مواعيد
طه حسين
جريدة البلاغ
٣٠ أغسطس ١٩٤٥
يجب أن يعترف المصريون بأن الله قد أتاح لهم في هذه الأيام سادة كرامًا يسودونهم بالرفق، وقادة عظامًا يقودونهم إلى المجد، وأطباء بارعين يطبُّون لنفوسهم وقلوبهم من هذه الأمراض الخطيرة التي تعرض للشعوب في أوقات الخطر والخوف والاضطراب. ونظرة يسيرة إلى ما يحدث من حولهم في أقطار العالم القريبة والبعيدة، تبيِّن لهم ذلك في وضوح، وتظهره لهم في جلاء.
فالعالم كله خائف وهم آمنون، والعالم كله مضطرب وهم هادئون، والعالم كله متردد بين الجزع واليأس وهم مطمئنون، قد مُلئت قلوبهم ثقة، وفُتحت لهم أبواب من الأمل المشرق المضيء. وليس لهذا كله مصدر إلا أن سادتهم كرام يسودونهم بالرفق، وقادتهم عظام يقودونهم إلى المجد، وأطباءهم بارعون يردون عنهم أمراض النفوس والأجسام جميعًا.
وقد عرف هؤلاء السادة الذين يحكموننا على خير ما تُحكم الشعوب، أن الأحكام العرفية مرض خطير ينهك الأجسام، ويفسد القلوب، ويضعف النفوس، وأن علاجه لا يكون بالأدوية العنيفة، وأن الإقلال منه لا ينبغي أن يأتي فجأة، ولا أن يلم دون تمهيد له متصل، وانتظار له طويل، وأن الخير كل الخير في أن يعالج هذا المرض الخطير شيئًا فشيئًا؛ يؤخذ الطب له باللين والرفق، ويكون السعي له بالأناة والمهل. ذلك أحرى أن يكون الدواء ناجعًا، والشفاء قاطعًا، واسترجاع الصحة والقوة مقطوعًا به، وذلك أحرى أن يأمن المريض النكسة، وينفذ من هذه العقابيل الخطرة التي توشك أن ترده إلى شر مما كان.
وقد أحس سادتنا وقادتنا وأطباؤنا منذ أوائل هذا العام أن حمَّى الحرب قد أخذت تخف شيئًا فشيئًا، وأن مرض الأحكام العرفية يجب أن يخف شيئًا فشيئًا، فاصطنعوا في علاجنا رفقًا لا يشبهه رفق، واحتياطًا لا يعدله احتياط. عللونا بالوعود أول الأمر، وهم صادقون إذا قالوا، منجزون إذا وعدوا، وافون إذا عاهدوا؛ فصدقناهم واطمأننا إلى وعودهم وعهودهم. وأخذت الآمال تتراءى لنا من بعيد، تبسم لنا عن ثغور كأنها اللؤلؤ المنضود، وترمقنا بعيون كأنها السهام النافذة، ولكنها سهام الحب والرحمة والأمن والسلام. وجعلت قلوبنا تخفق لذلك رضًا وابتهاجًا، وجعلنا ننظر إلى هذه الآمال التي تتراءى وتتناءى، مشغوفين حراصًا عليها.
وجعل سادتنا وقادتنا وأطباؤنا ينظرون إلينا من بعيد، يبسمون حين يرون ما تبعث الآمال في نفوسنا من الحياة، ويضحكون حين يرون ما تشيع الثقة فينا من الغرور، ويقول بعضهم لبعض: ألا ترى إلى هذا الشعب النحيل الضئيل العليل! إن الحياة قد أخذت تدب فيه قليلًا قليلًا، ولكنه أضعف من أن يحتملها إلا إذا تقدمت إليه بمقدار؛ فلنبالغ في الرفق به، والاحتياط له، ولنمنحه الحرية، قطرة قطرة، وقطرتين قطرتين، وقطرات قطرات؛ حتى نعوده الحرية بعد أن بعد عهده بها ونمرنه على القوة بعد أن طال فراقه لها، وكذلك عشنا على الوعود أيامًا وأيامًا، وأسابيع وأسابيع.
ثم أحس قادتنا وأطباؤنا أننا أصبحنا قادرين على أن نحتمل القطرة الأولى من قطرات الحرية، فخففوا الرقابة على الصحف تخفيفًا يسيرًا ظاهرًا، وأقاموا ينظرون إلينا ويرقبون ما نأتي وما ندع. ثم قال بعضهم لبعض: يظهر أن المريض ما زال ضعيفًا لا يحتمل هذه القطرة التي قدمت إليه، فلنرده إلى الأمل، ولنداوه بالرجاء، ولنعلله بالوعود؛ مخافة أن ينتكس. وإذا الرقابة ترد كأعنف ما كانت أيام البأس، وإذا الآمال تعود فتتراءى للمريض باسمة، وتتناءى عنه معرضة، والمريض راضٍ بالأمل، قانع بالوعود، واثق بروح الله ورحمة الأطباء.
ثم تضع الحرب أوزارها في أوروبا، وتسترد الشعوب حرياتها كاملة، ويعبث الغرور بنفس الشعب المصري المريض، فيظن أن حريته سترد إليه كما رُدَّت إلى غيره. ولكن سادته يعلمون من أمره ما لا يعلم، ويقدرون قوته على الاحتمال خيرًا مما يقدرها هو. فهم يمسكون الحرية على عنف، ويمنعونها من أن تسعى إلى هذا الشعب المريض؛ مخافة أن تقتله، وهم يمسكون الشعب على عنف مخافة أن يسعى إلى الحرية فيقتل نفسه. وهم يكتفون بأن يأذنوا للشعب وللحرية في شيء من تبادل اللحظ على بعد، ومن تبادل الإشارة في أناة وحذر وتحفظ؛ حتى إذا مر شهر وشهر وتبيَّن لسادتنا الكرام، وقادتنا العظام، وأطبائنا البارعين، أن تبادل اللحظ، وتقارب الإشارة، وطموح أحد العاشقين إلى صاحبه لا يؤذي ولا يُعرِّض لمكروه؛ قال بعضهم لبعض: نستطيع الآن أن نعيد إلى المريض قطرة الحرية تلك التي قطعناها عنه، ذلك أجدر أن يرضيه ويلهيه، وأحرى أن يريحنا ويريحه من هذا الصياح المزعج الطويل.
وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان، كما يقبل الطبيب ذات يوم على المريض باسمًا متكلفًا إشراق الوجه، ورشاقة الحركة، وطلاقة اللسان. وقال رئيس الوزراء للبرلمان في مزاح يشبه الجد، وفي جد يشبه المزاح: لقد قررنا رد الحريات إلى الشعب فله أن يقول ويكتب، ويخطب ويجتمع وينتقل، ولكنه يحسن به أن يكون في هذا كله معتدلًا مقتصدًا رفيقًا بنفسه شفيقًا عليها. كما يقول الطبيب للمريض: أمَّا اليوم فقد جئتك بنبأ عظيم؛ سآذن لك في قليل من حساء، وفي شيء من حركة، وفي أن تجلس في سريرك، أو على مقربة منه ساعة من نهار، ولكن احذر أن تتجاوز الحد الذي رسمته لك، فتشق على نفسك، وتضطر إلى النكسة، ثم إلى ما كرهت من مرض طويل، وألم ثقيل ودواء بغيض.
وقد فرح الشعب بجرعة الحرية التي أذن له بها رئيس الوزراء، كما يفرح المريض بقدح من الحساء الذي يأذن به الطبيب. ولكن رئيس الوزراء كان مازحًا يتكلف الجد، أو كان جادًّا يضمر المزاح، فلم يكد الشعب يذوق الحرية؛ حتى نطق وهمَّ أن يتحرك. وخاف رئيس الوزراء على الشعب حريته الضئيلة، وحركته اليسيرة، فنظر إليه مشفقًا عاطفًا رحيمًا، ثم أمر به فرد إلى حيث كان ينبغي أن يستقر؛ لأنه تبيَّن أنه لم يبلغ من القوة بعد ما يمكِّنه من الكلام في غير رقابة، فقامت النيابة مقام الرقابة. وليس المهم أن تستقر الرقابة في وزارة الداخلية، وهي ما زالت مستقرة فيها، وليس المهم أن يختلف الرقباء إلى دور الصحف وهم ما يزالون يختلفون إليها، وإنما المهم أن يعاقب المتكلم إذا تجاوز الحد المرسوم، وهو والحمد للَّه يعاقب على سعة، ويضايق في رخاء إن أمكن أن يجتمع الضيق والرخاء. فتحقيق في الضحى، وسجن في المساء، وإطلاق من السجن اليوم، وعودة إلى السجن غدًا، وحرية تُمنح على أن يرتهن في سبيلها هذا المقدار القليل أو الكثير من المال، وتفتيش لدور الصحف، وتفتيش في دور الصحفيين. كل ذلك لأن الشعب ما زال مريضًا، لم يسترد قوته بعد، ليستمتع بالحرية كما تستمتع بها الشعوب التي برئت من المرض، وتم لها الشفاء.
والإقليم المصري معتدل فيما يقول الناس، يستمتع أهله بصحو الجو، وصفو السماء، وبهذا الليل الذي يخفف من قيظه، وبهذا البحر أو بهذين البحرين اللذين يجعلان الحياة فيه نعيمًا مقيمًا، كذلك يقول الناس إذا تحدثوا عن إقليم مصر، وكذلك يكتبون في الكتب، ولكنهم واهمون كل الوهم ما في ذلك شك، وآية ذلك هذا الشقاء الذي يتجرعه المصريون في هذا القيظ المهلك، وهذا الصيف الممض.
وكذلك الحال بالقياس إلى الشعب المصري، يُقال: إنه صحيح قوي ذكي نشيط، وتقول الحقائق الواقعة: إن حظه من المرض أعظم من حظه من الصحة، وإن نصيبه من الضعف أضخم من نصيبه من القوة، وإن قسمته من الغفلة أكثر من قسمته من الذكاء، وإن ما اضطر إليه من الفتور أشد مما أتيح له من النشاط. فهو شعب خامد هامد، وخامل ذابل، لا يحتمل الخطوب حين تلم، ولم ينفذ من المشكلات حين تشتبك، وإنما ينظر إليها قائمًا واجمًا ساهمًا كأنما يتخبطه الشيطان من المس، وقد عرف سادتنا وقادتنا وأطباؤنا خصائص الإقليم المصري، وخصائص الذين ينعمون بالحياة في هذا الإقليم، فساسوهم كما ينبغي أن يساسوا بكثير من الرفق، وقادوهم كما ينبغي أن يقادوا في كثير من التمهل، وعالجوهم كما ينبغي أن يعالجوا في كثير من الاحتياط.
فلا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الأحكام العرفية تُلغى في أقطار الأرض كلها، وتبقى في مصر؛ لأن مصر لا تحسن الإسراع إلى الشفاء من مرض الأحكام العرفية، ولأن الشفاء لا يحب الإسراع إلى مصر، فمصر معتدلة تؤثر السيطرة على السرعة، وتكره العجلة؛ لأنها من الشيطان. ولا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الإنجليز يضيقون بتلكؤنا وإبطائنا فيفاوضون حكومتنا في إنهاء الأحكام العرفية بالقياس إلى رعاياهم على الأقل، إذا كنَّا نحن نحب الأحكام العرفية ونحرص عليها! لا ينبغي أن ندهش لذلك؛ فالإنجليز يقيمون في إقليم بارد لا تأخذه الصحراء من الشرق والغرب، ولا تصب الشمس عليه حرَّها، كأنه ذوب الرصاص المصهور. بل لا ينبغي أن ندهش إذا رأينا السودان يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على الصحف، ثم يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على البريد، ثم يسبقنا إلى استئناف الحياة التي كان يحياها قبل الحرب! فالذين يشرفون على أمور السودان أعلم بشئونه وطاقته، وحسن استعداده للحرية منَّا نحن إخوانه المصريين. وحلفاؤنا الإنجليز الذين يدبرون أمر السودان سواء رضينا أم كرهنا، إنما يدبرونه بعقولهم، وطبائعهم الإنجليزية التي لا تتأثر بالإقليم الأفريقي، وإنما تتأثر بالإقليم البريطاني، والتي تعالج الأمراض على أصول الطب الإنجليزي، لا على أصول الطب المصري.
مهما يكن من شيء فقد وضعت الحرب أوزارها في الشرق بعد أن وضعت أوزارها في الغرب، وردَّت الحرية إلى الشعوب، وأسرعت الشعوب إلى الحرية. وظل الشعب المصري مريضًا ينظر إلى سادته وقادته وأطبائه، ويقول بعضهم لبعض: أتظن أنه يستطيع أن يحتمل جرعة أخرى من الحرية؟! فيرد بعضهم على بعض: إن الأناة خير من العجلة، وإن الاحتياط خير من المغامرة. ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:
قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غرة زلجا
يقول قائلهم: ولكن الإنجليز يطالبون بإعفاء رعاياهم من الأحكام العرفية، وما يستقيم لنا أن نعفيهم من دون المصريين. فيرد قائل آخر: سنعفيهم جميعًا، ولكن بعد أن نأخذ للأمر أهبته، ونعد له عدته. والغريب أنهم لم يأخذوا للأمر أهبته، ولم يعدوا له عدته في هذه الأشهر العشرة التي أنفقوها في الحكم، وإنما بدا لهم أن من الممكن اتخاذ الأهبة وإعداد العدة، بعد أن وضعت الحرب أوزارها في الشرق والغرب جميعًا، وبعد أن أُعفي السودان من الأحكام العرفية.
والشعب المصري المريض يصيح ويصيح، ويملأ الجو صياحًا، ويكاد يؤرق ليل السادة والقادة والأطباء. ولا بد من أن يستريح سادتنا وقادتنا وأطباؤنا في الليل على الأقل؛ لأنهم يشقون في النهار بالأعمال الكبرى.
لا بد إذن من أن يعلل الشعب لعل صياحه أن ينقطع، ولعل السادة أن يستريحوا. وما أيسر تعليل الشعب!
نظرة أخرى من الحرية تُهدى إليه في كثير من الاحتياط، وقد فعل مجلس الوزراء فتفضل — وله الشكر كل الشكر، وعليه الثناء كل الثناء — فوقف الرقابة على البريد. ولا نقول ألغاها؛ لأنه لم يلغها كما أنه لم يلغِ الرقابة على الصحف، وإنما وقفها وقفًا يمكن الرجوع فيه إلى أن تُلغى الأحكام العرفية في شهر سبتمبر بعد عيد الفطر إن شاء الله. وشهر سبتمبر يمكن أن يحتمل إلغاء الأحكام العرفية في آخره وفي أوله وفي وسطه، ويمكن ألا يحتمل هذا الإلغاء، وأن يلقي حمله الثقيل على شهر أكتوبر، فلا بد من اتخاذ الأهبة، وإعداد العدة، والاحتياط لطوارئ التموين، وطوارئ غير التموين، ومن الممكن أن يستأنف المريض صياحه، ويؤرق السادة، والقادة، والأطباء، ولا بد لهم من أن يناموا بعد طول اليقظة، ومن أن يستريحوا بعد طول العناء.
وإذن، فالدواء قريب يسير: كلمة تُقال فتستقيم الأمور، وتجري على خير ما يحب الحاكمون والمحكومون.
أتذكر القصيدة التي قالها المتنبي منذ ألف عام، والتي استعرت مطلعها في حديث الأحد الماضي؟ يحسن أن تقرأ هذه القصيدة، فستجد فيها بيتًا وصف المتنبي فيه نفسه، وأؤكد لك أن المصريين المعاصرين لم يوصفوا قط بأصدق، ولا أروع، ولا أبعث للحزن والأسى من هذا البيت:
أمسيت أروح مثرٍ خازنًا ويدًا أنا الغني وأموالي المواعيد
Tag: السخرية السياسية
-
مواعيد
-
هل أزفت ساعة الوداع؟
هل أزفت ساعة الوداع؟
طه حسين
جريدة البلاغ
١٤ أغسطس ١٩٤٥
يُقال إن مجلس الوزراء قد نظر في إلغاء الأحكام العرفية أثناء اجتماعه الأخير، ويقال إنه لم يكتفِ بالتحدث في ذلك، وإنما أخذ يمهد له تمهيدًا عمليًّا لا أعرف كيف يكون، ولكن يظهر أن الحكومة المصرية تنتظر أن يصل إليها نبأ الاستسلام الياباني بغير شرط ولا قيد؛ لتعلن إلغاء الأحكام العرفية.
وهذا شيء حسن من غير شك، فستُرَدُّ مصر إذن إلى حياتها الطبيعية التي لا تخضع للحكم العسكري، والتي لا تُحَدُّ فيها حريات الأفراد والجماعات إلا بالحدود التي رسمها القانون العام.
وقد ذاقت مصر مرارة الأحكام العرفية وحلاوتها منذ ١٩٣٩. فمن الطبيعي أن تسأم مصر هذه المرارة وهذه الحلاوة، وأن تطمح إلى حياتها الأولى التي لا تبلو فيها إلا صرامة القانون، والتي لا يخشى الأفراد فيها على حريتهم ما يكون من تقدير الحاكم العسكري العام أو الحاكم العسكري الخاص، وما يتأثر به تقدير الحاكم العسكري من اختلاف الأمزجة بين حكامنا العسكريين، ومن اختلافهم في التأثر بالأشياء، وفي فهمهم لها وحكمهم عليها، واستخلاصهم لما يستخلصون من النتائج.
وقد يكون من الغريب أن يُقال إن مصر قد ذاقت حلاوة الأحكام العرفية؛ فالمستقر في نفوس الناس أن الأحكام العرفية شر لا بد منه، ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن الشر مُرٌّ كله، وأنه يخلو من بعض الخير؟!
ومن الخير الذي قد يشتاق إليه الذين يشكون من الأحكام العرفية الآن، ويتمنون أن تُزال وتُلغى، هذه الرقابة السعيدة التي نَعِم المصريون بها أعوامًا، والتي أتاحت لهم أن يعيشوا عيشة راضية مريحة لا جهد فيها ولا عناء، لا يعلمون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يعلموا، ولا يجهلون من الأمر إلا ما تريد الحكومة أن يجهلوا.
قد بُسِطَ عليهم ظل ملؤه العطف والحب والرحمة والحنان، يحميهم من تهويل الشركات التي تنشر أنباء السوء في أوقات الخطر فتملأ النفوس جزعًا وهلعًا، والتي تنشر الأنباء المترددة بين الخير والشر فتملأ النفوس قلقًا وفرقًا، وتحميهم من هذا الراديو الذي يذيع ما يذيع، ويشيع ما يشيع، فيسر قليلًا ويسوء كثيرًا ويقلق دائمًا، وتحميهم من هؤلاء الصحفيين الذين يندسون هنا وهناك، يضعون أصابعهم في آذانهم ولكنهم يسمعون؛ كأن الطبيعة قد ركَّبت لهم آذانًا سرية لا تُرى ولكنها تسجل كل شيء! ثم يعودون بأخبارهم هذه المقلقة المخيفة أو المثيرة للخواطر كما يقول أصحاب القانون؛ فينشرونها في صحفهم، وإذا النفوس قلقة، وإذا القلوب مضطربة، وإذا الحياة جحيم أو شيء يشبه الجحيم.
في ظل هذه الرقابة السعيدة كانت مصر ناعمة سعيدة راضية البال، تصبح راضية وتمسي راضية، وتجهل ما تجري به الأقدار من الأحداث والكوارث، وكان الناس فارغين لأعمالهم، مشغولين بذوات أنفسهم، يعكفون على منافعهم مصبحين، ويفكرون في منافعهم ممسين، قد تركوا عواقب الأمور وضمائر الأيام للحكومة التي تستأثر بها، وتحتجزها احتجازًا، وتظهر للناس منها ما تريد، وتخفي على الناس منها ما تريد.
ثم كانت مصر سعيدة راضية تجهل حقائق الأشياء، فيُتاح لخيالها أن يخترع من الحوادث والخطوب ما يُغْنِي عن تلك الحقائق التي تجهلها. وأي شيء ألذ من أن يفوتك الحق فتكلف الخيال أن يخترع مكانه شيئًا تنكره أول الأمر، ولكنك ما تزال تفكر فيه حتى تطمئن إليه؟! وإذا أنت تصدقه وتراه حقًّا، ثم تذيعه وتقنع الناس بأنه الحق، وإذا أنت تعيش، وإذا الناس يعيشون من حولك عيشة ملؤها الوهم وقوامها الاختراع، عيشة تأتلف من الأحلام كما تأتلف من الأحلام عيشة الأطفال السعداء.
كل هذا كان من الآثار السعيدة التي كانت الرقابة تمن بها علينا، والتي انكشف عنها بعضها منذ وقف مجلس الوزراء هذه الرقابة في يونيو الماضي، فابتأسنا أشد الابتئاس وشقينا أعظم الشقاء. عبثت بنا أنباء الشركات البرقية، ولعبت بعقولنا مهارة الصحفيين، وظهرت لنا الحقائق بغيضة بشعة لا تؤدي إلى القلب راحة، ولا إلى النفس أمنًا، وإنما هي تخيف حينًا وتتعب حينًا آخر، ولا تسر بحال من الأحوال.
في أيام الرقابة السعيدة، كان الوزراء يخطئون ويصيبون، وكانوا يسيئون ويحسنون، وكانوا يظلمون ويعدلون، ولكن الرقابة كانت تخفي علينا خطأ الوزراء وتظهر لنا صوابهم، وكانت تطوي عنَّا إساءة الوزراء وتنشر لنا إحسانهم، وكانت تلقي بيننا وبين ظلم الوزراء أستارًا كثافًا، وتنشر بيننا وبين عدل الوزراء أنوارًا وهَّاجة رائعة؛ فكنَّا مطمئنين ناعمين واثقين بأن أمورنا تجري على خير ما يمكن أن تجري عليه أمور الناس: صواب دائم، وإحسان متصل، وعدل شامل كامل.
فلما وقفت الرقابة رأينا وزراءنا وأعوانهم كما يرى الناس بعضهم بعضًا، فرأينا الخطأ الذي كان يُخفى علينا، ورأينا التورط في الإساءة حينًا والتجاوز عن العدل حينًا آخر؛ فضقنا وأنكرنا، وغضب الوزراء لضيقنا وإنكارنا، وساءت الصلات بيننا وبين حكامنا، وكانت خليقة ألا تسوء لو لم يعلن رئيس الوزراء في يوم من الأيام أمام البرلمانيين أنه قد قرر وقف الرقابة إلا فيما يتصل بالشئون العسكرية.
هذا العنف الذي شبَّتْ ناره بين الحكومة والصحف المعارضة كان بعيدًا عنَّا أشد البعد، وكانت نفوسنا بريئة منه كل البراءة؛ حتى إذا خطر هذا الخاطر الغريب لمجلس الوزراء رُدَّت نفوسنا إلى عنفها، وإذا الصحفيون يبحثون وينقبون وينشرون، وإذا نحن نقرأ فنغضب كثيرًا ونضحك قليلًا، ونطالب أحيانًا باستقالة هذا الوزير وأحيانًا باستقالة ذاك، ونلح دائما في استقالة الوزارة كلها. وإذا الوزراء مثلنا يغضبون كثيرًا ويضحكون قليلًا، ويتمكنون من مجالسهم على كراسيهم مخافة أن تضطرب بهم هذه الكراسي فيسقط منهم من يسقط، ويُقال منهم من يُقال.
ثم لم يقف الشر عند هذا الذي ثار بيننا وبين وزرائنا من سوء رأينا فيهم وسوء رأيهم فيهم، وإنما أصاب الشر فريقًا منَّا كان هادئًا مطمئنًا قبل أن تُلغى الرقابة. أصاب الصحفيين أولًا؛ فالوزراء ناس من ناس يستطيعون أن يحلموا عند الغضب، وأن يصفحوا عند الموجدة، ولكنهم ناس من الناس يخرجون عن أطوارهم أحيانًا، ويخطئهم الحلم بين وقت ووقت، ولا يواتيهم الصفح حين يجد الجد، وقد جردهم مجلس الوزراء من سلطان الرقابة، ولكنه لا يستطيع أن يجردهم من حق الشكوى إلى النيابة؛ فهم إذن يشكون والنيابة تنشط، والتحقيق يبدأ اليوم لينتهي أو لا ينتهي، وأبواب السجن تُفتَح للحبس الاحتياطي.
وصوِّر أنت لنفسك ما ينشأ عن هذا كله من العناء، عناء الصحفيين الذين يرهقهم التحقيق ويؤذيهم السجن، وعناء النيابة التي يرهقها السؤال والجواب والأخذ والرد في أشياء لعلها لا تحب أن تشقى قليلًا أو كثيرًا، وعناء المحامين الذين يشهدون التحقيق إن أُذِنَ لهم بشهوده، ويتحرقون غيظًا إن رُدُّوا عن شهوده، ويقدمون المعارضات من الحبس، ويترافعون أمام القضاة فيطلقون المسجونين أحيانًا، ويعجزون عن ذاك أحيانًا أخرى، وعناء القضاة الذين يُضيِّعون أوقاتهم في قراءة أشياء لعلهم يؤثرون عليها قراءة أشياء أخرى.
كل هذا؛ لأن رئيس الوزراء تأثر بما كتب له بعض الكُتَّاب، أو قال له بعض الشيوخ فوقف الرقابة، ولو أنه تركها يظلنا بظلها الوارف لأراح واستراح.
ولكن الشر ليس مقصورًا على هؤلاء؛ فللصحفيين أسر تشقى بشقائهم وتسعد بسعادتهم، وكانت هذه الأسر راضية مطمئنة في ظل الرقابة، فقد أصبحت قلقة وَجِلة، ينصرف عنها عائلها أول النهار فلا تدري أيعود إليها آخر النهار أم لا يعود.
وهناك طائفة من الموظفين في المصالح والدواوين علَّمتهم الرقابة أن يؤثروا فضيلة الصمت، وأن يكتموا أسرار الحكومة ويضنوا بها على غير أهلها. فلما وقفت الرقابة عادت ألسنتهم إلى الطول، ولعبت بهم مهارة الصحفيين، فصرَّحوا حينًا ولمَّحوا حينًا آخر، واستغل الصحفيون تصريحهم وتلميحهم، ثم اتهمهم الرؤساء فصبُّوا عليهم البلاء، وشقي بذلك الأبرياء من أبنائهم وبناتهم ونسائهم الذين كانوا آمنين مطمئنين، فلما وقف رئيس الوزراء هذه الرقابة السعيدة جعلهم جميعًا نهبًا للقلق والخوف.
ومن المحقق أن رئيس الوزراء وزملاءه لم يكونوا يفكرون في هذا كله، وإنما كانوا يصدقون أولئك الكتَّاب الذين كانوا يقولون لهم أن الرقابة شر، ويطالبونهم بإلغائها. ولو أنهم فكروا في كل هذه العواقب، وتدبروا كل هذه النتائج؛ لأطالوا التروِّي قبل أن يُقْدِموا على هذه الخطوة الخطيرة، وبلغوا رقابتنا السعيدة.
وقد تقول إن الرقابة شر هذا لا شك فيه، وإنها شر لا بدَّ منه حين تدعو إليه ضرورات الحرب، وإن الديمقراطية الصحيحة تقتضي أن يكون الناس أحرارًا في نقد الوزراء والرؤساء. فإذا أراد الوزراء والرؤساء أن يتجنبوا النقد ويأمنوا شره، فما عليهم إلا أن يحسنوا الحكم، ويؤثروا العدل، ويتوخوا الإنصاف.
قد تقول هذا كله، ولكنك تعلم أن هذا كله كلام لا غناء فيه؛ فالديموقراطية الصحيحة خيال لم يتحقَّق بعد في مصر على أقل تقدير، والوزراء الذين يُجنِّبون أنفسهم النقد بإيثار الحكم الصالح والعدل الشامل والإنصاف المتصل أشخاص قد نراهم في الكتب وأحاديث القصاص.
والواقع أن الوزير لا يكون وزيرًا إلا إذا عرَّض نفسه للنقد بتجاوز هذا الحق أو كثيرًا. وما قيمة السلطان إذا لم يُتِحْ لصاحبه شيئًا من الاستبداد؟! والعاجز من لا يستبد، كما قال ابن أبي ربيعة!
فليس على الوزراء بأس من أن يستبدوا، وليس على الصحفيين بأس من أن ينقدوا، وليس على النيابة بأس من أن تحقق، ولا على السجون بأس من أن تتلقى الكُتَّاب!
ولا بد مما ليس منه بد. فقد جرت حياتنا على هذا النحو، فأما أن نقبل الأشياء كما أراد الله أن تكون، وإما أن نرغب إلى رئيس الوزراء مُلِحِّين عليه في أن يتفضل فيطلب إلى مجلس الوزراء إعادة الرقابة ليريح ويستريح، فمصر قد ألفت الرقابة واطمأنت إليها، وهي كالمتنبي لا تسلو إذا ألفت وتسأم إذا أحبت، وكان المتنبي يزعم أنه ألوف لورد إلى الصبا آسف على الشيب. فنحن كالمتنبي، نُرَدُّ الحرية فنأسف على الرقابة! فليمسك علينا رئيس الوزراء رقابته فإنها أضمن للأمن وأكفل للعافية.
وقد أعلن رئيس الوزراء أنه أباح الاجتماعات، والحمد لله على أنه قد أباحها في القول ولم يُبِحْها في العمل، الحمد لله على أن منع رئيس الوفد من السفر إلى بورسعيد فجنَّب جيوش الحلفاء خطرًا عظيمًا، وجنَّب مصر غضب الدول الثلاث الكبرى التي تحارب اليابان حربًا لا هوادة فيها، وجنَّب رئيس الوفد نفسه احتمال هذه التبعة الخطيرة، ثم جنَّب كثيرًا من المصريين تحقيق النيابة، والحبس الاحتياطي … إلى آخر هذه القصص التي لا تنتهي.
ويُقال لنا اليوم إن مجلس الوزراء يُمهِّد لإلغاء الأحكام العرفية، ولإلغاء الأحكام العرفية كلها. هل يُقدِّر المصريون معنى هذه الجملة؟! هل يعلم المصريون أن إلغاء الأحكام العرفية كلها إلغاءً تامًّا صحيحًا سيرفع عن رئيس الوزراء صفة الحاكم العسكري، وسيحظر عليه إعادة الرقابة إن أراد أن يعيدها رحمةً لنا وبرًّا بنا وعطفًا علينا، وسيحرمه القدرة على منع رئيس الوفد من التنقل والزيارات وإلقاء الخطب والاستماع لها؟! هل يُقدِّر المصريون أننا مُعرَّضون لهذا الخطر الهائل، وأننا سنصبح أحرارًا نقول ما نشاء ونفعل ما نشاء، لا نتعرض إلا لأحكام القانون العام؟! ألا يشفق المصريون من هذا الخطر؟! أيجدون من أنفسهم الشجاعة في مواجهته؟!
أمَّا أنا، فمشفق منه أشد الإشفاق، خائف منه أشد الخوف، ولو علمت أن رئيس الوزراء يقبل مني النصح لطلبت إليه ألا يتعجل في إلغاء الأحكام العرفية، كما أنه لم يتعجل في طلب الحقوق المصرية إلى الإنجليز، وأن يرى أن مصر تستطيع أن تصبر على انتقاص استقلالها الخارجي والداخلي حتى تسنح الفرصة؛ فمصر تستطيع أن تصبر على انتقاص حريتها، وبقاء الأحكام العرفية حتى تسنح الفرصة!
وأؤكد لرئيس الوزراء أن المصريين لا يُطاقون حين ترد إليهم الحرية! فسيقولون ويكثرون القول، وسيصيحون ويكثرون الصياح، وسيجتمعون فيسرفون في الاجتماع، وسينتشر أعضاء الوفد في أقطار الأرض، هذا يخطب في الشرق، وهذا يخطب في الغرب، وكلهم يدعو إلى استفتاء الشعب ورد الحكم إلى الأغلبية الصحيحة، وكلهم يدعو إلى المطالبة بالاستقلال الكامل الشامل. فما نحن وهذا العناء؟! ولِمَ لا نغلق هذا الباب الذي إن فُتِحَ لم نَدْرِ من الذي يدخله، ومن الذي يخرج منه.
عليَّ أن أجد في نفسي شيئًا من العزاء إن صمم رئيس الوزراء على إلغاء الأحكام العرفية؛ فلم تكن الأحكام العرفية قائمة حين وقف الدستور ثلاثة أعوام قابلة للتجديد، ولم تكن قائمة حين أُلْغِيَ الدستور ووُضِعَ مكانه دستور آخر، ولم تكن قائمة في عهود الانقلاب على اختلافها. ومع ذلك، عرفت الوزارات في تلك العهود كيف تعقل الألسنة، وتفلُّ الأقلام، وترسل الناس إلى السجون، وتمنع الخصوم من النشاط؛ فإذا لم يجد رئيس الوزراء بُدًّا من إلغاء الأحكام العرفية، فلا أقل من أن ينظر في تاريخنا القريب جدًّا، ولا أقل من أن يتأسَّى بالذين ساسوا مصر سياسة حزم وعزم، وضربوا على أيدي الذين يريدون أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه. وصدقي باشا حيٌّ موفور الصحة والحمد لله، وهو يستطيع أن يسدي النصح، ويهدي المشورة القيمة.
فأما إذا أبى رئيس الوزراء إلا إلغاء الأحكام العرفية، وإلا الإعراض عن سيرة صدقي باشا وأمثاله من أولي العزم والحزم، فإني لا أحتمل تبعة ما ستتعرض له الوزارة، وما سنتعرض نحن له من الأمور الجسام.
فليختر رئيس الوزراء بين أمرين لا ثالث لهما: الحزم والعزم والقوة والبأس من جهة، أو الاختلاف والخصومة ثم الاستقالة، وما يكون بعدها من الخطوب.
أما بعد، فإني أؤثر في غير مزاح هذه المرة أن تبقى الأحكام العرفية على ما فيها من شدة وحرج، على أن تُلغى الأحكام العرفية من القول، وتبقى في العمل. فإذا كان النقراشي باشا يريد أن يلغي الأحكام العرفية حقًّا، وليس له من ذلك بد، فليُعْطِ على نفسه عهدًا أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام شعبه بأنه لن يُغيِّر في أحكام الدستور، ولن يُكلِّف القوانين ما لا تطيق، ولن يسير في الحكم سيرة قوم يعرفهم حق المعرفة؛ لأنه ذاق من بأسهم وبطشهم ما لا نحب أن يذيقنا مثله حين صار الأمر إليه. -
شيخ البحر
شيخ البحر
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٩ يوليو ١٩٤٥
لا أكاد أذكر الظروف التي ألجأت السندباد البحري إلى تلك الجزيرة النائية في بحر الهند، ولا أكاد أدري أكان حب التجارة والكسب والاستزادة من المال هو الذي جشم ذلك الهول، أم كان حب السياحة والاستطلاع والتنقل في أقطار البر والبحر هو الذي عرَّضه لهذا الخطب.
ولكن أراه وحيدًا في هذه الجزيرة لا يعرف كيف يُقِيم أَوَدَهُ ولا يدري كيف يحمي نفسه من الطوارق والحادثات، وهو يهيم أمامه يملك قلبه الحزن، ولا تخبو في نفسه نار الأمل، ويسيطر عليه الخوف ولكنه يجد شعورًا بشيء من الأمن، ويكاد يهلكه الجزع ولكنه على ذلك ينظر في الأرض والسماء ويريد أن يعرف ما حوله من الأشياء والأحياء، وهو ماضٍ أمامه يسلم نفسه إلى اليأس حينًا وإلى الأمل حينًا آخر. وقد أخذ شيء من الدعة وهدوء البال يثوب إليه؛ لأنه رأى أشجارًا وثمارًا وأزهارًا وأنهارًا، فحدَّث نفسه بجنة يستطيع أن يقيم فيها ما شاء الله له أن يقيم حتى تنكشف له الأيام عن فرج من حرج، وعن مخرج من ضيق، وحتى تُرفَع له في الأفق سفينة يراها من بعيد، ثم يراها من قريب، ثم ينفض عمامته ويُلوِّح بها في الهواء ويبعث صوته في الجو إلى أقصاه داعيًا مستغيثًا، فتقبل السفينة لتستنقذه من هذه الوحدة وترده آمنًا أو خائفًا إلى البصرة ثم إلى بغداد.
وإنه ليسعى بين أشجاره وأزهاره وأثماره وأنهاره خائفًا يترقب، وإذا هو يرى شيخًا فانيًا، قد لبس الضر وألحَّتْ عليه السن بألوان البؤس والضعف والإخلال. وقد جلس هذا الشيخ على شاطئ نهر من الأنهار، أو قُلْ على شاطئ جدول من هذه الجداول، لا يستطيع أن يتحرك ولا أن ينتقل. رآه السندباد فرحمه ثم أطال النظر إليه فرقَّ له، وهمَّ أن يدنو منه ليواسيه، ولكنه وحيد لا يقدر على شيء، أثر لا يفكر إلَّا في نفسه، مشغول بوحدته، مغرق في هذا الانقطاع الذي اضطر إليه، فهو حر في أن يمضي لشأنه وأن يفرغ لهمه وأن يدع الشيخ لما هو فيه من شقاء وفناء، ومن ضعف وعجز، ومن تهالك وانحلال.
ولكن الشيخ يشير إليه متهالكًا، ويلح عليه في الإشارة، ويدعوه بصوت حزين وكلام لا يبين. وإذا الرحمة قد استأثرت بقلب السندباد من دون الأثرة، وإذا هو يدنو من الشيخ البائس اليائس، رفيقًا به شفيقًا عليه، يسأله عن أمره، ولكن الشيخ لا يفهم عنه كما أنه هو لا يفهم عن الشيخ، وإذا الإشارة تقوم بينهما مقام العبارة، وإذا الشيخ يشير إلى السندباد أن احملني على كتفيك هاتين واعبر بي هذا الجدول الذي لا أطيق له عبورًا.
وقد شكَّ السندباد غير طويل، ثم أَقْبَلَ على الشيخ ولَيْتَهُ لم يُقْبِلْ، واحتمله على كتفيه ولَيْتَهُ لم يحتمله، وعَبَرَ به الجدول ولَيْتَهُ لم يفعل، وهَمَّ أن يَرُدَّهُ إلى الأرض ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل. فقد أدار الشيخ ساقَيْهِ حول عنق السندباد وتمكَّن من مجلسه واستقر على كتفيه وأبى أن يتحوَّل عنهما … وكلما حاول السندباد أن ينزله ضغط بساقيه على عنقه حتى كاد أن يخنقه، ثم ضرب برجله هذه أو تلك في جنبه هذا أو ذاك يدفعه إلى أن يمشي ويمضي أمامه، ويمنعه من أن يقف أو يستريح. وقد أصبح السندباد حطبة لهذا الشيخ، وأصبحت إرادة السندباد في يد هذا الشيخ يصنع بها ما يشاء ويصرفها كما يحب.
فالسندباد يسعى حين يُؤمَر بالسعي ويقف حين يُطلَب إليه الوقوف، والأمر يصدر إليه بالسعي مرة وبالوقوف مرة، فلا يستطيع أن يرده أو يخالف عنه. والأمر لا يصدر إليه صوتًا مسموعًا أو كلامًا مفهومًا، وإنما يصدر إليه ضغطًا بالساقين على العنق أو ركلًا بالرجلين على الصدر والجنبين.
والسندباد يقتطف لنفسه وللشيخ من أثمار هذه الأشجار ما يغذوهما، فإذا أراد أن يجلس ليستريح لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له في جلوسه أرب، فإذا جاء الليل وأراد السندباد أن يغفي إغفاءة طويلة أو قصيرة لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له فيه أرب.
ثم هو إن أذن له في النوم لم يفارق كتفيه، ولم يُفرِّج بين ساقيه، وإنما يديرهما حول عنقه إدارة مُحْكَمة حتى إذا طال نوم السندباد ضغط على عنقه أو ضرب في صدره أو ركل جنبيه أحدهما أو كليهما.
وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من رقص، وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من غناء، وليس عليه من ذلك بأس فإنما هي ركلة على الجنب ووكزة في الصدر أو ضغطة على العنق، وإذا السندباد يرقص فيمعن في الرقص، أو يُغنِّي فيجوِّد في الغناء!
وقد أَلِفَ السندباد حياته هذه، واطمأنَّ إليها، ووطَّن نفسه على أن ينفق فيها ما بقي له من أيام إلَّا أن تنشق له الخطوب عن وميض من أمل فينجو، وقد كان يائسًا من النجاة.
وفي ذات يوم أحسَّ السندباد شوقًا إلى خمر بغداد، فجنى عناقيد من عنب واعتصرها في إناء لست أذكر كيف وجده وكيف اتخذه، فقد طال عهدي بأسفار السندباد كما طال عهدك بها أيضًا، ولكنه اعتصر العنب على كل حال وادخره في مكان أمين، وجعل يطوف بالشيخ في أنحاء الجزيرة يقف ليمضي ويمضي ليقف، ومضى على ذلك يوم ويوم وأيام. ثم عاد إلى إنائه ذاك فإذا الخمر فيه ترغي وتزبد، وإذا هو يقبل عليها فيشرب منها حتى ينقع غلته، وما هي إلَّا لحظات حتى تتمشى في مفاصله كتمشِّي البرء في السقم في قول أبي نواس، وإذا هو يُحْدِث ألوانًا من الرقص لم يألفها الشيخ، ويأتي فنونًا من الغناء تقع في نفس الشيخ موقعًا حميدًا، والشيخ يستزيد مطيته من الرقص ويستزيد مطيته من الغناء، والسندباد يمضي في ذلك نشيطًا له حفيًّا به، وكلما آنس من نفسه فتورًا أو قصورًا عمد إلى إنائه ذلك فحسا منه شيئًا يرد إليه المرح والنشاط.
قد أراد الشيخ أن يجرب هذا الشراب، وفهم عنه السندباد ذلك، ولو كان أمره إليه لضن عليه بالشراب ولكنها ركلة في الجنب أو وكزة في الصدر أو ضغطة على العنق. وإذا السندباد يُرْجِع الإناء إلى الشيخ، فيشرب منه ويشرب حتى يرتوي، وإذا السُّكْر قد دبَّ في مفاصله دبيب النمل في الكثيب، وجرى في أعطافه جريان الماء في الغصن الرطيب. وقد طرب الراكب والمركوب فلا تَسَلْ عن الرقص ولا تَسَلْ عن الغناء، ولكن الخطوب قد انشقت للسندباد عن وميض من أمل، فجعل يشرب قليلًا ويسقي الشيخ حتى استرخت المفاصل، وانحلَّت القوة، وتراخى الضغط على العنق، ولم تستمسك القدمان حول الجنبين.
وقد ذهب ما كان في رأس الشيخ من عقل ضئيل، وأفلت من يده عنان السندباد، ومشى في جسم الشيخ وعقله نوم خفيف جعل يثقل شيئًا فشيئًا، حتى إذا استحكم للسندباد أمره جلس في رفق وألقى عن نفسه عبأه الثقيل البغيض في لباقة، ثم نهض وقد أحكم أمره، فنظر إلى الشيخ النائم نظرة عنيفة فيها بغض تملأه القسوة، ثم عمد إلى صخرة ضخمة فاحتملها بين ذراعيه في كثير من الجهد، ثم رمى بها على رأس الشيخ؛ فشدخه وأسلم نفسه للرب لا يلوي على شيء، حتى إذا بلغ مأمنه أقام ينتظر السفينة التي ستُرفَع له ذات يوم والتي سيدعوها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة ثم إلى بغداد.
لست أدري أيذكر السعديون هذه القصة أم لا يذكرونها، فكثيرٌ منهم قرأها من غير شك أيام الصبا، وكلنا يقرأ ألف وليلة أيام الصبا وينساه في طور الكهولة والشباب. ولكن قصة السندباد هذه هي المثل الصادق لسيرة الحزب السعدي مع حزب آخر يشاركه في البرلمان ويشاركه في الحكم، كما كان شيخ البحر يشارك السندباد في جزيرته تلك، وفيما كان فيها من أشجار، وأزهار، وأثمار، وأنهار.
وقد كان الحزب السعدي مطوفًا في بعض آفاقه، يلتمس الانتخاب ويلتمس النيابة ويلتمس الحكم. وانتهى به التطواف إلى تلك الجزيرة في يوم من أيام العام الماضي، ونظر فإذا هو وحيد، فمضى في الجزيرة يطوف فيها كما كان يطوف في البحر، في نفسه كثير من خوف ألَّا يبلغ الحكم ولا يقدر عليه، وفي نفسه كثير من جزع إن فاته الحكم بعد طول السعي وثقل الجهد، وفي نفسه شيء من أمل أن تُرفَع له السفينة في بعض الآفاق، وإنه ليسعى بين الأشجار والأنهار وإذا حزب ضئيل نحيل لولا صوته لما رآه أحد — كما يقول المتنبي — قد جلس على شاطئ الجدول متهالكًا، قد لبس الضر والتحف والبؤس، وغمره الشقاء، وقد رقَّ له الحزب السعدي فأقبل عليه حتى احتمله على كتفيه وعبر به الجدول خفيفًا نشيطًا، ثم لم يُتَح له أن يتخلص منه إلى الآن، فقد أدار ساقيه حول العنق، وأعد قدميه لوكز الصدر وركل الجنبين.
وسندبادنا العصري ماضٍ أمامه وعلى كتفيه حمله الثقيل، يقف ليسعى ويسعى ليقف، ويتكلف من الرقص ألوانًا ومن الغناء فنونًا، والشيخ مستقر في مكانه على هاتين الكتفين الوثيرتين، لا يريد عنهما تحولًا ولا نزولًا، وسندبادنا العصري ضيق بحمله وضيق بحياته وضيق بكل شيء، ولكنه لا يستطيع أن يخلص من شيخ البحر؛ فالساقان ملتفتان حول العنق التفافًا محكمًا، والقدمان مستعدتان استعدادًا حسنًا للركل والوكز، والدنيا تُظْلِم مرة حتى كأن الليل الفاحم قد غمرها، وتشرق مرة أخرى حتى كأن الشمس قد صبَّت عليها كل ما فيها من ضياء، ولكن السندباد مثقل بعبئه لا يعرف كيف يتخفف منه ولا يجد لنفسه من ضغطه وركله ووخذه نجاة.
وليس بين السندباد العصري والسندباد البحري فرق إلَّا من ناحيتين اثنتين؛ الأولى: أن السندباد البحري كان خاليًا إلى شيخ البحر، شقيًّا بحمله وحيدًا فريدًا، لا يضحك منه ولا يرثي له إلَّا أشجار الجزيرة وأثمارها وأزهارها وأنهارها، أمَّا السندباد العصري فمن حوله ملايين من المصريين وملايين من الشرقيين ينظرون إليه ويشفقون عليه، وقد يضحكون منه ضحكًا مرًّا. الثانية: أن السندباد البحري كان صاحب مجون وطرب، وصاحب حيلة واسعة وافتنان في الخروج من المآزق، فاشتاقت نفسه إلى خمر بغداد، وعرف كيف يعتِّقها وكيف يستعين بها أول الأمر على احتمال المكروه، وكيف يخلص بها بعد ذلك من هذا المكروه، وكيف يلقي الشيخ عن كتفيه ويعود إلى بغداد سالمًا موفورًا.
أمَّا السندباد العصري فمتحرج متزمت، لا يحب خمر القاهرة ولا خمر بغداد، وإنما يحب شراب الخروب والعرق سوس، ثم هو ليس واسع الحيلة ولا ماهرًا في تذليل العقاب وقهر الصعاب والنفوذ من المشكلات.
وإذن؛ فسيبقى الشيخ على كتفيه وسيشبع عنقه ضغطًا وصدره وكزًا وجنبيه ركلًا حتى يفتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ويخف غيره من هؤلاء الذين يرمقونه مشفقين حينًا وساخرين حينًا آخر، فينقذه من هذا المكروه ويضع على كتفيه هذا الحمل الثقيل، ويرد إليه حريته في أن يذهب إلى ساحل البحر ينتظر السفينة التي ترتفع في الأفق والتي يدنيها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة، ثم إلى بغداد.
أيتم إنقاذه اليوم؟! أيتم إنقاذه غدًا؟! أيطول قضاء الله عليه بهذا العذاب أم يقصر؟! علم هذا عند الله وعند الراسخين في العلم، وهم كما تعلمون قليلون. -
بين الجد والمزاح
بين الجد والمزاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٥ أبريل ١٩٤٥
ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.
وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.
وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.
وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.
وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.
وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.
وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.
فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.
والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.
على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.
ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.
وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.
وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.
ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.
أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟
ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟
ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.
وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى. -
كنافة
حديث الوادي
كنافة
ستضحك حين تقرأ هذا العنوان ولا بأس على من أن تضحك، ولعلي لم أكتب اليوم إلا لهذا. وأنا أعلم وأنت تعلم أيضاً أن في حياتنا السياسية الآن أموراً عظاماً، تفرض على الكُتّاب أن يُعنوا بها، ويكتبوا فيها، وهم يفعلون. ولكني مع ذلك أريد أن أدع هذه الأمور العظام اليوم لغيري من الكتاب، بل أريد أن أدعها للذين يملكون تصريفها والقضاء فيها، فقد يحدثنا بعض الكتاب بأن القضاء فيها قد يتم اليوم.
أريد أن أدع هذه الأمور العظام للذين لا يعرفون إلا الجد، ولا يحبون غيره، وأن أقف عند هذا الشيء الصغير الذي لا نذكره إلا ضحكنا، وهو الكنافة. وإني لأملي هذه الكلمة فيأخذني ضحك شديد أدافعه عن نفسي لأمضي في الإملاء، ويأخذني حياء من أن أتخذ هذه الكلمة عنواناً لمقال في صحيفة سياسية، ومن أن أتخذ هذا اللون من الطعام موضوعاً لفصل افتتاحي في صحيفة سياسية أيضاً، وفي اليوم الذي لا يتحدث الناس فيه إلا عن النظام وإلغائه، وانتظار الأمر الملكي بهذا الإلغاء، ولكني أدافع الحياء كما أدافع الضحك لأمضي في الإملاء، فلا بد من الكتابة عن الكنافة، لا لأن شهر رمضان يُقبل علينا سريع الخطى، ويفتح موسم هذا اللون من الطعام على مصراعيه، فليس ذلك من السياسة في شيء، وأنا أزعم أني سأكتب عن الكنافة لأنها تتصل بالسياسة، وتتصل بها اتصالاً قوياً متيناً، والمسؤول عن هذا هو صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا الذي يفصل الموظفين من الخاصة برغم أمانتهم ودقتهم لأنهم يريدون أن يتشددوا في الحرص على الأمانة والدقة وأن يساوموا في أثمان الكنافة. والأستاذ الدكتور أحمد ماهر لأنه هو الذي أذاع في الناس قصة الكنافة هذه حين تحدث عن سوء إدارة الإبراشي باشا في الخاصة الملكية أمس.
وما دامت الكنافة تفصل الموظفين من أعمالهم فهي كدكتوراه الشرف بالضبط لا فرق بينهما في قليل ولا كثير، وهي كتحية من موظف من كبار الموظفين لعضو من أعضاء الوفد، وهي كإباء التزوير في الانتخاب، وهي كإباء بيع الضمائر في أعمال الانتخاب أيضاً، وهي كإباء الخضوع لجور السلطان حين يريد أن يفرض الجور على الناس، وهي كإباء الكتابة في جريدة الشعب، وهي كالذهاب إلى نادي المحامين حين يفتتح المحامون ناديهم. هي كهذه الأشياء كلها، وكغير هذه الأشياء من الأسباب التي كان يعتمد السلطان عليها، ليفصل كبار الموظفين وصغارهم من العمل، وليحول بينهم وبين ما ينبغي من الأمانة والدقة والإخلاص، وليحول بينهم وبين ما ينبغي لهم من النزاهة والحرية والكرامة أيضاً. هي إذن سبب من أسباب العزل والفصل، ووسيلة من وسائل التحكم في نزاهة الناس وضمائرهم وفي أرزاقهم وأرزاق أبنائهم، وفي حياة الأسر ومن يُكونها من الرجال والنساء، ومن الأبناء والبنات. وهي من هذه الناحية ومن هذه الناحية وحدها، خليقة أن تكون موضوعاً لمقال سياسي في صحيفة سياسية، وأن يكون اسمها المضحك عنواناً لهذا المقال.
وليس على التاريخ السياسي لمصر بأس من أن يُسجل أن عصراً من عصور الخزي قد مر على المصريين فكانوا يتحملون الأذى في سبيل الكنافة! وكانوا يفصلون من أعمالهم ويطاردون كلما قصدوا إلى عمل آخر لأنهم أرادوا أن يساوموا في ثمن الكنافة، وكان أبناؤهم وبناتهم يعرضون للجوع ويفرض عليهم البؤس والشقاء، وتحرم عليهم الكنافة تحريماً، لأن آباءهم كانوا يريدون أن يكونوا أمناء فيما يدفع للكنافة التي تُورد للقصر من ثمن.
ومن الناس من يزعم أن الأستاذ الدكتور أحمد ماهر قد دفع إلى الفضول، وتحدث فيما لا يعنيه حين ذكر ما ذكر من قصة الكنافة أمس، فإن هذه القصة تمس السراي الملكية، وهي لا تمس الشؤون العامة بحال من الأحوال. ولكن الذي نعلمه أن الذين يعملون في الخاصة الملكية من الموظفين كباراً وصغاراً، ومن الخدم على اختلاف طبقاتهم مصريون، وأنهم أحرار لم تشترهم الخاصة ولم يشترهم زكي الإبراشي باشا، ولا ينبغي للخاصة ولا لزكي باشا الإبراشي أن يسيرا فيهم سيرة السيد في العبيد، وأن يعاقباهم ويعاقبا أبناءهم وبناتهم بالجوع والحرمان لأنهم أرادوا أن يكونوا أمناء في أثمان الكنافة! والذي نعلمه أن هذه المظالم لو ارتفعت إلى جلالة الملك لعاقب عليها الإبراشي باشا أشد العقاب. فجلالة الملك قد أقر الحكم الدستوري وأقر بهذا الحكم أن المصريين أحرار كرام في بلادهم، وأنهم يجب أن يُعاملوا معاملة الأحرار الكرام، سواء أكان ذلك في مصالح الدولة أم في مصالح الأفراد أم في مصالح الجماعات الحرة. وهب أن أي فرد من أفراد المصريين استخدم جماعة من مواطنيه، ثم سار فيهم كما يسير الإبراشي باشا في موظفي الخاصة سيرة الظلم والجور، والعقاب على الأمانة، والفصل للتدقيق في ثمن الكنافة، أفلا يكون من حق كل مصري يقدر الحرية والعدل ويعرف للأخلاق حقها وللكرامة الإنسانية ما ينبغي لها أن يُنكر على هذا المصري سيرته وأن يلومه في ظلمه وأن يبين أمره للناس، وإن لم يكن من رجال السياسة، ولا من المسيطرين على المصالح العامة، فكيف إذا كان هذا المصري الذي يظلم المصريين مديراً للخاصة الملكية التي يريد الناس بحق أن تكون إدارتها مثلاً للعدل والإنصاف وإيثاراً للنزاهة والمؤثرين لها من الموظفين. كلا، من حق الدكتور أحمد ماهر أن يذيع هذه القصة وأن يُنكر ما تشتمل عليه من ظلم وأن يتخذها دليلاً على أن الإبراشي باشا لم يكن بارعاً ولا موفقاً حتى في إدارة الخاصة الملكية على كثرة ما قيل في براعته وتوفيقه.
ومن حقنا نحن أن نسأل عن هذه القصة أصحيحة هي أو غير صحيحة؟ فإن كانت صحيحة فمن حقنا أن نأسف أشد الأسف وأن نتحدث بهذا الأسف إلى المصريين ليأسفوا معنا على أن مثل هذا الظلم الصغير في مظهره، الكبير في معناه، الخطير في آثاره، يقع من مدير الخاصة الملكية على موظف الخاصة الملكية.
إن الذين يأخذون أنفسهم بخدمة الملوك وإدارة شؤونهم الخاصة يجب أن يشعروا بأنهم ينهضون بأعباء ثقال، ليست كأعباء غيرهم من الناس، لأن الملوك في هذه العصور خاصة يجب أن يكونوا المثل العليا للشعب في جميع أنحاء الحياة، فيجب أن يكون خدامهم مظاهر لهذا الرقي الخُلقي، ومظاهر للارتفاع عن الصغائر، ومظاهر للبراءة من الظلم، ومظاهر لتحقيق العدل، مهما تكن الظروف، فإذا قصروا في ذلك عن غير علم فهم ليسوا أهلاً لخدمة الملوك، وإذا قصروا في ذلك عن علم وإرادة وعمد فهم أولى ألا يكونوا أهلاً لخدمة الملوك، لأنهم يدلون بذلك على أنهم يفهمون خدمة الملوك على غير وجهها، ولا يكنون ما ينبغي للملوك من الإخلاص الصحيح الذي يحقق ما لا بد من تحقيقه من جعل الملوك مثلاً عليا، ومن جعل إدارات الشؤون الخاصة لهم مثلاً عليا للإدارات في إيثار العدل والإنصاف والنزاهة والبقاء.
هذا الموظف الذي أراد أن يكون أميناً فعوقب على أمانته بالفصل، والذي أراد بعد ذلك أن يعمل فطورد في كل ما أراد من عمل وفرض عليه العقاب المتصل فرضاً، رجل مصري، فأمره يعني المصريين جميعاً، وأمانته خُلق مصري فأمره يعني المصريين جميعاً، واحتماله للأذى في سبيل الأمانة محنة مصرية فأمرها يعني المصريين جميعاً، ومحنته هذه صدرت عن رجل كان ينبغي ألا يصدر عنه إلا الخير، لأنه يدير الخاصة الملكية فأمره يجب أن يحزن المصريين جميعاً.
أرأيت أن الأشياء قد تكون في نفسها صغيرة دقيقة لا تستحق عناية ولكنها قد تثير مع ذلك من الحوادث ما هو عظيم خطير يستحق العناية كل العناية، ويرتقي بالتفكير الإنساني إلى أرقى أصول العدل السياسي وإلى أرقى أصول الأخلاق.
أرأيت أن اسم الكنافة مضحك ولكنه قد يبكي، وهو قد أبكى بالفعل الذين يتصلون بهذا الموظف الذي فصل لأنه أراد أن يكون أميناً؟
أرأيت أن صغار الأمور هي التي تكون كبارها وأن حياة الأمم والشعوب ليست إلا نسيجاً من هذه الأمور اليسيرة الهينة؟ أما أنا فأعتقد أن إساءة الإبراشي باشا بتدخله في السياسة المصرية خطيرة جداً، ولكن إساءته في قصة الكنافة هذه ليست أقل منها خطراً. وإذا كان أصحاب السياسة يريدون أن يكفوا الإبراشي باشا عن الأمور العامة لأن تدخله فيها يفسدها، فإن من حق رجال الأخلاق والذين يحبون العدل والإنصاف أن يتمنوا كف الإبراشي باشا عن أمور الخاصة الملكية لأنه يُسيء إليها في سمعتها، وما ينبغي أن يتحدث الناس عن الخاصة الملكية وإدارتها بالسوء.
طه حسين
الوادي، ٢٠ نوفمبر ١٩٣٤. -
في تأليف الوزارات
حديث الوادي
بين الأدب والسياسة
في تأليف الوزارات . . .
هو حدث من الأحداث التي تستحق عناية الأدباء، لو أن الأدباء مفرغون لما يستحق عنايتهم دائماً. وقد عني به الوزير الفرنسي العظيم بارتو في كتابه الذي أشرنا إليه في فصل مضى، وهو كتاب «السياسي» فترك للناس فيه فصلاً ممتعاً ظريفاً يستطيع المصريون أن يقرؤوه فسيجدون فيه لذة ومتاعاً، وسيجدون فيه أموراً تشبه من وجوه كثيرة ما يحدث عندنا منذ بدأنا نعرف تأليف الوزارات ومنذ أخذنا نحيا حياة ديمقراطية صحيحة أو زائفة.
وليس في هذا شيء من الغرابة، فطبائع الناس مختلفة ولكنها على ذلك متشابهة كما يقول ابن خلدون، ولابد للذين يبحثون عن أطوار الحياة الاجتماعية من أن يلحظوا ما بين طبائع الناس من اختلاف، وما بين طبائعهم من تشابه، ومن أن يلائموا بين هذين القانونين اللذين يتناقضان في ظاهر الأمر ولكن تناقضهما هو قوام هذا الانسجام البديع الذي تقوم عليه حياة الجماعات.
فتأليف الوزارات في مصر يشبه في ظاهره وفي بعض حقائقه، تأليف الوزارات في فرنسا، ولكنه من ناحية أخرى يخالفه مخالفة واضحة لأن طبائع المصريين وأمزجتهم وما يحيط بهم من ظروف السياسة الداخلية والخارجية، ومن ظروف الأحزاب أثناء قيام البرلمان، وأثناء غيبته أو تعطيله تخالف مخالفة شديدة طبائع الفرنسيين وما يحيط بها من الظروف. وأوضح ما ينبغي أن يثير عناية الأدباء في تأليف الوزارات هو هذا الاضطراب الخفي الدقيق الذي يسعى بين المستوزرين، أو قل الذي ينبعث من رئيس الوزراء، كما ينبعث التيار الخفي الدقيق فيمضي إلى يمين وإلى شمال، ويسعى إلى أمام وإلى وراء، فلا يدع داراً يسكنها مستوزر إلا اقتحمها اقتحاماً، أو انساب فيها انسياباً ثم يسعى في هذه الدار حتى يبلغ غرفة المستوزر أو حجرته، وإذا هو يمس المستوزر مساً خفيفاً فيوقظه إن كان نائماً، وينبهه إن كان غافلاً، ويصرفه عن شغله إن كان مشغولاً، ثم ما يزال يضطرب أمامهم اضطراباً مريباً ويرقص أمام عينيه رقصاً مغرياً، حتى يقف المستوزر عليه نظره وتفكيره وعنايته، وإذا هو قد اندس إليه وانساب فيه، وجرى في عروقه كما يجري الدم، ثم تسلط على قلبه ولبه، ثم استأثر بضميره وشعوره، ثم صرفه إلى نفسه عن كل شيء، وأنشأ بينه وبين رئيس الوزراء أسباباً خفية ولكنها قوية متينة لا تتقطع وإنما يتاح لها أن تزداد قوة ومتانة إن وصلت الدعوة من رئيس الوزراء إلى المستوزر على لسان رسول يسعى إليه، أو من طريق التليفون يحملها إليه، وما تزال هذه الأسباب تقوى وتشتد حتى يصبح المستوزر وزيراً، وما تزال هذه الأسباب قوية متصلة حتى يتم تأليف الوزارة وإذ المستوزر قد أقصي عنها ولم يهيأ له أو لم يرد له أن يشترك فيها.
هذا الاضطراب الذي ينبعث من رئيس الوزراء إلى المستوزرين جميعاً هو شيء يشبه أن يكون شعاعاً كهربائياً، فيه أمل وفيه يأس، فيه رجاء وفيه خوف، وهو من هذه الناحية منبر لطائفة من العواطف وألوان من الشعور في نفس رئيس الوزراء الذي ينبعث عنه هذا الشعاع، وفي نفس المستوزرين الذين ينتهي إليهم هذا الشعاع، وفي نفس الأصدقاء الذين يحيطون برئيس الوزراء وبالمستوزرين. فإذا كانت الأزمة جادة خطيرة وكانت الوزارة التي تؤلف مرجوة لعظائم الأمور أو مخوفة، فإن هذا الشعاع لا يلبث أن يتسع ويمتد، وإذا هو يمس الناس جميعاً ويثير في قلوبهم ألواناً مختلفة من العواطف والشعور.
لا يكاد رئيس الوزراء يشعر بأن التفكير متجه إليه ليؤلف الوزارة حتى يفكر هو سواء أراد أو لم يرد في زملائه الذين سيعملون معه، وإذا هو مضطرب مرتبك، وإذا الأمر يختلط عليه اختلاطاً شديداً لأن هؤلاء الزملاء كثيرون. وهم دائماً أكثر مما ينبغي حتى حين يكون البلد فقيراً في الرجال، وليس الزملاء وحدهم كثيرين، بل الأصدقاء كثيرون أيضاً، أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يقدر رئيس الوزراء. ومن المحقق أن صاحب الدولة نسيم باشا قد قضى أعوام عزلته السياسية الأخيرة لا يفكر في كثير من رجال السياسة، ولا يفكر فيه كثير من رجال السياسة، ولعله خيل إليه أنه قد نسي هؤلاء الناس وأنهم قد نسوه وليس من شك في أنهم كانوا قد نسوه حقاً، لأنه لم يكن مصدر خوف ولا مصدر رجاء. ولعله هو كان قد نسيهم أيضاً وشغل عنهم بما يشغل الرجل المعتزل من أمر حياته الخاصة ولم يذكر إلا هؤلاء القليلين الذين تتصل بينه وبينهم أسباب المودة الخالصة أو أسباب المجاملة بين أصحاب المكانات.
ولكن من المحقق أيضاً أن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا قد نظر ذات يوم، ذات صباح أو ذات مساء، فإذا غرفته الخاصة قد ملئت بالأشباح والظلال ولعل هذه الأشباح والظلال كانت ترقص أمام دولته رقصاً متصلاً غريباً، ولعله حقق النظر فيها فتبين فلاناً وفلاناً وفلاناً من المستوزرين، ولعله أخذ يمتحنها امتحاناً قاسياً صريحاً، فيه شيء من العنف، وفيه شيء من الغلظة، لأنه كان يحدث في الخلوة وعلى غير مشهد من الناس، ولعله رفض أكثر هؤلاء الناس لأنهم لم يحسنوا أداء الامتحان.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فما أسرع ما تجسمت هذه الأشباح والظلال وما أسرع ما ازدحم المكان الذي تقوم فيه دار الرئيس بالسيارات والعربات، وبالساعين على الأقدام أيضاً، وما أكثر ما تركت البطاقات، وما أكثر ما دق التليفون.
ولندع رئيس الوزراء قاسياً على هذه الأشباح حين كانت أشباحاً، ثم مجاملاً لها ورفيقاً بها، وحائراً بينها، وفاراً منها حين استحالت أجساماً. ثم لننظر إلى المستوزرين أنفسهم، فكلهم ذكر نسيماً منذ لهجت الصحف بذكر نسيم. وكلهم سأل نفسه: أيفكر نسيم فيه أم ينساه؟ أينظر نسيم إليه أم يعرض عنه؟ أيستعين نسيم به أم يهمله؟ أم حالاً؟ وكلهم هيأ لنفسه موقفين متناقضين أشد التناقض، موقف الحب الخالص والتأييد الصادق لنسيم إن دعاه، وموقف البغض الشديد والحرب الضروس يثيرها على نسيم إن آثر غيره عليه. وكلهم انتظر بين هذين الموقفين يغلبه الرجاء فيدفعه إلى اليمين وإذا هو يمدح لنفسه نسيماً، ثم يغلبه اليأس فيدفعه إلى الشمال وإذا هو يذم لنفسه نسيماً. ولكنه على ذلك يتحفظ إذا تحدث، يحتاط إذا لقي الناس، ويثير حول نفسه غباراً من الأمل ينشر الدعوة له نشراً، حتى إذا أعلن أن نسيماً سيؤلف الوزارة تأليفاً رسمياً فلا تسل عن القلوب الواجفة والنفوس الخائفة، ولا عن الصراع بين الأمل واليأس، ولا عن النضال بين الرجاء والقنوط، ولا عن الاضطراب في الغرفة انتظاراً لرسول يجيء، أو لدقة يذيعها التليفون في أرجاء الدار.
ولا تسل عما يصوره لبارتو أجمل تصوير من لحظات الانتظار هذه، فكل سيارة تقف في الشارع أو تمر فيه هي سيارة قد أقبلت من نحو الرئيس، وكل طرق يمس الباب مؤذن بمقدم رسول الرئيس، وكل صلصلة بجرس التليفون دعاء من الرئيس. وقد يطول الانتظار ويشق ويصبح أطول وأثقل من أن يحتمل، فيخرج المستوزر من داره ويسعى إما في دار الرئيس فوراً، وإما إلى حيث يلقى من يستطيع أن رآه أن يذكره للرئيس أو يلفت الرئيس إليه.
الرئيس إذن مضطرب مرتبك بين الزملاء الذين لا يحصون، والزملاء أنفسهم مضطربون مرتبكون بين الخوف والرجاء، وأصدقاء الرئيس والزملاء يرون فيضطربون ويرتبكون، والصحف تصور هذا كله، والناس يقرؤون هذا كله، وإذا هم أيضاً بمصريين ويرتبكون، وإذا الجو كله مضطرب مرتبك، لأن رجلاً كلف تأليف الوزارة وهو يختار أعوانه من الوزراء.
ويقص بارتو على قرائه فكاهات ظريفة، فقد عبث عابث ذات يوم بأحد المستوزرين، فأنبأه في التليفون أن رئيس الوزراء يدعوه ويعرض عليه وزارة كذا، فأسرع الرجل إلى رئيس الوزراء وكان رئيس الوزراء بارتو نفسه، ولم يكن ينتهي إلى دار الرئيس حتى لقي مستوزراً آخر قد انتهى إلى الدار فدخلا معاً، ولقيهما الرئيس مرتبكاً حائراً لأنه لم يدعهما ولم يكلف أحداً دعاءهما، فأما أحد الرجلين فكان من الشيوخ وكان وقوراً فقضى لحظات مع الرئيس ولما رأى أنه لا يذكر له الوزارة فهم وانصرف، وأما الآخر وكان نائباً شاباً، فلم يعلق صبراً على صمت الرئيس فابتدره بالشكر وأعلن إليه قبوله الاشتراك في الوزارة واضطر الرئيس إلى أن يشكر له استعداده هذا ويعتذر إليه.
وكلف رجل آخر تأليف الوزارة فأراد أن يتثبت من كليمنصو ويعرف أيؤيده أم يخذله، ولم يكن يريد أن يشترك معه كليمنصو في وزارته، فأصبح ذات يوم زائراً لكليمنصو، فلما تلقاه النمر -هو كليمنصو- قال له الرجل: إني لم أزرك لأعرض عليك منصباً في الوزارة. قال كليمنصو: «وحسناً تفعل، فلو قد عرضت عليّ منصباً لأخترت الرئاسة»، قال الرجل: «بالطبع ولكن جئت لأستشيرك»، قال كليمنصو: «فإن من مخالفة الذوق أن تقلق الناس من الصباح لتستشيرهم فيما لا يريدون أن يشيروا فيه».
وأمثال هذه الطرائف عندنا كثير، فالناس يذكرون هذا الوزير الذي فارق الحياة، والذي دعاه رئيس الوزارة فارق الحياة أيضاً، فلم يكد يبعث بأنه اختاره لمنصب من مناصب الوزارة حتى انكب على يده فأوسعها تقبيلاً. والناس يذكرون وزيراً ضخماً مرتفع القامة عريض القفا واسع الحنجرة، لم يكد يبلغه وهو في الثغر أن رئيس الوزارة قد اختاره حتى أسرع فقبل وسأل لأي وزارة دون أن يسأل عن برنامج الوزارة أو عن زملائه وأعوانه. وحدثنا صديق عن وزير ضخم مرتفع القامة عريض القفا، واسع الحنجرة، ضيق العقل، أنه كان في بعض الأوقات، يعمل في وزارة مختصرة وكان يضطهد بعض الموظفين.
فلما ضاق الموظف بهذا الاضطهاد سأل رئيساً من رؤساء الوزارات أن يعيره سيارته وذهب بها إلى دار الوزير فلما لقيه أسرَّ إليه أن فلاناً يرشحه للوزارة المقبلة فلا تسل عن إكبار الوزير لهذا الموظف وشكره له وعنايته به منذ الغد، ولكن وزارته أدركها الموت وألفت الوزارة الجديدة ولم يفكر أحد في الوزير المخدوع.
ولو أن الناس استباحوا لأنفسهم أن يكتبوا ويذيعوا ما يعلمون من المضحكات التي أثارها وما زال يثيرها تأليف نسيم باشا لوزارته لألهو القراء وقتاً طويلاً، ولكن الحياء والاحتشام ورعاية مكانة الناس يمنع من ذلك ويحول دون إذاعته.
فليت الذين يعلمون كل ذلك يسجلون في مذكرات خاصة، فليس ينبغي أن يكون التاريخ كله جداً، بل من الخير أن يكون فيه ما يضحك ويلهي، ويقال إننا مقدمون على حياة ديمقراطية، وما خير الديمقراطية إذا لم يضحك الناس من الساسة والوزراء.
طه حسين
الوادي، ١٤ نوفمبر ١٩٣٤. -
بين الأدب والسياسة في تأليف الوزارات …
حديث الوادي: بين الأدب والسياسة: في تأليف الوزارات …
طه حسين
جريدة الوادي
١٤ نوفمبر ١٩٣٤
هو حدث من الأحداث التي تستحق عناية الأدباء، لو أن الأدباء مفرغون لما يستحق عنايتهم دائمًا، وقد عُنِيَ به الوزير الفرنسي العظيم بارتو في كتابه الذي أشرنا إليه في فصل مضى، وهو كتاب «السياسي»، فترك للناس فيه فصلًا ممتعًا ظريفًا يستطيع المصريون أن يقرءوه؛ فسيجدون فيه لذة ومتاعًا، وسيجدون فيه أمورًا تشبه من وجوه كثيرة ما يحدث عندنا منذ بدأنا نعرف تأليف الوزارات ومنذ أخذنا نحيا حياة ديمقراطية صحيحة أو زائفة.
وليس في هذا شيء من الغرابة؛ فطبائع الناس مختلفة ولكنها على ذلك متشابهة كما يقول ابن خلدون، ولا بد للذين يبحثون عن أطوار الحياة الاجتماعية من أن يلحظوا ما بين طبائع الناس من اختلاف وما بين طبائعهم من تشابه، ومن أن يلائموا بين هذين القانونين اللذين يتناقضان في ظاهر الأمر، ولكن تناقضهما هو قوام هذا الانسجام البديع الذي تقوم عليه حياة الجماعات.
فتأليف الوزارات في مصر يشبه في ظاهره وفي بعض حقائقه تأليفَ الوزارات في فرنسا، ولكنه من ناحية أخرى يخالفه مخالفة واضحة؛ لأن طبائع المصريين وأمزجتهم وما يحيط بهم من ظروف السياسة الداخلية والخارجية، ومن ظروف الأحزاب أثناء قيام البرلمان، وأثناء غيبته أو تعطيله تخالف مخالفة شديدة طبائع الفرنسيين وما يحيط بها من الظروف.
وأوضح ما ينبغي أن يثير عناية الأدباء في تأليف الوزارات هو هذا الاضطراب الخفي الدقيق الذي يسعى بين المستوزرين، أو قُل الذي ينبعث من رئيس الوزراء كما ينبعث التيار الخفي الدقيق، فيمضي إلى يمين وإلى شمال، ويسعى إلى أمام وإلى وراء، فلا يَدَع دارًا يسكنها مستوزر إلا اقتحمها اقتحامًا، أو انساب فيها انسيابًا، ثم يسعى في هذه الدار حتى يبلغ غرفة المستوزر أو حجرته، وإذا هو يمس المستوزر مسًّا خفيفًا؛ فيوقظه إن كان نائمًا، وينبهه إن كان غافلًا، ويصرفه عن شغله إن كان مشغولًا، ثم ما يزال يضطرب أمامهم اضطرابًا مريبًا ويرقص أمام عينيه رقصًا مغريًا، حتى يقف المستوزر عليه نظره وتفكيره وعنايته، وإذا هو قد اندسَّ إليه وانساب فيه، وجرى في عروقه كما يجري الدم، ثم تسلط على قلبه ولبه، ثم استأثر بضميره وشعوره، ثم صرفه إلى نفسه عن كل شيء، وأنشأ بينه وبين رئيس الوزراء أسبابًا خفية ولكنها قوية متينة لا تتقطع وإنما يُتاح لها أن تزداد قوة ومتانة إن وصلت الدعوة من رئيس الوزراء إلى المستوزر على لسان رسول يسعى إليه، أو من طريق التليفون يحملها إليه، وما تزال هذه الأسباب تقوى وتشتد حتى يصبح المستوزر وزيرًا، وما تزال هذه الأسباب قوية متصلة حتى يتم تأليف الوزارة، وإذا المستوزر قد أُقْصِيَ عنها ولم يُهَيَّأ له أو لم يُرَدْ له أن يشترك فيها.
هذا الاضطراب الذي ينبعث من رئيس الوزراء إلى المستوزرين جميعًا هو شيء يشبه أن يكون شعاعًا كهربائيًّا، فيه أمل وفيه يأس، فيه رجاء وفيه خوف، وهو من هذه الناحية منبر لطائفة من العواطف وألوان من الشعور في نفس رئيس الوزراء الذي ينبعث عنه هذا الشعاع، وفي نفس المستوزرين الذين ينتهي إليهم هذا الشعاع، وفي نفس الأصدقاء الذين يحيطون برئيس الوزراء وبالمستوزرين.
فإذا كانت الأزمة جادة خطيرة وكانت الوزارة التي تُؤلَّف مرجوة لعظائم الأمور أو مَخُوفة؛ فإن هذا الشعاع لا يلبث أن يتسع ويمتد، وإذا هو يمس الناس جميعًا ويثير في قلوبهم ألوانًا مختلفة من العواطف والشعور.
لا يكاد رئيس الوزراء يشعر بأن التفكير متجه إليه ليؤلف الوزارة حتى يفكر هو — سواء أراد أو لم يرد — في زملائه الذين سيعملون معه، وإذا هو مضطرب مرتبك، وإذا الأمر يختلط عليه اختلاطًا شديدًا؛ لأن هؤلاء الزملاء كثيرون، وهم دائمًا أكثر مما ينبغي، حتى حين يكون البلد فقيرًا في الرجال.
وليس الزملاء وحدهم كثيرين، بل الأصدقاء كثيرون أيضًا، أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يقدر رئيس الوزراء. ومن المحقق أن صاحب الدولة نسيم باشا قد قضى أعوام عزلته السياسية الأخيرة لا يفكر في كثير من رجال السياسة، ولا يفكر فيه كثير من رجال السياسة، ولعلَّه خُيِّل إليه أنه قد نسي هؤلاء الناس وأنهم قد نسوه، وليس من شك في أنهم كانوا قد نسوه حقًّا؛ لأنه لم يكن مصدر خوف ولا مصدر رجاء، ولعله هو كان قد نسيهم أيضًا وشُغِل عنهم بما يشغل الرجل المعتزل من أمر حياته الخاصة ولم يذكر إلا هؤلاء القليلين الذين تتصل بينه وبينهم أسباب المودة الخالصة أو أسباب المجاملة بين أصحاب المكانات.
ولكن من المحقق أيضًا أن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا قد نظر ذات يوم، ذات صباح أو ذات مساء، فإذا غرفته الخاصة قد مُلِئَتْ بالأشباح والظلال، ولعلَّ هذه الأشباح والظلال كانت ترقص أمام دولته رقصًا متصلًا غريبًا، ولعله حقق النظر فيها؛ فتبيَّن فلانًا وفلانًا وفلانًا من المستوزرين، ولعله أخذ يمتحنها امتحانًا قاسيًا صريحًا، فيه شيء من العنف، وفيه شيء من الغلظة؛ لأنه كان يحدث في الخلوة وعلى غير مشهد من الناس، ولعله رفض أكثر هؤلاء الناس؛ لأنهم لم يحسنوا أداء الامتحان.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فما أسرع ما تجسَّمَتْ هذه الأشباح والظلال! وما أسرع ما ازدحم المكان الذي تقوم فيه دار الرئيس بالسيارات والعربات، وبالساعين على الأقدام أيضًا! وما أكثر ما تُرِكَت البطاقات! وما أكثر ما دق التليفون!
ولندع رئيس الوزراء قاسيًا على هذه الأشباح حين كانت أشباحًا، ثم مجاملًا لها ورفيقًا بها، وحائرًا بينها، وفارًّا منها حين استحالت أجسامًا، ثم لننظر إلى المستوزرين أنفسهم، فكلهم ذكر نسيمًا منذ لهجت الصحف بذكر نسيم، وكلهم سأل نفسه أيفكر نسيم فيه أم ينساه؟ أينظر نسيم إليه أم يعرض عنه؟ أيستعين نسيم به أم يهمله إهمالًا؟ وكلهم هيأ لنفسه موقفين متناقضين أشد التناقض: موقف الحب الخالص والتأييد الصادق لنسيم إن دعاه، وموقف البغض الشديد والحرب الضروس يثيرها على نسيم إن آثر غيره عليه، وكلهم انتظر بين هذين الموقفين يغلبه الرجاء فيدفعه إلى اليمين وإذا هو يمدح لنفسه نسيمًا، ثم يغلبه اليأس فيدفعه إلى الشمال وإذا هو يذم لنفسه نسيمًا، ولكنه على ذلك يتحفظ إذا تحدث، يحتاط إذا لقي الناس، ويثير حول نفسه غبارًا من الأمل ينشر الدعوة له نشرًا، حتى إذا أعلن أن نسيمًا سيؤلف الوزارة تأليفًا رسميًّا؛ فلا تَسَلْ عن القلوب الواجفة والنفوس الخائفة ولا عن الصراع بين الأمل واليأس، ولا عن النضال بين الرجاء والقنوط، ولا عن الاضطراب في الغرفة انتظارًا لرسول يجيء، أو لدقة يذيعها التليفون في أرجاء الدار.
ولا تَسَلْ عما يصوره لبرتو أجمل تصوير من لحظات الانتظار هذه؛ فكل سيارة تقف في الشارع أو تمر فيه هي سيارة قد أقبلت من نحو الرئيس، وكل طرق يمس الباب مؤذن بمقدم رسول الرئيس، وكل صلصلة بجرس التليفون دعاء من الرئيس. وقد يطول الانتظار ويشق، ويصبح أطول وأثقل من أن يُحتمَل، فيخرج المستوزرين من داره ويسعى إما في دار الرئيس فورًا، وإما إلى حيث يلقى من يستطيع إن رآه أن يذكره للرئيس أو يلفت الرئيس إليه.
الرئيس إذن مضطرب مرتبك بين الزملاء الذين لا يُحصَون والزملاء أنفسهم مضطربون مرتبكون بين الخوف والرجاء، وأصدقاء الرئيس والزملاء يرون فيضطربون ويرتبكون، والصحف تصور هذا كله، والناس يقرءون هذا كله، وإذا هم أيضًا يضطربون ويرتبكون، وإذا الجو كله مضطرب مرتبك؛ لأن رجلًا كُلِّف تأليف الوزارة وهو يختار أعوانه من الوزراء.
ويقص بارتو على قرائه فكاهات ظريفة؛ فقد عبث عابث ذات يوم بأحد المستوزرين، فأنبأه في التليفون أن رئيس الوزراء يدعوه ويعرض عليه وزارة كذا، فأسرع الرجل إلى رئيس الوزراء وكان رئيس الوزراء بارتو نفسه، ولم يكن ينتهي إلى دار الرئيس حتى لقي مستوزرًا آخر قد انتهى إلى الدار، فدخلا معًا ولقيهما الرئيس مرتبكًا حائرًا؛ لأنه لم يَدْعُهما ولم يكلف أحدًا دعاءهما، فأما أحد الرجلين فكان من الشيوخ وكان وقورًا فقضى لحظات مع الرئيس، ولما رأى أنه لا يذكر له الوزارة فهم وانصرف، وأما الآخر وكان نائبًا شابًّا، فلم يُطِق صبرًا على صمت الرئيس، فابتدره بالشكر وأعلن إليه قبوله الاشتراك في الوزارة، واضطر الرئيس إلى أن يشكر له استعداده هذا ويعتذر إليه.
وكُلِّف رجل آخر تأليف الوزارة فأراد أن يتثبت من كليمنصو ويعرف أيؤيده أم يخذله، ولم يكن يريد أن يشترك معه كليمنصو في وزارته، فأصبح ذات يوم زائرًا لكليمنصو، فلما تلقاه النمر — هو كليمنصو — قال له الرجل: إني لم أزرك لأعرض عليك منصبًا في الوزارة. قال كليمونصو: «وحسنًا تفعل، فلو قد عرضت عليَّ منصبًا لاخترت الرئاسة.» قال الرجل: بالطبع، ولكن جئت لأستشيرك. قال كليمونصو: «فإن من مخالفة الذوق أن تقلق الناس من الصباح لتستشيرهم فيما لا يريدون أن يشيروا فيه.»
وأمثال هذه الطرائف عندنا كثير فالناس يذكرون هذا للوزير الذي فارق الحياة، والذي دعاه رئيس الوزارة فارق الحياة أيضًا، فلم يكد يبعث بأنه اختاره لمنصب من مناصب الوزارة حتى انكب على يده فأوسعها تقبيلًا، والناس يذكرون وزيرًا ضخمًا مرتفع القامة عريض القفا واسع الحنجرة، لم يكد يبلغه وهو في الثغر أن رئيس الوزارة قد اختاره، حتى أسرع فقَبِلَ وسأل: لأي وزارة؟! دون أن يسأل عن برنامج الوزارة أو عن زملائه وأعوانه!
وحدثنا صديق عن وزير ضخم، مرتفع القامة، عريض القفا، واسع الحنجرة، ضيق العقل، أنه كان في بعض الأوقات يعمل في وزارة مختصرة وكان يضطهد بعض الموظفين، فلما ضاق الموظف بهذا الاضطهاد سأل رئيسًا من رؤساء الوزارات أن يعيره سيارته وذهب بها إلى دار الوزير، فلما لقيه أسرَّ إليه أن فلانًا يرشحه للوزارة المقبلة فلا تَسَلْ عن إكبار الوزير لهذا الموظف وشكره له وعنايته به منذ الغد، ولكن وزارته أدركها الموت وأُلِّفَت الوزارة الجديدة ولم يفكر أحد في الوزير المخدوع.
ولو أن الناس استباحوا لأنفسهم أن يكتبوا ويذيعوا ما يعلمون من المضحكات التي أثارها وما زال يثيرها تأليف نسيم باشا لوزارته لألهوا القراء وقتًا طويلًا، ولكن الحياء والاحتشام ورعاية مكانة الناس يمنع من ذلك ويَحُول دون إذاعته.
فليت الذين يعلمون ذلك يسجلون في مذكرات خاصة؛ فليس ينبغي أن يكون التاريخ كله جدًّا، بل من الخير أن يكون فيه ما يُضْحِك ويُلْهِي، ويُقال إننا مُقْدِمون على حياة ديمقراطية، وما خير الديمقراطية إذا لم يضحك الناس من الساسة والوزراء؟! -
أبطال النظام
حديث الوادي
أبطال النظام…
الذوق الراقي الدقيق ورعاية اللياقة في القول والعمل أخص ما يمتاز به أبطال النظام الحاضر. وهؤلاء الأبطال كثيرون والحمد لله، قد يبلغون الأربعة وقد يبلغون الخمسة، وما نظن أنهم يزيدون على هذا العدد.
فأولهم مؤسس النظام صدقي باشا، وهو رجل مثقف ما في ذلك شك، ولكنه رجل دقيق الذوق، رقيق الحس، يعرف ما يحسن وما لا يحسن، لكثرة اختلافه إلى البيئات الراقية الأجنبية الممتازة، ولهذا كانت أعماله وأقواله وحركاته كلها مرآة صافية الذوق الذي لا غبار عليه، وليس ضرورياً أن يكون ذوق صدقي باشا في السياسة كذوقك أو كذوقي، فنحن من قوم لا يختلفون إلى البيئات الراقية ولا يتصلون بالأجانب الممتازين.
أنت وأنا وأمثالنا لا نقحم اسم جلالة الملك إقحاماً في الخصومات السياسية، ولا نسرع فنسجل على جلالة الملك موقفاً سياسياً حزبياً بعينه، ونشكر له هذا الموقف، ولا نبرق إلى القصر لنحمد لجلالة الملك حرصه على النظام الحاضر وتأييده له واستمساكه به، لأنا نعلم أن هذا خطأ لا ينبغي للذين يعملون في السياسة أو يفقهون أوليات الدستور والقانون، ولأننا نعلم أن هذا خروج عن الذوق وتجاوز للأدب وانحراف عما ينبغي من رفع الملوك عن الأهواء والشهوات. فأما صدقي باشا المثقف الممتاز المتصل بالبيئات الأجنبية ذات الثقافة والامتياز فلا يرى بذلك بأساً، ولا يحس في ذلك حرجاً، وإنما يقدم عليه غير هياب، ويمعن فيه غير وجل، إما لأنه يعرف من أصول الذوق ما لا يعرف الناس، وإما لأنه يضحي بالذوق وأصوله في سبيل المنفعة العاجلة، سواء أكانت محققة أو موهومة، وصدقي باشا رجل قدير يحب التضحية ولا يتردد فيها، مهما تكن الظروف. يضحي بحقوق الشعب في سبيل الوثوب إلى الحكم، ويضحي بأخلاق الشعب في سبيل التمكن من الحكم، ويضحي بكرامة الشعب في سبيل الاستئثار بالسلطان، ويضحي بأموال الشعب في سبيل الاستمتاع بالجاه، ويضحي بدماء الشعب أحياناً في سبيل إذلال الخصوم وترويع المقاومين، ثم يضحي بالذوق آخر الأمر في سبيل شيء غير معروف، فما نظن أنه يطمع في أن يرضى عن نفسه الإبراشي باشا.
وما نظن أنه يطمع في أن يصل إلى الحكم في هذه الأيام، ولكنه مضطر إلى أن ينشط، وإلى أن يقول ليظن الناس أنه زعيم مسموع الكلمة وأن له أنصاراً وأعواناً، وذلك شيء يستحق أن يضحي في سبيله صدقي باشا بالذوق، وأن يقحم اسم جلالة الملك في السياسة، وأن يسجل على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام ويؤيد قلة الأمة دون كثرتها ويقف في صف جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب. ولو أن الأمور تجري في مصر على مثل ما تجري عليه في البلاد الأخرى لسئل صدقي باشا عن التضحية بالذوق، ولكن صدقي باشا لم يسأل عن إهدار الحقوق، وانتهاك الحرمات، والعبث بالنفوس والأموال.
هذا بطل من أبطال النظام الحاضر تمخض عنه رأسه الكبير، فهو يريد الآن أن يحميه بذكائه الخطير.
وللنظام الحاضر بطل آخر أكبر من صدقي باشا بيوم أو يومين، فهو يعرف أكثر من صدقي باشا بعام أو عامين، كما يقول الغول في قصص العجائز. وهو رئيس مجلس الشيوخ يحيى باشا إبراهيم، وهو كصدقي باشا لا يتردد في أن يضحي بالذوق في سبيل المحافظة على النظام، ولا يتردد في أن يشهد أمام الناس جميعاً على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام وحزباً على حزب، وقلة على كثرة، وهو كصدقي باشا خليق أن يحاسب على إهدار الذوق، لو أن الناس يحاسبون في مصر على كل ما يعملون.
ويحيى باشا إبراهيم رجل عظيم له شجاعة تنزع سلاح الخصوم كما يقول الفرنسيون، فهو يرجع بذاكرته إلى الماضي فينبئ الناس بأنه هو الذي استصدر الدستور القديم، وأمضاه حين كان رئيساً للوزراء سنة ١٩٢٣، ثم عمل في ظل الدستور الجديد الذي لم يصدره ولم يمضه، وهو يفضل الدستور الجديد، ويراه أشد ملاءمة لمصالح البلاد.
ويحيى باشا إبراهيم لم يصدر الدستور القديم فحسب، ولكنه عمل في ظله أيضاً، وأقسم يمين الوفاء له أيضاً، ولكنه مع ذلك لم يتحرج كصدقي باشا أن يحنث في يمين ويقسم يميناً أخرى، ومن أن يؤثر دستوراً جديداً على دستور قديم، ومن أن يضحي باللياقة والذوق في سبيل هذا الدستور الجديد.
وثالث الأبطال وأقدرهم على النضال وأبرعهم في النزال، وأمضاهم في القتال، وأفصحهم في المقال، هو صاحب المعالي الدكتور توفيق رفعت باشا – ولا ننس الدكتور – رئيس مجلس النواب الحاضر طبعاً ورئيس المجمع اللغوي، وصاحب المعالي يستمد ذوقه في أكبر الظن من معاجم اللغة وكتب الأدب ودواوين الشعر وآثار الكتاب والخطباء، فهو الشاعر الفذ والأديب الفرد والخطيب الذي لا يجارى، لا يشك في ذلك إلا الجاهلون.
ذوق صاحب المعالي قديم كلاسيك، كما أن ذوق صدقي باشا جديد، وهما مع ذلك يتفقان في أن إقحام اسم جلالة الملك في السياسة جائز، وفي أن تسجيل المواقف السياسية على جلالة الملك شيء لا يضر، وقد ينفع كثيراً، وقد يعين على إبقاء نظام يريد أن يزول، وإقامة بناء يريد أن ينقض. وذوق صاحب المعالي خليق أن يكلف صاحبه تحقيقاً وسؤالاً وأموراً ثقالاً، لولا أن بعض المصريين فوق التحقيق والسؤال والأمور الثقال.
وكان صاحب المعالي صامتاً، فلما تكلم رئيس الشيوخ لم يسعه إلا أن يتكلم، وقد قال فأطال وشفا الغليل، فالمقطم تروي لنا أمس أنه ينبئ الناس بأن جلالة الملك حريص على النظام الحاضر، وبأن جلالة الملك تحدث إليه في أمر الإبراشي باشا وقال إنه حر في تنظيم بيته. يا للذوق، يا للرقة، يا للأدب، يا للإكبار لصاحب العرش، يا للإجلال لمكانة الملك! وهبه قال لك هذا، فكيف تأذن لنفسك بإذاعته بين الناس، وكيف تأذن لنفسك بأن تصور جلالة الملك مدافعاً عن حريته الخاصة في تنظيم بيته؟ ومن الذي يسمح بأن يثار شيء من الأشياء أو يلقى حديث من الأحاديث حول ما ينبغي لجلالة الملك من الحرية في تنظيم بيته؟ يا للذوق! متى أجازت الثقافة والسياسة والمناصب للناس أن يتحدثوا عن الملوك القائمين بهذا الابتذال وأن يبيحوا نشر ذلك عنهم في الصحف؟ ومع ذلك فالمقطم تضيف هذا إلى رفعت باشا رئيس مجلس النواب ورئيس المجمع اللغوي وصاحب الدكتوراه في الحقوق، دكتوراه الشرف بالطبع.
هؤلاء قوم لا يفرقون بين أحاديث الملوك وأحاديث السوقة: يتشرفون بلقاء الملك فيتحدثون بما كان بين جلالته وبينهم من حوار كما يلقونك فيذيعون ما كان بينك وبينهم من حديث. وهؤلاء هم حماة النظام والحفظة على الدستور الجديد، وهم الذين يعلن أن الوزارة قد تدور بينهم، وبين جماعة من أمثالهم إن صرفت عن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا. فحدثني عن نظام يحميه هؤلاء الناس، وحدثني عن حكم يصرفه هؤلاء الناس، وحدثني عن دستور يذود عنه هؤلاء الناس، وقل للإنجليز بعد ذلك ابتهجوا واستبشروا واطمئنوا، فقد ذهب عنكم عبد الفتاح يحيى وقد يرسل إليكم واحد من هؤلاء الناس الذين لا يرعون ذوقاً، ولا يكتمون سراً، ولا يفرقون بين أحاديث السوقة وأحاديث الملوك.
وقل للإنجليز ابتهجوا واستبشروا فستجدون من هؤلاء الناس من يستطيع أن يؤلف وزارة ترضون الاتصال بها، لأنها تجمع بين القدرة والنزاهة والكفاية، أما إرضاء الشعب فتستطيعون أن تنظروا فإن الشعب لا يرى هؤلاء الناس أهلاً للرضى ولا للسخط، وإنما يهملهم إهمالاً فإن تحدث عنهم فليلهو ويعبث ليس غير.
أما بعد فقد نظن أن الأزمة قد طال أمرها، وأن أمور الحكم توشك أن تضطرب، وأن المصريين الرسميين الذين تصرفوا في حل الأزمة إلى الآن لم يظهروا جداً ولا حزماً، ولا براعة، ولا شجاعة على احتمال التبعات وإنما أظهروا تردداً واضطراباً واختلاطاً في القول والعمل وأثاروا ضحكاً كثيراً. وقد ينبغي أن تظهر مصر الرسمية شيئاً من الجد فما ينبغي أن تكون أمور الشعب لعباً إلى غير حد.
إن إرادة الشعب واضحة بينة فيجب أن يعلم الشعب أجاء الوقت الذي تحترم فيه إرادته أم لا يزال مهملاً كما أهمل في هذه الأعوام الأربعة.
طه حسين
الوادي، ١٠ نوفمبر ١٩٣٤. -
ليل الشياطين
حديث الوادي
ليل الشياطين…
كانت السماء صفواً كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحواً، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوؤها الجميل في طبقات الجو فيملأ الكون حياة ونشاطاً وبهجة وجمالاً ويفعم قلوب الناس، أمناً وحباً للأمن وسلاماً وحرصاً على السلام.
وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغاً فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان، كان منهم المقبل على عمله محباً له وراغباً فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه، يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس ويصرفون الأمر حراساً على الحق والعدل لا يتوخون إلا أن يرضى الدستور والقانون وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألماً أو ندماً أو حزناً أو حاجة إلى الاعتذار يثيبون المحسن، ولا يشطون في عقاب المسيء ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثماً وتفريطاً والناس في هذا كله راضون مبتهجون، فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهاً ولكن السحاب يدنو ويدنو ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو، ثم يدنو السحاب ويدنو فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوة وانتشاراً، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح. وإذا صفو السماء قد استحال كدراً، وإذا صحو الجو قد استحال قتاماً، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كل وجه، وإذا الشر قد سلط عليهم من كل مكان وإذا الروع قد سلك إلى قلوبهم كل سبيل، وإذا الأمن قد محي من قلوبهم محواً، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقاً، وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة، كثيفة لا يرون فيها شيئاً ولا يسمعون فيها شيئاً ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون. نستغفر الله، فقد كانوا يرون أشباحاً منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلاً للشياطين، أم انشقت عنها الأرض؟ فقديماً تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض، أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كل شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطاً، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات، حتى تأذنت أصوات الشر، بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوباً، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق ولا نظام، ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضى الخلق والضمير.
غربت شمس الحق فجأة وأقبل ليل الباطل فجأة ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملأوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح، ونشروا في الأرض فساداً لم تعرفه الأرض من قبل وألقوا على الناس ذلاً لم يعرفه الناس من قبل وأقاموا الطغيان صرحاً كان الناس يظنون أنه لن يقام.
أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف وروع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب، على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل ليل الشياطين على الناس بشر من هذا كله وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعياً. وأقبل على بعضهم بالألم يسعى مختفياً حيناً وبادياً حيناً آخر وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعاً بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال لتقيد بها الحرية وتغل ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين.
فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين يعبس فتضطرب الشياطين خوفاً ووجلاً. ويبسم فترقص الشياطين رقصاً منكراً مخيفاً، وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حيناً، وطلاء الابتسام حيناً آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر تمثال ظن أنه إنسان وصورة قدرت أنها شخص حي.
ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس. لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئاً، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء. وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة، أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم إن هذا الرجل يرى نفسه شيئاً فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئاً. وقال قائلهم إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم دعوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلاً ثقيلاً لا يكاد ينقضي بل لا يكاد يتقدم، ولكن الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة، ولكن السماء صفت ولكن الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف، وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخف ويخف وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب ثم تنظر فترى الرجل الطيب، يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائداً إلى القاهرة ليصرف الإهمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازاً ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم، فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ وإن هذه الطلقة آتية لاريب فيها، آتية اليوم أو آتية غداً، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت، فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاد عدل الله وعلو كلمة الشعب.
إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعاً عن هذا العهد، وجهاداً في سبيل الإبقاء عليه.
كلا إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء إن المصريين خليقون أن ينظروا فإن الصبح قد أخذ يسفر، إن المصريين خليقون أن يبتهجوا فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.
طه حسين
الوادي، ٨ نوفمبر ١٩٣٤ -
حزم البدار
حديث الوادي
حزم البدار…
كلمة أحدثها النائب العام في أول الربيع، أو في آخر الشتاء، فظفرت بحظ قلما تظفر به الكلمات في هذه الأيام، جرت بها الأقلام وانطلقت بها الألسنة وأثارت في قلوب بعض الناس خوفاً وأثارت على شفاه بعضهم الآخر ابتساماً.
والكلمة غريبة في حقيقة الأمر، قد لا يكون عليها اعتراض من الناحية اللغوية، وقد لا يضيق بها سيبويه أو الخليل كما يضيقان ببعض ما يدفع إليه النائب العام من الكلمات. ولكن غرابتها تأتي من أنها تثير ميلاً إلى التأويل وإلى التأويل الذي يدور دوراناً متصلاً، لا ينقطع حتى يتعب المؤولين. فالحزم مصدر والبدار مصدر آخر، وإضافة أحد هذين المصدرين إلى صاحبه يحدث حيرة لذيذة في الفهم والتقدير، ويخلع أحد المصدرين على صاحبه في غير تحديد ولا تحقيق. فحزم البدار قد يفهم منه البدار الحازم وقد يفهم منه الحزم المبادر، فالمضاف صفة للمضاف إليه، أو المضاف إليه صفة للمضاف، أو كلاهما صفة لصاحبه، وأنت تستطيع أن تدور بين هاتين الصفتين خالعاً إحداهما على الأخرى كما أنك تستطيع إذا أتعبك الدوران أن تستريح فتخلع الصفتين على رجل واحد هو صاحب العزة النائب العام الذي أحدث هذه الكلمة إحداثاً.
فحزم البدار أو بدار الحزم أو الحزم المبادر أو البدار الحازم أو النائب العام الذي يجمع بين الحزم والبدار معاً فيكون حازماً مبادراً ويكون مبادراً حازماً ويكون حازماً إذا بادر، ويكون مبادراً إذا حزم. كل هذا يملأ القلوب روعة وروعاً في وقت واحد، وهو خليق أن يصدر من المجمع اللغوي أو هو خليق على كل حال -نقول هذا في غير مزح ولا دعابة- أن يرقى بالنائب العام صاحب العزة لبيب عطية بك إلى المجمع اللغوي، وإن كانت الطرائق الندد وتعدية الفعل الذي لا يتعدى قد تردان عن هذا المجمع رداً. فمهما يكن من شيء فإن حزم البدار أو بدار الحزم لم يكن في يوم من الأيام لازماً واجباً محتوماً كما هو في هذه الأيام وهو لازم واجب محتوم بالقياس إلى النائب العام نفسه، وليس في هذا شيء من الغرابة، فالنائب العام قد ابتكر حزم البدار وبدار الحزم فهو خليق أن يمضي بهما إلى أقصى الغايات وأبعد الآماد. وليس حزم البدار ولا بدار الحزم أن تجد حازماً مبادراً أو مبادراً حازماً حين تريد أن تأخذ الناس بما يجب أن تأخذهم به مما يقتضيه الحق والعدل والقانون فحسب، وإنما حزم البدار وبدار الحزم أن تأخذ نفسك بذلك قبل كل شيء وقبل كل إنسان. والنائب العام يعلم أن قد أضيفت إليه أمور منها أنه اشترك في عمل سياسي، وكانت نتيجة اشتراكه أن أقحم القضاء في السياسة أو أقحمت السياسة في القضاء، أو اتخذ القضاء وسيلة لحل أزمة سياسية بين الوزارة والإنجليز. وقد سكت النائب العام على هذا حين أضيف إليه وإن نفاه نفياً خفيفاً، ولم ينكره صراحة إلا حين جد الجد، وأخذت آثار ذلك تظهر وتشغل بها الدوائر الرسمية. وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفي هذا الأمر من فوره وأن يكون هذا النفي صادقاً قاطعاً، لا سبيل إلى الشك فيه. ولكنه أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم، وترك الصحف تقول والناس يخوضون. فلما نفى بعد أيام أقبلت السياسة اليوم تتحداه نوعاً من التحدي غريباً، وتطالب الأهرام وتستحلفها بالشرف والنزاهة أن تقول إن الذي أنبأها بهذا النبأ لم يكن هو النائب العام. وإذن فالسياسة لا تقبل نفي النائب العام لما أذيع من اشتراكه في السياسة وإقحامه القضاء فيها، أو إقحامها في القضاء. بل هي تريد أن نفهم الناس شيئاً أبعد من هذا يفهمه كل من قرأ سؤال السياسة للأهرام.
ومن هذه الأمور التي أضيفت إلى النائب العام ما رواه الأستاذ الكبير الهلباوي بك فقد تحدث الناس به أثناء الصيف، ونشرته السياسة صباح الخميس، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفيه مساء الخميس وألا يقف عند النفي بل يتجاوزه إلى التحقيق في هذا الأمر وفي الأمر الآخر الذي نشر يوم الثلاثاء، ولكن النائب العام أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم يوم الخميس كله ويوم الجمعة كله، حتى تنحى المستشاران عن نظر القضية صباح السبت. وكان النائب العام يستطيع لو آثر حزم البدار أو بدار الحزم أن يرد عن هذين المستشارين الكريمين هذا الحرج. ولكنه لم يفعل والغريب أن يصطنع حزم البدار وبدار الحزم رجل آخر غير النائب العام هو رئيس تحرير الوادي فيطلب يوم السبت في حزم مبادر أو بدار حازم أن يستقيل النائب العام أو أن يلغى انتدابه للنيابة العامة. وبعد أن ظهر ما ظهر وكتب صديقنا الزيات ما كتب ذكر النائب العام حزم البدار وبدار الحزم فنفى في الأهرام صباح أمس، ما أضافه الأستاذ الهلباوي بك إليه من الحديث. نفى ولكن الأستاذ الهلباوي بك يصر على صدق ما قال ويؤكده تأكيداً، أكده لمندوب الوادي صباح أمس، وأكده في توسع وتفصيل للسياسة صباح اليوم. ووقف الناس جميعاً من النائب العام والذين أضافوا إليه ما أضافوا، هذا الموقف الغريب الذي يجب أن يرتفع عنه الأمين على الدعوى العامة.
النائب العام ينفي أن يكون قد اشترك في عمل سياسي، والسياسة تتحداه، والنائب العام ينفي أن يكون قد قال في المستشارين ما نسب إليه والهلباوي بك يتحداه. فنظن أن حزم البدار أو بدار الحزم يقضي على النائب العام وعلى وزير الحقانية وعلى رئيس الوزراء أن يبينوا للناس وجه الحق في هاتين القصتين بطريقة قاطعة حاسمة لا تدع للشك إلى نفوسهم سبيلاً.
ونظن أن أول ما يفرضه حزم البدار أو بدار الحزم على النائب العام إنما هو أن يتنحى عن أمانة الدعوى العامة حتى يظهر الحق واضحاً جلياً. وإذا كان حزم البدار قد أهمل حتى شكا من إهماله الناس، فقد يكون من الحق ومن المعقول أن يرفق النائب العام ووزير الحقانية ورئيس الوزراء بحزم البدار وأن يردوا إليه شيئاً من الاعتبار.
طه حسين
الوادي، ٢٩ أكتوبر ١٩٣٤.