إرادة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٦ ديسمبر ١٩٣٣
كانت حازمة صارمة هذه الإرادة التي أظهرتها الوزارة أمس، حين قدمت إلى مجلس النواب تشريعها البديع في أمر المحامين.
وإذا كانت الإرادة حازمة فلا بد من أن تنفذ، وقد نفذت إرادة الوزارة، وإذا كانت الإرادة صارمة فلا بد أن تقطع، وقد قطعت إرادة الوزارة خطابة الخطباء، وكلام المتكلمين … ونفذت إرادة الوزارة إلى ما كانت تحب، فأعلن بعض النواب أنهم موافقون على استعجال النظر في هذا التشريع قبل أن تتم الوزارة كلمتها.
ولولا أن للتقاليد وزيرًا يحميها، أو وزراء يذودون عنها، ولولا أن للمعارضة وزيرًا كان يمثلها في مجلس الشيوخ، فأصبح يمثلها في الوزارة؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يقولوا شيئًا، نستغفر اللَّه، وهل استطاعوا أن يقولوا شيئًا؟ إذا لم يكن بد من التحقيق والتدقيق، فقل لولا أن للتقاليد في الوزارة حماة، ولولا أن للمعارضة في الوزارة صديقًا؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يصلوا إلى المنبر، ويقفوا موقف الخطباء.
ولكن وزير التقاليد قد حمى التقاليد، ووزير المعارضة قد ذاد عن المعارضة، فاستطاع بعض المخالفين أن يقفوا على أقدامهم، وأن يحركوا سيقانهم، وأن يرقوا درجات المنبر، وأن يحركوا شفاههم، وأن يحركوا ألسنتهم من وراء الشفاه، وأن يفتحوا أفواههم، وأن يخرجوا من هذه الأفواه أصواتًا تتموج في الهواء، وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تصل إلى الآذان؛ لأن الكثرة كانت تضج وتعج.
وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تحمل إلى النفوس كلامًا يستقر فيها؛ لأن الكثرة لم تكن تريد أن تسمع، ولا أن تفهم، ولا أن تجادل، وإنما كانت تريد أن توافق وخلاص. وما دامت التقاليد قد حُميت في ظاهر الأمر، وما دامت المعارضة قد صِينت في الشكل والصورة؛ فمصر بخير، والحرية بخير، والدستور بخير، وأمور التشريع تجري على خير ما تجري عليه أمور التشريع. درس هادئ للقوانين، وفهم دقيق لأغراض الشارع، وفهم دقيق للظروف التي تحيط بهذه الأغراض، وفهم دقيق لنتائج ما تشرع الوزارة والبرلمان من قوانين.
كل هذا محقق لا شك فيه ولا ريب، ما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وزراء يعرضون القوانين، ومعارضون يصعدون إلى المنبر ثم يهبطون وإن لم يقولوا شيئًا، وكثرة توافق — وكان اللَّه يحب المحسنين. ولِمَ تريدُ أن تجري الأمور في البرلمان على غير ما تجري عليه خارج البرلمان؟
إن التقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة؛ لأن وزير المالية يحرم شرب القهوة والدخان في رمضان، فأما أن يشهد الوزراء رقص الليل بعد صوم النهار، فأما أن يصطحب الموظفون زجاجات الترموس تملؤها القهوة الحارة ليقيموا بها أعصابهم رغم حظر الوزير؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه.
والتقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة، ما دام وزير الداخلية قد منع تمثيل بعض القصص الماجنة في بعض الملاعب، فأما أن يكون تمثيل قصص أخرى ماجنة، فأما أن يكون رقص وغناء، فأما أن يكون لهو ومجون في الأوبرا بأعين الحكومة وبأموال الدولة، وبعقود يمضيها وزير التقاليد نفسه، وبمال يأذن بإنفاقه البرلمان — وفيه رجال الدين قد مثلوا أحسن تمثيل — فذلك شيء لا ضير فيه ولا بأس به.
فأما أن يشهد الموظفون وغير الموظفين بعد الإفطار أو قبل الإفطار في دور السينما ما لا يلائم التقاليد ولا الآداب ولا الحياء؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه، ما دامت التقاليد مرعية في ظاهر الأمر، وما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وما دامت الصور تروح وتغدو، وما دامت الصحف تذيع في كل يوم أن الوزارة حريصة على حماية التقاليد.
كانت التقاليد إذن محمية أمس في مجلس النواب حين صعد المعارضون على المنبر، ثم نزلوا عن المنبر، ولم تبلغ أصواتهم الآذان، ولم تصل آراؤهم إلى العقول؛ لأن خصومهم، وهم الكثرة الكثيرة الساحقة الماحقة، كانوا قد أقبلوا مؤيدين للوزارة لا يريدون أن يجادلوا، ولا أن يناضلوا، ولا أن يسمحوا لأحد بالجدال والنضال.
وما دامت التقاليد قد حميت فمصر بخير، وليس على المصريين إلا أن يناموا ملء جفونهم؛ لأن تقاليدهم آمنة لا تتعرض لمكروه. لهم وزراء يهيئون التشريع ويعرضونه على البرلمان، ولهم نواب يؤيدون وآخرون يعارضون، ولهم بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله، سادة يأمرون فيطاعون، ويريدون فتنفذ إرادتهم، سواء أرضي الخصوم أم كانوا كارهين.
لم يكن مشكوكًا فيه هذا الفوز الذي ظفرت به الوزارة أمس، وكيف يتعرض هذا الفوز للشك وقد طلب رئيس الوزراء إلى الشعبيين أن يؤيدوا الحكومة فيما ستعرض من تشريع، وطلب وزير التقاليد إلى الاتحاديين أن يؤيدوا الحكومة أيضًا، والتقاليد هي التي حملت رئيس الوزراء على أن يطلب ما طلب، وهي التي حملت وزير التقاليد على أن يطلب ما طلب.
فلعلك تعلم أو تجهل أن لرئيس الوزراء حزبًا يُسمَّى حزب الشعب، وأن لوزير التقاليد حزبًا يُسمَّى حزب الاتحاد، وأن تقاليد الأحزاب تقضي بأن تجتمع الأحزاب إلى رؤسائها وتنظم أمورها قبل أن تدخل مجلس البرلمان.
وقد جرت هذه التقاليد، فقرر حزب الشعب وحزب الاتحاد تأييد الوزراء مساء الأحد، وأنفذ حزب الشعب وحزب الاتحاد قرار التأييد يوم الاثنين، وسلمت بذلك التقاليد كلها، فلم يمسسها ضرٌّ ولم ينلها مكروه، ونفذت مع ذلك — أو نفذت لذلك — تلك الإرادة الحازمة الصارمة أمس، كما أنها ستنفذ مساء اليوم، وستنفذ غدًا وبعد غد حتى يأتي اليوم الذي تمنع فيه الوزارة من أن تريد شيئًا؛ لأنها تنزل فيه عن مناصب الحكم.
فأما قبل هذا اليوم فستريد الوزارة أو يراد لها، فينفذ ما تريد أو ما يُراد لها، فإذا سألتني عن مصدر هذا وعن تعليله؛ ففي الأمر قولان: أحدهما قولي أنا وقولك أنت وقولنا جميعًا: وهو أن إرادة الوزارة معصومة لا تتجه إلا إلى الحق والعدل والإنصاف، والكثرة البرلمانية تعلم ذلك وتؤمن به؛ فللوزارة أن تريد، وللكثرة البرلمانية أن توافق، وعلينا نحن أن نذعن ونطيع.
والقول الثاني: قول الإنجليز أو قول الديلي تلغراف بنوع خاص، وهو أن الوزارة قابضة على أعنة الأمور؛ لأنها تعلق سيف الحل على النواب. فللوزارة أن تريد، وعلى النواب أن يوافقوا، وعلينا نحن دائمًا أن نسمع ونطيع، وأنا بريء من هذا القول، بريء منه كل البراءة، بريء منه وممن يقول به أو يصدقه أو يميل إلى تصديقه، لا لأني لا أريد أن أُدعى إلى النيابة، أو أقف بين يدي القضاء، أو أخضع لتشريع ذي أثر رجعي ينسحب على الماضي.
كلا، كلا، بل لأني مؤمن صادق الإيمان، ولأنك أنت أيضًا مؤمن صادق الإيمان بأن وزارتنا معصومة لا تخطئ، موفقة لا تنحرف عن الصواب، والنواب مؤمنون لها بذلك بالنيابة عنا فيوافقون، ونحن نسمع دائمًا ونطيع، لا عن رهبة، بل عن رغبة، ولا عن إكراه، بل عن رضًى، ولا عن خوف، بل عن ثقة.
وأي المصريين لا يثق بالوزارة؟ وأي المصريين لا يطمئن إلى النواب؟ وأي المصريين يستطيع أن يشك أو أن يسمح لنفسه بالشك في وزارة تحمي التقاليد، فتُحرِّم القهوة والدخان في رمضان، وفي نواب يحمون التقاليد فيسمحون للمعارضين بأن يصعدوا إلى المنبر ويقفوا في هيئة الخطباء؟
وكيف نشك في عصمة الوزارة وهي دقيقة الحس قوية الشعور، ولم تكد تشعر بأن المحامين الذين حكم عليهم قد رشحوا لعضوية النقابة حتى علمت أن ذلك يؤذي القضاء، وإن لم يشك إليها القضاء، فهبت لحمايته وإن لم يطلب حمايتها، فأنذرت وحذرت، ثم هيَّأت التشريع، ثم عرضته على البرلمان؟
وكيف نستطيع أن نشك في النواب وهم شركاء الوزارة في دقة الحس، ورقة الشعور، والعلم بما سيكون، بل بما هو كائن قبل أن يكون؟
كلا، كلا، ليشهد الوزراء أني أؤمن لهم بالعصمة، وليشهد النواب أني أؤمن لهم بالإصابة، وليشهد سادة هذا العصر أن المصريين جميعًا مثلي، وفيهم مكرم وأصحاب مكرم، وأننا نعارض لنداعب لا أكثر ولا أقل، فإذا خلونا إلى أنفسنا، وتفرقنا في أنديتنا، وتحدث بعضنا إلى بعض، فنحن لا نذكر الوزارة والنواب إلا بالخير، ونحن لا نهدي إلى الوزارة وإلى النواب إلا الشكر والثناء.
نحن نعارض حمايةً للتقاليد، كما تحكم الوزارة حمايةً للتقاليد، وكما يجتمع البرلمان حماية للتقاليد. نحن نحافظ على الصور والأشكال كما تحافظ الوزارة على الصور والأشكال، وكما يحافظ البرلمان على الصور والأشكال؛ فمصر جزءٌ من أوروبا، وإذن فيجب أن تكون لها وزارة تحكم، وبرلمان يشرع ويراقب الوزارة، ويجب أن يكون في هذا البرلمان كثرة وقلة؛ هذه تعارض، وتلك تؤيد، ويجب أن يكون خارج البرلمان قوم يعارضون.
يجب أن تتم هذه الأشكال كلها لتكون مصر جزءًا من أوروبا، وليقول الأجانب إذا زارونا أنَّا متحضرون غير متوحشين. فأما ما وراء هذه الأشكال والصور فشيء يعنينا نحن ولا يعني أحدًا غيرنا، ونحن — والحمد لله — مطمئنون راضون واثقون ناعمون. يكفي أن تريد الوزارة المعصومة ليوافق النواب المؤمنون بهذه العصمة، ثم لنسمع نحن ونطيع.
Tag: السخرية السياسية
-
إرادة
-
صدمة
حديث المساء: صدمة
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ ديسمبر ١٩٣٣
هي أهون الكلمات التي يمكن أن نُعبر بها عمَّا حدث أمس في المحكمة الشرعية، حيث اجتمع المحامون الشرعيون لينتخبوا لهم نقيبًا، ولينتخبوا من تحتاج النقابة إليهم من الأعضاء.
فقد أصابت الوزارة من هؤلاء المحامين الشرعيين صدمة عنيفة لم تمضِ دون أن تترك في الوزارة ندوبًا وآثارًا. وكان عدد المحامين ضخمًا، وكان أمر المحامين حزمًا كله، وكانوا قد أقبلوا من أنحاء مصر القريبة والبعيدة مُصمِّمين على أن يُفهموا الوزارة، ويلقوا في روع أنصارها، أن من الناس من يستخذي ويستكين ويخاف السلطان حين يجور، ولكن منهم من يستشعر العزة والكرامة فلا يخاف جورًا مهما يعظم، ولا يرهب ظلمًا مهما يسرف، ولا يذعن للسلطان فيما لا طاعة للسلطان فيه.
ومن قبل ذلك كان نذير الوزارة قد انتهى إلى المحامين الأهليين، فلما اجتمعوا قرءوه ثم أنكروه، ثم طرحوه ومضوا أمامهم لا يحفلون إلا بالحق، ولا يحتفظون إلا بالكرامة، ولا يقفون إلا عند العزة والإباء.
نعم، ومن قبل ذلك انتخب المحامون الأهليون نقيبهم وأعضاءهم مُعرِضين عن وعيد الوزارة، مُنكِرين لهذا الوعيد، ولم يكد نبأ انتخابهم يصل إلى الوزارة حتى جدت وكدت وحملت غيرها ألوانًا من الجد والكد لتنفذ الوعيد، وترد الصدمة، فصنعت هذا التشريع الغريب وأذاعته بين الناس، ونظرت تلتمس آثار هذا الإبراق والإرعاد والإنذار والإبعاد، فلم تر إلا هزًّا للرءوس، ورفعًا للأكتاف، وإغراقًا في الضحك، وإصرارًا على الإعراض.
لأن الناس مهما تلح عليهم الفتنة، وتثقل عليهم المحنة لا يستطيعون أن ينظروا إلى المزاح كما ينظرون إلى الجد، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى السياسة التي تصدر عن أشخاص لتصيب أشخاصًا، كما ينظرون إلى السياسة التي تصدر عن الوزارة لتصلح أمور شعب من الشعوب، ولأن الناس أعلم بالوزارة، وأنصار الوزارة، وميول الوزارة من أن تقنعهم هذه الحجج الواهية، وهذه البراهين المفككة التي اشتملت عليها المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع.
قرأ الناس إنذار الوزارة فعرفوا أنها مُحنِقة على مكرم تريد أن تبعده عن النقابة، فضحكوا ثم أعرضوا، وقرأ الناس تشريع الوزارة وما قدمت بين يديه من مذكرة توضحه وتحل ألغازه؛ فعرفوا أن الوزارة محنقة على مكرم تريد إخراجه من النقابة فضحكوا ثم أعرضوا.
وكانت الوزارة قد أرادت أن تجعل عدلها شاملًا كاملًا، فلا تحول بين مكرم وحده وبين النقابة، بل تشرك معه نفرًا من أصحابه، فرفضت نصًّا كان قد وضع لها، ووضعت مكانه نصًّا جديدًا ليكون حبها للمحامين الأهليين شائعًا بينهم جميعًا، مقسومًا عليهم جميعًا، ثم اشتد في نفس الوزارة حب العدل، وقوي في نفس الوزارة إيثار المساواة، فرفقت بالمحامين الشرعيين، وعطفت عليهم، وسوت بينهم وبين المحامين الأهليين فيما تفضلت به من بر وإحسان؛ فلم تكتف بتهيئة قانون واحد، بل هيَّأت قانونين، ولم تكتف بإصدار مذكرة واحدة، بل أصدرت مذكرتين.
وهؤلاء المحامون الشرعيون قد اجتمعوا أمس فقرءوا إنذار الوزارة، وقرءوا القانونين والمذكرتين، ثم ضحكوا وأعرضوا ومضوا في انتخاباتهم كأنهم لم يقرءوا شيئًا، وكأن الوزارة لم تصنع شيئًا. نستغفر الله، بل مضوا في انتخاباتهم لأنهم قرءوا، وأرادوا أن ينكروا على الوزارة ما قرءوا، وأن يقولوا للوزارة إنها تستطيع أن تصدر الإنذارات، وتهيئ القوانين، وتبدع في كتابة المذكرات، ولكنها لن تستطيع أن تحمل كرام الناس على أن يذلوا، وأحرار الناس على أن يذعنوا، وأُباة الناس على أن يقبلوا الضيم.
وقد تحدَّث الناس أن الوزارة لم تكد تهيئ قانونيها وتصدر مذكرتيها حتى استشرعت قوة وبأسًا، وابتسم لها الأمل، وغمرها ضوءُه المشرق، واستيقنت أنها ستبلغ من إخضاع المحامين الشرعيين ما لم تبلغ من المحامين الأهليين، وستمحو بانتصارها على أولئك آثار هزيمتها أمام هؤلاء، فانتظرت واثقة، ولكنها لم تظفر بعد الانتظار إلا بما حدث أمس.
وفيما حدث أمس ما يثير الحزن، ويدعو إلى اليأس، ويحمل على الإذعان للقضاء لو أن الناس يعقلون، وفيما حدث أمس ما يغيظ ويحفظ ويثير الغضب، ويدفع إلى الحدة، ويطلق الألسنة بنذير جديد، ويلقي في القلوب التفكير في قانون جديد. لو عقل أنصار الوزارة لنصحوا لها أن تذعن لحكم الله فيها؛ فهي لن تبلغ بضعفها من مصر ما عجز صدقي باشا عن أن يبلغه بقوته وبأسه، ولكن الذين يعقلون قليلون.
وأكبر الظن أن قومًا سيشيرون على الوزارة بأن تلتمس وسيلة لإلغاء انتخابات أمس، ولا وسيلة إلا أن تضيف نصًّا جديدًا إلى المشروع الجديد؛ فقد وقع انتخاب أمس بعد أن هيئ القانون وقبل أن يصدر؛ فهو إذن انتخاب صحيح تُجرى عليه أحكام القوانين القائمة، ولا بد للوزارة إن أرادت إلغاء هذا الانتخاب من أن تغير مشروعها فتسحبه على الماضي سحبًا، وتجره إلى الماضي جرًّا، كما فعلت بقانون المحامين الأهليين.
وليس ما يمنع الوزارة من ذلك، بل ليس شيء يستطيع أن يمنع الوزارة من شيء؛ فما دامت تستطيع أن تلغي ما تريد إلغاءه بقانون تهيئه لا يعنيها في ذلك أن يكون قانونها عامًّا أو خاصًّا، معقولًا أو غير معقول، إنما يعنيها أن تحقق ما تريد وخلاص، كما يقول وزير التقاليد، أو أن تحقق ما تريد وبلاش دوشة، كما يقول وزير التقاليد أيضًا.
فكل شيء مباح لها، وكل شيء يسير عليها، ولا تطلب إلى الوزارة أن تلغي هذا الانتخاب إن أرادت إلغاءه بالطرق القانونية المألوفة، فترفع أمره إلى القضاء إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. لا تطلب إلى الوزارة هذا؛ فهذا شيء لا تحبه ولا تميل إليه. ألست ترى أنها لم تفكر في إلغاء انتخاب المحامين الأهليين بهذه الطريقة لتفكر في رفعه إلى القضاء؛ لأنها لم تجد إلى ذلك سبيلًا؟ وهي مع ذلك تريد إلغاءه، فلْتُلْغِه بقانون.
وهي مع ذلك تحترم القضاء وتكبره وتجله وتغار عليه، وتريد أن تصون قدسه وتحمي أحكامه من تجريح المحامين! ويحكم، أيها الناس، متى تفهمون أنفسكم؟ ومتى تلائمون بين أعمالكم وأقوالكم؟ ومتى تعرفون أن إكبار القضاء لا يأتي من هذا النحو الذي تسلكونه، وإنما يأتي من الاحترام الخالص الصادق للقانون، ولكن ماذا تقول؟ ولمن تقول؟
إنك في وادٍ والوزراء في وادٍ آخر، إنك تريد العدل والحق والحياة الهادئة المطمئنة في ظل العدل والحق، والوزراء يريدون أن يظفروا، وأن ينتصروا، وأن يظهروا أنهم وزراء، وأنهم ظافرون منتصرون، وأنهم يستطيعون أن يعاقبوا من لم يدن لهم بالطاعة والإذعان.
أما أنا فأُهنِّئ الوزارة بصدمة أمس بعد صدمة ١٥ ديسمبر؛ فإن هذه الصدمات المتصلة سترد الوزارة إلى شيء من الرشد، فيأمن الناس بعض إسرافها، أو هي ستدفع الوزارة إلى الغضب والإسراف فيه فتضاعف أغلاطها، ولا تصيبها صدمة حتى تتعرض لصدمة أخرى، وما تزال تمضي من غلطة إلى غلطة، ومن ورطة إلى ورطة حتى يتم فيها قضاء الله، وينفذ فيها أمر الله؛ فتريح وتستريح. -
سيادة …
حديث المساء: سيادة …
طه حسين
كوكب الشرق
٢١ ديسمبر ١٩٣٣
مصر دولة مستقلة ذات سيادة ما في ذلك شك ولا ريب، ولا إلى الجدال في ذلك مذهب أو سبيل. قد
أعلنه الدستور القديم ولم يهمل إعلانه الدستور الجديد؛ فإنكاره إثم، والشك فيه جرم والتواء به
خروج على الدستور والنظام.
ونعوذ بالله أن ننكر أن الدولة المصرية مستقلة وأنها سيدة في بلادها، تأمر وتنهى، وتأتي وتذر،
ليس لأحد أن يمانعها في ذلك أو يَحُول بينها وبين ما تريد منه، ومجلس الوزراء هو مظهر هذه
السيادة، أو قُلْ هو أداة هذه السيادة، يُجْرِيها وينفذ أحكامها ويَصُونها من عبث العابث
واعتداء المعتدي.
ومجلس الوزراء لذلك يأمر وينهى، ويأتي ويدع، ليس لأحد أن يَرُدَّ عليه أمره ونهيه، أو إقدامه
وإحجامه، إلا البرلمان والقضاء؛ لأن البرلمان — فيما يقول الناس — مُستقَرُّ السيادة ومصدر
السلطة، ولأن القضاء ملجأ المظلومين، والفيصل بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين
الإنصاف والإجحاف.
كل هذه أوليات يدرسها الطلاب في مدارسهم، ويتحدث بها الناس في مجالسهم، ويؤمن بها الكبير
والصغير، ويذعن لها القوي والضعيف، ويصدر عنها مجلس الوزراء فيما يعمل وما يقول. وعنها صَدَرَ
مجلس الوزراء في هذا التشريع البديع الذي أنذر بإصداره يوم الخميس، ثم جدَّ في إصداره نحو
أسبوع، ثم هيَّأه وأذاعه أمس ليعرضه على البرلمان يوم الاثنين.
وقد عرفت بالطبع هذا التشريع البديع الذي تكشَّفَ عنه إكبار مجلس الوزراء لسيادة الدولة،
واجتهاد مجلس الوزراء في ألا تكون هذه السيادة كلامًا يُقال، أو رأيًا يُرى أو مثلًا أعلى يُسعى
إليه، بل في أن تكون حقًّا واقعًا يراه الناس بعيونهم ويسمعونه بآذانهم، ويمسونه بأيديهم،
وينعمون بآثاره الحلوة، ويشقون بآثاره المُرَّة.
ولولا أن مجلس الوزراء مقتنعٌ بسيادة الدولة، مؤمن بأنه مظهر هذه السيادة وأداتها في مصر، على
أن يستفيد ويفيد بهذا الإيمان وذلك الاقتناع، لولا هذا لما أنذر مجلس الوزراء يوم الخميس ولما
فكر مجلس الوزراء منذ يوم الجمعة، ولما بر مجلس الوزراء بوعيده مساء الأربعاء. فالقادر على
الإنذار وحده هو الذي ينذر، والقادر على التفكير وحده هو الذي يفكر، والقادر على الوفاء وحده هو
الذي يفي.
وقد جمع الله لمجلس وزرائنا كل هذه الألوان من القدرة، فعلَّق السيف على رقاب المحامين منذ
يوم الخميس، قبل أن يبدءوا في الانتخاب؛ لأنه قادر على تعليق السيف. ثم هز السيف منذ يوم الجمعة
أمام عيون المحامين؛ لأنه قادر على هز السيف، وعلى أن يسحر عيون المحامين بما في صفحة السيف من
بريق ورواء، وبما في حد السيف من نفاذ ومضاء. ثم رفع السيف منذ أمس على رءوس المحامين؛ لتهوي
بالسيف يده على هذه الرءوس حين يأذن الله بذلك لمجلس الوزراء. وإنما يأذن الله بذلك لمجلس
الوزراء حين يبيح البرلمان له أن يضرب بعد أن استعد للضرب، وينفذ بعد أن هم، ويجعل ضربته نكالًا
للذين يخالفون عن أمر الوزراء، ويُقْدِمون على انتخاب من يكرههم الوزراء بعد أن سبق إليهم وعيد
الوزراء. هنالك تهوي يد مجلس الوزراء بسيف الدولة القاطع؛ فوا رحمتاه للمحامين من هذا السلطان
المبين!
وكذلك يعرف المصريون جميعًا أن الدستور لم يكن هازلًا حين أعلن إليهم أن في بلادهم دولة
مستقلة ذات سيادة، ويعرف المصريون جميعًا أن هذه الدولة المستقلة السيدة لا تمزح في استقلالها
ولا في سيادتها ولا تحب أن يمزح فيهما الناس، ولو كانوا محامين أو أكبر من المحامين، ويعرف
المصريون أن الدولة إذا أمرت يجب أن تُطاع ولا ينبغي لأحدٍ أن يسألها أتأمر بالحق أم بالباطل،
أتعدل في أمرها أم تجور؛ لأن مثل هذا السؤال إنما يُوجَّه إلى غير السادة، فأما السادة فلا
ينبغي لهم إلا الطاعة والإذعان. فمَنْ همَّ منهم أن يخالف عن ذلك، صدمته الوزارة بالإنذار، فإن
خالف بعد الإنذار أنفذت فيه الوزارة عقابها الشديد.
وكذلك فعلت مع المحامين، أحست أنهم يريدون أن ينتخبوا لهم نقيبًا لا تحبه؛ فأنذرتهم وحذرتهم
وكان هؤلاء المحامون أباة، جفاة، قساة، لا يخافون ولا يرهبون، ولا يحبون الطاعة في غير ما
يعتقدون أنه الحق؛ فأعرضوا عن الإنذار وولوه ظهورهم، وانتخبوا نقيبهم الذي تكرهه الوزارة
وأصدقاء الوزارة، وانتخبوا أصحاب هذا النقيب الذين تكرههم الوزارة وأصدقاء الوزارة؛ فثبت عليهم
الإثم وحقت عليهم الكلمة ووجب عليهم الآن أن يحتملوا ما سينزل بهم من العقاب، ويا له من عقابٍ
سيؤرقهم طول الليل، ويحزنهم طول النهار! سيلغي انتخابهم إلغاءً وسيخرج الذين انتخبوهم من
النقابة إخراجًا، وسيعلمون أن أوامر الدولة يجب أن تُطاع.
وعلى هذا النحو هُيِّئ التشريع الذي أُذِيعَ أمس واشتمل على هذه المزية التي لا يشتمل عليها
إلا التشريع الكامل، وهو أنه صالح لكل زمان ومكان، قصير ولكنه طويل، يشمل الحاضر والماضي
والمستقبل كأنه الفعل عند النحويين، ضيق ولكنه عريض، يشمل المحامين الأهليين الذين خالفوا عن
أمر الوزارة، والمحامين الشرعيين الذين أظهروا تأييدًا لزملائهم أولئك.
وما رأيك في تشريعٍ قصير طويل، ضيق عريض، هيِّن قاسٍ، لين شديد. فيه قسوة وعنف؛ لأنه يخرج
مكرمًا وأصحابه من النقابة بعد أن دخلوا فيها، ولكنَّ فيه رحمةً ولطفًا؛ لأنه يشرك معهم قومًا
آخرين لم تكن الوزارة تفكر في إيذائهم أو إنزال العقاب بهم؟! ولكن بدا لها أن التسوية بين الناس
في العنف لين، وأن التسوية بين الناس في الشدة رحمة، وأن إنزال العقاب بالذين لم يخالفوا ضرورة
قبل إنزال العقاب بالذين خالفوا.
وكذلك جاء هذا التشريع آية من آيات البيان، وآية من آيات العدل، وآية من آيات الحكمة، وآية من
آيات السياسة. آية في كل شيء، آية في كل وقت، آية في كل مكان، آية عند كل إنسان.
وليس هناك شك ولا شيء يشبه الشك في أن البرلمان سيلقى هذه الآية بما تستحقه من الإعجاب،
والبرلمان أحرص على الآيات من أن يُضيِّعها، وأرفق بالأمة من أن يحرمها مثل هذه الرحمة، أو أن
يُفوِّت عليها فرصة كهذه الفرصة التي تُتاح لوزارة من الوزارات؛ لأن الوزارات الأخرى تكره أن
تُظْهِر تحدي الحق والعدل إلى هذا الحد، وأن تشرع للأشخاص ولمعاقبة الخصوم، وتكره بنوع خاص أن
تجر القوانين إلى الماضي، وتأبى لنفسها أن تتكلف العلل والحِيَل لِتمَسَّ خصومها بما تريد من
الشر.
أما الوزارة القائمة فلا تخاف شيئًا؛ لأنها أكبر من أن تخاف ولا تحسب لشيء حسابًا؛ لأنها أكبر
من أن تحسب الحساب، ولا تذكر صدقي باشا، فليس صدقي باشا شيئًا، وإنما هو داء يَسْرِي في الجسم
فيجب أن يُتَّقَى؛ فالوزارة لا تخافه وإنما تريد أن تمحوه. ومن الذي يلوم المريض إذا جد في محو
الداء؟!
وزارتنا إذن قد أحدثت هذه الآية في التشريع، وبرلماننا إذن قد يُعجَب بهذه الآية آيات
التشريع، وقد يخطر لبعض النواب — وهذا بعيد — أن يناقشوا أو يجادلوا. ولكن هل تُخذَل الوزارة
والنواب قد قرءوا الصحف، والنواب قد علموا أن الوزارة قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سيف
التهديد بحل مجلس النواب، والنواب يعلمون أن الوزارة لا تمزح إذا أوعدت أو أنذرت؟! وهل مزحت حين
أنذرت المحامين؟!
سيمضي تشريع الوزارة إذن في أغلب الظن، وستُخلَّد آيتها الباهرة إلى أن تتبدل الحال غير
الحال، وتُمحَى آية الوزارة كما مُحِيَتْ آيات وزارات أخرى.
وآيات الناس لا تقوى على الخلود، ولكن المصريين — على كل حال — يعلمون منذ الآن أين هم، وماذا
يُراد بهم، وما ينبغي أن ينتظروا إن لم يذعنوا لسادتهم الوزراء.
وويل للمصريين من فكرة خطرة تضطرب أحيانًا في نفوس جماعة منهم فتفسد عليهم كل شيء؛ وهي أن
السيادة لا ينبغي أن تُبسَط على المصريين وحدهم، بل ينبغي قبل كل شيء أن تُبسَط على الأجانب
المقيمين في مصر والوافدين عليها، والنازحين عنها!
ينبغي قبل كل شيء أن يشعر الأجانب أن الدولة المصرية سيدة في بلادها، لا تقبل أن يُستغَلَّ
أهلها وأن يُستذَلوا، ولا أن تتعرض مصالحهم للعبث؛ لترضى الشركات وليرضى الأفراد ولترضى الدول.
لا ينبغي أن يدفعوا ذهبًا ليرضى الفرنسيون، لا ينبغي أن يفاوضوا في ذلك؛ لأن المفاوضة في ذلك
نزول عن بعض السيادة، لا ينبغي أن يرهن الفلاحون لترضى المصارف.
هذه الفكرة وما إليها تخطر لبعض الناس، فيشعرون بأن سيادة الدولة منقوصة، ويودون لو استطاع
مجلس الوزراء أن يبسطها ويكملها ويمس بها الأجانب ولو مسًّا لينًا هينًا عنيفًا خطر.
ونصيحتنا إلى المصريين أن يطردوا هذه الفكرة من رءوسهم ويذودوها عن نفوسهم؛ فهم لم يُخلَقوا
ليكونوا سادة كلهم، وإنما خُلِقوا ليسود منهم فريق ضئيل، وهم لم يُخلَقوا ليضعوا أنفسهم بآراء
الأجانب، وإنما خُلِقوا ليطيعوا الوزراء، والتواضع فضيلة يجب أن يرغب فيها العقلاء؛ فليتواضع
المصريون إن كان لهم حظ من عقل أو نصيب من رشد، وإلا فإن مجلس الوزراء خليق بتأديبهم وتعليمهم
كيف يكون التواضع، وكيف يكون الاقتصاد، وكيف يلزمون منزلتهم التي خُلِقوا ليعيشوا فيها يُؤمَرون
فيأتمرون ويُنهَون فينتهون، ويصيبهم البأس فلا ينكرون ويمسهم الضر فلا يشكون، ويضحك منهم الناس
فيضحكون مثلهم.
ولا تظن أن مجلس الوزراء عاجز عن تأديب المصريين بهذا الأدب؛ فهو قد أدَّبَ المحامين
فأَحْسَنَ تأديبَهم، وهو قادر من غير شك على أن يؤدب غير المحامين فيُحْسِن تأديبَهم، وما دام
مجلس الوزراء يستطيع أن يشرع القوانين القصيرة الطويلة الضعيفة العريضة اللينة العنيفة؛ فهو
قادر على أن يصنع بالمصريين ما يشاء. -
مريض
حديث المساء: مريض
طه حسين
كوكب الشرق
٢٠ ديسمبر ١٩٣٣
ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.
في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.
أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.
ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.
ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.
وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟
هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.
ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.
وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.
أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.
سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟! -
رحمة
حديث المساء: رحمة
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ ديسمبر ١٩٣٣
لا ينبغي أن نيأس من قلوب الناس؛ فقد تقسو هذه القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، ثم يمسها بعد ذلك جناح من الخير والبر، ومن العطف والإشفاق؛ فإذا هي ترق وتلين حتى كأنها النسيم الرقيق، والماء العذب الصفو.
ولا ينبغي أن تيأس من نفوس الناس؛ فقد تخشن وتجفو، ثم إذا بلغت أقصى غاية الخشونة، وأبعد آماد الجفوة، مسها ذلك الجناح السحري، فإذا هي ناعمة ملساء صافية حلوة كأنها العسل الماذي الذي تحدَّث عنه الشعراء الأقدمون.
لا ينبغي أن تيأس من شيء؛ فكل شيء ممكن حتى أن يلين قلب صدقي باشا بعد شدة، وتلطف نفس صدقي باشا بعد حدة، ويصفو طبع صدقي باشا بعد جفوة، ويصبح هذا الطاغية الجبار مَلَكًا حلو الشمائل، كريم النفس، رحيم القلب، عطوفًا على الناس رءوفًا بهم، يرحمهم حتى إنه ليحتمل في سبيلهم المكروه، ويتجشم في سبيلهم الأهوال. وماذا تنكر من هذا وأنت ترى صدقي باشا يرق للحياة النيابية، ويفيض رحمةً للنواب، وحنانًا عليهم، وخوفًا أن تمسهم الحكومة بما يكرهون، أو أن يردهم الحل إلى حيث كانوا قبل أن يدعوا إلى قبة البرلمان، وإذا هو يخرج من صمته، ويتخلص من هدوئه وسكونه، ويتخفف من عزلته، ويضحي براحته، ويكتب إلى رئيس مجلس النواب يسحب استقالته من مجلس النواب؟!
وقد يظهر لك هذا غريبًا طريفًا، ولكن الغرائب قد تقع، والطرائف قد تحدث، وليس على الله بمستنكر أن يرد الأشياء إلى أضدادها، ويحول سير الناس إلى نقائضها، ويجعل صدقي باشا رجلًا شفيقًا رحيمًا يشفق على النواب من مس النسيم بعد أن لم يشفق على الشعب من مس النار والحديد.
نعم، لم يشفق صدقي باشا على أولئك المصريين الذين حصد الرصاص نفوسهم حصدًا، ومزقت الحراب أجسامهم تمزيقًا، وهشمت المقامع عظامهم تهشيمًا.
لم يشفق صدقي باشا على واحد من هؤلاء، بل كان صدقي باشا ينظر إليهم وإلى ما يصيبهم، فيطغيه ما يرى، ويزدهيه ما يسمع، ويعلن إلى محدثيه أنه أصبح لا يخشى إلا الموت.
فلما أبعد عن الحكم وأخرج من الحرب، واضطر إلى أن يستقيل من مجلس النواب؛ عادت إلى قلبه الرحمة، وثابت إلى نفسه الدعة، فلم يكد يحس نذير الحكومة أمس بحل مجلس النواب إن لم يقبل استقالته، حتى أسرع إلى هذه الاستقالة فسحبها سحبًا، وابتلعها ابتلاعًا، رحمةً بالنواب، وحمايةً للنظام الحاضر، وصيانة للتقاليد الدستورية.
ألست ترى معي أن النكتة فاترة، وأن المزاح سخيف، وأن التكلف بريء كل البراءة من المهارة الفنية، خلو كل الخلو من اللباقة والرشاقة اللتين كان الناس يعرفونهما عن الدكتاتور العظيم، أيام كان قويًّا جريئًا لا يخاف إلا الموت؟
بلى، وليس من شك في أن رئيس الوزراء لم يخطئ حين صوَّر موقف صدقي باشا أمس في صورته الصحيحة، فأعلن أنه إنما استرد استقالته حين استيقن أن المجلس سيقبلها، واستيأس من أن أحدًا سيذود عنه أو يتعصب له؛ ذلك أن صدقي باشا أعلم الناس بأصحابه، وأشد الناس، وأحسن الناس ابتلاءً لسرائرهم، وامتحانًا لطاقتهم.
رأى منهم الخذلان فاستقال حتى لا ينهزم أمام الدكتور رفعت باشا، ثم رأى منهم الخذلان فاسترد استقالته أمس حتى لا يقبلها النواب بالإجماع أو شيء يشبه الإجماع. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء كان مصيبًا في هذا التصوير؛ فهذا مرشح الوزارة لوكالة المجلس قد ظفر أمس بمائة أو نحو مائة من الأصوات بعد أن لم يظفر يوم الخميس إلا بأربعة وخمسين صوتًا، فكان النذير إذن قد أحدث آثاره، وانتهى إلى نتائجه، وكانت نظرات الغضب التي أرسلها الرجل الطيب ووزير التقاليد القديم ووزير التقاليد الجديد قد انتهت إلى غايتها، فطابت قلوب النواب لما تحب الوزارة، ولو قد عرضت استقالة الدكتاتور أمس لقبلت دون أن تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل القديم.
فصدقي باشا إذن لم يشفق على النواب ولا على الحياة النيابية من الخلاف بين الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية حول شخصه العظيم، وإنما أشفق على نفسه من الاتفاق بين الهيئتين على شخصه هذا. ولعله أشفق على النواب والحياة النيابية من قبول استقالته، فلو قد قبل النواب استقالته، وذلك شيء لم يكن منه بد لسجلوا على أنفسهم أنهم قد سمعوا النذير فخافوه، واضطروا إلى الطاعة والإذعان.
وصدقي باشا رجل يحب النواب، ويؤثرهم بالخير، ويفديهم بالنفس والمال، ولا يريد أن يعرضهم لرفض الاستقالة، وما يتبعه من الحل، أو لقبول الاستقالة وما يتبعه من سوء الحديث؛ فهو على كل حال بطل من أبطال التضحية، وهو على كل حال خليق أن يعرف له النواب هذه الصنيعة، ويشكر له النواب هذه النعمة، ولكن صدقي باشا رجل قد أصبح الآن فيلسوفًا، يعرف الناس، ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، ولكن صدقي باشا قد أصبح الآن خيِّرًا بطبعه يعمل الصالحات، ويقدم المعروف، ويحسن إلى الأصدقاء والخصوم، ولا يبتغي بذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد بذلك إلا وجه الله، وخدمة الوطن خالصة لوجه الله، ولوجه الوطن. وقد يكون هذا غريبًا، ولكن الغرائب تقع، والطرائف تكون.
وتسألني بعد ذلك عن التفسير الصحيح لهذا الموقف الظريف الذي وقفه صدقي باشا أمس، فعلم هذا التفسير عند الله، ولعله عند أكواب الشاي التي شهدت خلوته مع المندوب السامي السابق مساء الثلاثاء. فأنت توافقني على أن من الغريب أن يخلو صدقي باشا إلى السير برسي لورين مساء الثلاثاء، فيتقبل صورته الفوتوغرافية، حتى إذا كان مساء الأربعاء عاد صدقي باشا إلى الصحف، فتحدث إلى الأهرام، حتى إذا كان الخميس سقط مرشح الحكومة لوكالة النواب، وكاد مرشحها الآخر أن يبلغ القاع، حتى إذا كان صباح الجمعة ظهرت لصدقي باشا صحيفة تذود عنه وتنطق بلسانه، حتى إذا كان السبت والأحد كثر الكلام وشاعت الإشاعات، وتحدث الناس بأن لصدقي باشا أنصارًا قد يأبون قبول استقالته، واضطر الحزبان الشقيقان أن يحتاطا لذلك، فقال رئيس الوزراء ما قال، وقال وزير التقاليد ما قال، وقال وزير الداخلية ما قال، حتى إذا كان مساء الأمس ظهر صدقي باشا فجأة في الملعب، فاسترد استقالته وعاد إلى الحظيرة في مجلس النواب.
قل ما شئت؛ فإن هذه الحوادث المتعاقبة لا تخلو من دلالة، وقل ما شئت في هذه الدلالة، فإنها كافية لدفع رجل ضعيف كصدقي باشا إلى أن تعاوده الآمال الكذاب؛ فيستأنف النشاط، ويسترد استقالته من مجلس النواب، ويعود إلى حيث يناوئ خصمه الرجل الطيب رئيس الوزراء.
ورب لين خير منه القسوة، ورب رحمة خيرٌ منها العنف، وهل يعلم صدقي باشا أنه كان أقسى على النواب أمس من رئيس الوزراء، وأنه كان أغلظ عليهم وأعنف بهم من وزير الداخلية ووزير التقاليد؟ فهو يسجل عليهم أن رئيس الوزراء قد أنذرهم، وهو يسجل عليهم أنه استرد استقالته ليحمي الحياة النيابية، فقد كانوا هم إذن عاجزين عن أن يحموا الحياة النيابية، وعن أن يذودوا عن أنفسهم ويحفظوا كرامتهم.
أكان صدقي باشا مخلصًا فيما يقول؟ وهل بلغ ازدراؤه لكفاية النواب وقدرتهم على النهوض بواجبهم لأنفسهم وللحياة النيابية إلى هذا الحد؟ أكان صدقي باشا عابثًا فيما يقول؟ وهل بلغ استخفافه بعقول النواب والوزراء إلى هذا الحد؟ أم يريد صدقي باشا أن يشارك رئيس الوزراء فيسجل الفشل الذي ليس بعده فشل على سياسة هذه الأيام؟
رئيس الوزراء ينذر بحل المجلس إذا لم يذعن النواب لما تريد الحكومة، وصدقي باشا يسترد استقالته خوفًا على المجلس من الحل، والنواب ماذا يصنعون بين هذين الرجلين. هذا يدفعهم، وهذا يلقاهم! هذا يخوفهم، وهذا يحميهم. ومعنى هذا كله أن الحياة النيابية في مصر قوية ثابتة صالحة لا خوف عليها، ولا بأس بها، ولا فساد فيها. أليس هذا مضحكًا؟ أليس هذا مُسلِّيًا للصائمين؟ أليس هذا مُعينًا على احتمال أثقال الصوم؟ بلى، ولكنه في الوقت نفسه مؤلم ممض؛ فقد استحالت أمور السياسة الرسمية إلى نوع من العبث الرخيص الذي لا مهارة فيه ولا لباقة ولا فن، وأصبحت شئون مصر الرسمية فنًّا من فنون اللهو التي يصطنعها الناس في أنديتهم ومجالسهم لا أكثر ولا أقل.
ألم يُقدِّر الله لهذا البلد أن تعود أموره إلى شيءٍ من الجد، وألا تفسد سياسته بين رجلين يختصمان فإذا هما يلعبان؟ -
عدوى
حديث المساء: عدوى
طه حسين
كوكب الشرق
١٦ ديسمبر ١٩٣٣
أصبحت حماية التقاليد عدوى تسعى في أعضاء الوزارة كما يسعى اللهب في الهشيم، لا يكاد يقاومها وزير أو يسلم منها بطل من أبطال الحكم في هذه الأيام، ويظهر أن مصدر هذا الانتشار الغريب لعدوى حماية التقاليد هو أن رئيس الوزارة قد تغيَّرَ، فقام عبد الفتاح يحيى باشا مقام صدقي باشا.
ويظهر أن صدقي باشا كان قويًّا عنيفًا مسرفًا في القوة والعنف لا يقصرهما على خصومه بل يتجاوزهم بها إلى أصدقائه ثم إلى زملائه من الوزراء؛ فقد استطاع صدقي باشا أن يحصر علة التقاليد في وزارة المعارف، ويأبى عليها أن تخرج منها أو أن تمتد إلى غيرها من الوزارات، وظل وزير المعارف محتكرًا للتقاليد، وحب التقاليد، وحماية التقاليد حتى سقط الدكتاتور العظيم، وتألفت الوزارة الجديدة، وإذا التقاليد تشيع، وإذا حماية التقاليد تنتقل إلى وزير الداخلية، ثم إلى وزير الحقانية، ثم تعم الوزراء جميعًا وتسيطر على مجلس الوزراء.
وبغير هذا النحو من التفسير لا نستطيع أن نفهم هذه الأزمة الجديدة التي أنشأها مجلس الوزراء مساء الخميس حين أصدر بلاغه الهائل المخيف إلى نقابة المحامين، يأمرها وينهاها، ويرغبها ويحظر عليها ويمنعها أن تنتخب جماعة معينة من المحامين بحجة الخوف على التقاليد أن تُهان، والإشفاق على التقاليد أن ينالها السوء من فوق أو من تحت أو من أي نحو من هذه الأنحاء التي تسعى منها العلة إلى الأصحاء.
نعم؛ بغير هذا النحو من التفسير لا سبيل إلى فهم هذه الأزمة الجديدة التي أثارتها الوزارة يوم الخميس. فأضافت ثقلًا عنيفًا إلى أثقالها الأخرى التي كانت تحملها من صدقي باشا ومن ظلال صدقي باشا، وفتحت لنفسها بابًا جديدًا من أبواب النشاط، وفتحت على نفسها بابًا من أبواب الضعف وما هو أشد من الضعف، وأسوأ منه عاقبة وأقبح أثرًا. فلولا أن وزير الداخلية قد غار فحمى التقاليد ومنع تمثيل طائفة من قصص الخلاعة والمجون لما أحس الناس أن أمر التقاليد قد عظم وضخم، حتى أصبح ينذر بشرٍّ عظيم.
وما كادت تمضي أيام على غيرة وزير الداخلية، وما كاد وزير التقاليد القديم يروض نفسه على احتمال منافسه الجديد في حماية التقاليد حتى ظهر وزير الحقانية منافسًا للرجلين جميعًا، فطلب أن تُحمَى تقاليد المحاماة. ولم يكد يطلب هذا إلى زملائه حتى سرى فيهم جميعًا حب التقاليد كما تسري نشوة الغناء في الأعضاء، وجرى فيهم جميعًا حب التقاليد كما يجري روح الحياة في العروق، وإذا هم جميعًا حماة للتقاليد، وذادة عنها، وإذا هم جميعًا دعاة إلى التقاليد وحراص عليها، وإذا هم جميعًا ينطقون بهذه الكلمة الكريمة على نفوسهم، الأثيرة في قلوبهم، الحلوة على ألسنتهم، اللذيذة في مسامعهم، التقاليد، التقاليد، يجب أن تُحمَى التقاليد، يجب أن تُصان التقاليد.
وأمسى الناس يوم الخميس وإذا مجلس الوزراء ينذر المحامين جميعًا؛ لأنه قد علم أن جماعة من الذين حُكِم عليهم قد رشحوا أنفسهم أعضاءً للنقابة وبأن مجلس الوزراء ينكر هذا الترشيح ويأباه، ولا يرضى بحالٍ من الأحوال أن ينتهي إلى نتيجته فيُنتخَب المرشحون ويصبحوا أعضاءً في النقابة؛ لأن تقاليد المحاماة لا تسمح بذلك، وهي تأبى أن يتحدث عن المحامين أو يمثلهم من صدر عليه حكم من أحكام التأديب. ولا يكتفي مجلس الوزراء بهذا النذير بل يضيف إليه أن الحكومة ستضطر إلى أن تصدر تشريعًا يفرض هذه التقاليد فرضًا، ويكفل لها ما هي في حاجة إليه من الحماية والصيانة، ويَحُول بين هؤلاء المرشحين إذا انتُخِبوا وبين تمثيل المحامين أو التحدث عن المحامين. ومعنى ذلك أن الحكومة ستصدر التشريع وستجره على الماضي جرًّا؛ لتخلص من هؤلاء الأعضاء الذين لا نحب أن تراهم مرآة للمحامين أو لسانًا للمحامين.
ولم يكد الناس يقرءون هذا البلاغ ويسمعونه حتى أخذهم دهش غريب من هذا الحرص الغريب على التقاليد وحتى قال بعضهم لبعض: ما دام مجلس الوزراء حريصًا على التقاليد إلى هذا الحد؛ فما باله لم يَحْمِ تقاليد الدستور، وهي أعظم خطرًا وأبعد في حياة الناس أثرًا من تقاليد المحاماة؟! وقال بعضهم لبعض: وما بال مجلس الوزراء لم يتحقق الأمر قبل أن يسرع إلى إصدار هذا النذير الخطير، فقد يظهر أن تقاليد المحاماة لم يصبها بأس ولم يلم بها مكروه، وقد يظهر أن جماعة من المحامين الأهليين والشرعيين قد صدرت عليهم أحكام تأديبية، ثم لم يمنعهم ذلك من أن يمثلوا المحاماة في نقابات المحامين، ولم يخطر للوزارة القائمة يومئذ أن في ترشيح هؤلاء المحامين لأنفسهم وفي قبول إخوانهم لهذا الترشيح وفي انتخاب إخوانهم لهم أعضاء في النقابات مساسًا للتقاليد أو عدوانًا عليها أو مخالفةً لها. وقال بعضهم لبعض: إن من هؤلاء المحامين الذين صدرت عليهم أحكام تأديبية منها التوبيخ ومنها ما هو أشد من التوبيخ من كان وكيلًا لنقابة المحامين الأهليين، ومن كان رئيسًا لنقابة المحامين الشرعيين أعوامًا طوالًا. لم تشكُ منهم التقاليد ولم تَضِقْ بهم ولم تتأذَّ بانتخابهم ولم تستعدِ عليهم النيابة، ولم تفزع منهم إلى مجلس الوزراء.
قال بعضهم لبعض هذا الكلام وابتسم بعضهم لبعض وهم يقولون هذا الكلام، ثم ضحكوا جميعًا بعد أن فرغوا من هذا الكلام؛ وذلك أنهم فهموا ما لم يكن من فهمه بد، واستيقنوا ما لم يكن عن استيقانه مندوحة، وعرفوا أن التقاليد إنما هي ستار من أستار السياسة، وأن الحكومة لا تغار على التقاليد إلا لتمنع خصومها أن يعترف لهم إخوانهم بفضلٍ أو يعلن بهم إخوانهم ثقة أو يتخذهم إخوانهم لهم ممثلين.
فَهِمَ النَّاسُ هذا كلَّه، وابتسم الناس لهذا كله، وضحك الناس من هذا كله. ثم قال بعضهم لبعض آخر السهرة يوم الخميس: يا لها من وزارة أخطأها التوفيق! فلو قد أراد الله بها خيرًا لعصمها من أن تلقي بنفسها في هذا الميدان الذي لن تجني منه إلا شرًّا.
وزارة خُلِقَتْ لتقاوم صدقي باشا وأنفقت جهدها كله في مقاومة صدقي باشا، وأخذ صدقي باشا يداورها ويناورها، يتراءى لها فتنكمش ثم يحتجب عنها فتنتفش، وإنها لفي ما هي فيه من مداورة ومناورة، ومن انكماش وانتفاش، وإذا هي تضيف إلى حملها حملًا، وإلى ثقلها ثقلًا، وإلى محاربة صدقي باشا محاربة المحامين.
إن الرجل الحازم الموفق الرشيد هو الذي لا يخلق لنفسه المصاعب، ولا يُحمِّل نفسه فوق ما تطيق، ولا يشغل نفسه بشأن عن شأن، ولا يُورِّط نفسه في معركة قبل أن يخلص من معركة أخرى. ولكن وزارتنا مؤمنة بأنها قوية، مستيقنة أنها عزيزة الجانب! ولِمَ لا؟! أليس يؤيدها النواب الذين أقسموا لها جهد أيمانهم لينتخبن من اتفقوا معها على ترشيحه، ثم غدوا على مجلس النواب فذهبوا إلى الانتخاب من طريق، وذهبت هي من طريق؟!
والوزارة طويلة اليد تستطيع أن تبلغ صدقي باشا فتخرجه من الحزب إخراجًا، وتقصيه من البرلمان إقصاءً. فما الذي يمنعها أن تمتد إلى مكرم وأصحابه فتخرجهم من النقابة وتحول بينهم وبين النقابة، الوزارة قوية عزيزة الجانب طويلة اليد، ولكن الوزارة غير موفقة؛ فإن اليد التي تنال الشعبيين قد تعجز عن أن تنال الوفديين، والقوة التي تخيف صدقي باشا وأصحابه قد لا تثير في نفوس المحامين إلا المرح، وقد لا تبعث على ثغور المحامين إلا الابتسام، قد تنهى فيفعل المحامون ما نهت عنه، وقد تأمر فيعصي المحامون ما أمرت به، والرجل الموفق الرشيد حقًّا هو الذي يريد أن يُطاع فيطلب ما يُستطاع. الرجل الموفق الرشيد هو الذي لا يسير في الوفديين سيرته في الشعبيين، هو الذي لا ينتظر من الوفديين ما ينتظر من الشعبيين، هو الذي يعلم حق العلم أن الشعبيين إن خافوا فإن الوفديين لا يخافون، هو الذي يعلم حق العلم أن الشعبيين إن تفرقوا عن صدقي باشا لترضى الحكومة، فإن المحامين سيجتمعون حول مكرم وإن غضبت الحكومة.
هذا هو الرجل الموفق، ولكن الله لم يقدر للوزارة في هذه المرة كما لم يقدر للوزارة في حربها لصدقي باشا شيئًا من التوفيق. وغدا المحامون إلى الانتخاب صباح الجمعة، فلم يكد يقرأ عليهم نقيبهم السابق بلاغ الحكومة حتى أسرعوا إلى انتخاب نقيبهم الجديد، وأعلنوا إلى الحكومة في حزم وعزة وإباء أنهم ينكرون تدخلها في أمورهم، ويأبون أن يتلقوا منها دروسًا في الاحترام لتقاليد المحاماة.
وكان كل واحد منهم يتحدث إلى نفسه وإلى أصحابه بأن الذي يريد أن يُعلِّم الناس ينبغي له أن يُعلِّم نفسه أولًا، وبأن الذي يريد أن يأخذ الناس باحترام التقاليد يجب أن يبدأ هو باحترام التقاليد، وما هي إلا ساعات حتى كان الأستاذ مكرم نقيبًا للمحامين برغم هذا البلاغ الطويل العريض العميق، وحتى كان أصحابه أعضاء في النقابة رغم هذا البلاغ الطويل العريض، وحتى أعلن إلى الوزراء وإلى الناس جميعًا في مصر، وإلى الشعوب الأخرى في غير مصر أن المصريين لا يزالون كما كانوا قبل أن ينجم الدكتاتور العظيم من أرضها، كرامًا على أنفسهم، أباة للضيم، حماة للنظام والقانون في غير لفٍّ ولا دوران، وفي غير تأول ولا تمحل، في غير ميل إلى الهوى ولا اندفاع مع الأغراض.
نعم؛ ولم تمضِ ساعات حتى أعلن المحامون إلى الوزراء وإلى المصريين جميعًا وإلى الأجانب في مصر وفي غير مصر، أن الخوف الذي سُلِّط على المصريين أكثر من ثلاثة أعوام لم يغير من طبيعتهم شيئًا، لم يُلِنْ قناتهم ولم يُقلِّل شباتهم، ولم يستطع أن يجد إليهم سبيلًا فهم لا يخافون اليوم برغم صدقي باشا وخلفائه كما أنهم لم يكونوا يخافون أمس وهم قد صبروا للإنجليز على قوتهم فهم يستطيعون أن يصبروا لجماعة من ضعاف المصريين.
نعم؛ ولم تمضِ ساعات حتى أعلن المحامون إلى صدقي باشا أن في مصر أخلاقًا، وحتى أعلن المحامون إلى رئيس الوزراء أنه إذا احتاج إلى أكثر من شهرين وإلى ما في يده من حول وطول، ومن قدرة على النفع والضر ليكسب الشعبيين، ثم لم يبلغ منهم كل ما يريد فإن غيره من الناس — مكرم مثلًا — ليس في يده حول ولا طول، ليس قادرًا على نفع ولا ضر، لم يَسْعَ مسرعًا ولا بطيئًا، لم يُدبِّر في الليل، ولم يُقدِّر في النهار، واستطاع مع ذلك أن يظفر بثقة إجماعية أمس من مئات المحامين برغم البلاغ العنيف الحاد الذي أصدره مجلس الوزراء، وبرغم ما يعلم هؤلاء المحامون من أن مجلس الوزراء قادر على أن يُغيِّر ويبدل، وعلى أن يمحو ويُثْبِت.
نعم؛ لم تَمْضِ ساعات حتى علم الناس أين تكون القوة المصرية حقًّا وأين يكون الضعف، حتى علم الناس أين يكون الثبات وأين يكون التخاذل، حتى علم الناس أين يكون الانتصار وأين تكون الهزيمة.
ثم أخذ الناس يتحدث بعضهم إلى بعض مساء أمس، فيقول بعضهم لبعض: أليس غريبًا أن تعجز الوزارة عن أن تجمع حولها مائة ونصف مائة من النواب، وألا يحتاج مكرم وأصحابه إلى شيء من الجهد ليجتمع حولهم مئات من المحامين، فيقول بعضهم لبعض: لا غرابة في ذلك ولا بدع؛ فهنا نحو من الناس وهناك نحو آخر من الناس. ويقول بعضهم لبعض: ماذا ترى العناصر الرشيدة في مئات المحامين هؤلاء الذين يثقون برجل ليس من العناصر الرشيدة؟ فيرد بعضهم على بعض: ليس المحامون من العناصر الرشيدة، وإنما هم من دهماء الناس، وثقوا برجل من دهماء الناس؛ فليس على العناصر الرشيدة بأس أن تثق الدهماء بالدهماء، وتجتمع عامة الناس على عامة الناس ثم يبسط الجد الحازم ظله على المتحدثين، فيقول بعضهم لبعض في ثقة: لقد أسفر الصبح، وتبيَّن الحق، وعرف الناس أن هذه التجارب العقيمة التي يُضيِّع الظالمون فيها الوقت على أنفسهم وعلى مصر لم تنتج شيئًا ولا يمكن أن تنتج شيئًا.
هذا المندوب السامي يعود مخفقًا وهذا الدكتاتور ينزوي مخفقًا، وهذا رئيس الوزراء يلقاه المحامون بما لقوه به أمس ويحيطه أولياؤه وأنصاره بهذا الشك المريب. والغريب أن لرئيس الوزراء وأصحابه أملًا في القدرة على البقاء. -
إشارة
إشارة
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ ديسمبر ١٩٣٣
للإنجليز في كثيرٍ من الأحيان بلاغة حين يكتبون قلما يشاركهم فيها غيرهم من الشعوب، فهم يجمعون في سهولة بين التصريح والتلميح، وبين الفكاهة والجد، وهم يصلون بهذه البلاغة إلى إرضاء الخاصة والعامة، ويبلغون إعجاب العاديين من القراء والممتازين بالترف الفني في الأدب والبيان.
وللدعابة الإنجليزية شهرة عالمية قديمة، وقد يتغير كثير من أطوار الإنجليز، وتختلف حظوظهم من إقبال الناس عليهم، وانصراف الناس عنهم، ولكن حظهم من الدعابة الجادة والفكاهة التي تجمع بين القسوة واللين، والتي يحس الإنسان جمالها، ولا يستطيع مع ذلك تحليله ولا تعليله، سيَظلُّ قويًّا فيما يظهر إلى أمدٍ بعيدٍ جدًّا.
ولأمرٍ ما فكَّرت بعض الجامعات الأمريكية في إنشاء كرسي لدرس الفكاهة فيها، فالإنجليز يعنون بهذا الفن؛ لأنهم يجدون من طبيعتهم ميلًا شديدًا إليه، وعناية عظيمة به، وبراعة غريبة فيه. ولعل من هذه الفكاهات التي هي كلها جد، ومن هذا التلميح الذي هو كله تصريح، هذه الجملة الموجزة التي اقتطفتها الرسائل البرقية في الأهرام صباح اليوم من صحيفة إنجليزية معروفة، هي صحيفة الإيفننج ستاندارد.
فقد أشارت هذه الصحيفة إلى اعتزال صدقي باشا أمور السياسة، ثم ذكَّرت قراءها باجتماع النواب الوفديين في النادي السعدي سرًّا سنة ١٩٣٠، ثم ختمت مقالها بهذه الجملة الظريفة التي يحسن أن يتدبرها صدقي باشا، إن كان ما يزال قادرًا على أن يتدبر، وأن يتدبرها عبد الفتاح يحيى باشا، إن كان ما يزال يرجو أن ينتفع بالتدبر، وأن يتدبرها الوفديون أيضًا؛ فهي لا تخلو من نفع يحسن بهم ألا يضيعوه، وهي «أن هذا الاجتماع السري كان عقيمًا؛ لأن النحاس باشا نال أصوات أنصاره، أما صدقي باشا فكان مُسَلحًا بالبندقيَّات.»
ومن المحقق أن صدقي باشا لم يكن مسلحًا بالبندقيَّات وحدها، ولكنه كان مسلحًا بالمدافع الصغيرة والكبيرة، التي كانت تستطيع أن تنسف النادي السعدي ومن فيه نسفًا، وكان مسلحًا بالسيوف والحراب والخناجر، وكان مسلحًا بالعصي والهراوات، وكان مسلحًا بما هو شر من هذا كله، وأقوى من هذا كله، وأبلغ من هذا كله أثرًا: كان مسلحًا بالمال الذي يذيب نفوس الرجال، ويشتري القلوب والضمائر، ويذرو الأخلاق في الهواء كأنها الهشيم الذي تذروه الرياح.
وكان مسلحًا بالسلطان الذي يجعل قدرته واسعة، وقوته عريضة، ويمينه مبسوطة بالموت، وشماله مبسوطة بالعطاء، والذي يضمن له الاستئثار بهذا كله، والتصرف في هذا كله، لا شهرًا ولا أشهرًا، بل عامًا وعامًا، نستغفر الله، بل أعوامًا. كان صدقي باشا يتواضع ويغلو في التواضع، ويعلن أنها ستبلغ عشرة، ثم يسر في نفسه أنها قد تزيد، بل إنها ستزيد ما في ذلك شك، ولا إلى إنكار ذلك سبيل.
ولهذا كله كان اجتماع الوفديين في ناديهم عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، لم يشذ منهم شاذ، ولم يتردد منهم متردد، ولم يتخلف منهم متخلف، وإنما دعاهم فأقبلوا إليه سراعًا، ثم أيدوه لا خائفين من البنادق التي كانت تستطيع أن تُرديهم أفرادًا، ولا مشفقين من المدافع التي كانت تستطيع أن تحصدهم جماعات، ولا متهيبين للسيوف التي كانت تستطيع أن تَفْتَنَّ فيما تصيبهم به من الجراحات، وأن تدنيهم من الموت، أو تدني الموت منهم في أناة مروعة، ومهل مخيف، ولا طامعين في هذا المال الكثير الذي كان يستطيع أن ينصبَّ في جيوبهم انصبابًا، وأن يفتح لهم أبوابًا من الثراء والنعيم، لم يستطع النَّحاس باشا ولن يستطيع أن يفتحها لهم؛ لأن النَّحاس باشا لا يحب ولا يستطيع أن يسرف فيما لا يملك من أموال الشعب.
ظفر النحاس باشا بأصوات أنصاره جميعًا بمنظرٍ ومسمعٍ من نذير الموت، وإغراء السعادة والثراء، فلا صوت النذير هزَّ القلوب، ولا صوت الإغراء أجرى اللُّعاب، وإنما اتجهت عيون القوم إلى النحاس باشا وما كان يدعو إليه، وخلصت أسماع القوم للنحاس باشا، وما كان يدعو به.
وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الوفاء بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الاحتفاظ بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى إظهار قوة الوطن وقدرته على الانتصار في غير حرب ولا سفك للدماء، ولو قد دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الموت، الذي كان يتحرق إليهم جوعًا، لما ترددوا في الاستجابة له.
ولو دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى الإقبال على هذا النعيم الذي كان متزينًا متبرجًا يغويهم ويغريهم لما ترددوا في عصيانه والإباء عليه؛ لأنهم عاهدوا الله وعاهدوا مصر، وعاهدوا النحاس باشا، على أن لا يطيعوا أحدًا إلا فيما يحفظ لمصر حقها، ويرفع لمصر شأنها، ويضمن لمصر كرامتها.
فأما الضعة والهوان، فأما الذلة والاستكانة، فأما نكث العهود، والحنث بالأيمان، فأما تضييع الحقوق وخفر الدمم، فأما التضحية بالوطن في سبيل المنفعة الخاصة، فخصال لا يطيعون فيها أحدًا، ولو كان النحاس باشا، خصال لا يستطيع أحد أن يدعوهم إليها؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يلقى منهم إلا الإباء العزيز الغليظ، خصال لا يستطيع النحاس باشا أن يفكر فيها، ولا أن ينظر إليها من بعيد؛ لأنها تتجافى عن طبعه وفطرته.
ولهذا كله كان ذلك الاجتماع السري الذي عقده الوفديون في ناديهم — بمنظر ومسمع من الموت والنعيم — عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر فيه بأصوات أنصاره جميعًا، ولأن صدقي باشا كان مسلحًا لا بالبندقيات وحدها، بل بالقوة والمال جميعًا.
ثم ظل النحاس باشا يدعو أصحابه فيستجيبون له، ويسألهم النصر فلا ينتظرون أن يسألهم إياه، ويظفر بأصواتهم، أراد ذلك أو لم يرده، والموت باسط يده بالرصاص وما يشبه الرصاص، والنعيم باسط يده بالذهب والفضة، وما هو خير من الذهب والفضة، وهؤلاء القوم لا يُدْعون إلا أجابوا، ولا يُستنصرون إلا نصروا.
ثم انصرف هؤلاء القوم إلى أهلهم في مدنهم وفي قراهم يقولون للناس: لقد دعانا النحاس فاستجبنا له، وخوفنا الموت فسَخِرنا منه، ورغَّبنا المال فابتسمنا له في ازدراء، فيقول لهم الناس: وهل كنتم تستطيعون إلا هذا؟ وهل كنتم تقدرون على أن تظفروا منا بهذا اللقاء الذي يملؤه الود والحب لو أنكم خفتم نذير الموت، أو مِلْتم إلى إغراء النعيم؟
ثم أخذ النحاس باشا يتنقَّل بين المدن والقرى يصحبه في أسفاره الموت، ويصحبه في أسفاره النعيم، ذلك ينذر فيغلو في النذير، وهذا يُغري فيُغرق في الإغراء، وإذا الناس الذين ليسوا أعضاء في الهيئة الوفدية، ولا في النادي السعدي، ولا في البرلمان يستجيبون له كما يستجيب له زملاؤه الأدنون، ويهرعون إليه كما يهرع إليه هؤلاء الزملاء، يولون النعيم ظهورهم، ويعرضون للموت صدورهم، ومنهم من يعجبه هذا الموت فيسعى إليه ويصافحه، ويأخذ منه جوازًا من هذه الجوازات التي يأخذها الشهداء ليعبروا بها إلى دار البقاء.
هنالك تنهزم جنود الموت التي أرصدها صدقي باشا، وتفلس رسل الإغراء التي بثها صدقي باشا، ويؤخذ النحاس بالإقامة في داره لا يتركها إلا مُراقبًا، ولا يخرج منها إلا مُصاحبًا، وما يزال صدقي باشا محتملًا لهذه الهزيمة المنكرة، معلنًا مع ذلك الانتصار حتى تتم دورة الفلك، ويهوي عن مناصب الحكم، وتعلن إليه جنود الموت ورسل الإغراء أنه لا يحسن قيادة الموت، ولا تدبير الإغراء، وأنه أضيق باعًا، وأقصر ذراعًا، وأضعف قلبًا، وأعجز نفسًا، وأضيق حيلة من أن ينصب لحرب النحاس وأصحاب النحاس.
والأيام تحب العبث، والدهر لا يكره المزاح، والظروف لا تأبى الدعابة، وإذا صدقي باشا يظن نفسه زعيمًا. ولِمَ لا؟ لقد كان له حزب، ويظن أنه قادر على أن يُخاصم رئيس الوزراء كما خاصَمه النحاس، ويظن أنه أقدر على الحرب، وأبرع في الخصام، وأعظم أملًا في الانتصار، وأكبر ثقة بالفوز من النحاس. ولِمَ لا؟ إنه رجل ذكي لم تعرف الأرض ذكيًّا مثله، كفء لم تعرف مصر كفئًا مثله.
حول لا عهد للناس بحول مثله، وخصمه رجل طيب لا علم له بالحرب، ولا حظ له في النضال، ولكن يحاول صدقي باشا أن يجمع إليه أنصاره فلا يستجيب له منهم إلا القليل، فإذا خلوا إليه، وخلصوا نجيًّا؛ نصحوا له بالاستسلام، وألحوا عليه في الإذعان، وخوفوه سلطان هذا الخصم الضعيف. وإذا صدقي باشا ينهزم، ولم يرسل عبد الفتاح باشا إليه ولا إلى أصحابه جنود الموت، ولم يرسل إليه ولا إلى أصحابه رسل الإغراء؛ أولئك الذين أرسلهم صدقي إلى النحاس وأصحاب النحاس.
إنما أرسل إليهم عبد الفتاح باشا نظرتين اثنتين، نظرةً فيها الغضب فزعوا منها جميعًا، ونظرةً فيها الرضى أسرعوا إليها جميعًا، وقضي أمر صدقي باشا في أقل من شهرين، ودون أن يلقى خصمه كيدًا؛ ولهذا كان اجتماع الوفديين في ناديهم ذلك اليوم أو تلك الليلة عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، على حين كان صدقي باشا مسلحًا بالموت والمال.
وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — في ناديهم خصبًا أشد الخصب؛ لأن صدقي باشا لم ينل من أصوات أنصاره صوتًا، على حين لم يكن خصمه عبد الفتاح يحيى باشا مُسلَّحًا إلا بهاتين النظرتين: نظرة الغضب المروع، ونظرة الرضى الذي يخلب القلوب.
نعم كان اجتماع الوفديين عقيمًا؛ لأنهم لم يسلموا للإنجليز، ولم يذعنوا للقوة، وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — خصبًا؛ لأنهم أسلموا ولَمَّا تعلن الحرب، وتفرقوا ولمَّا يَبتَدِئ النضال. والإنجليز ليسوا مهرة في الكلام وحده، ولكنهم مهرة في الكلام، ومهرة في الفهم أيضًا.
وإذا كان محرر الإيفننج ستاندارد قد استطاع أن يبلغ بإيجازه هذا الحظ من البراعة، فإن قراءه من الإنجليز قد استطاعوا من غير شك أن يذوقوا براعته، ويفهموا إيجازه البليغ، ويعرفوا أين يكون الناس، وأين يكون الزعماء، وأين يكون الذين يقدرون على الخصومة السياسية التي تظهر عقيمة للمستعمرين، ولكنها خصبة أشد الخصب وأبقاه وأنفعه للمصريين.
أفيؤذن لنا في أن نهنئ الوفديين بذلك الاجتماع العقيم الذي عقدوه في ناديهم ذلك اليوم، أو تلك الليلة، والموت ينظر إليهم من يمين، والنعيم يبسم لهم من شمال، فلم يحفلوا بهذا ولا ذاك؟ -
انتظار
انتظار
طه حسين
كوكب الشرق
٣ ديسمبر ١٩٣٣
زعموا أن توقع البلاء شر من وقوع البلاء؛ لأن في توقع المكروه عذابًا مصدره الاضطراب بين الأمل واليأس، وبين القنوط والرجاء، ولأن في وقع المكروه يأسًا مريحًا، يستتبع الإذعان لما لم يكن منه بد. ومن المحقق أن عمد السياسة الرسمية يشقون في هذه الأيام بانتظار طويل ثقيل، ويلقون في هذه الأيام عذابًا يُمِضُّ النفوس، ويقضُّ المضاجع، ويحتملون في هذه الأيام آلامًا ليس الصبر عليها والثبات لها بالشيء اليسير.
يذوق الصدقيون عذاب الانتظار لما ستتكشف عنه الأحداث من فوز الدكتاتور العظيم أو اندحاره. ويذوق العبفتيون عذاب الانتظار لما ستنجلي عنه الخطوب من انتصار رئيس الوزراء أو اضطراره إلى الانهزام وإلقاء السلاح، أو إلى الاستطالة وحل مجلس النواب. ولعل الخصمين — صدقي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا — أشد القوم ألمًا وأعظمهم ضيقًا بهذا الانتظار. فالشعبيون إذا فتشت أمورهم سعداء بهذا الموقف الظريف الذي انتهوا إليه؛ كل منهم يسعى إليه، وكل منهم يرغب فيه، وكل منهم يسعى في تأييده، ويحرص على معونته. كل منهم يلقى ابتسامات حلوة مشرقة وضاءة من صدقي باشا، وكل منهم يلقى من وراء هذه الابتسامات آمالًا وأمانيَّ تسبغ على الحياة لونًا ورديًّا جميلًا ساعة من نهارٍ أو ساعة من ليل. كل منهم يشعر بأنه في هذه الأيام قادر على صدقي باشا، بعد أن كان صدقي باشا قادرًا عليه، متحكم في صدقي باشا بعد أن كان صدقي باشا متحكمًا فيه. كل منهم يستطيع أن يلقى طاغية أمس بشيء من الذل الذي يغيظ ويحرج، وبشيء من التيه الذي يملأ الصدور كمدًا والقلوب غلًّا وحقدًا، ويضطرها مع ذلك إلى التملق والاسترضاء والإذعان لأحكام القضاء. كل منهم يذكر تلك الأيام التي كان صدقي باشا فيها أرفع وأكبر من أن يصدر أوامره بطرف اللسان إلى واحد منهم، إنما كان يريد فيبتسم أو يريد فيعبس، أو يريد فيشير وبطرف العين أو بطرف البنان؛ فإذا الأنصار والأعوان يسرعون إلى السمع والطاعة والنزول عند ما يريد الدكتاتور العظيم. فأصبح الآن صدقي باشا يسعى ويلح في السعي ويتوسل ويغلو في التوسل، يمد الموائد ويفتن في إعداد الطعام، ويرسل المغريات عن يمين وشمال ويوجه الرسل والسفراء، وينطلق لسانه بالحمد والثناء والاستعطاف والاستجداء لعل أتباعه يستجيبون له فيجددوا معه أكل الخبز والملح. وبينما الشعبيون يدلون ويتيهون ويشعرون بهذه الغبطة التي يشعر بها من عز بعد ذلة، وأمر بعد طاعة، وتحكم بعد خضوع، إذا رئيس الوزراء وأصحابه يبسمون هم أيضًا للشعبيين ويترضونهم ويتقربون إليهم، ويرسلون إليهم الرسل والسفراء. وقد كان الشعبيون من قبل يسعون إلى رئيس الوزراء، وإلى الوزراء، فأصبحوا الآن يُقصَدون بفتح الصاد ولا يَقصِدون بكسر الصاد، أصبحوا الآن يغالون بأنفسهم ويكبرون على هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم أمس في غطرسةٍ وكبرياء. وليس قليلًا أن يحس الشعبيون أنهم قادرون على أن يتحكموا في مؤسس النظام القائم، وفي حامي النظام القائم. أضف إلى ذلك أن الشعبيين رابحون على كل حال: رابحون طعامًا وشرابًا عند لملوم باشا وعلي المنزلاوي بك، ورابحون طعامًا وشرابًا اليوم عند صدقي باشا، وعند صدقي باشا يوم الخميس. فما عليهم أن يطول الخصام ويتصل الخلاف! وهم يجدون في ذلك هذه اللذات المختلفة لذات الذين يتحكمون ولم يتعودوا أن يتحكموا، ويثيرون الطمع ولم يتعودوا إلا أن يكونوا طامعين، وينعمون بما لا يتاح للناس أن ينعموا به في هذه الأيام إلا حين تشتد الخصومات بين رئيس وزارة كعبد الفتاح يحيى باشا، ورئيس حزب كإسماعيل صدقي باشا.
أما الذين يَشْقَوْنَ بهذا الخلاف ويبتئسون بهذه الخصومة، ويذوقون ألوان العذاب بينما يذوق غيرهم ألوان الطعام والشراب، فهم القادة والسادة الذين يسمعون الوعد ويشفقون من الإخلاف، ويرون الرضا ويخافون من السخط، ويؤنسون التأييد ويتوقعون الخذلان، ثم ينفقون أوقاتهم في العد والإحصاء، وفي البحث والاستقصاء.
لقد بلغ أنصارنا نيفًا وثلاثين، فإذا انضم إليهم فلان، ومنَّ إلي فلان فقد يبلغون الأربعين، فإذا انضموا إلى الاتحاديين فقد تمت لنا الكثرة، ولكن فلانًا هذا زواغ رواغ:
يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلب
وبينما الوزراء وأنصار الوزراء في هذا التفكير والتقدير، إذا صدقي باشا والذين يدفعون صدقي باشا ليسوا أقل منهم تفكيرًا وتقديرًا، فهم يعدون ويحصون، وهم يبحثون ويستقصون، وهم يثقون ويشكون، وهم يَصْلَوْنَ نارًا أي نار من طول هذا الانتظار! وأقبح ما يكون الانتظار أثرًا وأشد ما تكون النار لذعًا حين تكون الموقعة ثم تنجلي عن الشك لا عن اليقين، وعن الريب لا عن الثقة؛ هنالك تخفق القلوب وتضطرب النفوس وتظلم السماء، وتضيق الحياة بالأحياء ويود السادة لو لم يكونوا سادة، ويود القادة لو لم يكونوا قادة. ثم يبلغ بهم الضعف أقصاه وينتهي بهم الضجر إلى غايته، فيدقون كفًّا بكف، ويستسلمون لقضاء الله ويستأنفون الانتظار، واصطلاء تلك النار. وأنت واهمٌ إن ظننت بهذا الكلام غلوًّا أو إغراءً أو قصدًا إلى العبث والدعابة. فلو قد رفعت عنك الحجب واستطعت أن ترى القلوب لعلمت أن هذا الكلام يصور لك حقيقة الأمر كما هي.
والناس يتساءلون ما بال المرسوم الذي يدعو البرلمان إلى الانعقاد لم يصدر إلى الآن؟ مع أن موعد انعقاد البرلمان قد قرب، وأسرف في القرب، ومع أن التقاليد جرت بأن يصدر هذا المرسوم قبل انعقاد البرلمان بشهر وأكثر من شهر لا بأيام. والناس يتساءلون كيف فرط وزير التقاليد في حق التقاليد، وسمحت نفسه أن تهمل إلى هذا الحد؟ فإذا كثر السؤال وطال القيل والقال ظهر الجواب من وراء حجاب، وقال القائلون: إنما يتأخر المرسوم حتى تنجلي الغيوم، وتصدق النجوم ويعلن الشعبيون مع من يكونون؛ فإن كانوا مع الوزارة صدر المرسوم، وإن كانوا مع الدكتاتور فالحل المحتوم.
وكان الناس قد تحدثوا، وكانت الصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء سينعقد صباح اليوم، وكان الناس قد قالوا والصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء إذا انعقد فسيهيئ المرسوم بدعوة البرلمان. ثم أمسى الناس أمس وإذا هم يتحدثون أن المجلس قد أرجئ إلى غدٍ ثم أصبح الناس اليوم وإذا الصحف تنشر أن المجلس مرجأ إلى غدٍ فتساءل الناس عن هذا الإرجاء ما مصدره وما غايته؟ وقال الماكرون والمتشائمون: إن مصدر هذا الإرجاء وليمة الغريب، فمن يدري لعل الذين يستجيبون للدكتاتور ويطعمون عنده اليوم ويعدونه بالنصر والتأييد أن يكونوا أكثر من الذين ذهبوا إلى مصر الجديدة، وشربوا الشاي وصفقوا لرئيس الوزراء يوم الجمعة؛ وحينئذٍ يحسن التفكير قبل تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولعل الذين يستجيبون للدكتاتور أن يكونوا قلة قليلة وجماعة ضئيلة لا تقدم ولا تؤخر؛ وحينئذٍ يمكن الإسراع إلى تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولسنا ندري أحق هذا الفهم لما كان من إرجاء مجلس الوزراء؟ أم هو لون من ألوان الخيال وفن من فنون الدعابة؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الناس يرتابون في تأخر دعوة البرلمان إلى الآن، وينظرون في شيء من العجب إلى إرجاء مجلس الوزراء في اليوم الذي يأدب فيه الدكتاتور العظيم مأدبته. وإذا كان لنا أن نفسر أو أن نقول، فإنا لا نتردد في أن نشفق على الوزارة من هذا الإبطاء والإرجاء؛ فهما لا يدلان على أنها مترددة وإن أظهرت الحزم، خائفة وإن أظهرت الثقة، ضعيفة وإن تكلفت القوة، تظهر الإعراض عن خصمها المريض، ولكنها إذا خلت إلى نفسها حسبت له حسابًا شديدًا.
وأكبر الظن أن تردد الوزارة هذا هو الذي سينتهي بها إلى الإخفاق السريع؛ فهو يطمع فيها خصومها ويغري بها أعداءها من الصدقيين. ولو أن الوزارة عرفت كيف تستقبل الخصومة وتثبت للخصوم لما أبطأت في استصدار المرسوم، ولما حسبت لصدقي باشا حسابًا؛ فصدقي باشا أهون على أنصاره أنفسهم من أن يغضبوا الوزارة من أجله. ولكنهم يرون الضعف فيشكون، ويرون التردد فيرتابون ويقول بعضهم لبعض: إن صدقي باشا نفسه لم يضعف، ولم يتردد حين كان إليه الأمر، ولولا أن هناك سرًّا مكتومًا وقضاءً محتومًا وأمورًا تدبر بليل لما وقفت الوزارة هذا الموقف الضعيف. ومن يدري، لعل قوى خفية تسند الدكتاتور وتغريه بهذه الحرب التي لم يكن أهلًا لها ولا قادرًا عليها!
وكذلك تفسد الأمور بين أولئك وهؤلاء؛ فيخاف بعضهم بعضًا، ويرتاب بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض. وما رأيك في صلة تقوم على الخوف والكيد؟! والظريف أن موقعة الغريب ستنجلي — كما انجلت موقعة مصر الجديدة — عن الشك لا عن اليقين؛ فيزداد تردد الوزارة واضطرابها. ومن يدري، لعلها ترجئ مجلس الوزراء، أو تهيئة المرسوم إلى يوم الجمعة، أو إلى يوم السبت بعد أن تنجلي الموقعتان الحاسمتان يوم الخميس في دار وزير الزراعة وفي نادي حزب الشعب.
ومهما يكن من شيء فإن عمد السياسة الرسمية خليقون أن يغتبطوا بهذه القوة التي انتهوا إليها، وبهذا الانتصار الذي ظفروا به. وأي قوة أعظم، وأي انتصار أروع من أن يزعم قوم لأنفسهم أنهم حماة النظام ومقروه؛ فإذا هم لا يزيدون على أن يلهوا الناس ويضحكوهم بما يقولون ويعملون! -
حرب
حديث المساء: حرب
طه حسين
كوكب الشرق
٢٥ نوفمبر ١٩٣٣
لم نفرغ من الضحك بعد لأن الرئيسين الخطيرين لا يريدان لنا أن نستريح من الضحك والإغراق فيه، كلاهما رقيق القلب كريم النفس، كلاهما رفيق بنا شفيق علينا، كلاهما يرثي لنا من هذه الخطوب المتصلة والمحن التي لا تنقطع ومن هذه الآلام التي نشقى بها ونرزح تحت أثقالها، وكلاهما يريد — وله الشكر على ما يريد — أن يسلِّي عنا الهم، ويجلِّي عنا الحزن، فلا يكتفي بأن يرسل على ثغورنا الابتسام، بل يأبى إلا أن يملأ أفواهنا بالضحك المتصل والقهقهة التي لا آخر لها.
وكلاهما يبلغ به اللطف والظرف والإيثار ألا يُضحكنا من غيره، وإنما يضحكنا من نفسه فيما يعمل وفيما يقول، كلاهما يجود بنفسه ليضحك أمته. والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما قال الشاعر القديم، فلنضحك إذن ما دام الرئيسان الخطيران يأبيان إلا أن نضحك، ولنغرق في الضحك ما دام وزير التقاليد يأبى إلا أن يشاركهما في هذا الظرف ويأخذ بحظه معهما من هذا الجود، ولنعلم إذن أن الله أرفق بمصر والمصريين من أن يسلط عليهم ظلمة المحنة، دون أن يرسل على هذه الظلمة من حينٍ إلى حين شعاعًا مشرقًا مضيئًا.
وأول ما يضحك من هذه المهزلة المشرقة التي تمثل أثناء المأساة القائمة هو هذه الحرب الضروس التي شبت، وما زالت تتلظَّى بين رجلين لا يقدران على الحرب وليسا منها في شيء؛ فصدقي باشا مريض مخذول وعبد الفتاح يحيى باشا ضعيف طيِّب القلب، وكلاهما خليق أن يؤثِر السلم ويفرغ للراحة والهدوء، والاستمتاع بما في الحياة من طيبات، ولكنهما على ذلك يقتتلان ويصطرعان ويبثُّ كل منهما حول صاحبه الحبائل والأشراك، ثم يجرد كل منهما سلاحه، ويرفع كل منهما صوته، ويثير كل منهما من حوله غبارًا ستر الليل والنهار، ثم يهجم كل منهما على صاحبه، حتى إذا اشتبكا واعتركا، ثم اصطدما والتحما، تفرقا فلم يلقَ أحد منهما كيدًا، ولم يعرض أحد منهما لمكروه؛ لأن أحدًا منهما لا يقدر على الكيد، ولأن أحدًا منهما لا يقدر على المكروه، إنما هي فصول تمثل وقوم يضحكون.
كان صدقي باشا يأبى إلا أن يتحكم في خصمه، وكان عبد الفتاح باشا يأبى إلا أن يتحكم في عدوه، فظهر أن أحدًا منهما لم يتحكم في صاحبه، وأن ظروف السياسة تتحكم فيهما جميعًا، تدفعهما إلى الإقدام فإذا هما يقدمان، وتدفعهما إلى الإحجام فإذا هما يحجمان، لا يكاد صدقي باشا يُقصى عن الحكم حتى يُعلِن في الأهرام أنه رئيس الكثرة البرلمانية، وأن استشارته في تأليف الوزارة واجبة محتومة، ثم لا يكاد يرتفع الضحى حتى تسعى الظروف السياسية فتضطره إلى الإحجام، وإذا هو يُكذِّب الأهرام، ويقسم أنه لم يقل مما روت عنه شيئًا، ثم يَقدُم مرة أخرى فيزعم أن الوزارة ليست شعبية؛ لأنها لم تؤلف بأعين حزب الشعب، ثم تسعى إليه الظروف فيؤمن بأن الوزارة شعبية؛ لأن رئيسها قد ثاب إلى الحظيرة، بعد أن ثار بها وخرج عليها.
ثم يعلن رئيس الوزارة أنه مسالم، ثم لا يلبث أن يعلن أنه مخاصم، ثم يفصل صدقي باشا وزيرين، ثم لا يلبث أن يرتاح لرجوع الوزيرين، ثم يقدم رئيس الوزراء فيزور الحزب، ثم يُحجم رئيس الوزراء فيتجنَّب الحزب. ثم ينهزم صدقي باشا، فيستقيل من رياسة الحزب، ثم ينتصر صدقي باشا فيعود إلى رياسة الحزب، ثم يظهر وزير الداخلية فيصول ويجول، وإذا المديرون يصولون ويجولون أيضًا، وإذا العرائض تُهَيَّأ، وإذا النواب يرادون سرًّا على أن يرشحوا لمجلسهم رئيسًا من حزب الاتحاد.
هنالك يغضب حزب الشعب ورئيس حزب الشعب، فيكون العتاب أول الأمر، ثم تكون الشكوى، ثم يكون الهجوم، وينهزم رئيس الوزراء وهو رجل طيب القلب نزيه النفس، فيدعو إليه المديرين، ويأمرهم ألا يفعلوا، ويخيَّل إلى الناس أن المختصمين قد جنحوا إلى السلم واطمأنوا إليها، ولكن ما يكفُّ عنه المدير يستطيع أن يأتيه الوزير، فتهيأ العرايض، ويدعى النواب إلى وزير الداخلية في مكتبه أو في داره ويطلب إليهم الوزير أن يمضوا فيشتد العتاب، وترتفع الشكوى، ويعظم الغضب، وتستأنف الحرب، وتقدَّم الأسئلة، ويثار الغبار، وتبرز الأسلحة؛ فإذا الفضائح يهدم بعضها بعضًا، وإذا المخزيات تفسد الجو وتملؤه شرًّا، وإذا السماء تمطر أسئلة على الوزراء، وإذا الصحف تُثير عجاجًا في وجه رئيس حزب الشعب، والمصريون يرون؛ فتحزن نفوسهم، وتبسم ثغورهم، وتُعرِض وجوههم، أنفةً واشمئزازًا، ثم يبلغ الجهد أقصاه بالجيشين المتحاربين؛ فقد كثرت الجراحات فيهما، ودبَّ الفشل بين صفوفهما.
وأحس القادة أن الصلح خير، وإذا هم يجنحون إلى السلم مرة أخرى، ويجدُّون فيها ملحِّين، ويسعى بها بين الرئيسين قوم يودون لو يُلقى الستار على كل هذا العار. وهنا يظهر وزير التقاليد، وما أدراك ما وزير التقاليد؟ صريح جريء، ونزيه بريء، لا يعرف المراوغة، ولا يحب المداورة، وإنما يندفع وأجره على الله، ويأتي ما يريد وخلاص، كما يقول ما يريد وخلاص، فإذا لقي سُعَاةَ الصلح، وطلاب السلم، وضعها على حجر كما يقول العامة وقال للسفراء لا صلح حتى تؤمنوا لرفعت باشا برياسة مجلس النواب، وتكتفوا لصدقي باشا برياسة حزب الشعب؛ فإن رفعت باشا قد ضحَّى بالوزارة في سبيل الرياسة، فأخذُها منه ظلم له، ورفعها عنه اعتداء عليه، والحق أحق أن يتبع، وعدل الله يجب أن يستقر في الأرض، وقد ورد في كتاب البيع أن من اشترى فدفع الثمن فله أن يقبض العين، ومن رده عنها أو نزعها منه فهو غاصب، ورفعت باشا قد اشترى رياسة مجلس النواب، ودفع وزارة الحربية ثمنًا لها؛ فحقه في الرياسة ثابت بَيِّن يُظَاهِره على ذلك كتاب البيع، الذي ألفته منذ أعوام وأعوام، ويؤيده في ذلك القانون، فكتاب البيع بيننا وبينكم، والقانون حكم في هذا الخلاف.
ولم يكد وزير التقاليد يضع الأمر على حجر، ويتحدى الشعبيين، ويجعل تطبيق كتاب البيع شرطًا للصلح، حتى استيأس الشعبيون من الصلح، وأمر رئيسهم بقطع المفاوضات.
وفي أثناء ذلك أقبلت نجدة من لندرة تؤيد رئيس الوزراء؛ فلقيها رئيس حزب الشعب بجواب محرج للخصمين جميعًا، كتبت الديلي تلغراف وترجمت الأهرام، فقال صدقي باشا طُبخت الرسالة في مصر وقُدِّمَت للناسِ على مائدة الديلي تلغراف.
ثم لم يتقدم النهار أمس حتى هجم رئيس الوزراء، ولكن رئيس الوزراء لا يهجم حتى يقدم بين يديه الطلائع تسعى وتعلن النذير، فذكرت المقطم وغير المقطم أن رئيس الوزراء سيذيع بيانًا، وخفقت قلوب الشعبيين لهذا البيان، ثم أصبح الناس ولعل الشعبيين لم يناموا ليلهم، وإذا الأهرام تحمل القنبلة، فتلقيها في صفوف الشعبيين، وقد كانت قنبلة ضخمة فخمة، وقد كان دويها عنيفًا ظريفًا، أخافَ قومًا وأضحك آخرين. وقد كانت هذه القنبلة قيمة حقًّا تدل على شيء كثير، ولكنها لا تنتهي إلى شيء، تدل على أن رئيس الوزراء لا يحسن الحرب، وعلى أن من الخطر أن ينزل في الميدان، وأن يستعمل أسلحة القتال؛ لأنه يوشك أن يصيب نفسه بيده، وأن يؤذي نفسه بسلاحه، لم يقل رئيس الوزراء في بيانه شيئًا، إلا أن هذا البيان مقدمة لبيانات أخرى ستأتي بعده، فهو إذن أعلن الحرب الصريحة المريحة؛ فالحرب خير من انتظار الحرب، والارتواء بالدماء خير من التعطش إليها، ولكن رئيس الوزراء مع هذا قد قال شيئًا كثيرًا، أراد أن يؤذي صدقي باشا فآذى نفسه من غير شك، وستظهر الأيام أَبَلَغ من صدقي باشا ما يريد أم لم يبلغ منه شيئًا؟ أعلن رئيس الوزراء كما أعلن وزير التقاليد، وكما أسرَّ وزير الداخلية أن الوزارة تجعل كتاب البيع حكمًا بينها وبين حزب الشعب، وتريد أن تكون رياسة مجلس النواب خالصة لرفعت باشا دون صدقي باشا.
ومن الحق أن رئيس الوزراء لم يذكر بيعًا ولا شراءً، ولا تضحيةً بالوزارة في سبيل الرياسة، وإنما ذكر الكفاية والنزاهة، والعدل بين النواب، ومن الذي يستطيع أن يشكَّ في كفاية الدكتور رفعت باشا ونزاهته وبراعته، وإن الناس جميعًا ليذكرون رفقه بالمعارضة البرلمانية، وإنصافه لها من الكثرة، ودقته في أخذ الأصوات وتنفيذ القانون، ولكن الغريب أن رئيس الوزراء قد أعلن في بيان رسمي أن للوزارة مرشحًا معينًا لرياسة مجلس النواب، ومن الذي زعم أن الوزارات ترشح لرياسة النواب، وتفرض مرشحيها عليهم فرضًا؟ وفي أي نص يوجد هذا من نصوص الدستور الجديد؟ وفي أي فن يوجد هذا من فنون التقاليد؟ وما شأن الوزراء برياسة النواب؟ وما تدخل الوزراء في أمور النواب؟ وأين يكون احترام الدستور والاعتراف بسلطة الهيئة التشريعية إذا أباحت السلطة التنفيذية لنفسها أن تختار رئيس مجلس النواب، وتفرضه على الكثرة البرلمانية فرضًا، وتخيِّر الكثرة بين الإذعان وبين الحرب التي لا تُبْقِي ولا تذر؟!
أرأيت أن رئيس الوزراء أراد أن يصرع صدقي باشا فصرع نفسه، وأراد أن يدفع عن التقاليد فانتهك حرمة التقاليد؟ أرأيت أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الفصل إننا لم نفرغ من الضحك بعد؛ لأن الرئيسين الخطيرين يريداننا على أن نضحك ضحكًا متصلًا. وليس من شك في أن زعيم البرلمان سيذود عن البرلمان، وفي أن مؤسس النظام سيدافع عن النظام، وفي أن صدقي باشا سيلقى قنبلة عبد الفتاح باشا بقنبلة شرٍّ منها أو مثلها، وفي أننا سنضحك من الثانية كما ضحكنا من الأولى، وفي أننا لم نفرغ ولن نفرغ من الضحك حتى يأذن الله بأن نستريح من الوزارة ومن حزب الشعب جميعًا، وحتى يأذن الله بأن تعود أمورنا إلى وزارة لا تفرض الرؤساء على مجالس النواب، ولا يأذن لها البرلمان بأن تعتدي عليه إلى هذا الحد، وإلى أحزاب تحترم نفسها أكثر مما تحترم الوزارة، وتحرص على الحق أكثر مما تحرص على السلطان. -
بلاغة
حديث المساء: بلاغة
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ نوفمبر ١٩٣٣
إذا كنت معارضًا للوزارة فقدمت إليها السؤال عن بعض الأعمال، فمن حق البلاغة عليك أن تكون واضحًا صريحًا، وأن تكون مستقصيًا دقيقًا، وأن تضطر الوزارة إلى أن تجيب في غير عوج ولا التواء، وفي غير مداورة ولا مراوغة، أو إلى أن تخرج فتؤثر الصمت، ويكون صمتها اعترافًا وإقرارًا، ويسجل الناس لك أنك كنت سائلًا بليغًا محرجًا.
وإذا أرادت الوزارة أن تجيب على سؤال من هذه الأسئلة المحرجة البليغة، فمن حق البلاغة عليها أن تكون واضحة صريحة، وأن تكون دقيقة مستقيمة، وأن يكون جوابها على قدر السؤال، لا يتجاوزه عرضًا ولا طولًا، وأن يكون جوابها قويًّا في غير عنف، هينًا في غير ضعف، يقيم عليك الحجة، ويضطرك إلى السكوت، فيسجل الناس للوزارة أنها كانت بليغة قد أحرجت سائلها إحراجًا، وأفحمته إفحامًا، واضطرته إلى الانقطاع والتسليم.
وقد ثارت في هذه الأيام خصومة بيانية بين الوزارة ومعارضيها، على اختلاف أنواعهم، فأنت تعلم أن المعارضين أشكال وألوان؛ فمنهم المعارضون المعارضون، الذين لا يعرفون إلا المعارضة، ولا يرضون غير المعارضة؛ لأنهم يخاصمون الوزارة القائمة، خصومة أساسية لا سبيل معها إلى تعاون أو وفاق، ومنهم المعارضون الذين كانوا صديقًا أمس، فانقلبوا عدوًّا اليوم، ولعلهم أن يعودوا صديقًا غدًا إن أشرقت شمس غد على الوزارة وهي قائمة في مناصب الحكم.
ومنهم المعارضون بين بين، أولئك الذين يُظْهِرون المعارضة، ويخفون التأييد، ويلقون الأمة بوجه، والوزارة بوجه آخر.
وبين هؤلاء المعارضين، على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وبين الوزارة ثارت في هذه الأيام خصومة عنيفة معقدة في البلاغة والبيان، فألقى المعارضون على الوزارة وابلًا من الأسئلة الواضحة الصريحة القوية المحرجة، وقرأ الناس هذه الأسئلة فسجلوا لها البلاغة تسجيلًا، وأجابت الوزارة على هذه الأسئلة كلها إجابات واضحة صريحة مستقيمة غير ملتوية، أفحمتهم إفحامًا، وأحرجتهم إحراجًا، فسجل الناس للوزارة أنها أبلغ من خصومها، وأملك منهم لأعنة البيان، وأقدر منهم على تصريف الكلام.
وقد تصطنع البلاغة وتريد أن تحرجني، كما كان يريد المعارضون أن يحرجوا الوزارة، فتلقي عليَّ سؤالًا واضحًا صريحًا، دقيقًا مستقيمًا: أين هذه الأجوبة المفحمة التي ألقتها الوزارة إلى الناس؟ ولكنك تستطيع يا سيدي أن تثق بأنك لن تصل من إحراجي إلى بعض ما تريد، فأنت بين اثنتين: إما أن تكون قارئًا للصحف، وإما أن تكون معرضًا عن هذه الصحف، فإن تكن الثانية فليس بينك وبيني حوار، ولست أقبل منك سؤالًا، ولست ألقي إليك جوابًا، بل أنا واثق بأنك لم تسألني؛ لأنك لا تقرأ الصحف، فلست تعرف من هذه الخصومة بين الوزارة والمعارضين شيئًا، وإن تكن الأولى فحدثني عن أسئلة المعارضين للوزارة؛ أحدثك عن أجوبة الوزارة لهؤلاء المعارضين.
سأل سائل: هل ضارب صدقي باشا في القطن؟ فقال قائل: نعم، وقال قائل: بل ضارب مرتين، وقال قائل: بل ضارب ثلاث مرات، وقال قائل: ضاربت مثله الوزارة القائمة، وألح السائلون على الوزارة أن تبين جلية الأمر في هذا كله.
فأجابتهم الوزارة أمس بجوابين لا بجوابٍ واحد في بلاغين رسميين، لا في بلاغٍ واحدٍ، أجابتهم الوزارة بأن الجهاد قد نشرت كلامًا عن بعض الطير التي ترسلها المعاهد العلمية، وتضع في أرجلها بطاقات معدنية إلى بعض الأقطار لدرسها وتعرف أحوالها. وطلبت الجهاد إلى الذين تقع عليهم أو تقع لهم هذه الطير أن يكتبوا إلى المعاهد التي أرسلتها، أو أن يكتبوا إلى الجهاد لتكتب عنهم إلى المعاهد التي أرسلتها.
ووزارة الزراعة تعلن أن حديقة الحيوانات في الجيزة هي المختصة بهذه الأبحاث العلمية، فينبغي أن ترسل إليها الطير، وأن يكتب إليها الناس لتتوسط بينهم وبين المعاهد العلمية التي أرسلت الطير. فهذا جواب.
وأحسبك لا تشك ولا ترتاب، ولا تجادل ولا تمتر في أنه محرج حقًّا، مفحم حقًّا، ملزم للحجة حقًّا، تسأل عن القطن والمضاربة فيه أكانت مرة؟ أكانت مرتين؟ أكانت ثلاث مرات؟ أكانت من صدقي باشا وحده؟ أكانت من وزير المالية الجديد أيضًا؟ فيقال لك في ابتسامة رشيقة أنيقة: ما أنت وذاك؟ ما عنايتك بما لا علم لك به، ولا شأن لك فيه؟ ما إضاعتك الوقت على نفسك وعلى الوزارة فيما لا ينبغي أن تخوض فيه. نشرت الجهاد أن بعض المعاهد العلمية ترسل الطير إلى بعض الأقطار، وتضع في أرجلها بطاقات معدنية، إلى آخر الحديث.
وليس الجواب الثاني بأقل بلاغة من الجواب الأول؛ فقد نشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا عند بحيرة المنزلة، ووزارة الزراعة تكذب هذا الخبر، وتعلن أنها اتصلت بمديرية الدقهلية، فعرفت منها أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا بريًّا، وأنه قد صِيد منذ أكثر من عام.
وسأل سائلٌ عن وزير الزراعة نفسه: أقذف وزير الزراعة السابق أم لم يقذفه؟ فقال قائل: بل قذفه ونشر هذا القذف في الصحف، وامتلأت به أفواه الناس، وهمَّ بعض الناس بالإصلاح بين القاذف والمقذوف، فأبى القاذف ورضي المقذوف، وألحَّ الناس على الوزارة يسألونها أن تبين لهم جلية الأمر، فأجابتهم الوزارة أمس بهذين الجوابين المقنعين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وسأل سائل عن قصة الكورنيش، وما ضاع فيها من المال، وما احتملت الإسكندرية فيها من نفقات؟ وعمن أضاع هذا المال؟ ومن حمل المدينة هذه النفقات؟ فأجابته الوزارة أمس: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وسأل سائلٌ عن المديرين الذين كانوا يسخرون النواب؟ وسأل سائلٌ آخر عن وزير الداخلية: أكان يغري النواب؟ وسأل سائلٌ آخر عن وزير الزراعة: هل أدَّى الضرائب؟ وسأل سائلٌ رابعٌ عن وزير الزراعة: ماذا صنع بما كان قد حجز في سبيل الضرائب؟ فأجابتهم الوزارة جميعًا أمس بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وزعمت الصحف أن بين وزير المالية ووكيلها خلافًا عنيفًا، وأن بين مستشار المالية ووزيرها خلافًا عنيفًا، وأن وزير المالية قد ينقل إلى وزارة الخارجية، وأن الإنجليز قد دخلوا في الأمر، وأن الإنجليز قد دخلوا بين فريقي حزب الشعب، وأن وزير المالية يأبى أن يُنقل، وأن خصوم الوزير يلحون في نقله؟ فأجابت الوزارة على هذا كله بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
وقد أصبحنا اليوم فإذا الصحف تنبئنا بأن الإنجليز قد أرسلوا مذكرة إلى رئيس الوزراء يسألون عن مجلس الوزراء: أمتضامن هو مع وزير المالية فيما صرح به من أنه لن يدفع إلا وَرِقًا، ومن أنه لن يُفاوِض؛ لأن من المفاوضة أخذًا وعطاءً، وليس عنده ما يعطيه؟ وكنا ننتظر أن ترد الوزارة على الإنجليز، كما ردت على المصريين بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.
ولكن الصحف أنبأتنا بأن رئيس الوزراء قد رد على دار المندوب السامي، فلم يذكر المعاهد التي ترسل الطير، ولم يذكر الشاب الذي صاد فهدًا، وإنما تخفف من وزير المالية وألقاه من وراء ظهره، وأعلن إلى الإنجليز أن مجلس الوزراء لا يشاركه في الرأي، ولا يؤيده فيما قال. ومعنى هذا أن الإنجليز من هذا العنصر الممتاز الذي لا ينبغي أن تتحدث إليه الوزارات فيما نشرت الجهاد عن المعاهد التي ترسل الطير، وما نشرت مجلة الهلال المصورة عن الشاب الذي صاد فهدًا.
فإذا سألنا نحن رئيس الوزراء: أحق هذه الأنباء؟ وإذا سألنا رئيس الوزراء: كيف يجحد مجلس الوزراء عضوًا من أعضائه ثم يبقيه ولا يقيله، ولا يكلفه أن يستقيل؟ فستجيبنا الوزارة من غير شكٍّ ولا ريبٍ: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا؛ فإذا هو قط.
هذه البلاغة خليقةٌ بالتفكير والتقدير؛ لأنها لا تفحم الخصوم فحسب، وإنما تملأ قلوبهم عظةً واعتبارًا، وتذكرهم بأن التواضع فضيلة، وأن الكبرياء رذيلة، وأن المصريين لم يخلقوا للسياسة وأحاديثها، ولا للإدارة ومراقبتها، ولا للمال وتدبيره، فهم حين يسمون إلى هذه الأشياء كلها يتكبرون، ويتجاوزون حدودهم، ويعدون أطوارهم، ويستحقون أن تؤدبهم الوزارة فتحسن تأديبهم، وأن تردهم الوزارة إلى ما ينبغي أن يسألوا عنه، ويتحدثوا فيه، وهو ما نشرته الجهاد من أن بعض المعاهد ترسل الطير، وما نشرته المجلة المصورة من أن شابًّا صاد فهدًا، وما استكشفته وزارة الزراعة من أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.
وهذه البلاغة تذكر المصريين بتلك القصة التي سمعوها جميعًا من أمهاتهم وجدَّاتهم، حين كانوا أطفالًا يلعبون، وتستخفهم الأحاديث، وهي قصة هذا الشاب الذي دخل مدينة فرأى رءوسًا إنسانية معلقة على قصر الملك تبلغ التسعة والتسعين، فسأل بائع الفاكهة عن هذه الرءوس، فأجابه: إن العنب يباع رطل بدرهم، وإن التفاح يباع بدرهمين، وسأل بائع الخضر عن هذه الرءوس، فأنبأه بثمن الكراث، والبصل، والثوم، والباذنجان.
وما زال يلم بالناس يسألهم عن الرءوس، وكلهم يتحدثون إليه في غير الرءوس، حتى هداه الله إلى حلاق يُؤثر الحق، فقصَّ عليه قصة الرءوس كما هي، ويظهر أن هذا الحلاق لم يوجد في مصر بعدُ، فسيسأل الناس عن كل ما يعنيهم من أمر السياسة والإدارة والمال، فلا يسمعون إلا حديث المعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا فظهر أنه قط.
والذين ذهبوا إلى باريس، واختلفوا إلى بعض ملاعب الهزل، سيذكرون من غير شك حين يقرءون هذين الجوابين البليغين على أسئلة الناس تلك الأغنية الطريفة الظريفة التي ظهرت منذ أعوام، فلم يبق باريسي، بل لم يبق فرنسي إلا حفظها وغناها، حتى أصبحت الآن عبارة من العبارات الشائعة العامة، التي يجاب بها الرجل حين يسأل عما لا يعنيه، فيقال له: أتراني سألتك عن جدتك هل تركب الدراجة؟
فليس لقصة المصريين مع الوزارة فيما يظهر إلا هذا الجواب، وليس حديث المعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا فإذا هو قط إلا صورة طبق الأصل لأغنية الفرنسيين تلك: أتراني سألتك عن جدتك هل تركب الدراجة؟ وأظرف من هذا كله، وأوقع في القلوب، وأشد إثارةً للإعجاب، وأدعى إلى الفتنة وسحر العقول، أن يلهم الله وزارة الزراعة هذين الجوابين، فتُجلى الغمرة عن الوزارة كلها، وتكشف الغمة عن نفسها، وعن رئيس الوزراء، وعن وزير المالية، بل عن الإنجليز، بل عن كل من سيُلقى عليه السؤال في شأنٍ من الشئون فيأبى أن يجيب، فسيقول أولئك جميعًا كلما سُئلوا عما لا يحبون الخوض فيه: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.
ألستَ توافقني، أيها القارئ العزيز، على أن الوزارة قد وُفِّقت إلى الجواب البليغ المقنع المحرج على كل ما وجه الناس، وما سيوجهون إليها من سؤال؟ أما أنا فأؤكد لك أني لو كنت مكان رئيس الوزراء لاعتزلت الرياسة، ولاقترحتُ أن تُسند إلى المنزلاوي بك؛ فهو أهلها، وهو أحق بها، وأقدر على احتمال أعبائها، وحسبك أن مصر منذ عرفت الوزارات لم تظفر بهذا الوزير اللبق الفصيح البليغ، الذي يسأل عن معضلات السياسة ومشكلات الإدارة ومخزيات المال فيجيب: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.
أيها المصريون، دونكم حديث للمعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا، فأشغلوا بهما أنفسكم عن الشئون العامة، وليشغل بهما أدباؤكم وشعراؤكم ومغنوكم، وليكن هذان الحديثان فكاهة فصل الشتاء. نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن الفهد لم يكن إلا قطًّا، واستكشفت وزارة الزراعة أيضًا أن هذين الحديثين هما خير ما يُردُّ به على المعارضين!