Tag: الجغرافيا السياسية

  • في الشرق

    في الشرق

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥

    ليست خطوب الغرب يسيرة ولا هينة، فللغرب مشكلاته المعقدة التي تزداد عسرًا من يوم إلى يوم،
    ولكن الغرب قد ألف المشكلات، وعرف كيف يخرج منها بالصبر والأناة مرة، وبالتعجل والخصومة مرة
    أخرى، وبالحرب التي لا تبقي ولا تذر حين لا يكون بدٌّ من الحرب، فلندع الغرب ومشكلاته التي لا
    تنقضي، ولننظر إلى الشرق ومشكلاته التي تريد أن تكون كمشكلة الغرب شائكة معقدة شديدة
    الاختلاط.

    ومشكلات الشرق لا تأتيه من نفسه الآن على أقل تقدير، وإنما تأتيه من الغرب، فما نعلم أن دولة
    شرقية تريد أن تعتدي على دولة شرقية أخرى، ولا أن شعبًا شرقيًّا يريد أن يستذل شعبًا شرقيًّا
    آخر. ولو تركت أمور الشرق للشرق، لكان من المرجح أن يمضي في طريقه إلى الرقي، وأن يسير في هذه
    الطريق سيرًا هادئًا مطردًا، حتى يبلغ منه ما يشاء الله له أن يبلغ في غير اضطراب ولا اختلاط،
    ولكن شئون الشرق لا تترك للشرق، وإنما يتدخل فيها الغرب تدخلًا متصلًا، فيعقِّدها تعقيدًا
    متصلًا، ويستنفد جهود الشرق في غير مصلحته، وفي غير مصلحة الغرب أيضًا، في هذا الجهاد العنيف
    الذي يفني القوة، ويشيع في النفوس أملًا قليلًا، ويأسًا كثيرًا، وحزنًا دائمًا على كل
    حال.

    وليس في الشرق الآن مكان يمكن أن يُقال: إن القلوب فيه مطمئنة، وإن النفوس فيه راضية، وإن
    الأمور تجري فيه على ما يحب الشرقيون، أو على ما يحب الغربيون، أو على ما ينبغي أن تجري عليه
    الأمور لترقية الحضارة، وتحقيق منافع الناس جميعًا، وإقامتها على أساس صحيح من العدل والمساواة
    والإنصاف.

    فالشرق الأقصى مضطرب أشد الاضطراب وأعنفه وأبغضه، وليس لهذا الاضطراب سبب إلَّا أن الأوروبيين
    الذين سفكوا دماءهم ودماء غيرهم لمحق الظلم، وإقامة العدل، لم يستطيعوا أن يتسلَّوا بعدُ عن هذا
    الظلم الذي ألفوه، وأقاموا عليه. وكان من المنتظر — بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تنهزم
    اليابان هذه الهزيمة المطلقة — أن تخلص أمور الصين للصين وحدها، ولا سيما بعد أن قيل ألف مرة
    ومرة: إن الصين دولة من الدول الخمس العظمى التي تشارك في إقامة العالم الجديد. ومن الواضح كل
    الوضوح أن شئون الصين ليست خالصة للصين وحدها، وإنما هي مشتركة بين الدول الكبرى الأوروبية
    والأمريكية، وهي موضوع نزاع أقله ظاهر، وأكثره خفي بين الروسيين والأمريكيين.

    ومن الخطأ أن يُقال أو أن يُظن أن الإنجليز ينظرون إلى شئون الصين نظرة مبرَّأة من الطمع
    والاستعمار؛ فالمصالح الأوروبية الأمريكية معقدة في الصين أشد التعقيد، ولم تبلغ الصين بعدُ من
    الرقي في الحضارة المادية الخالصة ما يتيح لها الاستغناء عن أولئك أو هؤلاء؛ فللدول الأوروبية
    الكبرى فيها الامتيازات والمستعمرات ومناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، ولا بد لهذه الدول من أن
    تحافظ على امتيازاتها؛ فإن نزلت عن شيء منها فلن تنزل عنه إلَّا بثمن مدفوع.

    وقد انتشرت الشيوعية في بعض أجزاء الصين، وقامت لها قائمة ذات خطر، فانقسم أهل الصين على
    أنفسهم، وكان الطبيعي أن يُخلَّى بين الصينيين وبين شئونهم، ينظمونها كما يشاءون، ولكن للشيوعية
    نصيرًا عظيمًا، ولخصوم الشيوعية أنصارًا عظماء، وفي الصين قوًى أمريكية هائلة. وبين روسيا
    والصين جوار ومصالح مشتبكة، فالخصومة بين الشيوعية ورأس المال في الصين هي الخصومة بين الشيوعية
    ورأس المال في أقطار الأرض كلها، ولكنها مسلحة في الصين بالأسلحة الأمريكية والروسية.

    فليس من الغلو أن ننظر إلى ما يجري الصين الآن كما كنَّا ننظر إلى ما كان يجري في إسبانيا قبل
    الحرب العالمية الثانية. وإذن فاختلاط أمر الصين كان خليقًا أن يصلح وينتهي إلى كلمة سواء، لو
    لم يتعقد بتعارض المصالح الأمريكية والروسية في تلك الأقطار.

    وللأوروبيين مستعمرات كانوا يستغلونها قبل الحرب منذ أزمان طويلة أو قصيرة، غلبتهم عليها
    اليابان أعوامًا قليلة، ثم هُزمت اليابان، فهمَّ الأوروبيون أن يستردوا مستعمراتهم، ولكن هذه
    المستعمرات خطر لها أنها تستطيع أن تسترد حريتها بعد أن انتصر الحق والعدل في أعقاب هذه الحرب
    التي شبَّت لتحق الحق، وتنشر العدل. فما أسرع ما تبينت هذه المستعمرات أنها تمنَّت، وأن التمني
    شيء والظفر بالأماني شيء آخر، وأن الحرب لم تشبَّ لإحقاق الحق، ونشر العدل، وإنما شبَّت ليزداد
    القوي قوة، وذو البأس بأسًا، وليمنع الطامعون من المنافسة، وإثارة المشكلات.

    فلم يكن المهم أن ينتصر الحق، وينتشر العدل، بمقدار ما كان المهم أن تردع ألمانيا وإيطاليا
    واليابان عن الطمع والمنافسة في الاستعمار، وأن تظل الأرض خالصة للذين كانوا يستأثرون بها من
    دون الناس!

    وكذلك نشهد الآن هذه الآثام التي تقترف في الشرق الأقصى، فأهل إندونيسيا يريدون أن يستقلوا
    بشئونهم تنفيذًا لما بذل المنتصرون للناس من المواثيق، فيُقال لهم: بل يجب أن تخضعوا لهولندا،
    فقد كنتم خاضعين لها من قبل، ولم يحدث في العالم شيء جديد يدعو إلى أن يتغير النظام القديم.
    فإذا أبى أهل إندونيسيا أن يذعنوا؛ صُبَّ عليهم الموت، وسُلطت عليهم ألوان الهول، ووضع
    المنتصرون أصابعهم في آذانهم حتى لا تبلغهم أصوات الذين يطالبون بالحق والعدل والإنصاف. وليس من
    المهم أن يستمتع تسعون مليونًا من الإندونيسيين بحقهم في الحرية والاستقلال، وإنما المهم أن
    يستمتع ثمانية ملايين من الهولنديين بما كانوا يستمتعون به قبل الحرب من الاستعمار
    والاستغلال.

    أولئك شرقيون يجب أن يخضعوا، وهؤلاء غربيون يجب أن يسودوا، وقد ضحَّت هولندا في سبيل حلفائها
    الإنجليز، فيجب أن تُضحِّي بريطانيا العظمى في سبيل حلفائها الهولنديين. والنتيجة أن الحرب قد
    وضعت أوزارها، ولكن الدماء ما زالت تسفك في الشرق الأقصى؛ لأن أوروبا لم تتسل عن الاستعمار، ولم
    تؤمن قط إيمانًا صادقًا خالصًا بردِّ الحقوق إلى أهلها، وإنما آمنت ببذل الوعود ليس غير.

    والذي يحدث في إندونيسيا يحدث مثله في الهند الصينية، فما ينبغي أن تسترد هولندا مستعمراتها،
    وتقصر فرنسا في استرداد ما كان لها من المستعمرات. ولم تكن فرنسا أقل تضحية في سبيل الحلفاء من
    هولندا، وهي التي تلقت الصدمة الأولى، وتفوقت في المقاومة، وشاركت في قهر ألمانيا. ومع ذلك
    فالبريطانيون لا يساعدون فرنسا على استرداد مستعمراتها في الشرق الأقصى إلَّا مساعدة فاترة توشك
    أن تكون سلبية، ولو استطاعوا لردُّوها عن هذه المستعمرات؛ لأن المنافسة خطرة بين فرنسا
    وبريطانيا العظمى، وليست خطرة بين هولندا وبريطانيا العظمى.

    وقد حدثتنا الأنباء بأن أهل بورما أيضًا يطالبون بالاستقلال، ويجاهدون في سبيله، ولكن بورما
    كانت مستعمرة بريطانية، فيجب أن تظل مستعمرة بريطانية، وفي جيوش الإمبراطورية البريطانية من
    القوة ما يكفي لإقناعها بالخضوع لسلطان الاستعمار. وقصة الهند أظهر من أن تحتاج إلى أن يتحدث
    عنها المتحدثون؛ فقد تطلب الهند الاستقلال كما تشاء، وقد تقول الهند أنها شاركت في الحرب،
    وشاركت في النصر، ومن حقِّها أن تشارك في ثمرات هذا النصر. وقد تستطيع الهند أن تقول أن أبناءها
    ما زالوا يعملون ويسفكون دماءهم في خدمة الإمبراطورية، وفي معونة حلفاء الإمبراطورية؛ فجنود
    الهند يصبُّون الموت على أهل إندونيسيا معونةً للهولنديين. تستطيع الهند أن تقول هذا، وأن تقول
    أكثر من هذا، ولكن أهلها مختلفون، ويجب أن يظلوا مختلفين؛ لأن في هذا الاختلاف تثبيتًا
    للاستعمار البريطاني.

    أمَّا الشرق الأوسط، فأمره عجب أي عجب، كانت إيران هادئة مطمئنة، ماضية في حياتها لا تؤذي
    أحدًا، ولا يؤذيها أحد، فلما شبَّت الحرب ظهر أن احتلالها ضروري لمصلحة الحلفاء فاحتلوها،
    وغيَّروا نظام الحكم فيها، وقطعوا على أنفسهم العهد مع ذلك؛ لأنهم لن يعرضوا استقلالها للخطر،
    ولن يطيلوا الإقامة في أرضها بعد انقضاء الحرب، وقد انقضت الحرب، وما زال الاحتلال للأرض
    الإيرانية باقيًا، يقيم الروسيون في جزء من هذه الأرض، ويقيم البريطانيون في جزء آخر، وينظر كل
    فريق منهما إلى صاحبه نظرة الشك والاضطراب، ويشيع كل فريق منهما عن صاحبه ما يريد من
    الإشاعات.

    وتطلب إيران إلى أولئك وهؤلاء أن يفوا بالعهد، فتظفر منهم بالأجوبة الحلوة المعسولة، وتذكر
    قول الشاعر القديم:

    يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ
    الثعلب

    وتشبُّ الثورة في إيران، تشبُّ نفسها أو يشبُّها الأجنبي، فإذا أرادت إيران أن تقر النظام في
    نصابه مُنعت من ذلك منعًا. ويغضب الإنجليز لأن الروس يمنعون إيران من إقرار النظام في المنطقة
    الشمالية، ولو شبَّت الثورة في المنطقة البريطانية لجاز أن تمنع إيران من ردِّ النظام إلى
    نصابه، ولغضب الروس من تدخل الإنجليز في شئون إيران. أولئك وهؤلاء يفكرون في أنفسهم وفي مصالحهم
    أكثر مما يفكرون في إيران ومصالح الإيرانيين.

    وفي الثورة الإيرانية خطرٌ على تركيا، وخطر على العراق، فالبريطانيون قلقون لهذا الخطر، لا
    لأنه قد يؤذي تركيا أو قد يؤذي العراق، بل لأنه قد يضيِّع بعض المصالح الكبرى للإمبراطورية؛
    فينبغي أن يستقر النظام والهدوء في تركيا والعراق لتسلم مصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق
    الأدنى، والشرق الأدنى — كما تعلم — هو نقطة الاتصال بين الإمبراطورية ومستعمراتها.

    ومن أجل هذا كان هدوء الشرق الأدنى شيئًا خطيرًا جدًّا بالقياس إلى حلفائنا وأصدقائنا
    البريطانيين، فيجب ألَّا يتعرض هذا الهدوء لخطر مهما يكن مصدره، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى
    لا يصل الشر من إيران إلى تركيا أو إلى العراق، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا تضطرب الأمور
    في شرق البحر الأبيض المتوسط بحال من الأحوال، فإذا أخطأ الفرنسيون فنكثوا بوعودهم، واضطرب
    السوريون واللبنانيون؛ فإن بريطانيا العظمى قادرة على أن ترد الفرنسيين إلى الصواب، وتضطرهم إلى
    البرِّ بالوعد، والوفاء بالعهد، والجلاء عن سوريا ولبنان، فإذا قالت سوريا ولبنان: هذا حسن،
    ولكننا نريد الجلاء الكامل، جلاء الأجانب جميعًا؛ قال البريطانيون: سيتم هذا الجلاء، ولكن بعد
    أن نتفق على أن الشرَّ يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من إيران، كما يمكن أن يأتي من الشرق
    الأدنى، من موقف الفرنسيين في سوريا ولبنان، ولكنه يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من فلسطين؛
    حيث يقوم الانتداب البريطاني، وحيث يعجز هذا الانتداب عن حفظ النظام؛ لأنه لا يريد — أو لا
    يستطيع — أن ينصف العرب ويرد الحق إلى أهله.

    وهذه هي المشكلة المعقدة حقًّا؛ فليس الروس هم الذين يُعقِّدون الأمر في فلسطين، وليس
    الفرنسيون هم الذين يعقِّدون الأمر في فلسطين، وإنما الذين يعقِّدون الأمر هم الإنجليز أنفسهم
    وحلفاؤهم الأمريكيون. هم خلقوا مشكلة فلسطين من لا شيء، وهم تبرعوا بما لا يملكون، وهم وعدوا
    بما لا يستطيعون تنفيذه، وهم أعطوا وعودًا متناقضة للعرب واليهود جميعًا، وصدَّقهم أولئك
    وهؤلاء. فلما حان وقت الوفاء سقط في أيديهم، ووقفوا موقف الحيرة الذي يقفونه، والذي يجر على
    الشرق الأدنى وعليهم شرًّا كثيرًا.

    وقد يأتي الشر إلى الشرق الأدنى من مصر، فلمصر حقوق تطالب بها، وتعتقد أن قد آن الوقت لترد
    إليها هذه الحقوق، وهي تعتقد أنها تملك هذه الحقوق من طبيعة الأشياء؛ لأن الله قد خلقها حرة،
    فما ينبغي أن يستعبدها أحد، وهي تملك هذه الحقوق؛ لأنها ضحت في سبيلها بالكثير أثناء الحرب، بل
    أثناء الحربين، فإذا لم تُرد إليها هذه الحقوق فقد تغضب، وقد يكون غضبها مصدر شر عظيم، يعرِّض
    مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر.

    وقد يأتي الشر من أفريقيا الشمالية، فهي أيضًا تريد أن تكون حرة؛ لأن الله قد خلقها حرة،
    ولأنها بعيدة العهد جدًّا بالحرية والاستقلال. فالشر — كما ترى — يمكن أن يأتي من كل مكان في
    الشرق، ولا بد من الاحتياط له، ولكن كيف يكون هذا الاحتياط …! يكون بإحدى ثلاث ليس لهن رابعة،
    الأولى: أن تظل أوروبا في حرب متصلة، فتحشد قوة هائلة في كل جزءٍ من أجزاء الشرق؛ لتمنع أهله من
    أن يثوروا. وليس إلى هذه الخصلة سبيل، فأهل أوروبا متعبون، يحتاجون إلى شيءٍ من الراحة،
    وإكراههم على الحرب المتصلة لا سبيل إليه. الثانية: أن يذعن الغرب لما يطلبه الشرق، فيرد إليه
    حقوقه كاملة، واستقلاله موفورًا، وليس إلى هذه الخصلة من سبيل إلَّا أن تمس الأوروبيين عصًا
    ساحرة، فيصبحوا بين لحظة وأخرى ملائكةً أبرارًا. الثالثة: هي أن يلجأ الغرب إلى المداورة
    والمناورة، فيصطنع الترغيب حينًا، والترهيب حينًا آخر، والتخويف مرة، والإطماع مرة أخرى.

    وهذه هي الخصلة التي سيصطنعها الغرب غدًا؛ لأنه يصطنعها اليوم، ولأنه اصطنعها أمس، ولأنها
    بلَّغته إلى الآن كل ما أراد. وليست المسألة المهمة هي ما عسى أن يصطنع الغرب ليواجه طموح الشرق
    إلى الحرية، فجواب هذه المسألة معروف، وإنما المسألة هي: ما عسى أن يَصنع الشرق ليجعل طموحه إلى
    الحرية حقيقةً واقعةً؟

  • شركة

    شركة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
    لن تتدخل بريطانيا العظمى في شئون الشرق الأوسط، ولكنها ستنشئ له مكتبًا خاصًّا يُعنى بأمره؛ ليتحقق التعاون بين أجزاء هذا الشرق من جهة، وبينه وبين بريطانيا العظمى من جهة أخرى. وسيكون هذا التعاوُن شاملًا كاملًا مرنًا يتناول بنوع خاص شئون الاقتصاد التي تحقق الرخاء للشرق، وتصلح حياة الرجل العادي وترفع مستوى هذه الحياة إلى الدرجة التي تلائم كرامة الإنسان.
    وبريطانيا العظمى لا تريد سيطرةً ولا استعلاءً، وهي من أجل ذلك لن تتدخل في شئون هذا الشرق، ولن تُقحِم نفسها في مشكلاته، ولن تعرض لشئون الحكم فيه؛ لأن هذه الشئون مقصورة على الشعوب نفسها لا ينبغي للأجنبي أن يعرض لها أو يدخل فيها. إنما تريد بريطانيا العظمى أن يقوم الأمر بينها وبين الشرق الأوسط على أساس من المشاركة التي تعتمد على المساواة لا على التفوُّق، وبهذا كله يتحقق الإنصاف الكامل الشامل وينعم الشرق بالحياة الكريمة القائمة على الحرية والاستقلال.
    بهذا كله تحدَّث مستر بيفن إلى مجلس العموم حين نوقشت السياسة الخارجية البريطانية في هذا المجلس أول أمس. وهذا كلام كله مرن لا يشبهه في المرونة إلَّا الاستقلال الذي يُراد أن يُعترف به للشرق الأوسط. ومن قبل ذلك تحدث مستر بيفن عن هذه الشركة التي لا تقوم على السيطرة والاستعلاء، وإنما تقوم على العدل والمساواة، وعلى توفير الرخاء وإصلاح الاقتصاد ورفع مستوى الحياة بالقياس إلى الأفراد. تحدث بهذا كله في غير خُطبة من خُطَبِهِ التي ألقاها هنا وهناك، ولا أكاد أعرف أحدًا منَّا وقف عند هذا الحديث إلَّا الأستاذ محمود عزمي الذي تساءَل ذات يوم عن هذه الشركة: أتشمل شئون مصر وحدها أم تشمل معها شئون بريطانيا العظمى؟
    فأمَّا غير الأستاذ محمود عزمي من الكُتَّاب فأهملوا شأن هذه الشركة إهمالًا، ولم يُعنَوْا إلَّا بما قاله مستر بيفن من أن بريطانيا العظمى لا تريد أن تتدخل في شئون الشرق ولا أن تعرض لأمور الحكم فيه، ومع ذلك فلهذا الحديث خطر أي خطر؛ لأنه صريح على مرونته واضح على ما يحاول فيه مستر بيفن من الالتواء، وهو يلقي ويكرِّر حتى يوشك أن يجري مجرى الأمثال السائرة والكلمات الشائعة.
    وهو يلقي ويكرر في نفس الوقت الذي يتحدث فيه المصريون عن استكمال الاستقلال، والذي يطمح فيه الشرقيون جميعًا إلى تحقيق هذا الاستقلال. فهذا الحديث رسم للسياسة البريطانية بإزاء هذا الاستقلال في المستقبل من الأيام، رسم للسياسة البريطانية التي لا يريد مستر بيفن أن يخرج عنها مهما تكُن الظروف ومهما يكُن من إلحاح المفاوضين المصريين والشرقيين على السواء.
    فوزير الخارجية البريطانية إنما يقول بهذا الحديث للمصريين وغيرهم من أهل الشرق: قد نفاوضكم إذا أردتم المفاوضة، وقد نُتِمُّ لكم الاستقلال إذا أردتم أن نتمه لكم، ولكن هذا كله سيكون في هذه الحدود التي ترونها، لن نتدخل في شئونكم، ولكنا لن نخلي بينكم وبين أموركم تقضون فيها كما تشاءون، ولكنا سنقيم الأمر بيننا وبينكم شركة حرة قوامها العدل والمساواة. فإذا سألنا عن هذه الشركة ما موضوعها، فموضوعها واضح جدًّا: الاقتصاد والمال من جهة والدفاع العسكري من جهة أخرى، الاقتصاد والمال لأن بريطانيا العظمى رفيقة جدًّا بأهل الشرق، لا تريد أن يجوعوا ولا أن يظمَئوا ولا أن يَعْرَوْا، وإنما هي كوزارتنا القائمة تريد أن تكفل لهم الغذاء والكساء وتجنبهم الفقر والضُّر، وإن لم تكفل لهم شيئًا وتجنبهم شيئًا، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تترك لنا شئون المال والاقتصاد نستقل بها كما نشاء، ونصرفها كما نحب؛ لأن ذلك قد يعرضنا للبؤس والشقاء، ونحن أحب إليها وآثر عندها من أن تتركنا نتعرض للبؤس والشقاء. وهي في الوقت نفسه حريصة على أن تروج تجارتها ويستقر سلطانها المالي والاقتصادي، ولا بد لها من أن تنتفع كما ننتفع نحن أيضًا. فرواج تجارتها واستقرار سلطانها المالي ينفعها من غير شك، وينفعنا من غير شك أيضًا، وكذلك تتحقق الشركة التي تقوم على العدل والمساواة لا على السيطرة والاستعلاء. فإن خطر لنا أن نذهب في التجارة والاقتصاد مذهبًا غير مذهبها، أو أن نلجأ في التصدير والاستيراد إلى غير أسواقها ومصانعها، فنحن ظالمون معتدون، وليس ينبغي لها أن تقرنا على هذا الظلم أو أن تقبل منَّا هذا الاعتداء. وكذلك تتحقق الشركة التي يريدها مستر بيفن بيننا وبين حلفائنا البريطانيين على أساس من العدل والمساواة لا من السيطرة والاستعلاء، ليس لنا أن نتَّجر مع أمريكا مثلًا إلَّا بالمقدار الذي تسمح لنا به شريكتنا وحليفتنا العظمى، ولها هي أن تتَّجِر مع أمريكا وغير أمريكا كما تشاء بالطبع؛ لأنها شريكة لنا في شئوننا نحن لا في شئونها هي. وقد يسمي الناس هذا النوع من الشركة تحكمًا واحتكارًا، ولكنها هي تسميه عدلًا ومساواةً واستقلالًا، وهذا يكفي. ثم هي بالطبع ستُشرِف على ما يكون من تعاوُن اقتصادي ومالي بيننا وبين جيراننا الشرقيين لتنسقه تنسيقًا عادلًا؛ فهي كريمةٌ جدًّا لا تُعنَى برضائنا وحدنا بل تُعنَى برضاء الشرقيين جميعًا. وهي إذن ستُمسِك بيدها ميزان العدل بيننا وبين جيراننا وإخواننا الشرقيين، وستكون هي الحكم إن شجر بيننا خلاف قليل أو كثير، وكذلك يتحقق الاستقلال الجديد في شئون المال والاقتصاد.
    وواضح جدًّا أن هذا الاستقلال يجب أن يُحمى، ويجب أن يُصان، ويُردَّ عنه العدوان. فنحن سنظفر بشيءٍ كثيرٍ من الرخاء، وقد يطمع الطامعون في هذا الرخاء ليشاركونا فيه أو ليزاحموا حليفتنا عليه، ولا ينبغي أن يُتاح للطامعين من تحقيق المآرب وإرضاء المنافع؛ لأن ذلك يؤذي الشريكين أحدهما أو كليهما، وكما أننا سنشترك في هذا الرجاء فسنشترك في الدفاع عنه أيضًا، فإذا أضفت إلى ذلك أننا لحسن الحظ نقع في طريق الإمبراطورية ونكوِّن جزءًا خطيرًا من طرق المواصلات بين حليفتنا ومستعمراتها؛ أصبح واضحًا كل الوضوح أن الشركة العسكرية بيننا وبين الحليفة العظيمة ليست أقل لزومًا من الشركة في شئون المال والاقتصاد.
    هذا هو كل ما تريده بريطانيا العظمى من مصر ومن الشرق، لا تريد أن تتدخل ولا أن تسيطر، وإنما تريد أن تشارك في ترقية الحياة المادية اليومية، وفي حماية هذه الحياة من عدوان المعتدين. فأمَّا السياسة وشئون الحكم فهي زاهدة فيها كل الزهد، مُعرِضَة عنها كل الإعراض. وما أعرف جوابًا معقولًا لهذا الذي يعرضه علينا وزير الخارجية البريطانية إلَّا أن يغرق الشعب المصري في ضحكٍ عريض لا يكاد ينقضي، فأقل ما يوصف به هذا الكلام هو أنه ساذج لا يقنع أحدًا ولا يخدع أحدًا إلَّا من يريد أن يتعمد الغفلة ويتكلف الاقتناع والانخداع؛ فهذه الشركة التي يريدها مستر بيفن قد نريدها نحن وقد لا نريدها، فإذا رفضناها فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا الرفض، أيرضاه أم يأباه، وإذا قبلناها فقد يكون لنا رأي في تنفيذها تنفيذًا شاملًا أو تنفيذًا منقوصًا، وقد يكون لنا رأي في توقيتها بأجل طويل أو قصير، وقد يكون لنا رأي في موضوعها، فقد نحب أن نشارك البريطانيين في بعض الأمر والأمريكيين أو غيرهم مثلًا في بعضه الآخر. فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا كله، أيرضاه أم يأباه؟ وحماية هذه الشركة أنستقل بها نحن فلا يكون لحلفائنا أي تدخل عسكري في هذه الحماية من قُرب أو من بُعد أن نشترك في هذه الحماية؟ وإذن فأي فرق بين ما سنصل إليه في المستقبل وما نحن مضطرون إليه الآن؟ أيبقى في مصر أو في الشرق جيش بريطاني قليل أو كثير لحماية هذه الشركة أو للمعونة على هذه الحماية؟ وإذن فأين الجلاء؟
    وبعد، فهل من الحق أن هذه الشركة إن وجدت تكفل الاستقلال السياسي وتمنع من التدخل في شئون الحكم؟ وكيف السبيل إلى الاستقلال السياسي إذا شارك حلفاؤنا في الحياة الاقتصادية وفي حماية هذه الحياة؟ أليس هذا كله كلامًا إن دل على شيء فإنما يدل على أن وزير الخارجية البريطانية ما زال ينظر إلى الشرقيين على أنهم أطفال يمكن أن يُخدعوا بهذه الألفاظ الحُلوة التي لا تغني شيئًا. فهل يريد الشرقيون وهل يريد المصريون خاصةً أن يكونوا أطفالًا، وأن يُخدعوا بهذه الألفاظ؟ أم هل يريدون أن يكونوا رجالًا وأن يقولوا لوزير الخارجية البريطانية إنهم لا يحبون شيئًا كما يحبون التعاوُن الذي يقوم على الاستقلال الصحيح في شئون المال والاقتصاد وفي شئون السياسة والحرب، وإنهم لا يبغضون شيئًا كما يبغضون هذه الشركات التي يعرفون كيف تبتدئ ولا يعرفون كيف تنتهي.

  • بين الحلفاء

    بين الحلفاء
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١١ نوفمبر ١٩٤٥

    يخطئ الذين يظنون أن أمور السياسة العالمية تجري على خير ما تحب الشعوب، سواء في ذلك الشعوب المنتصرة والشعوب المحررة والشعوب التي اصطلت نار الحرب من بعيد. وفي الوقت نفسه يخطئ الذين يسرفون في التشاؤم؛ فيتوقعون الأخطار الكبار، وينتظرون الأهوال الجسام. فأمور السياسة العالمية مضطربة اضطرابًا شديدًا لا يُشَكُّ فيه، ولكن ليس هذا الاضطراب غريبًا، وإنما الغريب هو أن تستقر أمور العالم بعد هذه الحرب العنيفة الطويلة التي خضعت لها الأرض كلها ستة أعوام.
    أمور العالم إذن مضطربة اضطرابًا شديدًا، لكن هذا الاضطراب طبيعي — إن صح أن يكون الاضطراب طبيعيًّا — ويكفي أن نعلم أن السلام الجديد ما زال حديث العهد صغير السن، ولد في مايو الماضي، ولم تتمَّ ولادته إلَّا في أغسطس. فإذا لم تستقر أمور العالم في هذه الأشهر القليلة، فليس في ذلك شيء يدعو إلى العجب أو إلى التشاؤم. والهدم أيسر من البناء، وإثارة الحرب أيسر من توطيد السلم، فإذا استطاع زعيم من الزعماء أو وزير من وزراء الخارجية أن يعلن الحرب، ويملأ الأرض فسادًا بكلمة تقال، أو كلمة لا تقال؛ فلن يستطيع هذا الزعيم أو هذا الوزير أن يردَّ أمور الناس إلى نصابها بعد انتهاء الحرب بكلمة تقال أو لا تقال.
    فالحرب أولها كلام كما قال الشاعر العربي القديم، ولكن السلام لا يتقرر بالكلام، وإنما يتقرر بالأعمال، والأعمال لا تنتج إلَّا إذا صدرت عن النيَّات الخالصة، والإيمان البريء، وخلوص النيَّات، وبراءة الإيمان، وصدق العزم.
    كل هذه الأمور لا تأتي فورًا، ولا تُبْلَغ بمجرد الرغبة في بلوغها، ولكنها نتيجة الروية والتفكير والجهود الصادقة، وكثير من التضحية بألوان الغرور الفردي والاجتماعي، والانتفاع بالدروس القاسية التي تلقيها الحوادث على الأفراد والجماعات.
    وكل هذا يحتاج إلى الوقت الطويل. فليس هناك إذن ما يدعو إلى الإسراف في التشاؤم، وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى الإسراف في التفاؤل أيضًا. فلنَسِرْ إذن مع العالم كما يسير، ولنجرِ مع الزمان كما يجري، لا مسرفين في الرضا، ولا مسرفين في السخط. وليس المهم أن نرضى أو نسخط؛ فإن الأحداث لا تحفل برضا الناس أو سخطهم، وإنما المهم أن نتبصَّر ونتدبَّر ونفهم ما يجري حولنا من الحوادث؛ لنتبيَّن لأرجلنا موضعها قبل الخطو، ولنتجنَّب الزلل ما وجدنا إلى تجنب الزلل سبيلًا. وقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية زعماء الدول الثلاث الكبرى يتحدثون إلى شعوبهم، وإلى أمم الأرض كلها، ويعرضون سياستهم ومذهبهم في بناء العالم الجديد. ويجب أن نعترف بأن أحاديث هؤلاء الزعماء إن دلَّت على شيء فإنما تدل على أنهم بعيدون أشدَّ البعد عن الاتفاق.
    وقد كان أسرعهم إلى الحديث رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد ألقى خطبته المشهورة في الاحتفال بالبحرية الأمريكية، فأعلن مبادئه الاثني عشر، كما أعلن الرئيس ولسن مبادئه الأربعة عشر. وواضح أن الإنسانية قد تلقت دروسًا خطيرة قاسية، تعلمت منها ألَّا تنخدع بهذه المبادئ، سواء أكانت أقل من عشرة أو أكثر من عشرة أو أكثر من عشرين. فقد آمنت مصر بمبادئ ولسن، وكان ولسن أسرع إلى الاعتراف بالحماية البريطاينة على مصر. وآمنت الإنسانية كلها بميثاق الأطلنطي والحريات الأربع، ثم أنبأنا المستر تشرشل بأن هذه كلها مثل عليا تطلب ولا تنال.
    ويجب أن ننصف رئيس الولايات المتحدة؛ فهو قد أعلن أن مبادئه الاثني عشر أمور تحرص عليها الدولة الأمريكية العظمى، وإن لم تكن واثقة من تحقيقها، فهو إذن — كالمستر تشرشل — يراها مثلًا عليا تُطلب ولا تُنال. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نستبقيه من خطة الرئيس ترومان هو أن أمريكا معتزة بقوتها في البر والبحر والجو، ما ظهر منها وما خفي، وأنها حريصة على أن تحتفظ بهذه القوة وتزيدها ما استطاعت، وأنها حريصة كذلك على أن تستخدم هذه القوة الهائلة المتزايدة لحماية السلم وتأمين الناس على حياتهم ومنافعهم، وأَهَمُّ شيء في هذه القوة الأمريكية الهائلة هو القنبلة الذرية، وقد صرَّح الرئيس ترومان بأن سرَّها سيظل مكتومًا، وأنها ستظل أداة من أدوات السلم كما تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية.
    وخلاصة هذا كله: أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد السلام المسلح، والمسلح بأسرار لا يعرفها الحلفاء، فضلًا عن الأعداء. وقد تكلم الرفيق مولوتوف بعد الرئيس ترومان فلم يكن أقل منه اعتزازًا بالقوة الروسية الهائلة التي سحقت الطغيان الألماني في الغرب، والعدوان الياباني في الشرق، والتي أتاحت النصر للحلفاء، وردَّت الحرية إلى أوروبا. ولم يكن أقلَّ منه حرصًا على استبقاء هذه القوة والاستزادة منها لتكون أداة للسلم كما يفهمه الروسيون.
    ثم صرَّح الرفيق مولوتوف بأن الائتلاف الديمقراطي الذي كسب الحرب يجب أن يبقى ويتعاون ليكسب السلم، وبأن بقاء هذا الائتلاف وتعاونه وفوزه، كل ذلك رهين بصدق النيَّات، وصفاء القلوب في السرِّ والجهر. وإذن فلا معنى لاستئثار الولايات المتحدة بأسرار القنبلة الذرية. على أن مثل هذه الأسرار لا يمكن في هذه العصور الحديثة أن تظل مكتومة زمنًا طويلًا. ثم أضاف الرفيق مولوتوف إلى هذا كله أن روسيا تملك طاقة ذرية وأشياء كثيرة أخرى. فهناك إذن قوتان هائلتان: إحداهما في أمريكا والأخرى في شرق أوروبا، وكلتاهما تريد أن تكون أداة للسلم، وكلتاهما تحتفظ بأسرار هجومية ودفاعية لا تعرفها الأخرى.
    ثم تكلم المستر تشرشل ووزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني مساء الأربعاء، فكان موقف الزعيمين البريطانيين آية في الرشاقة واللباقة؛ فأمَّا أحدهما — وهو المستر تشرشل — فقد أعطى روسيا كلامًا كثيرًا جدًّا، حسنًا جدًّا، يبلغ السحر أحيانًا. ولكنه لم يعطها إلَّا الكلام؛ فهو مؤمن بشجاعتها وقوتها وبأسها، وفضلها على الحلفاء، وتضحيتها في سبيل الحرية والنصر، ووجوب التعاون المتصل بينها وبين بريطانيا العظمى. ولكنه بعد هذا كله لا يريد أن يُبيح لها سر القنبلة الذرية، فيجب أن يكون هذا السر مقصورًا على أصحابه الأمريكيين والبريطانيين والكنديين. ويرى مستر تشرشل أن روسيا لو استكشفت القنبلة الذرية لما أباحت أسرارها للحلفاء.
    ولا يصدق مستر تشرشل أن روسيا تملك طاقة ذرية، وإذن فلا ينبغي أن تخاف روسيا من هذه الناحية، وإذن فيجب أن تحتفظ بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وكندا بهذا التفوق الذي أتيح لهن ولم يتح لحليفتهن في شرق أوروبا. فأنت ترى أن مستر تشرشل كان جوادًا في القول، بخيلًا بالعمل؛ فهو يثني على روسيا ما استطاع الثناء، وهو يطوي عنها سر القنبلة الذرية ما استطاع له طيًّا.
    أمَّا وزير الخارجية المستر بيفن، فلم يُرِدْ أن يعرض للقنبلة الذرية، وإنما آثر أن يخرج بالصمت من لا ونعم، كما يقول شاعرنا القديم.
    ونتيجة هذا كله أن في العالم الآن قوتين خطيرتين، تريدان حفظ السلم وإقرار الأمن: إحداهما تأتلف من أمريكا والإمبراطورية البريطانية، والأخرى تأتلف من روسيا وما يخضع لنفوذها من البلاد الأوروبية الأخرى. وكل واحدة من هاتين القوتين تريد أن تحمي السلم، ولكنهما لا تتفقان فيما بينهما. فالسؤال الذي يلقى على العالم الآن هو: هل يكون السلام روسيًّا، أم يكون السلام إنجليزيًّا سكسونيًّا؟
    وقد عرف العالم القديم سلامًا رومانيًّا أزهرت فيه الحضارة الإنسانية إزهارًا هائلًا لا تزال تنعم بآثاره إلى الآن، ولكن هذا السلام الروماني لم يتحقق إلَّا بعد أن سحقت روما دول الأرض كلها في ذلك الوقت، واستأثرت وحدها بالسلطان، وأخضعت العالم القديم كله لنفوذها الذي كان يتدرج مما كان يسمى محالفة الند للند — وكان يعادل الحماية في هذه الأيام — إلى الاستعمار البسيط. فأي قوة تريد أن تحقق السلام في هذا العصر الحديث، وأن تحققه وحدها مضطرة قبل كل شيء إلى أن تسحق القوة الأخرى التي تقابلها؛ أي إلى أن تثير الحرب العالمية الثالثة؟ ومن هنا يبعد جدًّا أن يفكر زعيم عاقل في أن ينفرد مقرًّا السلم. ومن هنا يضطر الساسة جميعًا إلى التفكير في إقامة التوازن الدولي؛ ليكون السلم شركة بين القوى المتكافئة لا يستأثِر به فريق دون فريق.
    ولكن هذا التوازن الدولي يمكن أن يقوم على وجهين: أحدهما قديم عرفته أوروبا في العصر الحديث، وانتهى بالكارثتين العالميتين اللتين وقعت إحداهما سنة ١٩١٤ وثانيتهما سنة ١٩٣٩. وهذا التوازن يقوم على المودة الظاهرة والعداوة الخفية بين الدول، يقوم على الأسرار المكتومة والأعمال المستورة؛ لضمان التفوق يوم تقع الواقعة. هذا التوازن يقوم على بركان مستعد للانفجار في أي وقت. أمَّا التوازن الآخر فهو الذي طلبته الإنسانية بعد الحرب العالمية الأولى، فلم توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية أبت أن تشارك في عصبة الأمم. وتطلبه الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية فلا توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بسر القنبلة الذرية، ولأن قلوب المنتصرين لا يصفو بعضها لبعض، ولأن في أعماق الضمير الإنساني بقعةً من الخوف والشك وسوء الظن لا تُريد أن تُمحى.
    وقد ذكر الشاعر الفرنسي ألفريد دي موسيه بقعة الإثم التي تستقر في أعماق القلب الإنساني، فلا تستطيع البحار إذا مرت على هذا القلب أن تمحوها؛ لأنها استقرت في أعماق الضمير، ولو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لقال لنا شيئًا كهذا الشعر في هذه البقعة التي تمثِّل الخوف والشك وسوء الظن، ثم تمثَّل بعد ذلك ما يستتبعه هذا كله من الحذر والتحفظ والاحتياط للمستقبل، ثم تمثل بعد ذلك هذا السلم الخائف، وهذا الأمن القلق، وهذا الصلح الذي هو أشبه بالهدنة الموقوتة منه بأي شيء آخر …
    نعم لو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لذكر هذه البقعة المنكرة التي استقرت في أعماق الضمير الإنساني، والتي عجزت عن محوها بحار الدماء حين سالت في الحرب العالمية الأولى، وحين سالت في الحرب العالمية الثانية. وما دام الإنسان خائفًا قلقًا شاكًّا سيئ الظن؛ فسيظل دائمًا حذرًا متحفظًا محتاطًا مستعدًّا للدفاع والهجوم؛ أي مستعدًّا للحرب. وإذن فما عسى أن نستفيد نحن من هذا الدرس القاسي المر! نستفيد شيئًا بسيطًا جدًّا، وهو أن من الغفلة أن نأمن ونطمئن حين تقلق الدول الكبرى وتخاف، وأن الكياسة كلَّ الكياسة هو أن نقلق ونخاف كما يقلق الناس ويخافون، وأن نتحفَّظ ونحتاط كما يتحفَّظ الناس ويحتاطون، وأن نذكر أن مصدر شقائنا الذي نريد أن نخرج منه هو أننا أسرفنا في الأمن والاطمئنان. فكنَّا كالحَمَل الوادع الذي يريد أن يعيش آمنًا بين الذئاب، ونحن مع ذلك نحفظ قول شاعرنا القديم:
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يَظْلِم الناس يُظلمِ
    وأعوذ بالله أن أدعو إلى أن نظلم الناس لنتجنب الظلم، ولكني أتمنى — على الأقل — أن نكون من القوة المعنوية والمادية بحيث يتردد الناس قبل أن يظلمونا.

  • تنظيم القوة

    تنظيم القوة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٤ نوفمبر ١٩٤٥

    كان اجتماع الرؤساء الثلاثة للدول الكبرى في القرم — أثناء شهر فبراير الماضي — هو الخطوة الأولى الحازمة الحاسمة لمحاولة تنظيم القوة والتسلط بين المنتصرين. ففي ذلك الوقت كان الرؤساء الثلاثة قد استيقنوا بأن بلادهم قد كسبت الحرب كسبًا نهائيًّا، وبأن التسجيل الرسمي لكسب الحرب قد يتم في أيام، أو في أسابيع، ولكنه سيتم من غير شك. وكانوا من أجل ذلك قد قرروا أن يستعدوا لإنشاء العالم الجديد على أساس من تسلط المنتصرين. وكان العالم يظن مخطئًا — فيما يظهر — أن النصر لم يكن مقصورًا على الدول الثلاث الكبرى، وإنما كان شائعًا بين جميع الذين عملوا له وشاركوا فيه، سواءٌ منهم من امتُحن في أول الحرب وألقى السلاح بعد أن جاهد ما وجد إلى الجهاد سبيلًا — كفرنسا وبلجيكا وهولندا — ومن لم يشارك في الحرب مشاركة فعلية تصورها كثرة الجند ووفرة السلاح، ولكنه أعان الحلفاء ما استطاع أن يعينهم بما كان يملك من قوة وجهد؛ فأتاح لهم الثبات حينًا، وعصمهم من الهزيمة المنكرة حينًا آخر.

    وكان العالم يعتقد مخطئًا في أكبر الظن أن هذا النصر الذي كسبه الحلفاء جميعًا سيؤتي ثمره للحلفاء جميعًا، فلا يكون بينهم متسلط ولا مقهور. وإنما يشهد العالم في المرة الأولى للتاريخ عدلًا شاملًا، وإنصافًا كاملًا، وتساويًا في الحقوق بين جميع الذين شاركوا في قهر العدو واضطراره إلى التسليم. كان العالم يظن هذا — بل كان يؤمن به — ولكنه لم يكد يرى النتائج التي انتهى إليها مؤتمر يالتا حتى أحسَّ شيئًا منكرًا من خيبة الأمل، وعرف أن الضعفاء لم يزيدوا على أن خدموا سادتهم من الأقوياء، وأن هذا النصر العظيم لن يكون شركة عادلة بين المنتصرين جميعًا، ولن يزيد على أن يكون شركة بين المتفوقين في القوة والممتازين في عدد الجند وكثرة السلاح.

    ويجب أن نسجِّل الحق، فنقرر أن فرنسا كانت أول من أنكر هذا الاستئثار، وسخطت على هذا الاستبداد بثمرات كان ينبغي أن تقسم بين المنتصرين جميعًا.

    فقد أنكرت فرنسا ما ذهب إليه الرؤساء الثلاثة من استئثار بالتسلط على العالم، وانفراد بتصريف الأمر فيه. ورفضت أن تكون داعية لمؤتمر سان فرنسيسكو، وآثرت أن تنحاز إلى نفسها على أن تعترف بهذا التفوق الذي انتزع من المنتصرين انتزاعًا.

    وعلى رغم هذا كله، ذهب الرؤساء الثلاثة مذهبًا غريبًا، أقل ما يوصف به أنه كان يقوم على الخداع والتضليل أكثر مما يقوم على أي شيءٍ آخر؛ فهم قد جعلوا مؤتمر سان فرنسيسكو مطمعًا عزيز المنال، وقرروا ألَّا يشترك في هذا المؤتمر إلَّا الذين يعلنون الحرب الرسمية على ألمانيا واليابان. وخيَّلوا بذلك لبعض الأمم المحايدة — ولبعض الأمم غير المحاربة — أن إعلان الحرب على المحور سيكون وسيلة خطيرة إلى غاية خطيرة هي الاشتراك في تنظيم العالم، ووضع الأسس للحياة الإنسانية الجديدة، على أن يكون العدل والمساواة قوامًا لهذه الأسس، وملاكًا لهذا العالم الجديد.

    وقد انخدع العالم بهذه الحيلة، فاستبقت أمم كثيرة إلى هذه الخطوة المضحكة، وأعلنت الحرب على ألمانيا واليابان، بعد أن تحققت هزيمة ألمانيا واليابان. وكانت مصر بين هذه البلاد المخدوعة التي ظنَّت أنها ستفيد من إعلان الحرب على المحور فوائد لا تكاد تحصى ولا تستقصى. وقد جعلت هذه البلاد تتهالك على الحرب المنقضية كما يتهالك الفراش على النار. وإذا هي تعلن الحرب في غير طائل، وتتَّخذ في سبيل هذا الإعلان إجراءات لم تكن في حاجة إلى اتخاذها، وتندفع في ذلك غير محتاطة ولا متحفظة … قد وثقت بالوعود وانخدعت بالآمال، وخيِّل إليها أن الدول الكبرى لا تهزل في مواطن الجِدِّ، ولا تتخذ الخداع الصريح وسيلة من وسائل السياسة.

    ثم ينعقد مؤتمر سان فرنسسكو، فتتكشَّف الحوادث عن هذه المأساة المضحكة — أو الملهاة المحزنة — وهي أن الدول الكبرى الثلاث، أو الأربع أو الخمس، لم تتخذ هذا المؤتمر إلَّا وسيلة إلى التكاثر والتنافس والتفوق بكثرة ما تحرز من الأصوات حين يجدُّ الجد، وحين يشجر بينها الخلاف.

    فأمَّا الولايات المتحدة فاعتزَّت بالدول الأمريكية الجنوبية، وأمَّا الروسيا فاخترعت لنفسها من نفسها دولًا تؤازرها وتناصرها، وأمَّا بريطانيا العظمى فاعتزَّت بإمبراطوريتها وبمستعمراتها المستقلة، وبالدول التي تخضع لنفوذها خضوعًا ظاهرًا ومستترًا.

    وكذلك اختصمت الدول الثلاث الكبرى، واشتدَّ بينها الخصام، ثم اتفقت وحسن بينها الاتفاق. وكانت نتيجة المؤتمر أن قرر الأقوياء والضعفاء جميعًا تسليم الأمر إلى الدول الكبرى وحدها. وكانت النتيجة أيضًا أن الملايين التي ضحَّت بحياتها في سبيل الحق والعدل والمساواة قد ذهبت هباءً، وأن الحرب التي أنيرت في سبيل الديمقراطية ومحو الدكتاتورية في بعض البلاد قد انتهت إلى إقرار دكتاتورية عالمية، يسيطر فيها المنتصرون المتفوقون على المنتصرين والمنهزمين جميعًا.

    وفي أثناء ذلك انتهت الحرب في أوروبا؛ فانتهت دكتاتورية هتلر لتقوم مقامها في الأرض دكتاتورية مثلثة أو مربعة أو مخمسة، قُلْ فيها ما تشاء …! ولكنها دكتاتورية على كل حال، لا تعبث بالأفراد ولا بالشعوب في جزء بعينه من الأرض، وإنما تعبث بالأفراد والشعوب جميعًا في جميع أقطار الأرض.

    وكان رائعًا حقًّا هذا المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في بوتسدام، ولم يدع سان فرنسيسكو. كان كل ذلك خليقًا أن يجعل أمر القنبلة الذرية هينًا يسيرًا، وأن يضعها تحت تصرف العالم المتحضر، يمنع بها الظلم، ويرد بها المعتدي إلى الصواب. ولكن الأمريكيين لا يثقون بالعالم المتحضر، وهم من أجل ذلك لا يبيحون سرَّ هذه القنبلة الذرية لأحد من الناس، لا يُبِيحُونه للإنجليز والكنديين الذين شاركوهم في البحث والإنفاق، وأحرى ألَّا يبيحوه للروس الذين لم يشاركوهم في البحث والإنفاق. وإذن فيجب أن يسعى الإنجليز والكنديون إلى الاتفاق مع الأمريكيين على أمر هذه القنبلة: أتكون لهم جميعًا أم تكون للأمريكيين من دون الحلفاء والشركاء؟

    وفي سبيل هذا السعي يسافر رئيس الوزارة البريطانية إلى واشنطون، ويغير رئيس الوزارة الكندية منهاج زيارته لأوروبا، فيعود إلى أمريكا ليشترك في هذا البحث. أمَّا الروس فيائسون من الأمريكيين ويثقون بأنفسهم … لقد وجد الأمريكيون قنبلة ذرية، فيجب أن يجد الروسيون قنبلة ذرية أخرى، ويقال إنهم وجدوها بالفعل. وأمَّا فرنسا فقد كانت هي المبكِّرة للبحث عن القنبلة الذرية، وهي التي سبقت إلى الاستكشافات الأولى، ولو أمهلتها الحرب لانتهت بالبحث إلى غايته، ولكن الحرب لم تمهلها، فأهدت ما ظفرت به إلى الإنجليز والأمريكيين.

    وهي الآن قد استردت حريتها، ولكنها مضعضعة مزعزعة، مضطربة السياسة والاقتصاد. ومع ذلك فيجب أن تجد قنبلتها الذرية أيضًا، ولا ينبغي أن تتخلف بعد أن كانت سابقة. وإذن فهي تنشئ معهدًا خاصًّا للبحث عن القنبلة الذرية، وتقتطع لهذا المعهد من ميزانيتها المزعزعة المضعضعة مبلغًا ضخمًا ستتبعه مبالغ ضخمة. وإذن فلن تكون في العالم قنبلة ذرية واحدة، بل ستكون فيه على أقل تقدير قنابل ذرية ثلاث: إحداها عند الإنجليز السكسونيين — إن تم الاتفاق بين البريطانيين والأمريكيين — والثانية عند الروس، والثالثة عند الفرنسيين. وستصبح القنبلة الذرية سلاحًا كغيره من الأسلحة يكثر ويشيع، حتى يلغي بعضه بعضًا، وحتى يصبح خطره قليلًا ضئيلًا.

    وليس العلم مقصورًا على هذه الأمم الثلاث، ولكن أممًا أوروبية أخرى قد تكون صغيرة، ولكن فيها علماء يستطيعون أن يبحثوا، ومعامل يمكن أن تجرى فيها التجارب. وإذن فاعتداد الولايات المتحدة الأمريكية بالقنبلة الذرية إن كان خطيرًا اليوم فلن يكون خطيرًا غدًا، وسينظر العالم — أو سينظر سادة العالم — فإذا هم مضطرون إلى أن يختاروا بين اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن يستبقوا في الاختراع والاستكشاف، ثم ينتهوا بالاختراع والاستكشاف إلى غايتهما، فتكون الحرب المدمرة التي لا تُبْقِي على شيء، ويخلو العالم من هذا الإنسان المتمرِّد المغرور الذي لا يُرِيح ولا يستريح. وإمَّا أن يتفقوا على خطة سواء تنظِّم القوة تنظيمًا عادلًا، وتُخْضِعها للحق بعد أن خضع الحق لها دهرًا طويلًا، فتمضي الحضارة في سبيلها إلى الرقي، ويستطيع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة حقًّا، وأن يستغلَّ مصادر هذه الطبيعة لما ينبغي أن تستغل له من إصلاح الحياة وترقيتها، وإباحة السعادة لهذا الإنسان الذي منح العقل ليكون سعيدًا، فلم يَعُدْ عليه العقل إلَّا بالبؤس والشقاء.

    هذه هي الحال بين السادة المتفوقين الذين استغلوا العالم حتى انتصروا، والذين يريدون أن يستعبدوا العالم في السلم كما استعبدوه في الحرب، وهي حال تقوم — كما ترى — على الشك والخوف وسوء الظن. فأمَّا الضعفاء الذين أخلصوا في الحرب وضَحَّوْا بأنفسهم وأموالهم ولذاتهم ومرافقهم ليُعْلُوا كلمة الحق ولتمتلئ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا؛ فهم ينظرون فيرون أن العدل ينأى عنهم وقد كانوا يظنونه قريبًا، وأن الجور يسيطر عليهم وقد كانوا يحسبونه بعيدًا. وهم لا يزالون إلى الآن دهشين، يظنون أنهم لا يحلمون، وقد يطول دهشهم أو يقصر. ولكنه سيتخلى عنهم في يوم من الأيام، وستثوب إليهم عقولهم، أو سيثوبون هم إلى عقولهم، وسترى الأرض يومئذ أن عليها شعوبًا تؤثر أن تفنى على أن تستعبد إلى غير حد، وتستذل إلى غير مدى. ومن يدري؟ لعل الشعوب أن توفق في يوم من الأيام إلى إخضاع سادتها وساستها لشيء من القصد والاعتدال …!

  • أزمة

    أزمة
    كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
    وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
    في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
    وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
    وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
    ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
    ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
    وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
    هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
    وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
    هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
    ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
    وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
    وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ .


  • مشكلة الشرق

    مشكلة الشرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ أكتوبر ١٩٤٥

    ليست المشكلة الخطيرة مقصورة على أوروبا، فللشرق مشكلاته أيضًا، وليست مشكلات الشرق بأهون شأنًا، ولا أقل خطرًا على التعاون الدولي من مشكلات الغرب. وليس من شك في أن للحياة الأوروبية الجديدة المعقدة أشد التعقيد، خطرها وأثرها البالغ في مستقبل التوازن الدولي، ولكن ليس من شك أيضًا في أن الحياة الشرقية الجديدة معقدة شديدة التعقيد، وفي أنها مصدر لمصاعب ستؤرق ساسة الغرب، وستكلفهم ألوانًا من العناء؛ ذلك لأن حياة العالم، كما قلنا غير مرة، لم تقم قط، ولا يمكن أن تقوم على العزلة والانفصال، وإنما هي تقوم على ارتباط المنافع، وتبادل المصالح، واشتباك الاتجاهات، مهما تختلف ومهما تتباين. وإذا أحس العالم شيئًا من الضعف أو الاضطراب، أو فساد الأمر في أي ناحية من نواحيه؛ فسيكون لهذا كله أثره القوي أو الضعيف في حياة العالم كلها. والمسألة المهمة الخطيرة الآن هي أن الصلة بين الشرق والغرب كانت تقوم في العصر الحديث على أن الشرق كان ضعيفًا خاملًا، وعلى أن الغرب كان قويًّا ذكيًّا، واسع الحيلة، بارعًا في الاستغلال، قادرًا على تحقيق ما يريد. ولكن الأمور أخذت تتغير شيئًا فشيئًا منذ القرن الماضي، وأخذ هذا التغير يزداد قوة وسرعة منذ الحرب العالمية الأولى، ثم وصل الآن من القوة والسرعة إلى حدٍّ لا سبيل إلى إهماله أو الإغضاء عنه، ولا بدَّ من أن يحسب له الحساب كل الحساب. فقد كانت شئون الدولة العثمانية ذات الأطراف المترامية في القارات الثلاث القديمة، هي التي تشغل أوروبا في القرن الماضي، فكان هذا الشرق وحدة يمثلها الباب العالي، وكانت أوروبا تتفق وتفترق حول مطامعها ومنافعها، والسياسة التي تدر هذه المنافع، وتحقق تلك المطامع بالقياس إلى الرجل المريض كما كانوا يسمون الدولة العثمانية في ذلك الوقت.
    أمَّا بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، فلم تبقَ هناك وحدة مريضة يمكن أن تختلف حولها المنافع والمطامع. وإنما نشأت وحدات كثيرة ناهضة تسعى متثاقلة إلى كسب حقوقها، والظفر باستقلالها. وكانت الدولة التركية نفسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أهم هذه الوحدات وأعظمها خطرًا، فقد أخلفت ظن أوروبا، وأثبتت للغرب أنها تستطيع أن تفقد إمبراطوريتها، وأن تحيا مع ذلك حياة قوية خصبة يرهب جانبها، ويحسب لها في السياسة الدولية حسابها.
    فهي قد ألقت عن نفسها أثقال المرض، وتخلصت من أعباء الخمول، ونهضت بعد الهزيمة نشيطة أبية، فردت المغير عن أرضها، ورفضت معاهدة سيفر، واضطرت الغرب إلى أن يعقد معها معاهدة لوزان. ثم لم تلبث أن بيَّنت للغرب أنها بعد أن عادت إلى حدودها، وعكفت على نفسها، وأصلحت من أمرها، ما زالت قوة عاملة في التوازن الدولي، وإذا أوروبا تفاوضها في أمر المضايق، ثم تتنافس في محالفتها حين تظهر بوادر الحرب العالمية الثانية. وإذا تركيا تقوم بين ألمانيا وأعدائها ذلك المقام المعروف الذي امتاز بالقوة والحزم، كما امتاز بالبراعة والدهاء. وكان الغرب يقدر في أكبر الظن أن الإمبراطورية التي تخلت عنها تركيا ستصبح نهبًا مقسمًا بين المنتصرين، ولكن الحوادث كذبت الآمال وأخلفت الظنون، وأظهرت أن هذه الإمبراطورية لا تريد أن تُنهب، ولا أن تُقسَّم، وإنما تريد أن تسترد حقوقها المضيعة واستقلالها المغصوب. والناس جميعًا يعرفون كيف ثارت مصر حتى ظفرت ببعض حقها، وما زالت تطالب بما بقي من هذا الحق، وكيف سلكت سوريا ولبنان والعراق نفس الطريق، وكيف تطورت جزيرة العرب حتى انتهت إلى استقلالها الرائع الذي تتمتع به الآن.
    ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فاضطرت أوروبا في أثناء هذه الحرب إلى أن تنظر إلى هذا الشرق نظرة جديدة تخالف نظرها إليه فيما مضى، نظرة قوامها التحبب والتقرب والاسترضاء، والإسراف في بذل الوعود. وربما كان من الحق أن أوروبا لم تحسن قط درس نفسية الشعوب الشرقية وتمعن حقائقها، فقد ظنَّت أوروبا في جميع صلاتها بالشرق أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتخلف غدًا، وأن تسجِّل الآن لتنسى بعد حين، وقدَّرت أن الشرق يمكن أن يسمع ثم ينسى ما سمع، وأن يتلقى الوعود، ثم يتجافى عن تحقيق هذه الوعود. ومع أن ثورة الشرق العربي بين الحربين قد كانت خليقة أن تقنع أوروبا بأن الشرق يجدُّ حين يهزل الغرب، وبأنه لا يتلقَّى الوعود إلا منتظرًا لتحقيقها، مصممًا على هذا التحقيق، فإن أوروبا ما زالت إلى الآن ماضية في سياسة الوعود التي تُبذل الآن لتنسى غدًا، وفي سياسة الاعتماد على النسيان، والاشتغال بما يطرأ من الحوادث والخطوب. وهي من أجل ذلك قد همت أن تهمل في أعقاب هذه الحرب ما وعدت به حين كانت نار الحرب مضطرمة تملأ الأرض شررًا ولهيبًا، فنبهها الشرق العربي إلى أن عهد هذا الإهمال قد مضى وانقضى، وإلى أن الصلة بين الشرق والغرب يجب أن تقوم منذ الآن على الجِدِّ الذي لا لعب فيه. وكانت مشكلة سوريا ولبنان دليلًا واضحًا على أن الشرق العربي قد أخذ أمره بالحزم، وصمم على ألا يكون استقلاله كلامًا، وعلى ألا تكون حقوقه موضوعًا للمداورة والمناورة.
    وكذلك وضعت المشكلات الشرقية في وضعها الصحيح الدقيق، سواء أرضيت بذلك أوروبا أم لم ترضَ، وسواء أصدقت ذلك أوروبا أم لم تصدقه.
    وكان الأوروبيون ينظرون إلى جامعة الأمم العربية نظرة فيها كثير من العطف والاستعلاء، وفيها كثير من الاستهانة والاستخفاف. ولكن الحوادث أظهرت لأصحاب البصيرة من الأوروبيين أن الشعوب العربية لا تعبث ولا تلهو، ولا تتخذ الجامعة مرآة تكتفي بالنظر فيها، وإنما تتخذها أداة لبلوغ الأهداف وكسب الحقوق. وقد يكون من الحق أن الحكومات العربية لم تبلغ من تقديرها للجامعة ما بلغته الشعوب، ولكن الحكومات تتغير، والشعوب تبقى، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعوب العربية على اختلافها، وتباين طبقاتها مؤمنة إيمانًا عميقًا بحقها في الاستقلال أولًا، وبواجبها في التعاون ثانيًا، وبأنها لن تطمئن؛ حتى تحمل أوروبا بالرضا أو بالكره على أن تعترف لها بحقها في الكرامة والحرية والاستقلال.
    وما أشك في أن أوروبا ستخادع نفسها وقتًا طويلًا أو قصيرًا، وستخادع الأمم الشرقية وقتًا طويلًا أو قصيرًا أيضًا، ولكني لا أشك في أن أوروبا ستنتهي راضية أو كارهة إلى مواجهة الحقائق الواقعة، والاقتناع بأن الخداع لن يغني عن الحق شيئًا.
    وليس من شك في أن لأوروبا آمالًا ومطامع ومنافع في الشرق العربي؛ فالشرق طريقها إلى إمبراطورياتها المختلفة، وفي الشرق كنوز تعرفها أوروبا حق المعرفة، ولا تستطيع أن تستغني عنها. وقد كان لأوروبا سلطان على الشرق، لا تستطيع أن تدعه في سهولة ويسر. ولكن أوروبا ستعلم حق العلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن بلوغ الآمال، وتحقيق المنافع، والوصول إلى إمبراطورياتها، كل ذلك يمكن أن ينال من طريق المودة والألفة والتعاون، وكل ذلك يتعرض للخطر كل الخطر إذا أريد تحقيقه من طريق البأس والبطش والتغلب. وستعلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن هناك أشياء يفقدها الناس، ويجب أن يتعزَّوا عن فقدها؛ لأن طبيعة الأشياء تقتضي ذلك، وأن السلطان بعض هذه الأشياء. وقد تسلطت أوروبا على الشرق حينًا، ثم آن لسلطانها أن يزول، وقد أخذ يزول بالفعل شيئًا فشيئًا، ولا بد من أن ينتهي إلى الزوال التام، فخير لأوروبا أن تستقبل العالم الجديد بعقول جديدة وقلوب جديدة، وأن تقيم الصلة بينها وبين الشرق على التعاون الصادق الذي يقوم على النصح والإخلاص، لا على الخداع والرياء.
    هذا التعاون هو الذي يؤمن طرق المواصلات، وهو الذي يمكن من استخراج الكنوز، واستغلالها لمصلحة الشرق والغرب جميعًا، وهو الذي يكفل للعلاقات الاقتصادية والثقافية نموًّا مضطردًا، وتنتهي بها إلى هذه الغاية التي تطلبها الحضارة منذ زمن بعيد، وهي غاية التكافؤ في الحقوق والواجبات، والعمل على تحقيق الرقي الإنساني المستمر.
    وليست مشكلات الشرق مقصورة على دولة بعينها من الدول الكبرى، ولكنها شائعة بين الدول الكبرى جميعًا، وبين دول الشرق جميعًا.
    فهناك مشكلات بين روسيا وتركيا، ومشكلات أخرى بين روسيا وإيران. ولبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية آراؤهما في هذه المشكلات، وليس المهم أن يتغلب رأي هذه الدولة أو تلك، وإنما المهم أن تحفظ لتركيا وإيران كرامتهما وحقوقهما بالقياس إلى هذه الدول جميعًا، ولمصلحة العالم كله كذلك.
    ومثل هذا يُقال في الصلات بين الأمم العربية وبين الدول الكبرى، فلبريطانيا العظمى موقفها من مصر والعراق: احتلال قديم هنا يجب أن ينتهي، وانتداب قديم هناك يجب أن تزول آثاره. ولفرنسا مشكلتها في سوريا ولبنان، ويجب أن تحل هذه المشكلة حلًّا نهائيًّا حاسمًا لا لعب فيه ولا مداورة.
    ولأمريكا آمالها ومنافعها الاقتصادية في كل هذه البلاد، فيجب أن يقوم تحقيق هذه الآمال والمنافع على المودة والاحترام، والاعتراف بتكافؤ الحقوق.
    ولروسيا نظراتها هذه التي تبلغ الشرق العربي من حين إلى حين، فيجب أن تكون هذه النظرات صافية نقية بريئة من الريب والشكوك. ويجب أن تفهم الدول الكبرى أنها تخطئ خطأ نفسيًّا خطيرًا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تمضي في تنافسها القديم حول بلاد الشرق، فقد انقضى عصر هذا التنافس القديم.
    وهناك مشكلتان خطيرتان إحداهما تشغل العالم كله الآن، والأخرى تشغله بين حين وحين، ولا بد لهما من حل حاسم يرد الأمر إلى نصابه بين الشرق والغرب. إحدى هاتين المشكلتين: مشكلة فلسطين، هذه التي توشك أن تشغل الرأي العالمي عن كل شيء. والغريب من أمر هذه المشكلة أنها مصطنعة قد اختُرعت اختراعًا، وابتكرها الغرب من لا شيء، وكانت نتيجة لهذا التورط في الوعود التي تُبذل بغير حساب أثناء الحرب! فقد عاش العالم قرونًا على أن فلسطين جزء طبيعي من العالم العربي، يعيش الناس فيه كما يعيشون في أقطار البلاد العربية عيشة عادية لا عوج فيها ولا التواء. ولكن الحرب العالمية الأولى اخترعت هذه المشكلة الجديدة اختراعًا، واستخرجت من وهم الشيطان هذه الفكرة التي أحدثت الفرقة، وأفسدت الأمر بين الشرق والغرب إفسادًا عظيمًا. ومن الحق أن الذين اخترعوا هذه المشكلة يجب عليهم أن يحلوها، وأن يريحوا العالم، ويريحوا أنفسهم منها، فقد كانت فلسطين وما زالت عربية، فيجب أن تبقى فلسطين عربية، وأن تخلص لنفسها، وأن تدبر أمرها كما تريد هي، لا كما يريد هذا البلد أو ذاك من بلاد أوروبا وأمريكا.
    على هذا النحو وحده يجب أن تُحل هذه المشكلة، بل يجب أن تلغى هذه المشكلة إلغاء؛ لأنها مشكلة غير طبيعية، مشكلة جاءت من التكلف والتحكم، لا من الحقائق الواقعة، ولا من طبيعة الأشياء.
    وفي الأرض مشكلة يهودية جاءت من ظلم بعض البلاد الأوروبية وتحكمها، فهي مشكلة أوروبية يجب أن تحلها أوروبا على حسابها هي، لا على حساب غيرها من الناس. ولأوروبا مستعمرات واسعة، وإمبراطوريات هائلة تسع الملايين والملايين من اليهود دون أن تجد في ذلك ضيقًا أو جهدًا، فلتعتمد أوروبا على هذه المستعمرات لحل هذه المشكلة، فهي التي ظلمت اليهود واضطرتهم إلى الهجرة، وهي التي امتحنت العالم بهذه المشكلة المعقدة التي اخترعتها اختراعًا.
    أمَّا المشكلة الثانية فمستقرة في شمال أفريقيا، فالشرق العربي لا ينتهي عند مصر، ولكنه ينتهي عند المحيط الأطلنطيقي. كذلك نظرت إليه أوروبا في القرون الوسطى، وكذلك نظرت إليه في العصر الحديث، وكذلك ننظر نحن إليه منذ استقر العرب في شمال أفريقيا في آخر القرن الأول للهجرة، وكذلك ننظر إليه الآن. وهذا الجزء من الشرق العربي يخضع الآن لما كنَّا نخضع له نحن من التسلط الأجنبي، وهو يستمتع بمثل ما نستمتع به نحن من الحياة والنشاط، والشعور بالحق في الكرامة والاستقلال. ونحن نشاركه في هذا الشعور، ونطلب له مثل ما نطلب لأنفسنا، ونرى أن حل مشكلات الشرق لن يتم إلا إذا حُلت مشكلة هذا الجزء من شمال أفريقيا. ونرى أن جامعة الأمم العربية لن تتم إلا إذا مُثل فيها هذا الجزء من شمال أفريقيا. فإذا نصحت أوروبا لنفسها وللشرق، فالخير أن تنظر إلى هذه المشكلات كلها كما ننظر نحن إليها، وأن تواجهها بمثل ما نواجهها به من الحزم، والرغبة الخالصة في حلها على هذا النحو الذي صورناه من التعاون والإخلاص. على أن أوروبا تستطيع أن تخدع نفسها، وأن تخدع غيرها، فستشقى هي أولًا بهذا الخداع، وقد يكون من الخير أن تسبق أوروبا الحوادث المكروهة المنكرة، وأن تتعجل إقرار الأمر بينها وبين الشرق على المودة والإخاء. فإذا قصرت أوروبا في ذلك، فمن الحق علينا نحن ألا نقصر فيه، وأن نذكر دائمًا أن مشكلاتنا مهما تختلف ومهما تتباين، فهي في حقيقة الأمر مشكلة واحدة، ولن تستقيم أمور العالم الجديد إلا إذا أُتيح لشاطئ البحر الأبيض المتوسط هذا الاستقلال الذي يستمتع به الشاطئ الأوروبي وحده، ويجب أن يستمتع به الشاطئ الأفريقي والآسيوي.
    وبدون هذه المساواة لن يستقيم الأمر بين الشرق والغرب، ولا سيما بعد أن تبين أن عهد التسلط والتغلب قد انقضى بالقياس إلى هذه الأقطار العربية منذ عهد بعيد.

  • مصير الشرق العربي

    مصير الشرق العربي
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٦ سبتمبر ١٩٤٥

    ليس للناس حديث في هذه الأيام إلا هذا المجلس الذي يجتمع في لندرة، مؤلفًا من وزراء الخارجية للدول الخمس الكبرى؛ فأحاديث هذا المجلس هي التي تُغذِّي أنباء البرق، وإذاعة الراديو، ومقالات الصحف.
    وهذه الأحاديث منوَّعة بالطبع، لا تختلف باختلاف الموضوعات التي يمكن أن يدرسها هذا المجلس فحسب، بل تختلف كذلك باختلاف النظرات التي تنظرها الأمم المختلفة إلى كل موضوع من هذه الموضوعات أيضًا.
    ويكفي أن نتَّخِذ لذلك مثلًا واحدًا؛ فهذا المجلس يدرس فيما يدرس معاهدةَ الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وواضح جدًّا أن نظر الدول الكبرى إلى هذه المعاهدة يتفق من جهة، ويختلف اختلافًا شديدًا من جهة أخرى. يتفق في أن إيطاليا دولة مغلوبة يجب أن يُفرَض عليها صلح يُصوِّر اندحارها وانتصار الحلفاء، ويتفق كذلك في أن إيطاليا قد سبقت إلى الاستسلام، فيسرت للحلفاء بعض شئون الحرب، وأعانتهم على الفوز شيئًا ما، فيجب أن تُؤخَذ ببعض الرفق. ثم يختلف بعد ذلك اختلافًا شديدًا، مصدره اختلاف المصالح التي يحرص الحلفاء على تحقيقها في أوروبا، وفي البحر الأبيض المتوسط، وفي شرق هذا البحر وغربه على السواء …
    فالولايات المتحدة الأمريكية مثلًا لا تملك أرضًا في أوروبا، ولا في أفريقيا، ولا في آسيا، مما يوازي البحر الأبيض المتوسط، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تحقق مصلحة استعمارية بالمعنى الدقيق، وإنما يعنيها أن يستقر في هذه الأقطار سلام عادل، مشبع بالديموقراطية على المعنى الأمريكي، لا بالاشتراكية البريطانية ولا بالشيوعية الروسية، سلام من شأنه أن تسترد إيطاليا شيئًا من قوتها في وقت قريب لتكون مصدرًا من مصادر التوازن في هذه المنطقة، سلام من شأنه كذلك أن يُعِينَ على انتشار الرخاء، ورواج التجارة، واستئناف الأخذ والعطاء بين العالم الجديد وهذا الجزء من العالم القديم.
    وليس لروسيا ممتلكات في هذه الأقطار، ولكن لها حلفاء وأنصارًا يعنيها أن ينتفعوا من معاهدة الصلح مع إيطاليا، فلا بد من أن تظفر يوجسلافيا المظلومة بشيء من الإنصاف على حساب إيطاليا الظالمة، وقد يكون لروسيا آمال اقتصادية في هذه المنطقة من الأرض، ولكن لها قبل كل شيء آمالًا سياسية تتصل بأحلامها القديمة في امتداد نفوذها إلى البحر المتوسط.
    وإلى هنا يمكن أن تكون الولايات المتحدة وروسيا عنصرين من عناصر الاعتدال، وتحقيق التوازن في الصلح الذي سيُفرَض على إيطاليا. وقد كدت أنسى الصين؛ لأن وجودها في هذا المجلس بالقياس إلى هذه المعاهدة الإيطالية يوشك أن يكون نظريًّا. ولا كذلك الأمر فيما يمس بريطانيا العظمى وفرنسا؛ فلكل واحدة منها مصالح خطيرة في هذا الجزء من العالم، ففرنسا جارة إيطاليا في أوروبا، وهي جارة إيطاليا في أفريقيا، وهي شريكة إيطاليا في البحر الأبيض، وهي بعد هذا كله موتورة لم تَنْسَ بَعْدُ غَدْرَ موسوليني لها في يونيو سنة ١٩٤٠. ومصالح بريطانيا العظمى ومطامعها في غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، وأوضح من أن تحتاج إلى بيان.
    وكذلك تنظر كل دولة من هذه الدول الخمس إلى الصلح مع إيطاليا نظرتين، إحداهما مشتركة مع زميلاتها، والأخرى خاصة بها وبما تحرص على تحقيقه من المصالح والأطماع.
    ثم إن الأمر ليس مقصورًا على هذه الدول الخمس الكبرى، فهناك دول أخرى لها مصالح ومطامع وآمال، وهي تنظر إلى المعاهدة الإيطالية بمقتضى هذه المصالح والمطامع والآمال؛ فاليونان موتورة من إيطاليا، وهي تطالب بجزر الدوديكانيز، وتركيا تنظر إلى هذه الجزر نظرة فيها كثير من الأمل الذي يريد أن يظهر ولكنه يستحي؛ لأن تركيا لم تشترك في الحرب إلا بعد انتهائها، ويوجسلافيا موتورة، وهي تطالب بجزء من الأرض طال الاختلاف عليه بينها وبين إيطاليا، حتى النمسا لها مطامعها في التيرول، فإذا تركنا هذه الأمم كلها، ونظرنا إلى الأمم العربية … فسنرى مصر موتورة من إيطاليا التي أخذت بعض أرضها في القرن الماضي، ونغصت على الحزب الوطني حياته، ولم يَنْسَ أحد قصة الملحقات.
    وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت عليها في هذا القرن، وعدلت حدود ليبيا على حساب مصر بمعونة البريطانيين، فأخذت جغبوب، وما يتصل بها في تلك المعاهدة التي أمضاها دولة صدقي باشا، والتي دفعت مصر ودفع البريطانيون ثَمَنَها غاليًا في هذه الحرب. وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت على أرضها في هذه الحرب الأخيرة، فوصلت مع حلفائها الألمان إلى العلمين، وضربت مع حلفائها الألمان مدن مصر ومَرَافقها.
    ومن شأن هذا كله أن يدفع مصر إلى العناية بمعاهدة الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وإلى المطالبة بأن تُرَدَّ إليها الأرض التي اقتطعتها إيطاليا منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وأن تطالب بتأمين حدودها بحيث لا تتعرض للعدوان الإيطالي مرة أخرى، وأن تطالب بعد هذا كله بشيء من السعة في حريتها العملية في هذا الجزء المجاور لها من شمال أفريقيا، وبحقها في التعويضات التي ستُفرَض على الإيطاليين.
    ومصر حين تطالب بهذا كله لا تتجنى ولا تتكلف؛ فهي لم تَدْعُ الإيطاليين إلى أن يقتطعوا بعض أملاكها في شرق أفريقيا، ولا إلى أن يقتطعوا جغبوب، ولا إلى أن يُغِيروا على أرضها، ويضربوا مدنها ومرافقها. ومن أبسط حقوقها أن تطالب بردِّ ما أُخِذَ منها، وأن تحتاط لمستقبلها، وتكفل لنفسها أمنًا معقولًا.
    والظريف في هذه القصة أن البريطانيين هم الذين كانوا يحرصون على إرضاء إيطاليا، وهم الذين أرضوا إيطاليا على حساب مصر في القرن الماضي وفي هذا القرن، وهم الذين لقوا من إيطاليا جزاء سنمار! فمن الطبيعي أن يبذلوا الآن كل ما يملكون من جهد؛ ليردوا إلى صديقتهم وحليفتهم مصر ما أخذوا منها وأعطوه إلى عدوتهم إيطاليا، وقد وعد البريطانيون مصر أثناء وزارة الوفد الأخيرة بأن يبذلوا ما يملكون من جهد لتشترك مصر في مؤتمر الصلح، عندما تُدرَس المسائل التي تعنيها، ووعدوها كذلك بأن بريطانيا لن تدخل في مفاوضات تمس مصالح مصر إلا شاورت مصر في شأن هذه المفاوضات.
    ولسنا ندري أحقق البريطانيون هذا الوعد الذي أعطوه على أنفسهم أم لم يحققوه، ولسنا ندري إلى أي حد مضوا أو يريدون أن يمضوا في الوفاء بهذا الوعد. فحكومتنا لم تحدثنا بشيء من ذلك، ولكننا نعلم أن الحكومة المصرية نفسها قد أرسلت مذكرة إلى المجلس المعقود الآن في لندرة، عرضت فيها ما ترى أنه يصور رأي مصر في معاهدة الصلح مع إيطاليا، ولسنا ندري أكانت هذه المذكرة موضوع تشاور بين مصر وحليفتها، أم أرسلتها مصر من تلقاء نفسها دون أن يسبق الاتفاق عليها مع أصدقائنا البريطانيين.
    والشيء الذي لا شك فيه هو أن المذكرة المصرية قد تكون محررة تحريرًا دبلوماسيًّا يجمع بين الدقة والاعتدال، ولكنها على كل حال فاترة لا تصور الاقتناع بالحق، ولا الحرص على بلوغه، ولا الإلحاح في الوصول إليه، ولعلها أن تمتاز بشيء من الغموض الخطير، فقد يكون من الحق والعدل أن تستفتي ليبيا، ولكن من الحق والعدل قبل كل استفتاء أن ترد إلى مصر الأرض التي أُخِذَتْ منها بمقتضى معاهدة صدقي باشا، ثم تستفتي ليبيا بعد ذلك.
    وقد يكون من الحقائق الواقعة أن مصر وبريطانيا العظمى تشتركان الآن في إدارة السودان، كما تقول المذكرة، ولكن من الحقائق المصرية المقررة التي لا ينبغي أن تشك فيها حكومة مصرية أو تعرضها للشك، أن السودان وما أُخِذَ منه وما يمكن أن يُرَدَّ إليه جُزْءٌ من الوطن تشمله سيادة واحدة لا ينبغي أن تتجزأ؛ وهي سيادة الشعب الذي يسكن وادي النيل، فكان ينبغي أن تطلب الحكومة المصرية أولًا أن يُرَدَّ إلى مصر ما أُخِذَ منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وثانيًا أن تُتَّخَذ الإجراءات لتأمين حدود مصر في شمال أفريقيا وشرقها، وثالثًا أن يكفل لمصر حقها في التعويضات، ثم تظهر مصر بعد ذلك رأيها في مستقبل ليبيا الذي يقوم على الاستفتاء. وإن كنت أنا أشك في قيمة الاستفتاء الذي سيجريه البريطانيون المستقرون الآن في هذا الجزء من أفريقيا الشمالية، ولا سيِّما إذا لُوحِظَتْ طبيعة الأرض الليبية، وتفرق الشعب الذي يسكنها، فقد يمكن الاستفتاء في المدن، ولكن الاستفتاء في الصحراء شيء مشكوك فيه.
    فهذه صورة من نظرة الأمم العربية إلى المعاهدة التي تُهيَّأ الآن في لندرة لِتُفْرَض على الإيطاليين، ولكن هناك شيئًا آخر نوشك نحن في الشرق العربي أن نغفل عنه، أو أن نهمله، وهو هذه المفاوضات التي تدور على هامش المجلس، جهرة مرة وعلانية مرة أخرى، والتي تمس مصالح الشرق العربي من قريب جدًّا؛ فوزير الخارجية الفرنسي لا ينفق وقته كله في لندرة دارسًا لمعاهدة الصلح مع إيطاليا، ولكنه يدرس أشياء أخرى، ويفاوض فيها بالفعل رأي زميله البريطاني، ويستطلع فيها بالفعل رأي زملائه الآخرين. فهو يدرس مشكلة غرب ألمانيا، وهو يدرس مشكلة الشرق الأدنى، وهو يدرس مشكلة الشرق الأقصى، وهو يهيئ للاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على هذه المشكلات، وهو يهيئ لعقد التحالف البريطاني الفرنسي الذي تأخر عقده أكثر مما ينبغي.
    وليس البريطانيون أقل من الفرنسيين رغبة في تحقيق هذا الاتفاق والانتهاء إلى هذا التحالف، والأمريكيون يتمنون أن ينجح هذا السعي؛ لأنه سيحمي غرب أوروبا من الشيوعية، وسيكفل لرأس المال نفوذًا كافيًا في الشرق الأدنى، والشرق الأقصى على السواء.
    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق من غير شك — فمصير الشرق الأدنى يُدرَس الآن في لندرة، ويُراد أن يُقضَى فيه، والشرق الأدنى ساهٍ لاهٍ مشغول بصغائر الأمور، وقد بيَّن الجنرال دي جول في حديثه مع «التيمس» في أول هذا الأسبوع وجهة النظر الفرنسية، ورحَّبَ البريطانيون الرسميون وغير الرسميين بوجهة النظر هذه ترحيبًا حارًّا كما يُقال.
    ووجهة النظر هذه بسيطة جدًّا؛ وهي التعاون الدقيق الصريح الخالص من كل شائبة بين البريطانيين والفرنسيين في كل ما يمس الشرق الأدنى، ومعنى هذا في اللغة الفرنسية أن يُحتفَظ لفرنسا بنفوذها كاملًا في مناطق نفوذها في البحر الأبيض المتوسط، وأن يُحتفَظ بمثل ذلك لبريطانيا العظمى، وأن يتعاون أولئك وهؤلاء على الاحتفاظ بهذا النفوذ.
    وكذلك يستأثر الفرنسيون والبريطانيون بالنفوذ السياسي والثقافي في الشرق الأدنى، ويجوز أن يسمحوا لغيرهم بشيء من النفوذ الاقتصادي، أو التوسع الثقافي البسيط.
    وأغرب ما في الأمر أن هناك جامعة عربية قد أُنْشِئَتْ في هذا العام، وكان الإنجليز يرحبون بإنشائها، وكانت هي حريصة على تحقيق الاستقلال التام لأعضائها، ولكن الإنجليز يتناسون الآن قليلًا قليلًا لترضى فرنسا، أمَّا الفرنسيون فيذكرونها بأطراف ألسنتهم، ويرفعون الأكتاف، ويهزون الرءوس، وأما هي فتنظر إلى نفسها في المرآة، وترضى عن وجودها، وعن أهدافها، ولكنها ترجئ بلوغ هذه الأهداف إلى أن يشاء الله.
    وأشد ما في الأمر خطورة أن الدول الكبرى لا تكتفي بالنظر في المرآة، ولا ترجئ بلوغ الأهداف وتحقيق الآمال، وإنما تنتهز الفرص وتحسن انتهازها.
    ويُخيَّل إليَّ أن الجامعة العربية تُحْسِن إلى نفسها وإلى أعضائها إذا أَلْقَتْ بينها وبين المرآة حجابًا صفيقًا، ونظرت إلى الحوادث من حولها بدل أن تنظر إلى نفسها، هنالك سترى أن الكيد يُكاد من حولها، وأنها توشك أن تتورط فيما يُنْصَب لها من شراك، وأن النتائج الطبيعية التي ستنتج عن إطالة النظر في المرآة، وعن كثرة التحدث عن النفس، والإعلان لما لا خير فيه، هي أن تستحكم حلقات النفوذ الأجنبي حول الشرق العربي، قد يجد منها مخلصًا، وأن تذهب قضية فلسطين ضحية للنظر في المرآة، والتحدث عن النفس، والاكتفاء بما يُنشَر هنا وهناك من كلام لا غناء فيه.
    إني لا أتمنى شيئًا كما أتمنى أن يكذب الذين كانوا يقولون إن الجامعة العربية لم تكن إلا خدعة بريطانية أُثِيرَ أمرها أثناء الحرب، فلما جاء السلم أُهْمِلَ أمرها إهمالًا.
    أتمنى أن يُكذَّب الذين يقولون هذا القول، وتكذيبهم سهل؛ لأنه في يد الجامعة العربية نفسها ألَّا تمعن النظر في المرآة، وأن تتجه إلى الشعوب العربية أكثر مما تتجه إلى الحكومات الأوروبية والأمريكية.

  • الديمقراطية والاستقلال

    الديمقراطية والاستقلال
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢ سبتمبر ١٩٤٥

    حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.

    وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.

    والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.

    فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.

    وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.

    والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.

    وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.

    وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.

    فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.

    ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.

    وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.

    وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.

    وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.

    فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.

    وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.

    ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!

    فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.

    وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.

    أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.

    فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.

    هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال.

  • مستقبل الاستعمار

    مستقبل الاستعمار
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٦ أغسطس ١٩٤٥

    كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …

    كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.

    وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.

    وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.

    وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …

    أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …

    وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.

    فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!

    ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.

    وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.

    ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.

    وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.

    وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.

    وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.

    وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.

    وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟

    هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.

    ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.

    فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.

    فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.

    هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.

    وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.

    والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب.

  • الدكتاتورية الدولية

    الدكتاتورية الدولية
    طه حسين
    جريدة الوفد المصري
    ٢٩ يونيو ١٩٤٥

    لم يتلقَّ الناس مؤتمر سان فرنسسكو بما كان ينتظر أن يتلقَّوه به من غبطة وابتهاج، ولم يتتبعوا أعماله بما كان ينتظر أن يتتبعوها به من عناية واهتمام. ثم لم يستقبلوا ميثاقه بما كان ينتظر أن يستقبلوه به من رضًا وحبور. وإنما أحاط بالمؤتمر قبل انعقاده وأثناء انعقاده وبعد انفضاضه جو غريب خانق من التشاؤم والشك، ثم من الحذر والخوف، ثم من اليأس والقنوط.

    وأسباب ذلك واضحة كل الوضوح، فقد كان المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في القرم تمهيدًا لسان فرانسسكو، وفهم الناس من هذا التمهيد أنه وضع للقواعد التي لا ينبغي للمؤتمرين في سان فرنسسكو أن يحيدوا عنها، وأنه فرض لإرادة المنتصرين الأقوياء على المنتصرين الضعفاء وعلى الذين لم يشتركوا في الحرب إلَّا حين كادت الحرب أن تنتهي. ومن أجل ذلك تمنعت فرنسا وترددت ورفضت ما عرض عليها من الاشتراك في الدعوة إلى المؤتمر، ولولا إشفاقها من العزلة وحرصها على المشاركة في كل عمل دولي رعايةً لمكانتها بين الدول الكبرى؛ لكان من الممكن أن تغلو في التردد والتمنع. فأمَّا غير فرنسا من الدول فقد أقبلت على المؤتمر كارهةً فاترةً كأنما كانت تساق إليه سوقًا، ودفعها إلى هذا الإقبال الاحتياط للمستقبل، والحذر من الحاضر، وحب الاستطلاع، ومجاراة القوي، والرغبة في أن يسمع العالم صوتها على كل حال.

    وزاد في هذه الشكوك التي ملأت الجو حول المؤتمر قبل انعقاده ما قرره الثلاثة من أن المشاركة في هذا المؤتمر مقصورة على الذين شاركوا من الحرب، وأن من شاء من المحايدين أو من غير المحاربين أن يشارك في هذا المؤتمر فليس أمامه إلَّا طريق واحدة، هي أن يعلن الحرب على دول المحور بعد أن أوشكت الحرب أن تنتهي في أوروبا.

    وكذلك دخلت تركيا ودخلت بلاد الشرق الأدنى ودخلت بعض الدول الأمريكية الجنوبية، وكان هذا كله نوعًا من الترغيب المريب أو نوعًا من الترهيب المخيف.

    ثم انعقد المؤتمر ولم يكد يتقدم في عمله حتى ظهر الخلاف بين الدول الأوروبية والأمريكية الكبرى في مسائل كثيرة، وحتى تبين للناس أن المهم الخطير من أعمال المؤتمر إنما يدبر من دون الأستار لا على مشهد من كافة المؤتمرين، وحتى تبين للناس أيضًا أن الأمر كله إنما كان يدور على تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى دون عناية ظاهرة بآمال الدول الصغرى.

    ومن أجل ذلك كان الخلاف يثور من حين إلى حين بين السكسونيين والروسيين، فيضطرب كل شيء ثم يقف كل شيء، حتى إذا استقامت الأمور وتراضى المختلفون جرت سفينة المؤتمر بريح مواتية. وكانت الدول الصغيرة ترفع صوتها بين حين وحين بهذا الرأي أو ذاك، فيسمع لها الكبار مبتسمين ثم يعرضون عنها مبتسمين، ثم يصرون على ما أرادوا مبتسمين، ثم تذعن الأمم الصغرى باسمةً مرة وعابسةً مرة أخرى، ولكنها تذعن على كل حال. ثم أتم المؤتمر عمله وأمضى ميثاقه؛ فلم تبتهج الأمم ولم تغتبط، وإنما قال المؤتمرون أنفسهم كلامًا يصور الغبطة والابتهاج. ثم تفرقوا وأُلقيَ الستار وجاءتنا الأنباء صباح اليوم من سويسرا بأن المحايدين والمحاربين في أوروبا تلقوا ميثاق المؤتمر في كثير جدًّا من الفتور.

    وكذلك اضطربت الدنيا أشهرًا ثم عادت إلى السكون، وكأنها لم تضطرب. وقيل للناس: إن عالمًا جديدًا سينشأ في سان فرنسسكو، ثم رأى الناس أن سان فرنسسكو لم تزد على أن أعادت تنظيم العالم القديم. فلقي الناس ذلك كله، لا أقول بالفتور كما تقول الأنباء التي جاءت من سويسرا، وإنما أقول: بالحزن والابتئاس. فقد كان الناس ينتظرون شيئًا كثيرًا من انتصار الديمقراطية، وكانوا واثقين بأنهم سيبلغون ما كانوا ينتظرون، ثم نظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولا يكادون يرجون أن يبلغوا شيئًا.

    وإذن، فلقد بذلت الإنسانية ما بذلت، واحتملت ما احتملت، وضحَّت ما ضحَّت؛ لا ليقوم العدل الشامل الكامل مكان الجور المرهق المهلك، ولكن ليحقق المنتصرون الأقوياء ما ينبغي أن يتحقق بينهم من توازن المصالح وتكافؤ المنافع. وإذا لم يكن بد من أن نلاحظ أن مؤتمر سان فرنسسكو قد أنشأ شيئًا جديدًا، فقد نستطيع أن نلاحظ أنه أنشأ الدكتاتورية الدولية الكبرى، وهي جديدة حقًّا لم تستطع الحرب الكبرى الماضية أن تنشئها، ولم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تنشئها؛ لأن أوروبا في أعقاب الحرب الماضية لم تخضع كلها لألمانيا، ولم يقم منها الإنجليز والأمريكيون والروس مقام المحررين المنقذين، وإنما كان النصر شائعًا، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبلجيكا مشاركة قوية؛ فكان لها أن تقول كلمتها. واستطاعت أوروبا أن تخلص بذلك الفوز الأعرج الذي لم يبلغ أن يكون ديكتاتورية ولا شيئًا يشبه الدكتاتورية. فأمَّا الآن فقد خضعت أوروبا كلها لألمانيا، وأقبلت الدول الثلاث عليها محررة منقذة، وتناست الدول الثلاث ما احتملت أوروبا وغير أوروبا من هول، فأملت شروطها على الأمم المحررة كما أملت شروطها على الأمم المغلوبة، وتحققت بذلك هذه الديكتاتورية التي جعلت أمور الأرض كلها إلى الثلاثة حين اجتمعوا في القرم، وإلى الثلاثة حين دبروا مؤتمر سان فرنسسكو، وإلى الثلاثة حين يجتمعون في برلين؛ ليقبلوا ما قُرِّر في سان فرنسسكو، وليضعوا القواعد التي ستفرض على مؤتمر الصلح حين ينعقد غدًا أو بعد غدٍ.

    من أجل هذا كله لم نكن مخطئين حين تمنينا أن يكون مؤتمر سان فرنسسكو لاحقًا لمؤتمر الصلح لا سابقًا له؛ لتقبل الأمم على هذا المؤتمر وقد عرفت ما لها وما عليها، فتقدم عن بصيرة وتحجم عن بصيرة. فأمَّا الآن فقد قيدت الأمم الصغيرة والمتوسطة بقرارات سان فرنسسكو، فلن تستطيع أن تكون حرة حين تملى شروط الصلح عليها وعلى المغلوبين. ومن أجل هذا كله لم نتردد في أن ننصح المصريين ونلح عليهم في النصح ألَّا يورطوا أنفسهم حتى يظفروا بحقهم كاملًا، ويخلصوا من هذه القيود التي فرضتها عليهم المعاهدة قبل الحرب، وزادتها الحرب قوةً وشدةً وثقلًا. ولكن الناهضين بالأمر لم يسمعوا ولم يحفلوا ومضوا أمامهم لا يلوون على شيء حتى أمضوا الميثاق فيمن أمضاه، ونظرنا فإذا مصر أمام مشكلات معقدة أشد التعقيد، وكان المغفور له أحمد ماهر باشا قد أنبأ البرلمان بأنه سيحاول حل المشكلات بين مصر وبريطانيا العظمى قبل انعقاد المؤتمر فأعجله الموت عن ذلك. ولسنا ندري ما صنع خلفاؤه، ولكنَّا نعلم أن الأمر بيننا وبين البريطانيين قائم كما كان، وأننا قد أمضينا الميثاق في سان فرنسسكو، فأضفنا مشكلات إلى مشكلات، وتعقيدًا إلى تعقيد.

    وإذا لم يكن بدٌّ من أن نمضيَ في النصح للمصريين سواء منهم من نهض بأعباء الحكم، ومن أعفي من أعباء الحكم، فإنَّا نلح عليهم أشد الإلحاح في ألَّا يبرموا هذا الميثاق ولا يغلوا وطنهم بما فيه من تبعات والتزامات قبل أن يخلِّصوا وطنهم من التبعات والالتزامات التي تفرضها عليه المعاهدة بيننا وبين الإنجليز.

    يجب أن يعلم المصريون — ومن الحق علينا أن نعلِمهم — أن الارتباط بما في ذلك الميثاق من القواعد والشروط سيسد الطريق علينا إذا أردنا أن نعيد تنظيم العلاقات بيننا وبين حلفائنا، وأبى حلفاؤنا أن يعيدوا النظر في هذا التنظيم. فلننظم هذه العلاقات أولًا، ولنمحُ كلَّ خلاف بيننا وبين الإنجليز، ولنمضِ بعد ذلك إلى ما يجب علينا من التعاون الدولي بمقتضى هذا الميثاق أحرارًا كرامًا، لا مكرهين ولا مقيدين.

    هل يعلم المصريون أن لحلفائنا أن يستبقوا جيشهم في مصر بمقتضى المعاهدة عشر سنين، حتى إذا انتهى الأمد جاز أن نفاوضهم في الجلاء؟

    وهل يعلم المصريون أن الميثاق يفرض علينا إن قبلناه أن نضع مرافقنا كلها تحت تصرف الأمم المتحدة — أي الدول الكبرى — إذا احتاجت ظروف السلم إلى ذلك؟

    وهل يعلم المصريون أن معنى هذا أن مصر قد تخضع لاحتلالين أحدهما بريطاني تقتضيه المعاهدة، والآخر دولي يقتضيه الميثاق؟

    وهل يعلم المصريون أننا إذا لم نفرغ من مشكلة السودان قبل إبرام الميثاق؛ فلن نستطيع أن نحل هذه المشكلة إلَّا برضا حلفائنا الإنجليز؟

    وهل يعلم المصريون أن جامعة الأمم العربية التي فرحوا بإنشائها وحرصوا على تأييدها لن تستطيع أن تدفع العدوان عن نفسها أو عن أحد أعضائها بالقوة إلا أن يأتي هذا العدوان من ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، فأمَّا إن جاء هذا العدوان من إحدى الدول المنتصرة، فلن يكون إلى دفعه سبيل إلَّا إن رضي المعتدي؟

    هذه أشياء يجب أن يعلمها المصريون، ويجب على قادة الرأي أن يبصِّروهم بها تبصيرًا؛ ليعلموا إلى أين يُساقون، وليعلموا لأي خطر يتعرضون. وهذه أشياء تعرفها الحكومة حق المعرفة، وسيعرفها البرلمان يوم تعرض عليه حق المعرفة. والقائمون بأعباء الحكم والمدبرون لأمور الدولة في الوزارة وفي البرلمان مصريون قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. فلسنا نطلب إليهم شيئًا كثيرًا ولا غريبًا، ولسنا نكلفهم شططًا ولا نرهقهم عسرًا إن طلبنا إليهم ألَّا يبرموا هذا الميثاق حتى يحلُّوا ما بيننا وبين الإنجليز من المسائل المعلقة حلًّا يلائم كرامة الشعب ويحقق رضاه ويكفل له مستقبلًا حرًّا كريمًا.

    والشيء الذي نستطيع أن نؤكده مطمئنين كلَّ الاطمئنان إلى أننا غير مخطئين، هو أن الشعب لن يقر هذا الميثاق ولن يرضى عن الذين يقرونه إلَّا إذا حُلَّت المسائل المعلقة بيننا وبين الإنجليز قبل إبرامه حلًّا كريمًا يكفل له حقه في الحرية الكاملة والاستقلال التام في جميع أقطار وادي النيل.