الفئة الضائعة
بقلم الدكتور طه حسين
هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
طه حسين
الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤
Tag: الثقافة
-
الفئة الضائعة | The Lost Class
-
الحرية أولًا | Freedom First
الحرية أولًا
«نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر.»
تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين، ليحبوا الجمال ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنًا حديثًا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا التراث الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويحبب الحياة إلى النفوس، ويجعل الدنيا شيئًا ذا خطر، على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة، التي لجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق، فتجعل لها قيمة وشأنًا.
تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليستقبلوا الحياة راغبين فيها، محبين لها، مؤمنين بها، فلا يقنعوا بما يتيحه لهم من إرضاء الغرائز، وقضاء الأرب، وإرضاء الشهوات، وتحقيق الآمال الوضيعة، بل ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنًا، وأجل منها خطرًا، وأسمى منها منزلة، وهو الاستمتاع والإمتاع بهذه الثمرات الحلوة التي تجد فيها القلوب راحة، وتجد إليها النفوس روحًا، والتي تسمو بالناس إلى حيث ينظرون إلى الحياة مزدرين لها، ساخرين منها، زاهدين فيها، بعد أن كانوا يحبونها أشد الحب، ويكلفون بها أعظم الكلف، لأنهم يرونها قد انتهت بهم إلى الغاية، وبلغت بهم آخر الشوط، فلا عليهم من أن يتركوها، ولا عليهم من أن تتركهم، بعد أن أتاحت لهم أن يستمتعوا ويمتعوا لحظة قصيرة أو طويلة بهذا الجمال الذي لا تؤدي وصفه الألفاظ، وإنما تجد روعته القلوب، فتنسى في لذاته كل شيء.
ثم تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليعرفوا أنفسهم، وليقدروا وجودهم، وليلقوا من يلقون من الأجانب، وأن يفهموهم ما يريدون أن يقولوا، ويفهموا عنهم ما يقولون، لا يجدون في ذلك مشقة ولا عناء، وإنما يجدون فيه راحة ومتاعًا، ولا يشعرون في أثناء ذلك بما يغض منهم في أنفسهم، ويخيل إليهم، أو يحقق لهم، أنهم أقل من الأجنبي الأوروبي والأمريكي علمًا بما يجب أن يعلم الناس، وشعورًا بما يجب أن يشعر به الناس، وتقديرًا لما يجب أن يقدر الناس.
تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لتبلغ بهم هذه المنازل كلها، ولتشعرهم بأن من حقهم أن يعتدوا بأنفسهم، ويعتزوا بقديمهم وحديثهم، ويطمحوا إلى ما يطمح إليه أترابهم من الشباب في الأمم الراقية الأخرى، وهو أن يتلقوا عن آبائهم تراثًا كريمًا، وأن ينموه ويزيدوا فيه، ويدفعوه إلى أبنائهم تراثًا كريمًا لينموه ويزيدوا فيه، وأن يحققوا بذلك لوطنهم ما ينبغي أن يتحقق للوطن الكريم من هذه الحياة التي تنمو على مر الزمن، وتربو على تعاقب الأيام، وأن يحققوا للإنسانية ما ينبغي أن يتحقق للإنسانية من هذا الرقي المتصل والسمو الممتاز.
تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضًا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب.
على هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة.
ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبًا غاية القرب، وتراه أنت وأراه أنا بعيدًا غاية البعد:
فيا دارها بالكرخ إن مزارها
قريب، ولكن دون ذلك أهوال
يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد على أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته، وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها. وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة، وآماله النائية، وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب وتحقيق الآمال.
فتنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب يسير كل اليسر، ولكنه على ذلك عسير كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.
وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما ينبغي لهم من الحرية التي تتيح لهم أن يقبلوا، وأن يرفضوا، وأن يحبوا، وأن يبغضوا، وأن يفعلوا، وأن يتركوا، حين يريدون هم، لا حين يريد غيرهم؟
ومنهم هذا كثير لا يكاد يحصى: منه التقليد الموروث الذي يفرض على الشاب أن يفكر ويعبر ويعمل ويشعر كما تلقى ذلك عن أسرته وعن بيئته، لا كما تريد نفسه، ولا كما يريد طبعه أن يفكر ويعبر ويشعر ويحس. ومنه التقليد الاجتماعي المكتسب الذي يفرض عليه أن يحيا كما يحيا الناس، ويحظر عليه أن ينفرد أو يشذ، أو يأتي من الأمر ما يكره النظراء والأتراب. ومنه السلطان الذي يشرع القوانين، قاسية مرهقة مقيدة، ثم يصطنع في إنفاذها وسائل أشد منها قسوة وإرهاقًا وتقييدًا.
حرر الشباب قبل كل شيء، ولو تحريرًا موقوتًا، من هذه القيود كلها أو بعضها. دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنصح الدقيق.
وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم لتذوق الفن الرفيع أحسن إعداد، وقومتهم كل التقويم. فالفن يحتاج، قبل كل شيء، إلى حرية واسعة، إلى أبعد غايات السعة: حرية في نفس المنتج، وحرية في نفس المستهلك، كما يقول أصحاب الاقتصاد.
خذ من شئت من المبدعين في الفن، واستقص حياته، فسترى أنه لم يبدع إلا لأنه شذ، وانفرد، وامتاز، وخرج على ما ألف غيره من القيود.
وليس كل الناس ميسرًا للفن، وليس كل الناس قادرًا على التذوق والابتكار، ولكن من حق الناس جميعًا أن تهيأ لهم الفرص، وتمد لهم أسباب التذوق والابتكار.
وأول ما يجب لذلك أن يتاح للشباب، وللشباب خاصة، ما ينبغي لهم من الحرية، فيمثلوا تمثيلًا تامًّا الحياة، بما فيها من خير وشر، ولكل ما في الحياة من حسن وقبح، ولكل ما في الحياة من حب وبغض، ليقبلوا عن اختيار لا عن اضطرار، وليحبوا ويبغضوا عن رضا لا عن إكراه.
فإذا لم تتح لهم هذه الحرية، فلا تبتغ منهم خيرًا، ولا ترج منهم نفعًا، ولا تنتظر لهم تفوقًا ولا ابتكارًا، وإنما انظر إليهم كما تنظر إلى الرقيق المسخرين، وإلى الحيوان الذي تقمع غرائزه، ويحد من حريته سلطان المستأنسين له المنتفعين به فيما يحاولون من المآرب والأغراض.
إن الفن حرية لا رق.
فإذا أردت من الشباب أن يذوقوا الفن، ويمثلوه، ويحاولوه، ويبتكروه، فاجعلهم أحرارًا، لأن الفن أثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد.
أي شيء أيسر من أن نجعل الشباب أحرارًا؟ إنك لتريد ذلك، وإني لأريده، ولكن أي شيء أعسر من أن تجعل الشباب أحرارًا!
إن التقاليد الموروثة، والتقاليد المستحدثة، وسلطان الحكومة، وسلطان الجماعة، وظروف الحياة، كلها في هذا الوطن البائس، تأبى على الشباب أن يكونوا أحرارًا.
فأنشد معي إذن قول أبي العلاء:
فيا دارها بالكرخ إن مزارها
قريب ولكن دون ذلك أهوال
والتمس من العزائم، والطلاسم، والتمائم، ما يحميك ويحميني من هذه التهمة الكبرى الخطيرة، تهمة الميل إلى إفساد الشباب.
وأي خطر على حياة الشباب في بلد كمصر أشد من أن تلتمس له بعض الحرية التي يستمتع بها الشباب في غير مصر، من البلاد التي ألفت الحرية، فلم تستطع أن تتسلى عنها، ولا أن تزهد في ثمراتها الحلوة والمرة جميعًا.
ثم لا تنس أنك لن تمنح الحرية للشباب حين تضع عنهم إصرهم والأغلال التي تثقلهم من التقاليد والظروف، فقد ينبغي أن يعيش الإنسان قبل أن يكون حرًا، وقد ينبغي أن يعصم الإنسان من الحرمان ليعيش.
فحرر الشباب من البؤس والجوع، وهمِّ التفكير فيما يقيم الأود، وحررهم من الجهل، وأتح لهم علمًا وأدبًا وثقافة، ويسر لهم بعد ذلك أن يعيشوا في جنة، وخُلِّ بينهم وبين الدنيا وما فيها مما يسر ومما يسوء، مما يحسن ومما يقبح، مما يلذ ومما يؤلم.
وثق بأنهم سيحسون ويشعرون، وثق بأنهم سيرضون ويسخطون، وثق بأنهم سينعمون ويبتئسون، وثق بأنهم سيستقبلون هذا كله بأنفسهم، لا من طريق غيرهم.
وثق بأنهم إن استقبلوا الحياة ولذاتها وآلامها، وحلوها وأحداثها، فسيصورون ما يستقبلون من ذلك، وسيعبرون عنه، وسيتأثرون به، وسيؤثرون فيه، وسيكون كل واحد منهم إنسانًا حرًا عاملًا.
وحيثما وجد الإنسان الحر العامل، وجد الذوق الفني، ووجدت آثار الذوق الفني من الاستمتاع والإمتاع جميعًا.
أرأيت الشباب الجامعيين حين يختلفون إلى الدروس، ويستمعون إلى الأساتذة، وحين يتحدثون إلى أساتذتهم، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، أرأيت في هذا كله شيئًا يشبه ما تعرف من شؤون الشباب الجامعيين في البلاد الأجنبية الراقية؟
ألم تر إلى أزمة الأستاذ حين يلقي الدرس، وأزمة الطلاب حين يستمعون له؟
الدرس عبء ثقيل على الأستاذ، يتخفف منه بإلقائه في غير حب ولا كلف ولا ذوق. والاستماع عبء ثقيل على الطلاب، يتخففون منه بإحصاء الدقائق، وانتظار الجرس الذي يرد إليهم ظلًا من الحرية، ويخلي بينهم وبين الانطلاق إلى ما هم فيه من سخف الحديث.
وفيما يتحدث البائسون؟ في أشياء لا تتصل بالثقافة من قريب أو بعيد، في أشياء لا تتصل بالعلم، ولا بالفن، ولا بالذوق، وإنما تتصل بصغائر الأمور وسفاسفها، وتتصل باللذات القريبة، والمنافع العاجلة، وقد تتصل بالسياسة، فلا تمس إلا أدناها إلى السخف، وأبعدها عن الغناء، وتتصل بهذه اليوميات التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الجماعات.
فإذا تركوا الجامعة، فإلى الجهود الضائعة، والحياة الفارغة، إلى حرمان المحرومين، وشقاء الأشقياء، وصبر الصابرين على المكروه، ويأس اليائسين حتى من روح الله.
فإذا أتيح لبعضهم شيء من اللهو، وفضل من المتاع، فأنت تعلم حيث يلتزمون ذلك، وأنت تعلم ما بين ذلك وبين الذوق الفني المترف الرفيع من صلة.
والحق كل الحق أن نطوي الحديث عنه طيًّا.
أذهبت إلى مدرسة الفنون الجميلة، أرأيت إلى النقش والحفر والتصوير وغيرها من الفنون؟ تلقى الدروس فيها على الطلاب كما كانت تلقى عليهم دروس النحو والحساب. يدعوهم إليها الجرس، ويصرفهم عنها الجرس، ويشرف عليهم في أثنائها وفيما بينها نظام دقيق قد رسمت له اللوائح وبينت له الحدود. فهم يسكنون بمقدار، ويتحركون بمقدار، وهم يسكتون بمقدار، ويتكلمون بمقدار. مدرسة عسكرية لا أكثر ولا أقل.
فكيف تريد للذوق الفني المترف الرفيع أن ينشأ، أو ينمو، أو يمتاز في هذه البيئات التي لم تخلق إلا لتقتل الذوق، أو لتفسده على أقل تقدير؟
وأي شيء أيسر من أن ترد إلى هذه البيئات، في الجامعة، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وفي معاهد التعليم كلها، شيئًا من اليسر والسماح، ومن الدعة والحرية؟
لأنك تريد ذلك، ولأني أريده، ولكن هيهات! دون ذلك اللوائح والقوانين، والأمن والنظام، والخوف، والإغراق في الخوف.
نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه نبي الله سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر، كما يحدثنا بذلك القاص في ألف ليلة وليلة.
وأجسام الشباب المصريين هي هذه القماقم المطبقة الصفيقة، إلا أنها ليست من نحاس، وإنما هي من لحم ودم.
والفرق بين هذه النفوس السجينة في قماقمها وبين ذلك العفريت هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر، وفض عنه خاتمه، ورفع عنه غطاءه، وأتاح للعفريت أن يحدث عهدًا بالهواء والنور والحرية.
فإلى أن تجد نفوس الشباب المصريين هذا الصياد الذي يخرجها من قماقمها، ويرد إليها الحرية، ويخلي بينها وبين الهواء والنور والجمال، تستمتع به وتمتع به الأجيال…
إلى أن يوجد هذا، فدعني أقطع الرجاء من تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب كما تشاء.
طه حسين
الهلال، ١-١-١٩٤٨. -
الديموقراطية | Democracy

الديمقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك
سيدي صاحب المقام الرفيع، أصحاب المعالي والسعادة، سيداتي سادتي:
إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والأفراد بدونهما. أما أولهما فهو طموح الشعب إلى أن يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها، ويستعين بها، وإلى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل إليه من كمال.. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديمقراطية، ولا أظن الديمقراطية نفسها تفهم نفسها إلا على هذا الوضع. فالديمقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه، وهي الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا. والديمقراطية في هذا ليست إلا العلم والمعرفة، فإذا كان هذا حقًا، وأظن أنه حق، فالصلة بين الجامعة والديمقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها.
وعلى هذا الأساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح، وما أظن أن الشعب قادر على أن يستكشف شيئًا من هذا، إذا كان جاهلاً.
وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت أن الديمقراطية لا تبغض شيئًا كما تبغض الجهل، ولا تحب شيئًا كما تحب العلم، وكما تحب المعرفة.
سيداتي سادتي:
إن الله لم يختص مصر بخصب أرضها فحسب، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل إليها من علم ومعرفة، فيصبح نافعًا لها ولغيرها، وما أكثر النباتات والأشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر، وأفادت بها غيرها من البلدان.
فقد انتقلت إلى مصر في الأزمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الوسطى الحضارة الإسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الأوروبية الحديثة فتنمو وتزدهر وهي الآن مصدر نفع للإنسانية كلها. فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار، فإذا كان هذا حقًا فقد نقلت إلى مصر في هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل إليها حتى نمت وأثمرت وهي شجرة الديمقراطية.
لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى أخذت تهدي ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب وإظهار الشعب على أنه في حاجة شديدة جدًا إلى أن يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع.
فرقي التعليم في مصر واتساعه وتعمقه إنما هو مقترن بوصول الديمقراطية إلى مصر، وكلما أحست مصر حياة ديمقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم، وأن تتعلم إلى غير حد.
وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الأخيرين، فلم تكد الديمقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدًا… وكم أتمنى أن أقول بغير حساب، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل إليه حتى نحيا حياة ديمقراطية صحيحة.
وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديمقراطية والحكومات الديمقراطية، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل، وهي لا تريد أن تتوسع بغير حساب، ولكن الديمقراطية التي تختلط بدم الشعب، وهذه الديمقراطية تطلب بغير حساب. وإذا كان العقل مضطرًا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد، فإن طبيعة الأشياء أقوى وأبعد مدى من العقل… فإذا وصل إليه العقل اليوم إلى شيء، فإن طبيعة الأشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل، وإذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع في التعليم فستكرهنا غدًا على التوسع جدًا، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع.
وإذا كانوا ينظرون إليه نظرة امتعاض، فإني أوكد لكم غير متردد، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية، ولكنها خطوة بدائية إن كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان، فإنها ستدفعنا حتمًا إلى تعميم التعليم الثانوي بالمجان، وإلى تعميم التعليم العالي بالمجان أيضًا….
ذلك أن الديمقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء، وليحرص عليها غير متردد. ووسيلة الشعب إلى أن يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وإنما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديمقراطية، وحاجة الديمقراطية إلى العلم لا تنقضي.
ليس المهم أن ديمقراطيتنا طموحة إلى العلم، فهذا شيء مقرر، وإنما يهمنا أن نزيل بعض الأوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديمقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديمقراطية.
فينا مثقفون ممتازون جدًا، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود، وهم، يذهبون إلى أن التعليم الجامعي ينبغي أن يكون محدودًا أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغي أن يدفع إليه الشعب دفعًا عنيفًا، وإنما يجب أن نقدم عليه محتاطين، لأن الشعب إذا تعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا فقد يطمع فيما ينبغي ألا يطمع فيه، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه، وقد يأمل حياة لا ينبغي أن يكون له فيها أمل.
وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي، ويدعون دائمًا إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم. ولكن يخيل إليّ أن هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به أنها خطرة على الديمقراطية والنظام الديمقراطي، فضلًا عن أنها لا تستقيم مع طبيعة الأشياء. ذلك أن التعليم الجامعي إما أن يكون خيرًا وأما أن يكون شرًا، فإذا كان خيرًا فالديمقراطية تدعو إلى المساواة فيجب أن يتساوى الجميع في الخير. وإذا كان شرًا فلا ينبغي أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه، إنما الواجب أن يتساوى في الشر الجميع.
فهل التعليم خير أو هل التعليم شر؟ وأريد التعليم الجامعي؟
أريد أن أجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين في الخلق والدين، ولكني أعني الماديين في الاعتبار المعتاد، الذي يرمي إلى الكسب والخسارة.
أريد أن أجيب كما يحب هؤلاء ولا أجيب كالذين يحبون العلم للعلم، ولكني أحببت أن أجيب عنه على أساس الكسب والخسارة.
هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية، أقصى ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
إنها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئًا، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن أن تستثمر بها هذه الموارد.
وإذن فحياتنا المادية نفسها، هذه الحياة التي تعني الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى أن نفكر فيها ونعمل لها.. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي، ولا شيء إلا التعليم العالي…
قد يقال إن التعليم المتوسط، أو الأولي أو الثانوي كافٍ، ولكن صدقوني أن هذا كلام يقال، وأبسط ما يدل عليه أن الذين يقولونه لا يفكرون فيه، ذلك أن التعليم المتوسط والأولي والثانوي لا يمكن أن يوجد أو ينظم أو يؤتي ثمره القريب أو البعيد إلا إذا أشرف على إدارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظًا كبيرًا جدًا من التعليم العالي. فليس بكافٍ أن يريد الإنسان شيئًا، ولكن ينبغي أن يكون فاهِمًا ما يريد.
فالذين يريدون أن يكتفى بالتعليم الأولي أو الثانوي أو المتوسط، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل. وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض، بل يوجه إلى الجامعة وإلى التعليم العالي أنه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعني بالحياة العملية، وهذا ممكن، ولكن في غير البلاد الديمقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره، ويقدر حاجاته ومطامحه.
ذلك أن الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص، وإنما الجامعة بيئة للتعليم الذي يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرًا مستقيمًا جليًا مرنًا واسعًا يشمل كل ما يمكن أن يتجه إليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الإنسان النظرية والعملية في وقت واحد، فإذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان، فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة، وإذا رأينا جامعة تعني بالعلم لأنه يرقي العقل والحياة نفسها، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعًا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليًا وعلميًا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها.
إذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديمقراطية من الجامعة، إنما يخطئون فهم الجامعة، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته، وأؤكد لكم أنه لو وجدت مدرسة تعني بالعلم من حيث هو علم، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية، لأعرض الشعب عنها إعراضًا تمامًا، ولباءت هذه المدرسة بالخذلان. فلنطمئن إلى أن الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت:
ذوق سليم لحاجاته ومطالبه. والديمقراطية تقوم على العدل.
وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل، هو هذه الفكرة التي أدخلها وزير المعارف في التعليم، وهي فكرة (تكافؤ الفرص).
«تكافؤ الفرص» يعطي كل ما يمكن أن يعطيه للفرد، وهو لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من أنواع التعليم. بل لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من الحياة كلها. وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائي، وسيصل إلى التعليم الثانوي، ثم إلى التعليم العالي، وغدًا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياة كلها.
سيتيح للعامل الفرصة ليؤتي كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمته، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفًا لما اصطلح عليه الناس في هذه الأيام وهو «العدالة الاجتماعية».
فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وأؤكد لكم أن تحقيق التوازن بينهما، بين ما يطمح إليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال. لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير، وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي.
إن هناك قومًا يرون قصر التعليم العالي على جماعة دون جماعة، فإن كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليمًا عاليًا.. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالي.. ولكن كيف ومن هم أولًا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟!
أتصل ذلك بالثروة؟!.. لو أن الأمور عُقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديمقراطية. أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عُقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضًا للديمقراطية.. وإذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعًا أن يتعلموا تعليمًا عاليًا، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص.
هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالي مصري مهما تكن ظروفه، وإنما ينبغي أن ترد الحياة نفسها، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضي في هذا التعلم.
ليس هناك إذن سبيل إلى أن يحول في النظام الديمقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم.
فإذا أتيحت المقدرة للشباب فينبغي أن تفتح في وجوههم أبواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعي والعالي عن اللون النظري الخالص، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد.
ومن الخير أن ألاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا، فهي لا تنشئ مدارس إلا على أساس حاجات البلاد، وقد أخذت تعرف للتعليم قدره، وللجامعيين قدرهم، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على أنهم أعضاء كرام في شعب كريم، وهذا المثل الأعلى الذي أقدمت عليه اليوم، وما أشك في أنها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الأيام، فأنا جميعًا نتمنى أن تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب، بل أن يتعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا.
الوفد المصري، ٩ يونية ١٩٤٤. -
تمصير | Egyptianization
تمصير
هي عاطفة طبيعية تسيطر علينا في أكثر ما نعمل وفي أكثر ما نقول. وأي غرابة في أن يكون الميل إلى تمصير الحضارة الأجنبية على اختلاف فروعها أظهر ما تمتاز به حياتنا العامة في عصر كهذا العصر الذي نعيش فيه، قد اشتدت فيه النهضة الوطنية وقوي فيه الشعور بالقومية المصرية، وظهر فيه الحرص واضحًا جليًّا على أن تكون شخصيتنا بارزة لا لبس فيها ولا غموض؟
وقد مضى عصر كنا نستعير فيه الحضارة الأجنبية استعارة من أوروبا ونجهر بذلك، ونقدم عليه لا نجد فيه حرجًا ولا نحس منه حياء، ثم مضى عصر آخر كنا نسرع فيه إلى هذه الحضارة الأجنبية مبتهجين بالإسراع إليها، مفاخرين بالأخذ بأسبابها، يتمدح الرجل منا بأنه يحسن مجاراة الأوروبيين في هذا الأمر أو ذاك، ويحسن تقليد الأوروبيين في التفكير والقول وغيرهما من أساليب الحياة.
مضى هذا العصر كما مضى ذلك العصر، وأصبحنا نطمئن فيما بيننا وبين أنفسنا إلى أن الحضارة الأوروبية وإن كانت ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، فإن لنا مقومات خاصة ليست حاجتنا إليها بأقل من حاجتنا إلى الحضارة الحديثة. وأخذنا نشعر منذ عهد غير قصير بأن المشكلة التي تواجهنا والتي يجب أن نجد لأنفسنا منها مخرجًا ليست هي نقل الحضارة الأجنبية إلى وادي النيل، ولا إقرارها على ضفاف النيل، ولا التغلغل بها في أعماق الريف، وإنما هي الملاءمة بين هذه الحضارة التي نقلت بالفعل إلى مصر واستقرت فيها وبين أشياء أخرى، ولابد لنا من أن نحتفظ بها لنكون أمة من حقها أن تطمع في الاستقلال وتطمح إليه، ولنكون أفرادًا من حقهم أن يؤمنوا بأن لهم وجودًا خليقًا بهذا الاسم وشخصية خليقة أن يعترف بها الناس.
ولعل أول ما عنينا به من ذلك إنما هو الملاءمة بين ما في الحضارة الأجنبية من علم وأدب ومن فلسفة وفن، وبين ما لنا نحن من لغة عربية مصرية نحبها ونؤثرها ونحرص عليها أشد الحرص. فقد كنا في أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن نلتمس العلم الأجنبي والأدب الأجنبي في لغة الأجانب وكتبهم، نقرأ ما نقرأ من ذلك ونعي منه ما نعي، لا نكاد نشعر بالحاجة إلى أن نقرأ ذلك في لغتنا العربية، أو إلى أن يقرأ ذلك منا الذين لا يحسنون لغة أوروبية. وقد أعرضنا لأمر ما عن ذلك الجهد الخصب الذي بذله جماعة من المصريين في أول تاريخنا الحديث، وأقبلنا على لغات الأجانب نتعلمها، وعلى علوم الأجانب وآدابهم ندرسها ونستظهرها، دون أن نفكر في النقل والترجمة إلا قليلًا، فضلًا عن أن نفكر في الإنشاء والتأليف. ثم اشتدت الحركة الوطنية بعض الشيء أول هذا القرن، فأخذنا نحس الحاجة إلى أن يظهر سلطان اللغة العربية واضحًا جليًّا في التعليم، وجاهدنا في ذلك حتى بلغنا منه حظًّا لا بأس به، وحتى أخذنا في تمصير أكثر ما يلقى على التلاميذ من العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، ومضينا في ذلك موفقين أحيانًا ومخطئين أحيانًا أخرى، حتى انتهينا إلى تمصير كثير مما يلقى من العلم على الطلاب في الجامعة والمدارس العليا.
وكنا نشهد التمثيل الأجنبي في أوروبا ونحاول تقليده في مصر، فنمصره بعض الشيء حين نفرض عليه لغتنا فرضًا، وحين نترجم قصصه ترجمة دقيقة أو مقاربة أو مباعدة للأصل. ثم اشتدت الحركة الوطنية، فإذا نحن نريد أن يكون لنا تمثيل مصري يتخذ لغتنا كما يتخذ تفكيرنا وشعورنا، ويصور حياتنا المصرية الخاصة تصويرًا صحيحًا دقيقًا، وقد وفقنا في ذلك إلى بعض الخير، ثم صرفنا عنه لأمور لست في حاجة إلى أن أبينها الآن.
وتستطيع أن تقول مثل هذا في فروع حياتنا العامة والخاصة كلها. فقد نقلنا عن الأوروبيين فنون الحكم والإدارة والقضاء، وكنا في هذا النقل مقلدين أول الأمر، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون شيئًا فشيئًا حتى بلغنا من ذلك حظًّا لا بأس به. وكذلك قلدنا في التجارة والصناعة، ثم أخذنا نمصر التجارة والصناعة، وقلدنا في الأدب أو في بعض فنون الأدب، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون، وما أظن صديقنا «الصاوي» قد أنشأ صحيفته الجديدة هذه إلا ليشارك فيما يجب على كل محب لمصر أن يشارك فيه من تمصير الأدب والثقافة بوجه عام.
طبيعي إذن أن نميل إلى التمصير ونجد فيه، وأن نضيق إذا أبطأت حركة التمصير في لون من ألوان المعرفة أو فن من فنون الحياة. ولكن هذا الميل كغيره من الميول قد يحتاج إلى شيء غير قليل من المراقبة والملاحظة، وقد يحتاج إلى شيء غير قليل من التحفظ والاحتياط. فنحن في حاجة إلى تمصير العلم، وإنما يتم تمصير العلم إذا أتقناه وتمثلناه وشاركنا فيه كما يشارك فيه أصحابه الأوروبيون. فأما إذا وقفنا عند الترجمة، أو تجاوزنا الترجمة إلى تأليف هو إلى التقليد والمحاكاة أقرب منه إلى الابتكار والإبداع، فنحن لا نمصر العلم، وإنما ننقله إلى بلادنا نقلًا ونقره فيها كما يستقر الضيف.
فإذا لم نوفق إلى الابتكار والإبداع، ثم لم نوفق إلى الترجمة الصحيحة ولا إلى التقليد المستقيم، فنحن لا نمصر ولا ننقل، ونحن لا نحسن إلى أنفسنا ولا إلى العلم الذي نريد تمصيره، ولا إلى الأوروبيين الذين نأخذ عنهم، وإنما نحن نمسخ العلم مسخًا، ونسيء إلى عقولنا كما نسيء إلى الأوروبيين أيضًا، فنصورهم صورًا لا تلائم الحق ولا ترضيهم ولا ترضينا نحن أيضًا.
والأمر كذلك بالقياس إلى كل ما نريد أن نمصره من ألوان الحضارة الأوروبية. ولعلك تسألني إلى أين أريد أن أنتهي، وإلى أي شيء أعمد حين أسوق هذا الحديث الطويل وهذه المقدمات التي لا تريد أن تنقضي. ومن حقك أن تلقي علي هذا السؤال، ومن الحق علي أن أسرع إلى الرد عليه بعد ما بسطت هذه المقدمات. إنما أريد أن أنتهي إلى تمصير التمثيل، وقد فكرت فيه حين شهدت قصة أو جزءًا من قصة مثلت في ملعب الأوبرا مساء الخميس. فقد انتهت إلى الدعوة إلى شهود هذه القصة تحمل عنوانًا لها لم يدلني على شيء، كما أنه لم يحط به من التفسير والتعليق ما يدل على شيء. وحسبك أن تعلم أن عنوان القصة هو «السكرتير الفني».
وأظن أنك إذا سمعت هذا العنوان أو قرأته دون أن تسمع أو تقرأ معه أن القصة مترجمة ترجمة دقيقة أو مقاربة، أو أن القصة مبتكرة ابتكارًا، لا تقدر إلا أنها قصة قد وضعت في مصر وضعًا. وعلى هذا التقدير ذهبت إلى ملعب الأوبرا وأنا أعد نفسي في شيء من الغبطة بأنني سأشهد مظهرًا من مظاهر النشاط الفني المصري، وسأرى قصة تمثيلية جديدة، وسأعرف إلى أي حد انتهى كتابنا من ترقية القصة التمثيلية، وإلى أي حد انتهى ممثلونا من ترقية التمثيل نفسه.
ويجب أن أعترف بأنني لم أكد أسمع شطرًا من الحوار حتى ضقت بالقصة وبالأوبرا ضيقًا شديدًا، فقد كان الحوار كله باللغة العامية، والناس يعلمون أني أضيق باللغة العامية حين تتخذ أداة للفن، وأكره أن يعتمد عليها الكتاب إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ماسة. (لا يغضب صديقي توفيق الحكيم، فقد يكون لي في قصصه العامية رأي حين أقرأه، وسيكون لي معه على كل حال في ذلك يوم أو أيام. ولعله يذكر رأيي في لغة «عودة الروح»). على أني قد أخذت نفسي منذ عهد بعيد بألا بد مما ليس منه بد، وبأن الخير كما يقول الفيلسوف القديم إذا لم يكن ما أريد أن أريد ما يكون. وإذن فقد صرفت عن نفسي ما كانت تجد من ضيق، واستقبلت التمثيل والممثلين بهذا النشاط الذي لا بد منه لأسمع منهم وأفهم عنهم وألهو مع اللاهين.
وكان الممثلون مجيدين حقًّا، فلم أتردد في أني سأقضي ساعات ملهية مسلية في هذه الأيام التي تقل فيها التلهية والتسلية. ولكني لم أكد أنفق مع الممثلين لحظات حتى أحسست الغضب يملأ نفسي ويملك قلبي، وأحسست الحاجة الشديدة إلى أن أسلط إرادتي على نفسي تسليطًا حتى لا أظهر من الغيظ والإنكار ما يحسن كتمانه في مثل هذه المواقف وما قد يؤذي الناس الذين يجاورونني أن أحسوه أو أظهروا عليه.
ذلك أني تبينت أن القصة فرنسية معروفة شائعة قد ترجمت في كثير من اللغات الأوروبية ومثلت في كثير جدًا من الملاعب، ثم تجاوزت الملعب إلى السينما فعرضت على الناس في أقطار الأرض المتحضرة كلها، وهي قصة «توباز» التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف بانيول.
وقد عمد الكاتب المصري إلى هذه القصة فمسخها مسخًا وحرفها تحريفًا وذهب بما فيها من جمال فني رائع لا سبيل إلى الشك فيه مهما تختلف الآراء في تقديره، ولست أدري! أعلن الكاتب هذا أم لم يعلنه، بل أنا أريد أن أعتقد أنه أعلنه إعلانًا وأنه استأذن صاحب القصة فيه. ولكني مع ذلك آسف أشد الأسف، بل أحزن أشد الحزن لما أصاب هذه القصة الجميلة من مسخ وتشويه.
القصة لم تكتب باللغة العامية في فرنسا وإنما كتبت باللغة الفرنسية الفصحى إن صح هذا التعبير. فهي تترك في نفسك حين تشهدها أو تقرؤها ما تتركه الآيات الأدبية الرائعة من الأثر. فإذا شهدت القصة المصرية واستمعت لأشخاصها وهم يتحدثون لغة الشارع آذاك هذا الاستماع وشق عليك هذا المسخ وآلمك هذا الابتذال.
وفي القصة الفرنسية أشخاص مختلفون، منهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى ومنهم من ينتمي إلى طبقة تتكلف الأرستقراطية، منهم الغني ومنهم الفقير، ولكنهم جميعًا بعيدون عن هذا الابتذال الذي نراه في القصة المصرية حين نسمع هؤلاء الأشخاص من الرجال والنساء يتحدثون لغة الأزقة والحارات في القاهرة.
والقصة الفرنسية تصور لونًا من ألوان الحياة في باريس وهي تمتاز بالجرأة بل بالإسراف في الجرأة، جرأة على السياسة، جرأة على العرف، جرأة على المألوف من أخلاق الناس. وقد أراد الكاتب أن يصور تهالك الناس على المنفعة وازدراءهم لما تواضعت الجماعات على إكباره من أصول الخلق والشرف والكرامة. فالقصة مرآة تنعكس فيها حياة جماعة من رجال المال والأعمال كما تنعكس فيها حياة جماعة من الطبقة الوسطى قد أفسدت أزمة الحرب مزاجهم، فهم لا يقاومون الشر وإنما يدفعون إليه ويتفوقون فيه.
للقصة بطلان ممتازان من الرجال، أحدهما عضو في المجلس البلدي الباريسي والآخر معلم فقير. فأما عضو المجلس البلدي فمجرم يسرق ويحتال ويستغل نفوذه ويقترف آثامًا مالية منكرة ويتستر في هذا كله بأشخاص يشتريهم لذلك ويأجرهم عليه. وأما المعلم فرجل ساذج شريف نقي النفس في ظاهر الأمر يصور حياة أمثاله من الفرنسيين أحسن تصوير، ولكنه يتصل بعضو المجلس البلدي في ظرف شديد ويقبل أن يعمل معه، ثم يتبين له الحق فيثور، ثم يذعن كارهًا لحكم القضاء، ثم ما يزال يسعى إلى الفساد ويسعى الفساد إليه حتى يغلب أستاذه ويتفوق عليه ويستأثر من دونه بما كان يعينه عليه من عمل، بل يستأثر من دونه بهذه المرأة اللعوب التي كانت تحبه أو تتكلف حبه وتشاركه في الإثم فأصبحت تحب خصمه لأنه استأثر بالثروة والغنى والبراعة في السرقة والاختلاس.
وفي القصة أشخاص آخرون لهم أطوار غريبة، منها المضحك ومنها المؤلم ومنها ما يجمع الأمرين معًا، ولكن هؤلاء الأشخاص على ذلك ليسوا من هذه الطبقات الشعبية الصريحة التي تمثلها القصة المصرية تمثيلًا واضحًا ملهيًا حقًّا.
ليس في القصة الفرنسية سماك ينكر دوران الأرض كما في القصة المصرية، وليس فيها غير السماك من هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون عندنا ناحية من نواحي الحياة نحبها ونضحك منها ولكننا لا نكاد نراها في مثل هذه المواقف التي تصورها القصة.
وقد عجزت القصة المصرية عن الصراحة والجرأة ولم تبلغ من الشجاعة ما بلغت القصة الفرنسية. فالسارق المحتال عضو في شركة من الشركات لا في مجلس بلدي. وهذا معقول، فليس في فرنسا قانون يقيد الحرية الأدبية كالقوانين المصرية، وإن كان في مصر من الأحداث والفضائح ما يذكر بما أراد الكاتب الفرنسي تصويره. والغريب أن الكاتب المصري ذكر ستافسكي في قصته مع أن «توباز» ظهرت في فرنسا وتجاوزتها قبل أن تظهر الفضيحة الفرنسية الكبرى.
وليس في قصتنا المصرية إشارة إلى الكورنيش ولا إلى ما يشبهها من الحوادث لمكان هذه المراقبة الأدبية الدقيقة. ولست أستطيع أن أمضي في تحليل القصة المصرية لأني لم أشهدها كلها، وإنما انصرفت حين أذنت لي الأوضاع الاجتماعية بالانصراف. ولولا هذه الأوضاع نفسها لانصرفت قبل أن أشهد الفصل الأول كله. لأن من المؤلم حقًّا أن يشهد الإنسان أثرًا فنيًّا بارعًا قد أصابه المسخ والتشويه وأخذه العبث من جميع نواحيه.
ومع ذلك فقد ضحكت النظارة وأغرقت في الضحك، ولعلي أغلو وأتجاوز الحق إن زعمت أني لم أضحك، فقد ضحكت وضحكت كثيرًا. ولكني أظن أننا إنما ضحكنا من لغة القصة وعبارتها ومن براعة الممثلين وإجادتهم لا من القصة نفسها. وهبنا ضحكنا من القصة نفسها فلم يكن ضحكنا ليغير الألم الذي كنا نجده شيئًا. كنا نشهد مواقف الممثلين ونسمع ما كانوا يقولون ونذكر من مواقف الممثلين في القصة الفرنسية وما يقولون.
في هذا النحو من التمصير شر كثير لأنه كما رأيت مسيء إلى الفن، يمسخه ويغير معالمه ويرد جماله قبحًا وجودته رداءة، ثم هو في الوقت نفسه عدوان لا أدري إلى أي حد يباح. وقد كان الجاحظ يكره أن تختصر آثاره يشفق عليها من المسخ والتشويه، فكيف بالكاتب الفرنسي بانيول لو رأى قصته وما ألم بها من الخطوب؟ وإذا كان هذا مبلغ ألمنا ونحن مصريون غرباء لم ننشئ القصة ولا نغار عليها كما يغار عليها الفرنسيون الذين أنشئت فيهم ولهم، فكيف يكون ألم الكاتب الفرنسي لو أنه تمثل هذا الخطب العظيم الذي ألم بأثر من أروع آثاره الأدبية وأبقاها؟
وأنا أعلم أن هذا التغير الخطير يصيب كثيرًا من القصص لا في مصر وحدها بل في كثير غيرها من البلاد. ولكن هذا لا يخفف من شر هذا التغير ولا يمحو ما فيه من سوء. وليس من الحق أني أستطيع أن آتي الشر لأن كثيرًا من الناس يأتونه، وإنما الحق أني خليق أن أنصرف عن الشر حين أرى إقدام الناس عليه وتتبعهم له.
وأنا أعلم أن طائفة من قصص موليير قد نقلت إلينا على نحو من هذا التغيير، ولكن هذا وقع منذ عهد بعيد، على أنه يجد شيئًا من الشفاعة في هذا الجمال الساذج الريفي الذي نجده في قصة الشيخ متلوف والذي يعزينا بعض العزاء عن جمال ترتوف، إن صح أن يضاف الجمال إلى ترتوف.
حسن جدًّا أن يمصر التمثيل وأن يتخذ العربية، ولا سيما العربية الفصحى، له لغة وأداة، ولكن بشرط أن يكون تمصيره صحيحًا صريحًا لا فساد فيه ولا عدوان، بشرط أن يكون تمصيرًا مثبتًا للشخصية المصرية على أنها شخصية قوية تنتج وتبتكر أكثر مما تحاكي وتقلد، بشرط أن يكون تمصيرًا جريئًا جليًّا لا يثير حزنًا ولا ندمًا ولا حياء.
مجلتي، ١٩٣٤/١٢/١٥ -
أحاديث الأسبوع | The Week’s Talk

أحاديث الأسبوع
كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث.
لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه.
وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور.
على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام:
فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة.
والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين.
لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً!
فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ .
ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟
طه حسين
الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤ -
المصري الغريب في مصر | The Egyptian a Stranger in Egypt

المصري الغريب في مصر!
هو مختار. فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صوراً صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى أرض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الآن.
كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية أشد أبناء مصر اتصالًا بها وقربًا منها وتمثيلًا لها. ولكنه على ذلك كان غريباً في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. أقبل من أوروبا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضاً مكدوداً يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ بهم أقل من هذا العدد اليسير، ثم اشتد عليه المرض وألجأه إلى المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثاً يسيراً جداً. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. أُعلن إليهم أن الحجاب قد أُلقي بينهم وبين هذا الصديق وإن كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون ويمضي مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطع أن تبلغ بهم نصف المائة. ثم يصل مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما بقي بينه
وبين الحياة من أسباب، وإلا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفاً يتكلف الرفق، طالبًا الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان لقضاء الله والرضا بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب، لأنه كتاب مبين مستقيم لا عوج فيه ولا التواء. وإنما فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى.
وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما أكثر ما تنتهي قصص الناس في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. وما أكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه، لأن الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم أحد كما يُقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريباً حقًا في آخر حياته، وكان غريباً حقًا في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لمامًا، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. وأكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان أكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا أنه احتمل المرض شجاعًا، واستقبل المرض شجاعًا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو أنه رأى بعد أن مات كيف ودعه مواطنوه لما أثر فيه ذلك أكثر مما أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئاً كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا أشد الألم، وأن يحزنوا أشد الحزن، وأن يستشعروا شيئاً غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا وما زلنا نتحدث
بأن مختاراً هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد أنطق مصر بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعاً وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التي لا يفهمها إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد جدد في مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون. وهي سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوروبيين إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثاً ولا لغواً، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوروبيين إلى ذلك في أشد الأوقات ملاءمة، في وقت الثورة السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً على حداثة عهده بالفن كان أسبق المصريين إلى إعجاب أوروبا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد رد إلى المصريين شيئاً غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدًا أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسياً أو كالمنسي وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شيء لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمشِ في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير العلوم والفنون. ولم يُلقِ أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار في بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيًا أو إنجليزيًا أو إيطاليًا وأدَّى لبلده مثل ما أدَّى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال
والإعراض. إذن لكانت جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار الدولة، ولكن مختاراً نشأ في مصر، وعمل في مصر، ومات في مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير.
ولا ننسَ أن رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا، وبسخرية الأقدار، كثير جداً ينبغي أن يشكر لرئيس الوزراء. فقد ينبغي ألا ننسى أن مختارًا لم يكن من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وإن كان صاحب فن، وإن كان قد أنفق حياته كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا أكذب المصريين أن لنا في مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا. ومن الذي نسي موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضُحِّيَ بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب الكريم. لا أكذب المصريين إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، وأغراض الخصومة السياسية، لأن في الحياة أشياء أرقى وأطهر وأكرم من السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء.
لقد هم أصحاب حافظ أن يخلدوا ذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه – ولقد هم المستأثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا. وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغي أن يُلقى، ولكن انظر جوابه لن يكون طويلًا، ولعله لا يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن.
طه حسين
الرسالة ٢\٤\١٩٣٤ -
محاضرة الآنسة مي | Miss May’s Lecture
محاضرة الآنسة مي
لا أعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، وإلى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الأمريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم أشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة اثنين، وكنت أسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكاً عظيماً في أن للمرأة فضلاً على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بأن للمرأة فضلاً على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديباً من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب.
وإذن أنا مقتنع بأن الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاءً، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملاً في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وأنهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بأن ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بأن المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاءً وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاءً فشيء فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لأن كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا أنهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراهاً، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لأن الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن أنهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجني، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما، إنما هي أثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة.
وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى.
ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة أطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعداً عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحساناً؟
ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة، ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها وإثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بأن أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال أكرم مما تظن الآنسة مي، وأحب للرحمة وأحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الإثم، وإنما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد أخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا أكرم مما تظنين، وأحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيراً، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما احتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا أعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم أعرف هذا، ولن أستطيع أن أعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فإن تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وإن تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الأرض، فنحن خير منهما حالاً، وأجمل منهما شكلاً من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وأن نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة امرأة هي إيزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون إيزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع إيزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش.
أحسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارعاً إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، وأعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة.
طه حسين
الرسالة – العدد 37 – بتاريخ: 19 – 03 – 1934 -
الرد | The Response
إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
سيدي الأستاذ
لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣ -
تجديد | Renewal
تجديد
لا أريد تجديد الأدب، فليس هذا موضع الحديث عن الأدب القديم والجديد، وإنما أريد تجديد الأزهر، فقد كثر الحديث فيه منذ أعوام، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بلاد الغرب أيضًا. وأكثر القراء يعرفون ما يتحدث الناس به في مصر وفي البلاد الشرقية عن إصلاح الأزهر، ولكن كثيرًا منهم — ولعل بينهم عددًا غير قليل من العلماء الأزهريين — يجهلون أن بعض البيئات الأوربية تعنى بما ينال الأزهر من إصلاح عناية خاصة. ويكفي أن نشير إلى فصول طوال كُتبت عن مصر باللغة الفرنسية لمجلة فرنسية من مجلات المستشرقين الكبرى، هي مجلة الدراسات الإسلامية التي يصدرها صديقنا الأستاذ لويس ماسينيون. ولا يكاد يصدر كتاب في أوربا وأمريكا عن حياتنا الأدبية والدينية إلا وفيه إلمام طويل أو قصير بموقف الأزهر من هذه الحياة، مشاركًا فيها تارة ومقاومًا لها تارة أخرى، وبما يُنتظر أن يسلك الأزهر من طريق في المستقبل القريب ليصل بين حياته القديمة وبين الحياة الجديدة في مصر خاصة وفي الشرق الإسلامي بوجه عام.
وكان مكاتب التيمس في القاهرة آخر من تحدث عن الأزهر وما يُراد به، وما يريد هو لنفسه من تجديد، في الفصل الذي نشرته له صحيفته أول أمس، ولخّصته الرسائل البرقية في الصحف المصرية. وليس الأوربيون مسرفين ولا غالين حين يقدّرون أن للأزهر خطرًا عظيمًا وأثرًا بعيدًا في حياتنا الجديدة. ولعل المصريين هم الذين يسرفون في التقصير حين ينظرون إلى الأزهر وما يناله من الإصلاح نظر المعرض عنه الذي لا يكاد يحفل به ولا يلتفت إليه.
فالأزهر مصدر من مصادر الحياة العقلية في الشرق الإسلامي، وهو أقدم هذه المصادر، وكان أقواها وأجلها خطرًا إلى عهد بعيد، وسيظل مصدرًا قويًا جدًا من مصادر الثقافة في هذا الشرق. ويكفي أن تلاحظ أمرين: أحدهما أنه أكبر معهد يُدرس فيه الإسلام.
والثاني أن الطلاب الذين يقصدون إليه ويدرسون فيه لا يُحصون بالمئات، وإنما يُحصون بالألوف. فهو من الناحية الأولى قوي أشد القوة لاتصاله بحياة المسلمين الدينية وتأثيره في هذه الحياة واضطرار المسلمين إلى أن يحوطوه ويرعوه ويحرصوا على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا، ما داموا حريصين على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا. وهو من الناحية الثانية بعيد الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لأن الطلاب الذين يقصدون إليه ويطيلون الاتصال به يخرجون من طبقات الأمم الإسلامية كلها مهما تختلف وتتباين، ثم يعودون إلى بيئاتهم وقد أتموا الدرس أو كادوا يتمونه، فيؤثرون في هذه البيئات تأثيرًا يلائم ما درسوا وما تعلموا، وما أثر في مزاجهم وطبائعهم من هذه المؤثرات التي تتصل بالتعليم وبالتعليم الديني بنوع خاص.
فالذين يهملون الأزهر حين يدرسون الحياة المصرية، والذين لا يحسبون للأزهر حسابًا حين يحللون هذه الحياة، وحين يقدرون مستقبلها من أي نحو من أنحائها، يسيئون إلى أنفسهم لأنهم يأخذونها بنوع من الدرس منقوص لا خير فيه ولا غناء، ويسيئون إلى أمتهم لأنهم يهملون مصدرًا من أقوى المصادر التي تؤثر في حياتها العقلية والدينية والشعورية. ثم تؤثر لهذا كله في حياتها السياسية والاجتماعية على اختلاف فروعها وأشكالها.
وما ينبغي بحال من الأحوال أن تكون عناية الأجانب بحاضر الأزهر ومستقبله أشد من عنايتنا نحن. فالأزهر لنا قبل أن يكون للأجانب. والأزهر مؤثر في حياتنا نحن قبل أن يؤثر في الصلة بيننا وبين الأجانب. ولعل مكاتب التيمس قد وفق توفيقًا عظيمًا حين لاحظ أن تلاميذ التعليم الحديث كانوا ينظرون منذ عشرين سنة إلى الأزهريين كما ينظرون إلى قوم غرباء، ليس بينهم وبينهم صلة. وأن هذه الحالة قد تغيرت الآن فقربت الآماد بين الأزهريين وبين غيرهم من المثقفين.
ولعل هذه الملاحظة تعيننا على أن نفهم إعراض الناس عن الأزهر وتقصيرهم في العناية به. فأكثرهم ما يزالون ينظرون إلى الأزهريين على أنهم غرباء أو كالغرباء. وأكثرهم ما يزالون يعتقدون أن الحياة الحديثة ستمضي في طريقها إلى الأمام، وأن الأزهر سيظل مثقلًا بالقديم فيضطره ثقل التراث الذي يحمله إلى التخلف أو إلى التقدم البطيء.
وهذا النحو من التفكير ظاهر الصواب ولكنه مغرق في الخطأ.
فالأزهر كغيره من المرافق المصرية مضطر إلى أن يخضع لضرورات الحياة الحديثة. والأزهريون كغيرهم من المصريين مضطرون إلى أن يخضعوا لضرورات هذه الحياة. وقد حاول المصلحون في مصر أن يدعوا الأزهر متخلفًا وينهضوا بإنشاء المعاهد التي تلائم حاجات الناس ومصالحهم وتخضع في سهولة ويسر للتطور الذي يخضعون له، فأنشئت دار العلوم في القرن الماضي، وأنشئت مدرسة القضاء الشرعي في أول هذا القرن، ولكن ظروف الحياة المصرية واضطراب السياسة المصرية أبت إلا أن ترد إلى الأزهر شيئًا من القوى والنشاط وتمكنه من أن يدافع عن نفسه، ومن أن يحاول النهوض بما يجب أن ينهض به من أعباء الحياة في هذا العصر الحديث، فألغيت مدرسة القضاء، ثم أعيدت ثم ألغيت. وهذه دار العلوم تريد أن تُلغى أو تريد أن تعود إلى أصلها وتفنى في الأزهر الذي أنشئت لتقاوم به أو لتأخذ عليه الطريق.
وهنا يخطئ مكاتب التيمس خطأً عظيمًا مصدره أنه لا يحسن العلم بتاريخ الأزهر منذ أول هذا القرن. فليس من الحق في شيء أن نهضة الأزهر حديثة يرجع تاريخها إلى هذه الأعوام الأخيرة، وإنما الحق الذي لا يشك فيه أن نهضة الأزهر بعيدة العهد، عرفتها مصر قبل الحرب الكبرى بأعوام. وكان للأستاذ الإمام محمد عبده الفضل الأكبر في تأسيسها وفي بعث الحياة القوية في نفوس نفر من الأزهريين، إلى بعضهم في هذه الأيام مقاليد الأمر في الأزهر، فليست نهضة الأزهر بنت الحرب الكبرى أو بنت الحركة الوطنية الأخيرة، وإنما هي بنت الحياة المصرية في أيام الأستاذ الإمام. وليس من أبناء هذا الجيل من ينسى جهود الأستاذ في إحياء الأزهر نفسه وبعد وفاة الأستاذ الإمام في الجهاد والكفاح للوصول إلى أعظم حظ ممكن فيه.
وقد استفادت نهضة الأزهر من الحركة الوطنية الأخيرة، ومن إعلان الاستقلال والدستور، كما استفادت المرافق المصرية كلها من هذه الحركة. فخُيّل إلى كثير من الأجانب الذين لا يدرسون حياتنا درسًا عميقًا أن النهضة الأزهرية قد ابتُكرت ابتكارًا في هذه الأيام.
وليس من شك في أن الفضل الأكبر لحضرة صاحب الجلالة الملك في توجيه هذه النهضة القوية وتنظيمها ورعايتها بعطفه السامي وعنايته الكريمة حتى أخذت هذه الطريق التي تسير فيها الآن.
ومن الغريب أن مظاهر النهضة الأزهرية في هذه الأيام تشبه مظاهرها قبل الحرب من وجوه كثيرة نذكر منها وجهين اثنين.
أحدهما أن الأزهريين قد أحسوا أنفسهم وطمعوا في أن يكون لهم ما لغيرهم من المصريين المثقفين من الحق والكرامة والاحترام، وفي الثقافة والعلم. ثم نظروا فرأوا أن غيرهم من المثقفين إنما يمتاز بالعلم الحديث واللغات الأجنبية، فأبوا إلا أن يكون لهم حظ من هذا العلم الحديث وهذه اللغات الأجنبية ليكونوا كغيرهم من الناس في المنزلة وفي المكانة وفي الكرامة والحرمة، وفي التفكير والتقدير.
الثاني: أن الأزهريين حين أحسوا أنفسهم طمعوا في أن ينهضوا بالواجبات المدنية كما ينهض بها غيرهم من الناس. ونظروا فإذا مناصب الدولة قد قُصرت على غيرهم وصُرفت عنهم، ولم يُحفظ لهم منها إلا اليسير. ثم نظروا فإذا مصدر هذا أن تعليمهم القديم لا يُعدهم للنهوض بالأعباء التي تفرضها هذه المناصب، فطالبوا بأن يُغيَّر التعليم في الأزهر، وبأن تُمحى الفروق بين الأزهريين وبين الطلاب في المدارس المدنية.
كان الأزهريون يشعرون بهذا أول القرن شعورًا قويًّا، وهم يشعرون بهذا الآن شعورًا قويًّا، ولن تجد تعليلًا آخر لإقبال الأزهريين على هذه النهضة يؤيدونها ويستبقون إلى أن يأخذوا منها بأعظم نصيب. ولو أن الدولة نظرت إلى الأزهر والأزهريين منذ أول هذه النهضة كما نظرت إلى غير الأزهر من المرافق وإلى غير الأزهريين من أبناء مصر، لأخذ الإصلاح الأزهري طريقه مستقيمةً منتجةً لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الدولة كانت تخاف من المحافظين في الأزهر فلم تكن تمس الأزهر بالإصلاح إلا على إسراف في الرفق والاحتياط. وكان للأزهر من الدولة وضع خاص قبل الحياة الدستورية يجعل سلطان الدولة عليه يسيرًا ضئيلًا، فلم تستطع الحكومة أن تواجه إصلاح الأزهر بما كان ينبغي من الحزم والنشاط.
والمسألة التي يجب أن يفكر فيها المصلحون الآن حين ينظرون إلى الأزهر ويقدّرون مستقبله، ذات وجهين فيما نعتقد. أحدهما أن الأزهر معهد من معاهد التعليم، لا أكثر ولا أقل. والثاني أن الأزهر معهد من معاهد التعليم الديني الإسلامي. فالوجه الأول يقضي بأن يُحال بين الأزهريين وبين كل ما من شأنه أن يفسد التعليم أو يضعف أثره في النفوس أو يشوّه تكوينه للعقل. والوجه الثاني يقضي بأن يُحال بين الأزهر وبين كل ما من شأنه أن يضعف سلطان الدين أو يُشكّك الناس في القائمين على خدمته أو يُسيء ظنهم بالذائدين عنه.
ومعنى هذا أن أوجب ما يجب على الدولة أن تعصم الأزهر من السياسة، وتبذل كل ما تملك من قوة لتجعله بمعزل عنها ومأمنًا منها. فلم تدخل السياسة في شيء من أمور الدين إلا أثارت حوله الريب والشكوك، وألقت بينه وبين الناس حجابًا كثيفًا. وكم نحب أن يُحال بين الأزهر خاصة، ومعاهد التعليم عامة، وبين السياسة وآثارها المفسدة لكل نظام من نظم التعليم حين تندسّ إليه.
كوكب الشرق في ٦-٨-١٩٣٣ -
مسكينة | A Pitiable Thing
مسكينة . . .
هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
طه حسين
كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣