الثلاثة الجامدة أن ينطقها على الصورة التي أرادها الكاتب إلا إذا فهم قبل أن يقرأ وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس. وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد فطنوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه فحاولوا تصور هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة وبالشكل المعروف مرة أخرى فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون أفلا يسعنا أن نصنع ما صنع أئمة القرن الأول والثاني وكيف ينكر علينا ما لم يُنكر عليهم وكيف نلام على ما لم يُلاموا عليه وأيهما خير أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها فنتم ما بدأوا ونحقق ما أرادوا أم أن نبقى حيث نحن فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء لو نضطر إلى أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها وتركها عرضة لتقلب الظروف ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتقنون العلم بأنواع الكتابة والخط ويحسنون التصرف فيها ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا ثم يعرضوا ما يتاح لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة لهذا الأمر بعد أن يستقر رأي العلماء وينم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.

    وخلاصة القول إني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تكلف تبسيط النحو ورفع ما تنتهي إليه من هذا التبسيط إلى معاليكم لتروا رأيكم ولتعرضوه إن شئتم على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة وثانيًا أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها فيستشار الأزهر وتستشار دار العلوم وتستشار الجامعة ويستشار المجمع اللغوي فإذا اتفقت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي وهو من تصوير الحروف اللينة أو الحركات على أنها جزء من الكلمات ضرورة لا بد منها وخير لا شر فيه عرض موضوع هذا الإصلاح مسابقة عامة لا في مصر وحدها ولا في الشرق العربي وحده بل في الشرق والغرب جميعًا.
    وإنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا مع أجمل الشكر وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.
    طه حسين

  • مصطفى عبد الرازق كما عرفته

    مصطفى عبد الرازق كما عرفته
    من آثار مصطفى عبد الرازق
    طه حسين
    كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرا لثلاثة من رفاقه في الأزهر ، بينهم أخي . وكانوا جميعا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي . وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون ، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة . وقد لقيت منه تابا حار الصوت ، صادق اللهجة ، عذب لحديث ، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة ، معتدل النشاط ، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادى المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة ، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن . وكان جم الأدب ، موفور التواضع ، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل ، يفرض عليه طبعه ذلك ، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم ، كأنا كان يلقي في نفوسهم وشم ، وعلى ألسنتهم ، فضلا من وقاره وهدوء نفسه . فهم يتحدثون مثله في أناة ، ويضحكون مثله في قصد ، ويروون معه أحاديث الجد ، وربا عبثوا شيئا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر .
    ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني .كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء ، وكنت في أول عهدي بالدرس ، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة . وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام ، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين . فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته ، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة ، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث ، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب .
    وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء ، وحسن التحصيل ، والبراعة في مجادلة الشيوخ . وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق ، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم ، ويمتازون فيه ، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام ، فكلاهما كان يرى حب العلم نادراً في مصر ، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب . وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها ، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المختلفين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر ، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم .
    وكان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضا . ومهبا أنس فلن أنسى تلك الجباعة التي ألفها .من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر ، ونظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع . وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي ، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه ، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قروناً طوالا .
    وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني ، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة ، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث . وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الّّٰٰله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح .
    وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي رمته حياته كلها ، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله . فقد عرفته محبا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه ، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤرثهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق ، وعرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلم الأحداث وتدلهم الخطوب .
    كان وفيا للشافعي ، رحمه الله ، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه ، ويرى الوفاء له ديناً عليه . ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتا غير قصير . وأثر هذا الوفاء لشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيراً شديداً ، وفتح له أبواباً من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين . فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأياً خصبا لم يستغله تلاميذه بعد ، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين . فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة و استنباط الأحكام من النصوص ، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعى من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها ، بل جادلوا فى أصول الدين أيضاً ، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى ، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثان ومن تابعوا عليا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد ، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق ؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور ، فجادلوا في العدل والتوحيد ، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية ، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود . ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم ، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه ، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد .
    وكذلك جًره الوفاء للشافعي ، رحمه الله ، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته .
    وكان وفياً للذين عرفهم وحسنت الصلة ببنه وببنهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالباً للعلم الحديث ، بعد أن أخذ بحظه مم العلم القديم في مصر .
    عرف أستاذا فرنسيا شاباً في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما ، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى ، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري ، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل ، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال ، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر . والله يعلم ماذا فعل بعد عودته . وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه ، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث ، وظل وفيا لهذا الأستاذ ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ، ومضى شيء من الوقت ، وخلا منصب فنّي من المناصب في مصر ، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا لمنصب ، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جدَّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب . وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدَّه في السعي له ، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولاً ، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها ، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد ، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية .
    وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر ، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيراً أم شراً ، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه . كان سعد زغلول منفياً عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة ، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعداً أشد الخصام ، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل ، وأقبل عيد من الأعياد ، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك .
    وانقضت أيام العيد ، وذهب مصطفى إلى عمله ، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير . فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد ؟ قال مصطفى : قد كان ذلك . قال الوزير: أولم تعلم أن سعداً يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين ؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة . قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن . قال مصطفى : أنت وما تريد . وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان . ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا ، رحمه الله ، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفي الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء .
    والبر بطلاب العلم خاصة ، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة ، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق . فلم أعرف قط قلبا أبر بفقير ، ولا نفسا أرق لذى حاجة ، ولا يداً أسرع إلى العطاء ، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده .
    كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وكنت لها عميدا فى بعض الأوقات . وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك ، . فكان يسعى إليَ في بعضهم ، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلاً إلى الاجتهاد ، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بم القواعد . وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له : توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر ؛ فضحك ضحكة حلوة ، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد ، كما كان يقول ، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط ، والتى ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون : وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب ؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم ونحن نرى ؟
    ولم أره غضب قط ، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيا لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب ، وألحً في تدخله ، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه .
    كان وفيا وكان أبيا وكان براً وكان سمح الطبع والنفس والقلب . لم أراه قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت . وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم ، وفي فنه إذا كتب . واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب : ما كتبه منها أيام شبابه الأول ، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن ؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة ، وما كتبه منها حين كانت الأيام شداداً ثقالاً .
    لم يكن شيء قادرا على أن يغير من خصاله تلك شيئاً ٠ كان سمحاً في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف . كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه ، والحديث العذب ألزم شيء له . وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب ، وهي خصلة العناية الدقيقة جداً بالتفكير أولاً وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه . كان لا يكره شيئاً كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضا .
    كان شديد الإيثار للأناة . وكان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق والزملاء . فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات ، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى ، فكان يأتي دائما متأخراً جداً ، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربا اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل .
    وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيا يكتب لفظاً نابياً عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنا كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يدا عب صفحته النسيم . وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأنى بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحداً سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له .
    وإني لأذكر حديثاً له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» ، وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطراً إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادى العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس . وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسماً كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له .
    واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافا شديدا ، فستراه على ذلك مؤتلفاً أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين . ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حداً أقف عنده .
    فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظاً ، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم ، كما كنت ألقاه أثناء الحياة .
    فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز ، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولا ، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك .

  • شكاة

    شكاة …
    بقلم الدكتور طه حسين
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

  • تقصير

    تقصير
    بقلم الدكتور طه حسين
    لم أكد أستقر في مصر حين عدت إليها بعد انقضاء الصيف حتى علمت أن صديقا كريما لي قد ملأ قلبه حزن ممض عميق لأنه نكب فيما يثقل على الناس أن ينكبوا فيه. ففقد ابنه الصبي بصره في بعض الأحداث التي تعرض للصبية. وشقي الصديق الكريم وأسرته بهذه النكبة الأليمة وقاومها ما استطاع إلى مقاومتها سبيلا واحتال في ذلك ما وسعته الحيلة ولكن صرامة الخطب كانت أقوى وأمضى، من مقاومته ومن حيلته فاذعن كريما كما استقبل النكبة كريما. ولكني رأيته مروعا مفرق البال لا يعرف كيف يستقبل الحياة بابنه هذا العزيز. فليس من تعليمه وتهيئته لاحتمال الأعباء بد حين تؤهله سنه لاحتمال الأعباء ووسيلة هذا التعليم في مصر مفقودة أو كالمفقودة. فما زال المصريون يعيشون بعد أن تجاوز القرن العشرون نصفه كما كانوا يعيشون في القرون الماضية أيام الجهل والغفلة والقصور حين كان مستقرا في نفوسهم أن الذين يفقدون أبصارهم صغارا أو كبارا يجب أن يعيشوا عيالًا على أسرهم وعلى أمتهم. يمونهم أهلهم إن استطاعوا أن يمونوهم فإن لم يستطيعوا ففي حفظ القرآن وتلاوته حيث تعود الناس أن يتلى القرآن معاش لهم يجدون منه ما يقيم الأود، وإذا لم يتح لهم ذلك ففي تكفف الناس والتماس الصدقات واحتمال أثقال البؤس لهم مقنع ورضى إن كان في البؤس والذل والمسألة ما يقنع الناس ويرضيهم عن الحياة التي يحيونها طائعين أو كارهين.
    والأزهر الشريف وحده هو الذي احتفظ بالسنة القديمة وأتاح لهؤلاء البائسين من المكفوفين أن يعيشوا كرامًا وأن يجدوا في الحياة متاعًا يعزيهم عن آلامها وعن آفتهم هذه القاسية. وهو متاع العلم والدين يدرسونهما كما يدرسهما غيرهم من المبصرين وينهضون بتعليمهما كما ينهض به غيرهم من المبصرين.
    فأما المدارس المدنية التي تنشئها الدولة وتديرها أو التي ينشئها الأفراد والجماعات فمحرمة على هؤلاء المكفوفين لأنها لا تملك الوسائل الخاصة لتنشئتهم وتأديبهم وتمكينهم من أن يكونوا رجالًا كرامًا.
    وفي المجتمع المصري وفي بعض بيئاته الجاهلة الغافلة بنوع خاص قسوة غريبة تنافر ما طبع المصريون عليه من الرحمة والبر والحنان ومن رعاية الضعفاء والعناية بهم. فهم يتندرون بالمكفوفين ويسخرون من بعض أطوارهم لا يخفون ذلك ولا يستترون به ولا يبالون أن يؤذوا هؤلاء الذين آذتهم الحياة وقست عليهم الخطوب. وكل ما استطاعت مصر أن تعرفه في هذا العصر الحديث القريب من رعاية المكفوفين هو أن تنشئ لهم على نحو من البر والشفقة معاهد قليلة تعلمهم فيها بعض الأعمال اليدوية اليسيرة التي تتيح لبعضهم كسب أيسر القوت.
    فأما العقول التي في رؤوس هؤلاء المكفوفين والقلوب التي في صدورهم فلا خطر لها ولا وزن وما دام الله قد قضى عليهم ألا يبصروا فليس ينبغي أن يكون لهم أرب في حياة العقول والقلوب.
    وقد نسيت أشياء كثيرة منذ عرفت نفسي وسأنسى من غير شك أشياء كثيرة أخرى فيما بقي لي من الحياة ولكن قصة لي في أول الشباب لم أنسها وما أرى أني سأنساها لأنها نغصت على الحياة أياما وأرقتني ليالي، وتركت في قلبي ندوبا لم تزل وإن لم تثر في نفسي موجدة ولا ضعفًا.
    كان ذلك حين أنشئت الجامعة المصرية في أواخر العقد الأول من هذا القرن وحين اندفع إليها الشباب يتحرقون ظمأ إلى ما كان يلقى فيها من العلم الحر الذي لا يخضع لسلطان الإنجليز ومن العلم الحديث الذي لا يخضع لقيود الأزهر.
    وكنت من أولئك الشباب المندفعين فأقبلت ذات يوم إلى غرفة من غرفات الدرس يسعى معي خادمي ذاك الأسود الصغير فلم أكد أبلغ باب الغرفة حتى رددت عنها ردًا عنيفًا. فما ينبغي لذلك الغلام الأسود أن يصحبني إلى مجلس من قاعة الدرس لأن الدخول محرم على من ليست معه بطاقة الانتساب.
    وذهبت أشكو إلى سكرتير الجامعة المرحوم أحمد زكي بك فكان جوابه أقسى من رد الحجاب لي عن الدرس. قال وماذا تريد أن أصنع وقد قضى الله عليك ألا تشهد الدرس.
    ورق بعض الأصدقاء لي فكانوا ينتظرونني عند قاعات الدروس فيسعون معي إليها ويخرجون معي إلى حيث كان ذلك الغلام ينتظر أن أعود إليه.
    ذكرت هذا كله غير مرة في حياتي حين كنت أستاذًا في الجامعة وحين كانت هذه الآفة البغيضة تعرض لبعض الطلاب بعد أن يظفروا بإجازة الدراسة الثانوية. فكنت أحتال حتى أيسر لهم طلب العلم وحين كنت وزيرًا للمعارف حين عرضت هذه الآفة لبعض التلاميذ قبل أن يتقدموا لامتحان الشهادة الثانوية فاحتلت لهم حتى جازوا الامتحان وحتى التحقوا بالجامعة.
    وذكرتها حين عدت من أوروبا آخر هذا الصيف ورأيت ما رأيت من حزن ذلك الصديق الكريم وحيرته في أمر ابنه الصبي. ولم أكد أفرغ من مواساته حتى تلقيت كتابًا مرًا من أب أصابه مثل ما أصاب ذلك الصديق في ابنه الأثير عنده العزيز عليه وهو يسألني كيف السبيل إلى تنشئة هذا الصبي وتعليمه على نحو كريم يذود عنه الحزن ويخرجه من العجز ويمكنه من النهوض بأعباء الحياة حين يجب عليه النهوض بهذه الأعباء. وليس كل الناس مستعدًا لأن يرسل ابنه المكفوف إلى معهد النور ليتعلم فيه هذه الصناعة اليدوية اليسيرة أو تلك وليس كل الناس مستعدًا لتحفيظ ابنه المكفوف القرآن ليكسب بتلاوته القوت وليس كل الناس ميالًا ليرسل ابنه إلى الأزهر الشريف ليتخرج فيه أستاذًا لهذا العلم أو ذاك من علوم اللغة أو الدين.
    ومن حق الصبية المكفوفين وفي طاقتهم أن يضطربوا في الحياة وأن يحتملوا أثقالها كرامًا كما يضطرب فيها ويحتمل أثقالها كثير من المبصرين. وللصبية والشباب من المكفوفين حق التربية والتعليم على الدولة كغيرهم من المصريين ولهم عليها حق خاص في الرعاية والعناية لأن أيسر ما يجب على الدولة المتحضرة أن تشمل برعايتها من تلجئهم الآفات العارضة إلى هذه الرعاية. وإذا تحدثت عن المكفوفين فلست أختصهم وحدهم بالحديث من دون الذين تعرض لهم آفات أخرى تجعل تعليمهم أعسر من تعليم غيرهم من الأصحاء.
    ولست في حاجة أن أدل وزارة المعارف على ما تهيأ في أوروبا وأمريكا لأمثال هؤلاء الصبية والشباب من وسائل التربية والتعليم فوزارة المعارف تعلم من ذلك أكثر مما أعلم أنا أو من الحق عليها أن تعلم من ذلك أكثر مما أعلم وأن تأخذ من ذلك بما يلائم ظروف الحياة المصرية ومصلحة هؤلاء الصبية والشباب من المصريين. وفي مصر مدرسة أنشئت للمكفوفين منذ حين يقال إنها تريد أن تربيهم وتعلمهم كما ينبغي لمثلهم أن يربى ويعلم، وهذا حسن وخير من أن تنشأ مدارس أخرى غير هذه المدرسة وفي مدن مختلفة من الأقاليم. فليس كل الناس قادرًا على أن يرسل ابنه إلى هذه المدرسة وأكبر الظن أنها لن تتسع لكل من يحتاج إلى الالتحاق بها. فهم مع الأسف الشديد أكثر من ذلك عددًا وهم مع الحزن والأسى مفرقون في أرض مصر يجب أن تشملهم رعاية الدولة وأن تهيئهم للحياة الكريمة الخصبة المنتجة وعسى أن يكون من بينهم من أدخرت فيه الطبيعة كنوزًا لا ينبغي أن تضيع.
    هذا حديث أوجهه إلى وزير المعارف وما أشك في أنه سيصل إلى قلبه الثائر الشاب وما أشك في أنه سيلقاه بما ينبغي له من العناية وسيشعر مواطنيه بأن الثورة التي هو من رجالها لن تغير الحياة السياسية والاقتصادية وحدها ولكنها ستغير الحياة المصرية كلها وستمنح الضعفاء من عنايتها أكثر مما تمنح الأقوياء. وستتيح للمصريين جميعًا مساواة كريمة في الحقوق والواجبات كل حسب ما ييسر له وستفتتح للمصريين جميعًا حياة لا يستأثر فيها بعضهم بالنعيم والرضا على حين يستأثر البؤس والشقاء والحزن ببعضهم الآخر، وأنا مطمئن إلى أن هذا العام لن ينقضي حتى تنشأ في مصر مدارس يلقى فيها هؤلاء المكفوفون ما يلقاه أترابهم في هذه المدرسة الوحيدة من العناية والرعاية.
    الجمهورية ١٩ أكتوبر ١٩٥٤.

  • من بعيد … ثورتنا (٣)

    من بعيد … ثورتنا (٣)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٧ يوليو ١٩٥٤

    أعرف أن بيننا وبين الثورة الفرنسية دهرًا طويلًا أكثر من قرن ونصف قرن، وأعرف أن الحياة الإنسانية قد خَطَت في العلم والمعرفة والفن التطبيقي خطوات واسعة، لم يكن الفرنسيون يتصوَّرُونها أثناء ثورتهم، وأعرف أن هذا كله يقتضي أن يكون تفكيرنا في أواسط القرن العشرين غير تفكير الفرنسيين في أواخر القرن الثامن عشر، وأن من الحمق والخطل أن نطلب من ثورتنا أن تفكر كما فكرت الثورة الفرنسية أو أن تنهج نهجها في حياتها العاملة.

    أعرف هذا كله، لكني أعرف أيضًا أن الظروف التي تحيط بنا تُشبه الظروف التي أحاطت بالفرنسيين أثناء ثورتهم من وجوه كثيرة؛ فقد كان الفرنسيون حين ثاروا يخضعون لظلم الملوك كما كنا نخضع له، وكانت كثرة الشعب تخضع لاستغلال طبقة بعينها من المواطنين؛ هي تلك التي استأثرت بالثراء والقوة والسلطان … كما كنا نحن نخضع لأسرة تشبه تلك الأسرة من وجوه كثيرة وإن لم تشبهها من كل الوجوه.

    وكان الفرنسيون يحاولون أن يظفروا بحقوقهم في الحرية والكرامة بالقياس إلى الملوك والأشراف، وفي المساواة أمام القانون دون فرق بين الطبقات، وفي الإخاء بين المواطنين مهما تكن منازلهم ومراتبهم. وكانت الثقافة هي التي ألقت في روعهم وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني، وأقنعتهم بأن اللَّه قد خلق الناس أحرارًا، لا ينبغي لبعضهم أن يملك بعضًا، ولا ينبغي لأغنيائهم أن يستغلُّوا فقراءهم، ولا ينبغي لأقويائهم أن يستذلوا ضعفاءهم، وأنهم جميعًا يولدون على نحو واحد، ويموتون على نحو واحد، ويصيرون إلى مصير واحد، وأنهم جميعًا يشعُرون ويُفكِّرون ويعبِّرون ويألَمون ويأمُلُون ويعملون على أنماط متشابهة أشد التشابه، متقاربة أعظم التقارب، وأن استعلاء الأقوياء ظلم، وأن استئثار الأغنياء جَوْر، وأن اللَّه قد خلق الأرض للناس جميعًا ومنح الناس عقولهم وقلوبهم وذكاءهم وشعورهم وقوتهم المادية؛ ليعيشوا في الأرض إخوانًا يبتغون من فضل اللَّه، ويتعاونون على الخير والبر والمعروف، وأن ما يكون من بغي بعضهم على بعض واستئثار بعضهم بالخير من دون بعض، لا ينبغي أن يكون نتيجة لفساد في النظام الاجتماعي والسياسي، وضعف في الأخلاق، وتفريط فيما لا ينبغي أن يفرط فيه رجل كريم أو شعب رشيد.

    ألقت الثقافة في رُوع الفرنسيين وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني. قرأها القادرون منهم على القراءة في كتب الفلاسفة والأدباء، وتحدَّثوا بها إلى الذين لا يقدرون على القراءة، ولاءموا بين ما كانوا يقرءون ويسمعون وبين الحياة التي كانوا يحيونها والنظم التي كانوا يخضعون لها، فثاروا وأخرجوا أنفسهم ووطنهم من حياة كان يملؤها الجور والبغي والإثم، إلى حياة حاولوا ما استطاعوا أن يجعلوا قوامها العدل والبر والتعاون على نشر الخير والمعروف.

    وقد كُنَّا مثل الفرنسيين في هذا كله، أحيينا فيما بيننا أصول الإسلام الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يُميِّز إنسانًا من إنسان إلا بالتقوى. نقلنا إلى لغتنا تلك الثقافة التي أَثَّرت في الحياة الفرنسية، وما أُضيف إليها من ثقافات جديدة، وجعل فريق من كتابنا وأدبائنا وزعماء الإصلاح فينا يُلِحُّون في الدعوة إلى إصلاح نظمنا الاجتماعية والسياسية، وتبرئتها من الطغيان والأَثَرة، ومن البغي والاستعلاء والعدوان.

    وقرأ القادرون منا على القراءة هذا كله، وامتد ثوابه إلى الذين لا يقرءون، ووازنَّا بين ما أحييناه من قديمنا وما نقلناه من جديد أوروبا، ومن الحياة التي كنا نحياها والنظم التي كنا نخضع لها؛ فضقنا بما كنا فيه أشد الضيق، وحاولنا أن نُخرج من حياتنا تلك البغيضة إلى حياة خير منها، وأتاح الجيش لنا — وكان من الحق عليه أن يُتيح لنا هذا الخروج — لأنه يأتلف من أبنائنا وإخواننا ويجد مثل ما نجد من الألم، ويطمح إلى مثل ما نطمح إليه من الكرامة، وكانت في يده القوة التي تُتيح له تحرير الشعب، فلم يُقَصِّر حين تهيَّأت له الفرصة، وكتب الله له النُّجْح فيما حاول، فأصبحت ثورتنا حقيقة واقعة منذ عامين.

    من كل هذه الوجوه تُشبه مصر في القرن العشرين فرنسا في القرن الثامن عشر، ومن كل هذه الوجوه تُشبه ثورتنا ثورة الفرنسيين في نشأتها وأسبابها، والغايات التي تسعى إليها، ولنا بعد هذا كله من الظروف المواتية ما لم يكن للفرنسيين.

    فالفرنسيون ثاروا قبل أن يُستكشف الانتفاع بالبخار والكهرباء، وقبل أن يتيح للناس ما أتيح لنا من إلغاء المسافات في الزمان والمكان، وفي تذليل الصعب وتيسير العسير والتفوق في تسخير الطبيعة لأغراضنا ومنافعنا.

    فواجباتنا أثناء ثورتنا أضخم وأقسى وأعظم خطرًا من واجبات الفرنسيين أثناء ثورتهم؛ لأننا نملك من الوسائل ما لم يكونوا يملكون.

    وأنا أحب من تاريخ الثورة الفرنسية — إلى جانب ما حاولت من تحقيق العدل السياسي والاجتماعي — عنايتها بنشر العلم، وإذاعة المعرفة، وتكوين الصفوة المفكرة الحرة التي تدفع الشعب إلى أمام، وتتيح لأصول الثورة ومبادئها أن تتحقق وتستقر وتنتشر، لا في الوطن الفرنسي وحده، بل في القارة الأوروبية كلها، وفي غيرها من أجزاء العالم الأخرى.

    فقد عُنِيَت الثورة الفرنسية بتنظيم البحث العلمي وتشجيعه وتهيئة الوسائل للعلماء الباحثين؛ فأنشأت المجمع العلمي بفروعه المختلفة، كما أنشأت تفكِّر عاملةً وتعمل مفكِّرةً، وتُشعِر الشعب بأنه عنصر خطير من عناصر الحياة الإنسانية العامة.

    وقد ذكرت امتياز هذه الصفوة، وأحبُّ أن تكون هذه الكلمة واضحة كلَّ الوضوح في نفوس الذين يقرءون هذا الحديث.

    فلست أريد أن تمتاز هذه الصفوة بالمولد، ولا أن تمتاز بالمال، ولا أن تمتاز بالسلطان لها وعطفه عليها، وإيثارها بالخير من دون المواطنين؛ فقد ذهب هذا كله، ويجب أن يذهب إلى غير رجعة.

    ولست أريد كذلك أن تمتاز هذه الصفوة بهذا التحكم الذي يظنه الناس علمًا وليس هو من العلم في شيء، وأريد به هذا التحكم الذي يعتمد على مقاييس الذكاء وما يشبه مقاييس الذكاء من أوهام البيداجوجيا التي تُفهَم على غير وجهها، والتي يؤمن فريق منا بنصفها ويجحد نصفها الآخر.

    وإنما أريد أن تمتاز بنفسها؛ بجدِّها وكفايتها ومواهبها، بعد أن تُتاح للمواطنين جميعًا فرص الامتياز في حرية كاملة لا تَحكُّم فيها ولا تَضييق.

    هذه الصفوة ستمتاز من بين أبناء الشعب كله، لا من أبناء الأغنياء، ولا من أبناء الفقراء، ولا من أبناء الطبقة الوسطى، بل من أبناء المصريين جميعًا؛ لأنهم مصريون لا لشيء غير ذلك.

    وأنا أعلم أن قومًا سيقرءون هذا الكلام، فيهزون رءوسهم، ويرفعون أكتافهم، وتمتلئ قلوب بعضهم موجدة وسخطًا، وقد يقول قائلهم كلامًا يُقال في قمم الجبال. لكني أعلم أيضًا أن كثيرين من القارئين لهذا الحديث سيقرءونه بقلوبهم وعقولهم، وسيجدون فيه حقائق أنفسهم وخلاصة آمالهم، وسيؤمنون به ويعملون له. وأنا أَعِدُ هؤلاء بأن يُتاح لهم النجاح غدًا وإن لم يُتح لهم اليوم، وإليهم وإلى قادة الثورة أسوق هذا الحديث على أنه لم ينته بعد.

  • من بعيد … ثورتنا ١

    من بعيد … ثورتنا (١)

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٤ يوليو ١٩٥٤

    تتهيأ مصر في هذه الأيام لإحياء العيد الثاني من أعياد ثورتها بعد أن أحيت في الشهر الماضي العيد الأول من أعياد جمهوريتها.

    وقد ينبغي أن ننتهز فرصة هذا العيد من أعياد الثورة لنفكر فيها تفكيرًا عميقًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة، ومن الشوائب المطامع والمنافع بوجه خاص.

    فالمطامع الضخمة أو النحيفة، والمنافع القريبة أو البعيدة، تؤثِّر في تفكير الناس — على غير إرادة منهم — تأثيرًا أقلَّ ما يوصف به أنه جدير بأنه يجور بهم عن القصد، وينحرف بهم عن طريق الإصلاح إلى ما يلائم مطامعهم ومنافعهم.

    وأحب أن يشهد المواطنون على أني حين أكتب ما أكتب، لا أبتغي مطمعًا عظيمًا أو ضئيلًا، ولا أطلب منفعة نائية أو دانية.

    فقد بلغت والحمد للَّه من السن ما ينبغي أن يبرأ معه الإنسان من المطامع والمنافع جميعًا، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين قال: «وإذا بلغ المرء ستين عامًا فقد أعذر اللَّه له في العمر.»

    فهذه الأحاديث التي أوجهها إلى قادة الثورة، وإلى رئيس الوزراء بنوع خاص؛ خالصة إذن لوجه اللَّه ثم لوجه الوطن، لا يعنيني أن يرضى عنها الراضون أو يسخط عليها الساخطون؛ وإنما يعنيني أن تبلغ قلوب المواطنين وعقولهم، وأن تُثير فيهم الشعور القوي بما يحتملون من تبعات وتدفعهم إلى التفكير العميق في الطريق التي يحتملون بها هذه التبعات على أحسن وجه ممكن؛ بحيث لا تضيع الأعوام المقبلة من حياتنا هباءً، وبحيث لا تذهب دون أن تترك آثارًا خالدة تقدرها الأجيال المقبلة، فتذكرنا حفية بنا مُكْبِرة لنا معترفة بأننا قد صدقنا ما عاهدنا الوطن عليه؛ فلم نضيع وقتنا عبثًا، ولم نُؤْثِر أنفسنا بالبر من دون الناس، ولم يُلْهِنا التفكير في اليوم الذي نعيش فيه عن التفكير في الأيام الكثيرة المقبلة التي ستعيش فيها الأجيال من بعدنا.

    وما أعرف شيئًا يعين على حسن التفكير وسداد الرأي وصواب الحكم، كالبعد في الزمان أو في المكان عن الموضوع الذي نحاول أن نفكر فيه أو نحكم عليه، فنحن حين نعيشه في مصر مثلًا نتأثر بالأحداث اليومية التي تحدث من حولنا وبآراء الناس في هذه الأحداث وأحكامهم عليها، ويشغلنا ذلك عن التفكير فيما هو أعظم منها خطرًا، وأبعد منها أثرًا؛ لأنه أعمُّ منها عمومًا وأشمل شمولًا وأطول بقاءً.

    فإذا بعدنا عن مصر ونأينا عن أحداثها اليومية ولم تصل إلينا من هذه الأحداث إلا أصداؤها، أعاننا ذلك على أن نتجرَّد من هذه الأعراض التي تلم اليوم لتزول غدًا، وعلى ألا نفكر إلا فيما هو جدير بالبقاء والاستمرار.

    وأنا أكتب الآن من باريس التي تتهيأ هي أيضًا لإحياء عيد من أعياد الثورة الفرنسية، فأذكر ما كان في تلك الثورة من هول، وأحمد اللَّه من أعماق نفسي على أن ثورتنا ما زالت إلى الآن مبرأة من كل قول، وعلى أن ما مسَّ بعض الناس من أخطارها ما زال يسيرًا قابلًا للتدارُك. وأتمنَّى أن تظل ثورتنا — كما بدأت — نقية من كل إثم، بريئة من كل شر لا سبيل إلى تداركه أو إصلاحه.

    وأذكر كذلك ما امتازت به تلك الثورة من خصب، وما أحدثت في الحياة الفرنسية والأوروبية والإنسانية من آثار رائعة باقية، وأتمنى لثورتنا أن تُحدث في حياة المصريين — بل في حياة العرب، بل في حياة الشرق كله — مثل ما أحدثت الثورة الفرنسية في الحياة الأوروبية والعالمية من الآثار؛ فقد حرَّرت الثورة الفرنسية وطنها من ظلم الملوك ومن دائرة الإقطاع، وأشعرت شعبها بحق الإنسان وكرامته وبما ينبغي للناس من الحرية والإخاء والمساواة، وأذاعت هذا الشعور في أوروبا ثم في كثير من أقطار الأرض، وكان لهذا كله أثره في حياة الإنسانية الحديثة، وهي بعد ذلك قد استحدثت من النظم في الوطن الفرنسي ما غيَّر حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعقلية تغييرًا يوشك أن يكون شاملًا.

    وثورتنا التي لا تزال في طور الطفولة قد أخذت تُحدث في حياتنا المصرية آثارًا خطيرة، فهي قد حرَّرت الشعب من ظلم الملوك، وهي قد سلكت طريق العدل في توزيع الثروة الوطنية على المواطنين مما شرعت من الإصلاح الزراعي، وهي قد أشعرت المصريين بحقهم في الحرية والكرامة والاستقلال، وهي قد أشاعت هذا الشعور الخصب فيما حولها من الأقطار، وهي تحاول — موفقة إن شاء اللَّه — أن تحرر الوطن من الاستعمار وآثاره القريبة والبعيدة، وهي تحاول — موفقة أيضًا إن شاء اللَّه — أن تستحدث من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ما يكفل للمصريين حياة تلائم مجدهم القديم وآمالهم الواسعة العراض.

    وأول ما يجب على المثقفين من المصريين في هذا الطور من أطوار ثورتهم، إنما هو أن يخلصوا لها النصح وأن يمنحوها من ذات نفوسهم ما يُنير أمامها الطريق ويبين لها معالم الخير؛ لتسير إلى غايتها ثابتة الخطى، معصومة من الخطأ بقدر ما يُتاح للناس أن يُعصموا من الخطأ. وقد أُمرنا أن نقول الحق وأن ندعو إلى الخير، وأن نأمر بالمعروف مهما كلفنا ذلك من عناء، ومهما يُعرضنا له من مكروه.

    ولا خير في ناصح غير منصف ولا في مشير غير أمين، وشر الناس من أسرع إلى الإنكار وأمعن في العيب، ولم يعرف الإحسان لأصحاب الإحسان، ولم يشهد بالخير للذين قدَّموا الخير. ومن الإساءة إلى الحق والظلم للتاريخ أن يُنكر منكر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر الإحسان كله حين غيَّرت نظامها السياسي، وأدالت للجمهورية الملكية، وردت إلى الشعب حقه السياسي كاملًا، وأراحته من هذا النظام السخيف نظام الملك الموروث الذي لا يعتمد على أصل من حق أو عدل أو دين؛ وإنما يعتمد قبل كل شيء على الأَثَرَة والظلم والاستعلاء، وتقديس أسرة بعينها أو فرد بعينه، مع أن الإنسان — مهما يكن — لا حق له في التقديس ولا في الاستعلاء ولا في الاستئثار بالحكم من دون غيره من الناس.

    ومن الظلم للتاريخ أيضًا والانحراف عن الحق والعدل، أن ينكر مُنْكِر أن ثورتنا قد أحسنت إلى مصر حين شرعت ما شرعت من الإصلاح الزراعي الذي يشيع الملكية بين طبقات الشعب، ويُقرب الآماد بين هذه الطبقات، ويُلغي الفروق بين الذين يملكون فيُسرفون في الملك، ويُنفقون فيُسرفون في الإنفاق، ويستأثرون من دون غيرهم بالخير، والذين لا يجدون ما يملكون ولا ما ينفقون ولا ما يدفعون به عن أنفسهم العاديات.

    في هذين الأمرين أحسنت الثورة إلى مصر إحسانًا لا شك فيه، ولكنه مُحتاج إلى كثير من الوقت، وإلى كثير من الجهد، وإلى كثير من الصبر؛ ليُحدث آثاره ويبلغ ما ينبغي أن يبلغه من الغايات.

    فإقامة الجمهورية مكان الملكية خير لا شك فيه، ولكن الجمهورية محتاجة إلى الوقت والجهد والصبر لتثبت وتستقر وتتصل بقلوب المواطنين جميعًا، وتستأثر بنفوسهم، وتظفر منهم بهذا الإيمان الذي يدفعهم إلى أن يمولوها بالعناية والرعاية، ويفتدوها بأنفسهم وأموالهم، ويضحُّوا في سبيلها بأعز ما يملكون. وكل هذا لا يُتاح في عام أو في عامين، وكل هذا لا يُتاح بمجرد إعلان النظام الجمهوري، وإنما هو محتاج إلى أن توضع النظم التي تكفُل للجمهورية أن تُشعر المواطنين إشعارًا عميقًا بأنها هي النظام السياسي الذي يكفل لهم حقهم في الحرية والكرامة، وفي أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ولأنفسهم لا لمصلحة هذه الطبقة أو تلك، ولا لمصلحة هذا الفرد أو ذاك، بل لمصلحتهم جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الثراء، لا فرق في ذلك بين الغني القوي وبين الفقير المعدم، وبين من هو في منزلة بين المنزلتين.

    ولجنة الدستور ماضية في إعداد هذه النظم، وهي ستفرغ من إعدادها غدًا أو بعد غد، ولكن يجب أن نقنع أنفسنا بأن إعداد الدستور وقبول الشعب له، وإعلانه والأخذ في تنفيذه، لن يكون كافيًا لتثبيت الجمهورية، بل سيحتاج تثبيتها إلى تجربة طويلة لهذا الدستور حتى يظهر للمواطنين بعد التنفيذ أنه هو الدستور الذي يلائم حاجتهم وطاقتهم وآمالهم.

    فليس الدستور إلا عملًا إنسانيًّا، والأعمال الإنسانية ليست مبرَّأةً من الخطأ ولا مضمونة الكمال؛ وإنما هي في حاجة إلى أن تُجرَّب وتُنقح ويُعاد النظر فيها بين حين وحين.

    فالخطأ كل الخطأ والخطر كل الخطر، أن نظن أن إعلان الجمهورية قد منحنا النظام الجمهوري حقًّا، وأن نظن أن إعلان الدستور الجمهوري قد ثبَّت الجمهورية وكَفَل لها الأمن والبقاء.

    والإصلاح الزراعي الذي شرعته الثورة خيرٌ ما في ذلك شك، ولكنه في حاجة إلى وقت طويل وإلى جهد عنيف ليتم تنفيذه وليُؤتِيَ ثمراته، وليس يكفي أن يعلن قانونه ويذاع في الناس، ولا أن توزَّع الأرض على الذين لم يكونوا يملكونها، بل ليس به بعد هذا كله أو أثناء هذا كله من تنظيم التعاون بين المُلَّاك ليستطيعوا أن يجدوا ما يحتاجون إليه من الأدوات والوسائل المختلفة لاستثمار الأرض التي وُزِّعَتْ عليهم، استثمارًا يتيح للاقتصاد القومي ما ينبغي له من النمو والازدهار، وهذا كله لا يتم في عام أو عامين أو أعوام.

    وإذا تمَّ هنا الإصلاح الزراعي على أحسن وجه ممكن، فقد يحتاج إلى ألوان أخرى من الإصلاح غير الزراعي؛ ليستقيم اقتصادنا القومي، وليتحقق العدل الاجتماعي بين المواطنين، ولتتضاءل الفروق بين الطبقات. فليس بد من الإصلاح الصناعي، ومن الإصلاح التجاري، ومن تمكين الشعب كله من أن ينتفع في حدود الحق والعدل بما تغل الزراعة والصناعة والتجارة، وبما يغل النشاط القومي كله من الثمرات.

    وهذا كله يحتاج إلى الوقت والجهد والصبر والمثابرة في ثقة وأمل وفي قوة وعزم.

    ومعنى هذا كله أن الثورة يجب أن تتغلغل في قلوب المواطنين جميعًا، وأن تمتزج بدمائهم وتستقر في نفوسهم، وتصبح ثورتهم كلهم حين يجتمعون وثورة كل واحد منهم حين يخلو إلى نفسه، وذلك أجدر أن يُمكِّن الثورة من بلوغ غاياتها في أسرع وقت ممكن وفي غير تعرُّض للأخطاء المنكرة التي تنشأ عن اختلاف الرأي وتفرُّق الهوى وتبايُن المذاهب، وإقامة فريق من الشعب على حب القديم البالي والمحافظة على النظم العتيقة، وإسراع فريق آخر إلى التجديد المتطرف المسرف، وتذبذب فريق ثالث بين الفريقين الآخرين، وما ينشأ عن هذا كله من الصراع بين أصحاب المذاهب المختلفة والأهواء المفترقة والميول المتنافرة.

    والشعب الرشيد هو الذي يُحسن الانتفاع بتجارب الشعوب من قبله وتجارب الشعوب من حوله، فيتعجَّل الخير من هذه التجارب ويتجنَّب الشرَّ منها، ويَتَّقِي بذلك ما لم تُحسن الشعوب الأخرى اتِّقاءه من الزلل والخطل والخطأ.

    وقد رأينا ما نشأ من خلاف الشعب الفرنسي في أهوائه أثناء ثورته من الأهوال، وما نشأ كذلك عن اختلاف الشعوب الأخرى أثناء ثوراتها من الكوارث والخطوب التي لم تجعل تاريخ هذه الثورات نقيًّا ناصعًا؛ وإنما صبغته بحمرة الدماء، وأشاعت فيه الحزن والخوف والكآبة التي لا تنقضي.

    فأحرى بنا أن ننتفع بما عرفنا من هذا كله، وأن يبصر العلماء منا غيرهم من الذين لم يُتح لهم العلم، وأن نتعاون جميعًا على البِرِّ والتقوى، وألا يتعاون فريق منا على الإثم والعدوان، وأن نحفظ على ثورتنا الناشئة ما تهيَّأَ لها من الصفاء والنقاء، وأن نجتهد في أن نمحو عنها ما علق بها من بعض الأوضار والأذى.

    وليس هذا كله كافيًا لتبليغ ثورتنا غايتها لتهيئ لشعبنا ما ينبغي له من السعادة والرُّقِيِّ والاستقلال بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها وأعمقها.

    فقد رأينا أن الثورة في حاجة إلى وقت طويل لتحقق ما تريد أن تحققه من الأغراض، وما أكثر ما نقرأ في كتب الفرنسيين المعاصرين من أن ثورتهم لم تنته بعد؛ لأنها لم تحقق كل ما أرادت تحقيقه من الأغراض!

    فلا بد إذن من أن نهيئ لثورتنا الصفوة من أبناء الشعب الذين يستطيعون أن ينهضوا بأعبائها ويعينوا قادتها ويضيفوا إلى جهودهم جهودًا وإلى نشاطهم نشاطًا، ولا يكون ذلك إلا بالتعليم الصحيح الذي ينتهي بفريق من أبناء الشعب إلى أرقى وأوسع ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من ذكاء العقل وحصافة الرأي ودقة العلم بحقائق الأشياء؛ ليستطيعوا أن يفهموا حاجات الشعب وآماله ومنافعه، وأن يقدروا هذا كله في الظروف التي تحيط بالشعب في حياته الداخلية والخارجية.

    والحديث عن هذا كله يطول ويتشعب، فلنرجئه إلى مقال آخر قريب.

  • بين الرضى والسخط

    بين الرضى والسخط . . .
    بقلم الدكتور طه حسين
    ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.

    والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.

    والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.

    أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

    وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

    ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

    والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.

    ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

    ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.

    ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

    أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

    وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.

    بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.

    وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

    فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.

    ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

    وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.

    وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.

    وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

    وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.

    فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
    طه حسين
    الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢

  • القلق الخطر …!

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

  • وعود …

    وعود …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.

    وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.

    ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.

    وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.

    وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.

    وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.

    وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.

    ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.

    وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.

    ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.

    ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.

    فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.

    ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.

    وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.

    فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.

    فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.

    كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.

    وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.

    ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.

    فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.

    ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.

    يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة.