Tag: السخرية السياسية

  • عامة

    حديث المساء: عامة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ أكتوبر ١٩٣٣

    كل مصري يأبى أن تحكم مصر بغير العدل والدستور والقانون، ويلح في أن تكون إرادة الأمة قوام
    الحكم وعماد الوزارة، ومصدر الهيئات النيابية، التي تشرع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية. كل
    مصري من هذا الطراز رجل من العامة الذين لا ينبغي أن يقدر لهم قدر أو يقام لهم وزن، أو يحفل
    بآرائهم وإرادتهم في تصريف الأمور! وقد كان هؤلاء العامة في وقت من الأوقات يسيطرون على أمور
    مصر، يُدْعَوْنَ إلى الانتخاب أحرارًا فينتخبون وكلاءهم في البرلمان. وكان هؤلاء الوكلاء
    يمثِّلون موكليهم من العامة أحسن تمثيل، ويؤدون واجبهم لهؤلاء العامة أحسن تأدية. كانوا يرضون
    عن العامة، وكانت العامة ترضى عنهم. وكان الوزراء يصرِّفون أمور الحكم معتمدين على رضا الوكلاء
    والموكلين. فكانت العامة هادئة مطمئنة، وكانت العامة سعيدة مغتبطة، وكانت العامة تحس أن مصر
    لها، وأنها لمصر؛ فتستشعر عزة وأنفة، وتقدِّر أنها أمة كريمة تعيش في بلد كريم، وتنظر إلى
    ماضيها فتعتز بما فيه من مجد، وتتعظ بما فيه من محن، وتنظر إلى مستقبلها فترى ثقة واسعة،
    وآمالًا عريضة، وحياة مبتسمة قوامها العزة والكرامة والرقي والاستقلال.

    ولكن أمور مصر لم تصلح، وشئونها لم تعتدل على رضا العامة ووكلاء العامة من النواب والشيوخ
    والوزراء؛ لأن مصر لم تخلق للعامة، وما ينبغي أن تخلق لهم! وإنما خلقت لفريق قليل ضئيل ممتاز،
    خلقه الله من طينة أخرى، وصاغه من معدن آخر. فبينما خلق العامة من هذا الطين المبتذل الذي يُتخذ
    في البناء وفي صناعة الآنية. خُلِقَ هذا الفريق الضئيل من طين آخر فاخر نادر لا تطؤه الأقدام،
    ولا يسقيه ماء النيل، وإنما يصنع في عالم آخر بعيد راقٍ، ثم يتنزل به النسيم من السماء؛ ليحكم
    الناس ويسيطر على الأشياء.

    وبينما صاغ الله هذه العامة أو الممتازين من أبنائها من النحاس والصفيح والقصدير، صاغ هذا
    الفريق القليل الضئيل من الفضة والذهب والبلاتين، وحلاه بطائفة من الأحجار الكريمة، والجوهر
    النفيس: فيها اللؤلؤ، وفيها الزمرد، وفيها الياقوت، وفيها الزبرجد. فكان من الطبيعي، وكان من
    العدل، ألا تستقيم أمور مصر حين يسيطر عليها العامة الذين خلقوا من طين الأرض المبتذل، ومن
    معدنها الخسيس. ولم يكن بدٌّ من أن تنقل أمور مصر إلى هذا الفريق القليل الضئيل، الذي خلق من
    طين السماء، وصيغ من معادنها العزيزة، وحُلِّيَ بأحجارها الكريمة؛ ولهذا أقصيت العامة عن الحكم
    وردت إلى ما ينبغي أن ترد إليه من الطاعة، والرضا والإذعان!

    ونقلت أمور السلطان إلى صدقي باشا وأصحابه، الذين صيغوا من طين السماء ممزوجًا بماء الورد،
    ومن معادن السماء محلاة مزدانة بياقوتها وزمردها، ولؤلؤها وزبرجدها، وغير ذلك من هذا الجوهر
    الممتاز الذي يخلب العقول ويستهوي القلوب، ويسحر العيون ويفتن الألباب. ولم يكد غرة الزمان،
    وحلية الدهر، وفريدة الأيام، صدقي باشا يتسلم أعنة الحكم حتى فعل ما كان يجب عليه أن يفعل؛
    فألغى دستورًا واستصدر دستورًا آخر لتنقطع الأسباب بين فوضى العامة وبين الحكم، ولتفرغ العامة
    لما خلقت له من الطاعة والرضا والإذعان، ومن العمل في الزرع والحرث، وفي التجارة والصناعة، وفي
    كل ما يثمر المال ويمكِّن السادة الممتازين من حياة كلها القوة والبأس، وكلها الترف
    والنعيم.

    ومضى هذا الرجل الممتاز، وأصحابه الممتازون يدبرون الأمر في حكمة وحزم وعزم، حتى استيأستِ
    العامة، ورضيت بما لم يكن بدٌّ من أن ترضى به وانصرفت عن الحكم والسياسة، إلى ما لم يكن بدٌّ من
    أن تنصرف إليه.

    ولكنَّ السادة الممتازين مهما تصفُ طباعهم وتعتدلْ أمزجتهم وتَمْتَزْ جواهرهم وترقَ عناصرهم،
    معرضون لعيب واحد امتحنهم الله به حتى لا يختلطوا بالملائكة أو يصبحوا منهم، وحتى توجد الصلة
    بينهم وبين أبناء الإنسان الذين قدر عليهم الخضوع للخطوب والأحداث. وهذا العيب الذي يفرق بين
    سادتنا الممتازين وبين الملائكة، هو أنهم يتنافسون فيما بينهم: أيهم يستأثر بالسلطان والجاه،
    وأيهم يعظم حظه من السيطرة على الأمور وتصريفها كما يحب ويهوى؟ فلما استقر الحكم لسادتنا
    الممتازين تنافسوا واستبقوا، واشتد بينهم التنافس والاستباق. وكان الفوز فيما يقول الناس، وفيما
    تنشر الصحف عامة، والصحف الإنجليزية خاصة، وصحيفة التيمس بوجه أخص لصاحب السعادة زكي الإبراشي
    باشا على صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا.

    وقد لا نستطيع الآن أن نجد من الوقت ما يمكننا من إقامة الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على
    أن الإبراشي باشا إنما تفوق على صدقي باشا؛ لأنه أكرم منه جوهرًا وأرقى منه عنصرًا. خلق من طينة
    السماء الثالثة، ولم يخلق صدقي باشا إلا من طينة السماء الدنيا.

    ولعل الظروف أن تسمح لنا بوضع كتاب أو رسالة في الموازنة بين العناصر المختلفة التي يتكون
    منها سادتنا الممتازون، والتي تتيح لبعضهم الفوز والانتصار، وتضطر بعضهم الآخر إلى الهزيمة
    والاندحار!

    تفوق إذن زكي الإبراشي باشا على صدقي باشا، وأحس الدكتاتور العظيم هذا التفوق فانزعج له، ورأى
    آثاره فضاق بها. وشبت الحرب بين السماء الثالثة والسماء الدنيا، فرأى صاحب السعادة القيسي باشا
    أن يتوسط بين السماءين؛ لأنه هو خلق من طين السماء الثانية؛ فتوسطه بين جارتيه معقول ملائم
    لطبيعة الأشياء. ومع أنه بذل في ذلك جهدًا محمودًا، واتخذ إليه وسائل مختلفة، فقد أخطأه
    التوفيق، ولم يكن بدٌّ من أن تصرف أمور الحكم عن أبناء السماء الدنيا إلى أبناء السماء الثانية.
    وكذلك أقصى الدكتاتور العظيم عن رياسة الوزراء، وأقصى معه عن الحكم كلَّ أولئك الذين يشبهونه في
    العنصر ويقاربونه في الطبقة. وقامت وزارة أرقى وأعلى، وأقرب إلى صاحب السعادة الإبراشي باشا.
    والغريب أن الدكتاتور العظيم لم يقنع بما قدر له من الحكم، ولم يطمئن إلى ما قضي عليه من
    الهزيمة، فحاول المقاومة والمخاصمة، وتهيأ للقتال والنضال، ولكن متى أتيح للسماء الدنيا أن تقهر
    السماء الثانية، ولا سيما حين تعينها السماء الثالثة؟! فأذعن الدكتاتور شيئًا فشيئًا؛ قبل رئيس
    الوزراء في الحظيرة، وأعلن تأييد الحظيرة كلها للوزارة الجديدة. ثم رد الوزيرين المفصولين إلى
    الحظيرة، وطلب إليها أن ترتاح لذلك، كما ارتاح هو. ثم علم أن المفصولين سيزورون الحظيرة وكره أن
    يلقاهم فيها؛ فأقام في داره يستريح. حتى إذا تمت الزيارة ظهر أن استراحته في داره تدل على أن
    رضاه ليس كاملًا شاملًا، وإذعانه ليس تامًّا عامًّا؛ فاضطر — ولم يكن بدٌّ من أن يضطر — إلى أن
    يذهب أمس إلى مكتب رئيس الوزراء، لا ليترك البطاقة كما تركت له؛ بل ليرقى إلى حيث يقدم الطاعة،
    ويقيم الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا ريبًا على أنه مذعنٌ لقضاء الله، مؤمنٌ لحكم الأقدار
    فيه.

    وكذلك شرب الديكتاتور العظيم كأس المحنة إلى آخرها، وشرب رئيس الوزراء كأس النصر إلى آخرها،
    ونظر صاحب السعادة الإبراشي باشا إليهما مبتسمًا مستريحًا. وظهرت في اليوم نفسه مقالة مكاتب
    التيمس تصور الأمر على هذا النحو البديع من التصوير.

    وكان ظريفًا جدًّا من مكاتب التيمس أنه لم ينسَ هؤلاء البائسين اليائسين المعدمين المحرومين
    الذين يسميهم العامة. فقد تفضل فذكرهم؛ ذكرهم مرتين: أما الأولى فقد بين فيها كيف رد هؤلاء
    الناس إلى منزلتهم التي أعدها الله لهم من البعد عن الحكم والإذعان لطاعة السادة الممتازين.
    وأما الثانية فقد سجل فيها أن هؤلاء العامة قد راضوا أنفسهم على الطاعة وعلموها كيف تذعن وتؤمن،
    وكيف تعرض عن السياسة وتكتفي بما يقدر لها من إشباع البطون حين تجوع، وري الأكباد حين يحرقها
    الظمأ، وترك السياسة والحكم لهؤلاء المعصومين الذين خلقت لهم وحدهم السياسة وقصر عليهم وحدهم
    الحكم.

    ولكنَّ في الأمر شيئًا يحتاج إلى الفهم، فقد علمنا أن العامة من أهل مصر قد ردت إلى مكانها
    اللائق بها وفرغت للعناية بالأرض؛ لأنها صيغت من طين هذه الأرض، ونقلت أمور الحكم إلى أبناء
    السماء يستبدون به، ثم يختلفون فيه، فيغلب بعضهم بعضًا، وينهزم بعضهم لبعض. ولكن الذي نريد أن
    نعلمه هو رأي الإنجليز، لا في أمر العامة، فرأيهم في أمر العامة معروف؛ فالعامة لم تخلق إلا
    للذل، والعامة لم تخلق إلا للطاعة، والعامة لم تخلق إلا لتتعهد البقرة الحلوب، وتمنحها من
    العناية ما يجعل ضرعها حافلًا باللبن دائمًا. هذا معروف، ولولا أنه معروف واضح لما ردت العامة
    إلى حيث هي تسمن البقرة وتغذوها وتملأ ضرعها لبنًا.

    إنما الذي نريد أن نعلمه هو موقف الإنجليز من المختلفين بين الطبقة الممتازة. أيميل الإنجليز
    إلى الذين انهزموا أمس، أم يميل الإنجليز إلى الذين انتصروا اليوم؟ أم يريد الإنجليز أن يقفوا
    موقفًا وسطًا بين المنتصرين والمنهزمين؟ والظاهر أننا لن ننتظر زمنًا طويلًا لنظفر بالجواب على
    هذه الأسئلة، فقد يظهر أن في مغيب الشمس منذ أمس وفي طلوع الشمس منذ اليوم علامات، إن لم تكن
    قاطعة فإنها لا تخلو من إشارة إلى الناحية التي سيهب منها النسيم.

    فأما العامة؛ فراضية يكفيها ألا تظمأ وألا تجوع، وليس يعنيها بعد ذلك من أمر الحكم شيء. ولكن
    مَن للعامة بما يحميها من الظمأ والجوع؟!

  • مفاوضات

    حديث المساء: مفاوضات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس موضوعها استقلال مصر؛ فقد انقضى — ولو إلى حين — ذلك العهد الذي كانت تُعنَى فيه الوزارات، أو تستطيع فيه الوزارات أن تُعنَى بالمفاوضة في استقلال مصر، وأصبحنا — والحمد لله — في عهد سعيدٍ تُشغَل الوزارات فيه عن الاستقلال بما هو أجلُّ من الاستقلال خطرًا، وأبلغ من الاستقلال تأثيرًا في حياة مصر، فإذا أتيح لها أن تفكر في الاستقلال واستكماله، فإنما تفكر في ذلك لتدخله في بيان من هذه البيانات التي تذاع يوم تُؤلَّف الوزارات، أو لتدخله في خطبة من خطب العرش حين تفتتح دورة البرلمان. وقد يخطر للوزارات أن تهم بالتحدث إلى الإنجليز في أمر الاستقلال، فترد عن ذلك ردًّا رفيقًا، فإذا ألحت ردت عن ذلك ردًّا عنيفًا، فإذا ألحت قطعت بها الأسباب، وغلقت دونها الأبواب، ومهدت إلى استقالتها أو إقالتها السبيل؛ فالمفاوضات في أمر الاستقلال شيء يخاف منه على بقاء الوزارات وامتداد حياتها.

    وليست هذه المفاوضات التي تريد أن تتحدث عنها حول إلغاء الامتيازات؛ فقد كان الدكتاتور الذي هوى ينتظر أن تفرغ إنجلترا من مشاغلها الأخرى ليستعين بها على إلغاء الامتيازات، فهوى قبل أن يفرغ بال الإنجليز، ولم تكد تنهض الوزارة القائمة حتى ألقت ألمانيا قنبلتها في جنيف، فتعقدت الحياة الدولية، وشغل الإنجليز عن الامتيازات ووزارة عبد الفتاح يحيى باشا، كما كانوا مشغولين عن الامتيازات ووزارة صدقي باشا. وإذن فلن تكون الامتيازات موضوعًا للمفاوضات التي أريد أن أحدثك عنها الآن.

    وليست مسألة الدين العام موضوعًا لهذه المفاوضات، فمسألة الدين العام أمام القضاء، ووزير المالية الجديد يؤثر الانتظار؛ لأنه يريد أن يعرف حكم القضاء من جهة، ولأنه من جهة أخرى لا يستطيع أن يطمئن إلى ما كان يطمئن إليه صدقي باشا من رأي المستشارين الملكيين المصريين. فلا بد له من أن يستشير رجال القانون والمال من الأوروبيين. فالمستشارون المصريون يستطيعون أن يشيروا على أوساط الناس لصدقي باشا وأمثاله. فأما أفذاذ الوزراء والنابهون منهم فيجب أن يكون الذين يشيرون عليهم من جوهر آخر غير الجوهر المصري، ومن عنصر آخر ممتاز. وإلى أن يحكم القضاء، وإلى أن يشير الممتازون من أهل أوروبا، فلن تكون مسألة الدين موضوعًا للمفاوضات.

    ومع ذلك فهناك مفاوضات طويلة، شاقة، معقدة، ملتوية، بعيدة الأثر في حياة المصريين، قد جرت وما زالت تجري، والشعب المصري كله مُعلَّق بين الأمل والرجاء؛ لأنه لا يدري أتنتهي هذه المفاوضات إلى الفوز فيعيش، أم تنتهي هذه المفاوضات إلى الإخفاق فيدركه الموت.

    لا تعرف رجلًا من المصريين ولا تتحدث إليه إلا رأيت نفسه مملوءة، وقلبه مشغولًا بهذه المفاوضات التي يتوقف على فوزها مصير هذه الملايين التي تعيش على ضفاف النيل. أفتريد أن تعرف هذه المفاوضات؟ وأي معنى لهذا السؤال فأنت تعرفها كل المعرفة، وأنت تستقصي أنباءها، وتتبع أطوارها مع الصباح والمساء؛ لأنك مصري، والمصريون جميعًا موقوفون على هذه المفاوضات.

    فقد علمت الآن أنها هذه التي تجري بين الوزارة، أو بين عضوين من أعضاء الوزارة، وبين حزب الشعب.

    ولهذه المفاوضات خصائص تمتاز بها من جميع المفاوضات التي سبقتها، ومن جميع المفاوضات التي قد تلحقها. ومصدر هذه الخصائص إنما هو الظروف التي أسقطت وزيرًا، وأقامت مكانه وزيرًا آخر، وأحدثت في حزب الشعب اضطرابًا أقل ما يوصف به أنه يُسلِّي همَّ المحزون، أسقط رئيس حزب الشعب ومنشؤه وباعث الحياة فيه، وأقيم مكانه رجل كان عضوًا في الحزب، ونائبًا لرئيسه، وكان عضوًا في الوزارة، فلما أُخرِج من الوزارة أخرج نفسه من الحزب، ثم رفع إلى رياسة الوزراء فرَدَّ نفسه إلى الحزب.

    لم يرض صدقي باشا بخروجه من الحزب حين خرج، ولم يرتح صدقي باشا لعودته إلى الحزب حين عاد، ولكن باب الحزب مفتوح لعبد الفتاح يحيى باشا يخرج منه متى شاء، ويدخل منه متى أراد، والبواب ينظر إليه معرضًا عنه حين يخرج، مكرهًا على الترحيب به والوقوف له حين يعود. وكان البواب يظن أنه يستطيع أن يغلق الباب في وجوه أخرى غير وجه هذا العضو المستبد، الذي لا يحفل بالبوابين، وقد يعطف عليهم أحيانًا.

    ولأمر ما خُيِّل لرئيس حزب الشعب أنه يستطيع أن يفصل من الحزب رجلين كانا يعملان معه في الوزارة، ثم عملا مع خصمه دون أن يذعنا لرأي رئيسهما. فكَرِه هذان الرجلان ذلك وأنكراه، وتضامن معهما رئيسهما الجديد، وتضامن معهما بقية الوزراء من المستَقِلِّين والاتحاديين، ونظر حزب الشعب ورئيسه، فإذا الحرب في ناحية، والوزارة في ناحية أخرى، وظن رئيس حزب الشعب، صدقي باشا، أن الأمر إليه، وأنه يستطيع لا أن يفصل هذين الوزيرين فحسب، بل أن يسقط وزارتهما — إن شاء الله — حين يجتمع البرلمان، ولكن رئيس الوزراء هزَّ رأسه، ورفع كتفيه، ورسم على ثغره ابتسامة ليست أقل جمالًا ولا سحرًا من ابتسامة منافسه العظيم وانتظر.

    لم يُغْرِ أحدًا بالنواب والشيوخ، ولم يُسلِّط عليهم وزير الداخلية ولا رجال الإدارة، ولم يخطر له أن يدعو أحدًا من أعضاء الحزب إلى تأييده والانضمام إليه، وإنما هزَّ رأسه ورفع كتفيه وابتسم وقال: أنا رئيس الوزراء. وإذا قوم يفدون، وقوم يخطبون، ولم يدعهم أحد إلى وفادة وخطابة، وقوم يعتذرون ولم يدعهم أحد إلى اعتذار، ولم يلمهم أحد في شيء.

    وإذا عريضة أؤكد لك جاهدًا أن أحدًا من الناس لم يكتبها، ولم يُمْلها، ولم يعدد لها ورقًا، ولم يُجْرِ بها قلمًا، ولم يُرِق فيها حبرًا، وإنما نظر أعضاء حزب الشعب، فإذا هي قد نجمت من الأرض أو هبطت من السماء، وإذا الهواء يحملها في دقة وخفة، وفي رشاقة ولباقة، ويطوف بها عليهم. لا يراه أحد، ولا يحسه أحد، ولا يقرع بها بابًا، ولا يهتك بها حجابًا، وإنما ينظر العضو من أعضاء حزب الشعب، فإذا ورقة مبسوطة أمامه، وإذا صوت خفي يثور في أعماق نفسه لا يسمعه غيره، وهو يقول: رمض هذه العريضة؛ فإنها تأييد لرئيس الوزراء. ولا يكاد هذا العضو من أعضاء حزب الشعب يفكر ولا يقدر؛ لأن الهواء الرقيق الدقيق الرشيق قد حمل دواة وقلمًا، ثم غمس القلم في الدواة، ثم وضع القلم في يد العضو من أعضاء حزب الشعب، ثم أجرى هذه اليد بكتابة الاسم الكريم.

    ثم تنصرف العريضة مدبرة، عن يمينها القلم، وعن شمالها الدواة وهي تضحك، وهما يضحكان، وهي تقول، وهما يقولان: سيعلم صدقي باشا أن لرياسة الوزارة جندًا من الهواء يُكره الأعضاء على كتابة الأسماء، وما تزال هذه العريضة تخرج من بيت لتدخل في بيت، وتترك نديًّا لتلم بنديٍّ، حتى تصل إلى عضو من أعضاء حزب الشعب، يحب الحزب، ويحب الوزراء، يكبر الرئيس الجديد، ويرحم الرئيس القديم. فلا يكاد يرى هذا الوفد الغريب يدخل عليه محمولًا على أجنحة الهواء، قلم عن يمين، ودواة عن شمال، وورقة مبسوطة بينهما، حتى يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وآية الكرسي، وينهض من فوره وقد أقسم ليتوسطنَّ في الأمر، وليُصلحَنَّ بالمفاوضة والرضى ما تريد جنود الهواء أن تصلحه بالحيلة والمكر.

    ومن ذلك الوقت بدأت المفاوضات، وتُحدِّثنا الصحف بأنها تتقدم في سبيل الوفاق تقدمًا مرضيًا سريعًا لا يعوقه إلا بعض هذه الصيغ التي يكثر فيها القال والقيل، والتغيير والتبديل، والتفسير والتأويل، ويعمل في التوفيق بينها عقل وزير التقاليد من قريب أو بعيد. والظاهر أن مساء هذا اليوم لن ينقضي حتى تنتهي المفاوضات إلى فوز الوزارة، وإذعان حزب الشعب، ورجوع الوزيرين المفصولين إلى الحظيرة، كما رجع رئيس الوزارة إليها بعد أن استقال.

    والظاهر أن هذا الفوز أمر محتوم؛ لأن هذه الجنود الخفية، جنود الهواء التي تحمل القلم عن يمين، والدواة عن شمال، وتبسط العريضة بينهما بسطًا لم تُلقِ السلاح، ولم تخلد إلى الراحة، وإنما هي موفورة القوة، جمة النشاط، متأهبة للزحف إذا لم يذعن صدقي باشا إذعانًا. ومن لصدقي باشا بمقاومة هذه الجنود الهوائية التي لا تبلغها الأيدي، ولا تدركها العيون، وهي قادرة على تحريك الأيدي، وإغماض العيون.

    وأمر هذه الجنود غريب؛ فهي لم تظهر نشاطها الحازم الجازم إلا منذ أيام حين رست سفينة في الإسكندرية، ثم أقلعت منها؛ فالناس يظنون أن جنود الهواء هذه قد كانت تصطاف في بعض المدن من وراء البحر، أو من وراء المحيط، حتى إذا قضت وطرها من الاصطياف عادت إلى مصر، فلما رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت، نهضت لتقويم العوج وإصلاح الميل والتوفيق بين المختصمين. ووفقت — أو هي ستوفق — حين يجتمع مجلس الإدارة لحزب الشعب مساء اليوم.

    وكذلك يصفو الجو، وتنحل المشكلات، ويتولى حزب الشعب الحكم رغم أنفه، ويؤيد الرئيس المستقيل صديقه العزيز الرئيس الجديد راضيًا بتأييده كل الرضى، مغتبطًا كل الاغتباط، ويحتمل تبعات الحكم بعد أن أبعد عن الحكم لا لشيء إلا لأنه رجل عظيم قد خلق لاحتمال التبعات. يفر منها فتقفو أثره وتتهالك عليه. وكذلك ينتصر عبد الفتاح يحيى باشا، ويُرغم صدقي باشا على أن يكون له مؤيدًا وظهيرًا، ولكن المسألة التي يلقيها بعض الناس على بعض، وينتظرون عليها جوابًا، يظهر أنهم لن يظفروا به قبل آخر العام، هي: ما خطب هذه الجنود الهوائية؛ أترابط في مصر إلى أجل بعيد، أم ترحل عنها إلى قطر من أقطار الشرق، أو بلد من بلاد الغرب قبل أن ينقضي العام؟

  • غدًا

    حديث المساء: غدًا

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٧ أكتوبر ١٩٣٣

    غدًا يُكشف الضر كله عن المصريين، ويرفع الشر كله عن المصريين، ويبسط الخير ظله الظليل على وادي النيل، ويخضر كل يابس، وتعود النضرة إلى كل ذابل.

    غدًا لا بعد غدٍ، غدًا قبل أن ينتصف النهار ستشرق في مصر كلها، وأمام المصريين جميعًا، ابتسامة طالما التمستها مصر والمصريون، فلم يظفروا بها، وسينشر الأمل في جميع النفوس ضوءًا قويًّا يمحو كل ظلمة، وسيبعث الرجاء في جميع القلوب حياة قوية تمحو كل يأس، وتعفي على كل ضيق، وسيغدو الفلاحون على حقولهم ضاحكين مبتهجين، يتغنون لذة الحياة، وجمال الأمل، وحلاوة العيش الناعم في بلد لم يعرف أهله إلا النعيم قبل أن يُطوف بهم الدكتاتورية الساقطة، فيرسل عليهم شرًّا مقيمًا.

    غدًا لا بعد غدٍ، يجدد المصريون عهودهم مع الرخاء والسعة، ومع اليسر والثروة، ويفيق المصريون من هذا النوم الطويل الثقيل، فإذا هم يتنفسون في هدوء، ويملئون صدورهم من هذا الهواء الطلق النقي الذي لم تفسده الأزمة، ولم يكدره التفكير في أداء الضرائب والوفاء بالدين، ولا الخوف من احتجاز المحصول، وبيع الأرض، وسقوط السياط كأنها اللهب على الأجسام العارية تمزقها تمزيقًا، وتسيل منها دماءٌ لم يحلها الله لأحد إلا بحقها.

    غدًا لا بعد غد، تذوق مصر السعادة، بعد أن طالت عشرتها للشقاء؛ لأن غدًا هو اليوم الثامن من هذا الشهر، وهو اليوم الذي يسبق عيد الجلوس الملكي، وهو الذي أعلن وزير المالية الجديد راضي النفس، قرير العين، ناعم البال، باسم الثغر، واثقًا بالقدرة على الوفاء، ثقته بأنه موجود، وبأنه وزير، وبأنه يملك الأمر والنهي، ويقدر على البذل والمنع، أعلن أنه سيحط على المصريين شيئًا غير قليل من هذا العبء الثقيل الذي ينوء بهم، وهو عبء الضرائب.

    نعم، غدًا لا بعد غدٍ، سيقدم وزير المالية الجديد بمناسبة عيد الجلوس السعيد إلى المصريين هدية لم يقدمها إليهم وزير من قبله، ولن يقدمها إليهم وزير من بعده؛ لأن اللَّه قد خلقه، بل قدر خلقه منذ أبعد العصور وأقدم الأزمان، بل قبل أن توجد العصور وتعرف الأزمان؛ ليقدم إلى أمته في أشد أوقات الضنك والضيق، وفي أعصب أيام البؤس والعسر، هدية تزيل الهم، وتكشف الغم، وتفرج كرب المكروبين. وما زالت الأيام تتناقله ضنينة به، والقرون تتداوله حريصة عليه، والأقدار تهيئ الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، في هذا الشهر العظيم، من هذا العام العظيم، حتى تبسم الدهر فإذا صدقي باشا يَهوِي عن منصب الحكم، وعن وزارة المالية، وإذا عبد الفتاح باشا يحيى يصعد إلى منصب الحكم، وإذا الأقدار تسعى خاضعة طائعة، ومذعنة مؤمنة إلى حضرة صاحب العزة، كما ينبغي أن يقال، وإلى حضرة الفاضل حسن صبري بك، كما قال صدقي باشا، فتضع في يده الكريمة السخية أعنَّة الدخل والخرج، وأزِمَّة الإيرادات والمصروفات؛ لينظر إلى الفلاح فإذا هو سعيد كأسعد ما يكون الناس، وقد كان شقيًّا كأشقى ما يكون الناس.

    وأشهد أن أمر المصريين لغريب، فهم لم يقيموا الأفراح والليالي الملاح، وهم لم يرفهوا على أنفسهم، ولم يظهروا ابتهاجًا ولا سرورًا، ولم يعلنوا اغتباطًا ولا حبورًا بهذا الوعد العظيم من هذا الرجل العظيم لهذا اليوم العظيم، يوم يزول العسر فكأنه لم يوجد، ويقدم اليسر فكأنه لم يبرح الأرض، ولم يفارق أهلها منذ كان الزمان واختلف على أهله الليل والنهار.

    أمر هؤلاء المصريين غريب؛ يعدهم وزير المالية بتفريج الأزمة، وإزالة العسر، وتخفيف الضرائب، ويحدد للوفاء بوعده يومًا بعينه لا سبيل إلى أن يتقدم، ولا سبيل إلى أن يتأخر، ثم هم بعد ذلك لا يفرحون ولا يمرحون كأنهم لا يصدقون. أرأيت إلى هذه الديمقراطية كيف أفسدت طبائع الناس وأمزجتهم؟ وكيف دفعت إلى نفوسهم الشك في وعود الوزراء، والإشفاق من أن يعجز الوزراء عن الوفاء بالوعود؟ إن هذه الديمقراطية شر يجب أن يزال. وأي شر أكثر من هذا الذي يغير قيم الأشياء، ويبيح للرعية ما كان محظورًا عليها، ويملؤها شجاعة على أن تسمع وعود الوزراء فترفع الأكتاف، وتهز الرءوس، ولا تحفل بهذه الوعود كأنها صدرت من غير وزير، أو من رجل غير مسئول؟

    غريب أمر هؤلاء المصريين؛ إنهم ليجحدون الصنيعة، ويكفرون النعمة، ويقصرون في معرفة الفضل لأهله، وشكر الجميل لمن يسدي إليهم الجميل. لقد كان أيسر أصول الطاعة، وأبسط قواعد الإخلاص، وأوجب واجبات الإكبار للوزراء يقضي على هذا الشعب المصري حين سقط إليه هذا الوعد السعيد أن يتلقاه فرحًا مرحًا مسرورًا محبورًا، كما يتلقى الظمآن أول الغيث بعد أن طال عليه الجدب، وأهلكه أو كاد يهلكه الظمأ، وحرقه أو كاد يحرقه الصدى.

    نعم، وكان من الحق على هذا الشعب المصري أن يهرع إلى منقذه من كل مكان، ويسرع إليه من كل وجه ليرفع إليه الشكر خالصًا على هذا الوعد الذي أحيا النفوس، وأقر العيون، ورد إلى الحياة بهجتها وجمالها، ولكن هذا الشعب الجاحد لم يهرع ولم يسرع، ولم يظهر رضًى، ولم يعلن حبورًا، ولم يرفع شكرًا، وإنما انتظر في شك وريب كأنما كان يسمع كلامًا عاديًّا، من رجل عادي، لم تدخره الأقدار لينقذ مصر من الفقر، ويرد عنها عادية الجوع والحرمان.

    وإذا وقفت الشعوب من الوزراء هذا الموقف الذي يقوم على الجحود والشك، وعلى الإشفاق والريب، فمن حق الوزراء أن تفتر هممهم، وتضعف عزيمتهم، وأن يسيئوا الظن بهذه الشعوب، ويعرضوا عن الرفق بها، والعطف عليها؛ لأنها لا تستحق رفقًا ولا عطفًا. ويظهر أن هذا أو شيئًا من هذا قد كان، أو حاول أن يكون. فالناس يتحدثون بأن شمس غد ستشرق ثم ستغرب، وبأن ليل غد سيطول ثم يزول دون أن يمس الضرائب تخفيف، أو يحط من أعبائها شيء قليل أو كثير.

    وهم يزعمون أن مصدر هذا الإخلاف الذي يخافونه وينتظرونه — والذي لا أخافه أنا ولا أنتظره — أن الشعب المصري لم يُقدِّر وعد الوزير حق قدره، ولم يظهر من الابتهاج له والاغتباط به ما يشجع على الوفاء به، ويبعث على المضي فيه. وهم يقولون: إن وزير المالية مهما يكن عظيمًا فهو رجل من الناس، يعجبه أن يتكلم فيسمع الناس له، وأن يعد فيفرح الناس بوعوده، فإذا لم يحس من الناس ما هو أهل له من التشجيع والتأييد ضاق بالناس وأعرض عنهم إعراضًا.

    وهم يقولون: إن فتور الناس لهذه الوعود، وشكهم في إمكان الوفاء بها، واستقبالها بهذا الإعراض الثقيل، كل ذلك لم يَسُؤْ وزير المالية وحده، وإنما ساء رئيس الوزراء أيضًا، فالوزراء متضامنون يشتركون في الخير والشر، ويحتملون جميعًا تبعة ما يأتي كل واحد منهم، فلما رأى رئيس الوزراء أن زميله قد وعد، وغلا في الوعد، وبشَّر وأغرق في التبشير، فلم يلقَ من الناس إلا فتورًا وإعراضًا قدَّر — وهو رجل دقيق — أنَّ هذا الفتور يمسُّه، وأنَّ هذا الإعراض يُصيبه، وأنَّ شكَّ الناسِ في زميله شكٌّ فيه، فضاق بذلك، وكبُر ذلك عليه، وعاتب وزير المالية أو لامه فيما أظهر من رفق وعطف لقوم لا يستحقون الرفق والعطف.

    ولو قد كانوا يستحقون الرفق والعطف لأظهروا شيئًا من ذلك، فانسل بعضهم من أحزابهم ليلتفوا حول رئيس الوزراء ووزير المالية، ولكن أحدًا منهم لم ينسل إلى الآن، فهؤلاء الوفديون يجتمعون كأكثر ما اجتمعوا، ويصدرون على الوزارة أحكامًا قاسية مسرفة في القسوة.

    وهؤلاء الأحرار الدستوريون لا يزالون حيث كانوا لم يتقدموا إلى الوزارة خطوة، ولم يبسموا للوزارة عن ثغر، بل هؤلاء الشعبيون يقولون إذا خَلَوا إلى الوزراء: إنَّا معكم، فإذا عادوا إلى صدقي باشا قالوا: إنما نحن مستهزئون، فهم ما يزالون يضطربون بين الرئيس ونائب الرئيس، يسرون شيئًا ويعلنون شيئًا، وينتظرون حكم الأيام وتصاريف القضاء. وإذا كان هذا أمر الناس؛ لم يؤيد أحد منهم الوزارة وقد قامت منذ عشرة أيام، ففيم الرفق بهم، والعطف عليهم، والتفكير في تخفيف الضرائب؟! كلا، يجب أن يتركوا وما هم فيه؟ ويجب أن تُؤدَّى الضرائب هذا العام كما أُدِّيت في العام الماضي، وفيما مضى من الأعوام لا تنقص، وإن احتاجت الدولة إلى شيء من المال فلعلها أن تزاد. هذا شعب لا يستحق أن يحكم وتدبر الضرائب فيه إلا كما حكمه ودبر أمواله صدقي باشا.

    والناس يقولون أن الأمر لم يقف عند وزير المالية ورئيس الوزراء وزملائهما، وإنما تجاوزهم جميعًا إلى رجل من الأجانب يمثل دولة أجنبية في صندوق الدين، فأنت تعلم أن الفرنسيين قوم يحبون العدل، ويكرهون الجور، ويحبون شكر الجميل، ويكرهون كفر النعمة، فلما أظهر الشعب المصري ما أظهر من الفتور والإعراض والشك أمام هذه الوعود التي بذلها وزير المالية وأكد أنه سيفي بها، ضاق ممثل فرنسا في صندوق الدين بهذا الجحود، وتعصب للوزارة المصرية على الشعب المصري، وذهب إلى رئيس الوزراء وإلى وزير المالية يتحدث إليهما فيما شاع وذاع وملأ الأسماع من تخفيف الضرائب إذا أقبل صباح يوم الأحد الثامن من هذا الشهر.

    وقد ظن رئيس الوزراء ووزير المالية — فيما يقول الناس — أن ممثل فرنسا مشفق على الدين من تخفيف الضرائب، فأُكِّد له — فيما يقول الناس أيضًا — أن ليس على الدين بأس من هذا التخفيف الموعود، وظن رئيس الوزراء ووزير الخارجية أن ممثل فرنسا في صندوق الدين يريد من طرف خفي جدًّا أن يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يعني فرنسا من أمورنا المالية التي يجب أن تكون مقصورة علينا بحكم الاستقلال، فأشار رئيس الوزراء ووزير الخارجية إلى ممثل فرنسا من طرف خفي جدًّا بأن الخير للأجانب أن يفكروا في مصالحهم، وفي مصالحهم وحدها.

    ويقول الناس — وما أكثر ما يقول الناس: إن ممثل فرنسا قد فهم هذه الإشارة الخفية، وعرف أن سعيه لم يُفهم على وجهه، فأشار من طرف خفي جدًّا إلى أنه لم يرد أن يدافع عن الدين، ولا أن يعرض لما لا يعنيه، وإنما أراد أن يظهر شعوره بهذا الجحود الذي لم يتحرج المصريون من إظهاره بما يقدم إليهم وزير المالية في جميل. ويقول الناس — وما أكثر ما يقولون: إن الأمر استقر بين الدولتين، ولم يحدث خلاف ولا شبه خلاف، وإنما كان الصفاء كل الصفاء.

    ثم يتخذ الناس هذه الأحاديث علة لما قد يكون من تأخر الوفاء بالوعد، ويتمثل العابثون منهم بهذا البيت القديم:

    إمَّا غدًا زعموا أوْ لا فبَعْد غدٍ

    وكان بين المتحدثين رجل مطرق يسمع، ولكنه لا يقول، فلما انتهى القوم من حديثهم إلى هذا الحد رفع رأسه في هدوء، وقال في صوت مِلْؤه السخرية بما كان يقال من حوله: ولكنكم تتركون الأمر الذي ليس فيه شك ولا ريب، وهو أن السكرتيرين الماليين سيسافرون من القاهرة ليلقوا الوزير في هذا اليوم الموعود، وسيسافرون على حساب الدولة طبعًا، وسيقيمون على حساب الدولة طبعًا يومًا أو يومين، وسيعودون على حساب الدولة طبعًا إلى القاهرة، وستُنفق في هذا كله أموال مهما تكن قليلة فإنها تساوي بعض ما ينبغي رفعه من الضرائب عن بعض الفلاحين. ألم يكن أيسر وأدنى إلى الاقتصاد، وأشد ملاءمة لرغبة الوزارة فيه أن يبقى السكرتيرون الماليون في القاهرة، وأن يأتي إليهم الوزير؟ قالوا جميعًا: نعم، ثم أغرقوا في ضحك شديدٍ.

  • مغضب …

    حديث المساء: مغضب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ أكتوبر ١٩٣٣

    رئيس الوزراء مغضبٌ، مغضبٌ جدًّا، مغضب إلى حد يوشك أن يبلغ الثورة، ولكنَّا والحمد لله لسنا موضوع هذا الغضب إلى الآن.

    أولم يظهر أننا موضوع هذا الغضب إلى الآن؟! ومن لنا بالصبر والاحتمال إن غضب علينا رئيس الوزراء، أو تنكر لنا رئيس الوزراء؟! فرئيس الوزراء رجل حليم، وغضب الحليم شيء يُخاف.

    ومع ذلك فهو مغضب على صديقه وخصمه، على رئيسه وزميله، مغضب على صدقي باشا.

    والناس يعلمون أن غضب رئيس الوزراء اللاحق على رئيس الوزراء السابق قديم يرجع إلى أول هذا العام، حين بطش صدقي باشا بزميليه في الوزارة، فأخرجهما من الحكم إخراجًا. ولكن ذلك الغضب القديم كان غضبًا هادئًا لا يزعج، وأفلاطونيًّا لا يخيف، كان غضب المخالف في الرأي من جهة، وغضب الموتور المغيظ من جهة أخرى.

    ثم مضت أيام جاءت بعدها أيام، والتقى المختصمان في باريس — نستغفر الله! — بل التقى المختصمون في باريس. فتم بينهم جميعًا صلح بريء شريف غير له رئيس الوزراء الجديد رأيه في رئيس الوزراء القديم، واسترد له رئيس الوزراء الجديد استقالته من حزب الشعب، وجرت المياه صافية لا يشوبها الكدر، مضطردة لا تعترضها الصخور.

    ثم ماتت وزارة وتمخضت الأيام عن وزارة أخرى، وكان صدقي باشا رئيس الوزارة الميتة، وكان عبد الفتاح يحيى باشا رئيس الوزارة الوليدة؛ فاستُؤْنِفَت الخصومة بين الصديقين، والخصومة مألوفة بين القبر والصدر، والخصومة مألوفة بين الموت والحياة. اختصم الرئيسان فأنكر صدقي باشا أن يكون عبد الفتاح باشا من حزب الشعب، وأنكر عبد الفتاح باشا أن يكون قد خرج من حزب الشعب!

    وكثر في ذلك الجدال وانتهى الأمر بعد أن ظهر أن القوة للحياة لا للموت وللصدر لا للقبر، إلى أن اعترف حزب الشعب ومعه رئيسه صدقي باشا بأن عبد الفتاح يحيى باشا عضو في الحزب، بل نائب لرئيس الحزب. ولكن هذا الاعتراف لم يصدر كما كان ينبغي أن يصدر في شيء من الرقة والظرف يلائمان رئيس الوزراء ويليقان بمكانته، وإنما صدرا في شيء من العنف والغلظة يلائمان رئيس حزب الشعب، ويصوران ما يملأ قلبه من إذعان المحنق وخضوع المغيظ؛ فقد قال صدقي باشا إن رئيس الوزراء طلب إليه العودة إلى حظيرة الحزب. ورئيس الوزراء لم يطلب شيئًا فيما يقول، وإنما طلب إليه صدقي باشا حين كان في باريس أن يعدل عن استقالته؛ ففعل. والله يعلم أي الرجلين كان الطالب، وأي الرجلين كان المطلوب.

    وأنا أرجح صدق رئيس الوزراء؛ فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يطلبون، وإنما يأمرون. ولو أن رئيس الوزراء لم يسترد استقالته في باريس وأراد أن يلغيها بعد أن تولى الحكم لما احتاج إلى أن يلتمس، ولا إلى أن يرجو، ولا إلى أن يطلب، وإنما كان يكفيه أن يصدر إلى رئيسه في الحزب أمرًا بإلغاء استقالته إلغاءً، واعتباره نائبًا لرئيس الحزب، أو رئيسًا للحزب إن أراد، ولكن تواضعه وظرفه ومجاملته تمنعه من أن يريد مثل هذا.

    على أن في تصريح صدقي باشا لفظًا آخر لعله أغضب رئيس الوزراء، فهو مجاز مألوف، ولكنه لا يلائم الظرف، ولا يلائم الرقة، وهو لفظ «حظيرة الحزب»؛ فالأصل في الحظيرة معروف إن رجعت إلى معجم من معاجم اللغة، ومهما قصدت بهذا اللفظ إلى المجاز فإنه يشعر بمعناه القديم. وهذا المعنى لا يليق برؤساء الوزارات، وبرئيس الوزارة القائمة خاصة؛ لأنه الإنسان المهذب بأدق معاني هذه الكلمة. والإنسان المهذب لا يُحشَر في الحظائر حشرًا، وإنما يُستقبَل في الصالونات، ويُسعَى إليه في مكاتب الرياسة، ولا هو يخالط الذين يُحشَرون في الحظائر، وإنما يصدر الأمر إلى الذين يسوسون الحظائر ومن فيها وما فيها.

    فصدقي باشا إذن لم يُوفَّق إلى حسن الذوق حين ذهب إلى هذا النحو من المجاز، ورئيس الوزراء مغضب من شيء آخر صدر عن صدقي باشا وهو لا يلائم كرامته ولا يلائم كرامة زملائه الوزراء، وأنا أؤيده في ذلك أشد التأييد، فقد نام التوفيق عن صدقي باشا حين كان يعرض لهذه المسألة الدقيقة التي تحتاج إلى اليقظة وحسن التعبير، فقد زعم صدقي باشا أن حزبه سيؤيد الوزارة إذا رضي عن خطتها وكفايتها، وأغضب هذا التعبير رئيس الوزراء، ومن حقه أن يغضب وأن يثور؛ فخطة الوزارات في الحكم من شأنها هي لا من شأن الأحزاب، أو قُلْ كما يقول رئيس الوزراء إنها من شأن السلطة التنفيذية وحدها، وليس لصدقي باشا في السلطة التنفيذية الآن ناقة ولا جمل، وليس لحزبه في السلطة التنفيذية نعجة ولا كبش.

    وإذن؛ فما تعرضه للخطة؟! وما تحكمه فيها؟!

    هذا اعتداء من سلطة على سلطة، والدستور يقرر الفصل بين السلطات، ومنتسكيو يدافع عن هذا الفصل، ولك أن تسأل رئيس الوزراء: فِيمَ وجود البرلمان؟! ولماذا تعرض الوزارات عليه برامجها؟! ولِمَ تُلقَى خطبة العرش؟! ولِمَ يناقشها الشيوخ والنواب؟! فسيقول لك رئيس الوزراء: كل هذا شيء وخطة الوزارة شيء آخر! فإذا أردت أن تعرف هذا الشيء الآخر؛ فسيجيبك رئيس الوزراء بذلك الجواب المشهور: هذا شيءٌ لا نعلمه نحن ولا أنتم، أما نحن فمن المحقق أنَّا لا نعرف خطة الوزارة لأنها لم تُنشَر بعد، وأما الوزراء فمن المحقق أنهم لا يعرفون خطتهم لأنهم لم يرسموها بعد، وإنما هم ينتظرون حتى إذا فرغوا من قهر الوفد وإذلال حزب الشعب درسوا الشئون العامة، ثم رسموا لها خطتهم، أما قهر الوفد فسيتم بعد أسبوع، وأما إذلال حزب الشعب فسيتم بعد يوم أو يومين، إن لم يكن قد تم بالفعل.

    وعلى كل حال، فليس لصدقي باشا وأصحابه أن يذكروا خطة الوزارة؛ لأن ذكرهم إياها اعتداء، ورئيس الوزراء آخر من يقبل الاعتداء، ولأن ذكرهم إياها مخالف للدستور، وغريب أن تصدر مخالفة الدستور عن واضع الدستور الجديد.

    ولم يقف صدقي باشا في عدوانه عن خطة الوزارة، بل ذكر كفاية الوزراء، وجعل نفسه وحزبه ممتحنين، يحكمون على الوزراء بالكفاية فيرضون عنهم، أو بالعجز فيسقطونهم. وهذا إسراف في الشطط لا يقره عقل، ولا تقره فلسفة حديثة ولا قديمة. فالكفاية صفة ثابتة لا تزول عن أصحابها، ورئيس الوزراء وحده هو الحكم في تقدير هذه الكفاية، وما دام رئيس الوزراء قد اختار زملاءه فهم أكفاء، ولو لم يكونوا أكفاء لما أخذهم كما يقول لمعاونته.

    وأنت تعلم أن رئيس الوزراء رجل كغيره من الناس قبل أن تُسنَد إليه الرياسة، فإذا أُسنِدَت إليه فهو معصوم، لا يجوز عليه الخطأ!

    وإذن؛ فليس من حق صدقي باشا وأصحابه أن يعرضوا لكفاية الوزراء. فمن شك في ذلك أو أنكره فليسأل أساتذة الفلسفة في الجامعة المصرية، أو في الأزهر الشريف عن الصفات الثابتة: هل تنتقل؟ وعن الصفات المتنقلة: هل تثبت؟ فذلك فن من فنون العلم لا يحسنه إلا النابغون النابهون الراسخون.

    رئيس الوزراء مغضب آخر الأمر لشيء ثالث أو رابع، وهو ما ذكره صدقي باشا عن سعي المديرين في صرف الشعبيين عن حزبهم، فصدقي باشا — فيما يقول رئيس الوزراء — قد حرَّفَ كلام الحكومة تحريفًا؛ لأن رجال الإدارة لا يزيدون على تنفيذ القانون بأمانة وإخلاص. وهذه لغة يجب أن يفهمها صدقي باشا حق الفهم؛ لأنه هو الذي وضعها، فقد كان رجال الإدارة ينفذون القانون في أمانة وإخلاص حين اقترفوا آثام البداري، واضطروا عبد الفتاح باشا إلى أن يخاصم فيهم صدقي باشا، وكانوا ينفذون القانون في أمانة وإخلاص، وما يزالون ينفذونه في أمانة وإخلاص حين يسلطون بأسهم وبطشهم على خصوم الحكومة من المعارضين. وإذن؛ فما ينبغي لصدقي باشا أن يشك في إخلاص رجال الإدارة وأمانتهم وهم تلاميذه الذين شهد منهم الأمانة والإخلاص.

    فأنت ترى أن رئيس الوزراء مغضب ثائر، وأنت ترى أن رئيس الوزراء مغيظ محنق، وأنت تشاركني إن كان قلبك رحيمًا في الإشفاق على صدقي باشا من غضب رئيس الوزراء وثورته، ومن غيظه وحنقه، ومع ذلك فقد كان يُقال إن الوفاق قد تم بين الرئيسين: رئيس الوزارة الميتة، ورئيس الوزارة الوليدة.

    أفنصدق ما كان يُقال صباح أمس أم نصدق ما نشرته لنا الأهرام عن رئيس الوزراء صباح اليوم؟ أما أنا فأصدق الأمرين جميعًا؛ فالرئيسان متفقان اتفاقًا لا شك فيه تقضي به الظروف، ما دام كل واحد منهما إنسانًا يشعر ويحس ويحرص على الجاه والسلطان، ويأبى الخضوع والإذعان. وقد تسألني: وكيف يجتمع على هذين الرجلين العظيمين أن يأتلفا ويختلفا في وقت واحد وحول موضوع واحد هو الحكم؟ فأجيبك بأن هذه مزايا العظماء تجتمع فيهم النقائص وتصطلح عليهم الأضداد.

    وبَعْدُ، فما أنت وذاك؟! وما سؤالك والإلحاح فيه؟! قوم يقدمون لك الفكاهة ويسلون عنك الهم، يسرونك إذا أصبحت ويسرونك إذا أمسيت؛ فما ينبغي لك إن كنت حكيمًا إلا أن تتفكه وتتسلى وتضحك، ولا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لك تحمل إليك السوء، فابتسم للأيام فإنها تبتسم لك عن ثغر جميل منذ تمخضت لك عن هذه الوزارة البديعة.

  • خاتمة٣

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣

  • تهنئة

    حديث المساء: تهنئة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٦ مارس ١٩٣٣

    نعم لا بد من تهنئةٍ، بل من تهنئاتٍ كثيرة يساق بعضها إلى الأمة، ويساق بعضها إلى الحكومة،
    وتتصل بأشياء كثيرة لا ينبغي أن تمر دون أن تُهنَّأ عليها الأمة، ودون أن تُهنَّأ عليها
    الحكومة، ولست أدري لماذا لا أحس حاجة إلى الاستعجال في تهنئة الأمة، وإنما أنا حريص أشد الحرص
    على أن أقدم للحكومة قبل الأمة أصدق التهنئة وأخلصها؛ لما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في فن
    التمثيل المضحك، والتفوق في فن التسلية وتجلية الهموم.

    ومع ذلك، فليس من أعضاء الوزارة من درس في معهد التمثيل، الذي ألغاه وزير التقاليد، أو غيره
    من معاهد التمثيل في أوروبا! ولسنا نعلم أن أحدًا منهم تخرج على زعيم من زعماء الفن المضحك
    المُلهي في مسرح من مسارح القاهرة، أو ملعب من ملاعب لندرة وباريس، ولكن الناس جميعًا يذهبون
    إلى الملاعب ودور السينما، ويشهدون فنون البارعين من اللاعبين الذين يسحرون العقول بمهارتهم،
    ويستهوون الألباب بلباقتهم، وقدرتهم العجيبة على الفر والكر، وعلى الظهور والاستخفاء، وعلى
    الخطف والاختلاس؛ فليس غريبًا أن يبرع منهم ذوو الكفاية والذكاء في تقليد اللاعبين ومحاكاتهم،
    وقدرتهم على الإتيان بالأعاجيب.

    ومن ذا الذي ينكر أن لسادتنا اليوم حظوظًا موفورة من الكفاية والذكاء، ومن ذا الذي ينكر أنهم
    قادرون على أن يستفيدوا بفضل ذكائهم وكفايتهم من اختلافهم على الملاعب ودور السينما، فيبرعوا في
    فن التسلية وتجلية الهموم. ومصر في حاجة إلى حكومة من غير شك، ولكن الشعوب تحتاج أيضًا إلى
    المُسلِّين والمضحكين.

    ولم تحتج مصر في يوم من الأيام إلى مَن يُضحكها ويسليها كما احتاجت اليوم، وقد أحاطت بها
    الخطوب من كل مكان، وأخذت عليها الأحزان والآلام كل سبيل، ومصر ممتازة من البلاد دائمًا، وأهلها
    ممتازون من الناس دائمًا، فكما أن بلدًا من البلاد لا يستطيع أن يفاخر مصر بالأهرام وأبي الهول؛
    فليس في الأرض شعب من الشعوب يستطيع أن يفاخر الشعب المصري بأن له وزارة كوزارتنا تسوءُه وتسره
    معًا، وتغضبه وترضيه معًا، تُنزِل بساحته الهموم والأحزان حتى إذا غمرته من ذلك بما يُطيق وما
    لا يطيق؛ رفعت له الستار عن مهزلة بديعة كلها دعابة وفكاهة، ولباقة وظرف، وأي شعب من الشعوب
    يستطيع أن يقول كما يقول الشعب المصري اليوم بحق: إن لي حكومة تجمع بين السياسة والإدارة
    والتمثيل، فتتقن السياسة والإدارة والتمثيل، ولا تأخذ على هذا كله إلا أجرًا واحدًا؟!

    والمصريون معروفون بالذكاء دائمًا، ولكن حظهم من الاختراع في هذه الأيام قد ضعف بعض الشيء،
    وكانوا يحسون شيئًا من الألم لتفوق الأوروبيين والأمريكيين عليهم في الابتكار؛ فقد أذن الله لهم
    أن يرفعوا رءوسهم بعد أن وُفِّقت وزارتهم إلى ما لم يُوفَّق إليه موسوليني ولا هتلر، فجعلت
    التمثيل المضحك أصلًا من أصول الحكم، وجعلت الدعابة فصلًا من فصول السياسة، فكيف لا تُهنَّأ
    الحكومة المصرية على هذا الفوز العظيم؟ بل كيف لا تُقدَّم لها التهنئة بهذا الفوز قبل أن
    تُقدَّم التهنئة إلى الأمة بأي لون من ألوان الانتصار؟

    أما أنا فلن أُقصِّر في النهوض بهذا الواجب، ولن أدع للوزارة القائمة سبيلًا إلى لومي، وللعتب
    عليَّ بأني لم أعرف لها حقها، ولم أُقدِّر لها ما تأتيه من جلائل الأعمال، ولن أتردد في إعلان
    ما يملأ نفسي من إكبار الحكومة، والإعجاب ببراعتها فيما وُفِّقت إليه أمس من البراعة في خطف
    الزعماء. لغيري من الكُتاب والسياسيين والذين يعارضون الحكومة، فيحزنون لكل شيء، ويأسون لكل
    شيء، ويسخطون على كل شيء، أن يلوموا الحكومة ويؤنبوها على ما اقترفت أمس من اعتداءٍ على الدستور
    الذي وضعته، وجناية على القانون الذي تحوطه، وخروج على النظام الذي تحميه. أما أنا فلا أستطيع
    أن أحزن لما يسر، وأغضب لما يرضي، وألوم على ما يستحق التهنئة والثناء!

    أنا أريد أن ألقى سياستنا المصرية ضاحكًا دائمًا؛ لأن سياستنا المصرية أصبحت مضحكة، ومضحكة
    فحسب منذ حين. وقد فهمت الآن ما لم أكن أفهمه من قبلُ السببَ الحقيقي الذي دعا إلى ترقيع
    الوزارة منذ أيام؛ فقد كانت الوزارة قاتمة اللون حزينة فيما تقول، حزينة فيما تفعل، باعثة للحزن
    في نفوس الأفراد والجماعات، ولا سيما منذ مرض رئيس الوزراء، فظهر أن طول الحزن يفل العزائم،
    ويبعث شيئًا من الفتور في الهمم، وظهر أن لا بد من أن يضاف إلى الوزارة واحد أو غير واحد من
    الذين يحسنون فن التسلية والتسرية عن النفوس.

    وقد اختار رئيس الوزراء فوفق في الاختيار، وأؤكد له أني شديد الإعجاب بوزير داخليتنا الجديد.
    قل ما شئت، واغضب ما استطعت أن تغضب، واحتد ما وسعتك الحدة؛ فلن تستطيع أن تزيل عن شفتي ابتسامة
    الإعجاب بصاحب السعادة القيسي باشا، ولن تستطيع أن تمنعني من أن أقول للذين اختاروه: إنهم قد
    وُفِّقوا أحسنَ التوفيق.

    هذا رئيس الوفد وصاحبه يركبان القطار ومن ورائه مدينة مائجة بالناس قد أصمت آذان الإدارة
    بالهتاف لهما وبالتصفيق، وبإعلان السخط على الماضي القريب، والأمل في المستقبل القريب، وأمامهما
    مدن وقرى تموج بالناس وهم يهتفون ويصفقون، وهم يسخطون على اليوم، ويبتهجون للغد، وهم ينكرون
    قومًا ويعرفون آخرين، وهم يدعون لقوم وينعون على قوم آخرين، ورئيس الوفد وصاحبه يودعان هذه
    الأمواج الهاتفة المصفقة، والساخطة الراضية، وقد امتلأت قلوبهما أملًا وثقة ورضى وهما يتهيَّأن
    لاستقبال أمواج — كتلك الأمواج التي ودَّعاها — فيها أمل ورجاء، وفيها رضى وابتهاج، وفيها إنكار
    لقوم ومعرفة لقوم آخرين، وفيها دعاء لقوم ونعي على قوم آخرين.

    والقطار يسير والناس يرافقونه بأجسامهم ما وسعتهم القوة على العدْو، فإذا أعجزهم العدْو
    أرسلوا قلوبهم وآمالهم تحف القطار من جانبيه، وإذا القطار يقف في الطريق، وإذا العربة التي
    تقلهما تُفصل ثم تُوصل، وإذا قطار آخر يستأنف السير، بل ينهب الأرض نهبًا، وإذا رئيس الوفد
    وصاحبه قد خُطفا. نعم خطفا، خُطفا من الشعب الذي خُدع وغُرِّر به، وخُطفا من أنفسهما فلم
    يُنَبَّها ولم يُنْذَرا، ومتى نُبِّه المخطوف إلى أنه سيُخطَف؟ أو متى نُبِّه المسروق إلى أنه
    سيُسرق؟ ومتى نُبِّه الناس إلى أن كيدًا قد دُبِّر لهم بليلٍ!

    وكان هذا الكيد قد دُبِّر بليل، ولم يُدبَّر حيث تُدبَّر أعمال الحكومة، لا في رياسة مجلس
    الوزراء، ولا في وزارة الداخلية، ولا في ديوان من دواوين الحكومة، ولا في مكان من الأماكن التي
    يلتقي فيها الوزراء، ولا في وضح النهار وبأعين الناس كما تفعل الحكومات الساذجة العبيطة — إن صح
    هذا التعبير — وإنما دبر في ظلمة الليل بعيدًا عن القاهرة في ظل الأهرام وفي هليوبوليس بعد ذلك،
    ويقال إن تدبيره لم يكن سهلًا ولا ميسورًا، وإن مدبريه قد أرقوا له ليلهم كله أو أكثره.

    وأكبر الظن أنهم لم يحسوا طول الليل؛ لأنهم كانوا عن النوم في شغل، وأكبر الظن أن غير واحد
    منهم قد تمثل في نفسه قول بشار:

    لم يَطلْ ليلي ولكنْ لم أنَمْ ونفَى عني الكرَى طَيفٌ ألَمْ

    وكان هذا الطيف طيفين: رئيس الوفد، وطيف صاحبه الأستاذ مكرم. وكان هذان الطيفان لا يحبان
    الإلمام، وإنما يحبان اللزوم المُلحَّ والزيارة الطويلة، فارتسما أمام الوزراء في الصباح
    والمساء، وفي كل لحظة تمر، وفي كل مكان يستقرون فيه، فلم ينفيا عنهم الكرى وحده؛ بل نفيا عنهم
    الراحة والهدوء، وزهداهما في الطعام والشراب.

    فلما أُحكِم الكيدُ أُخِذ في تنفيذه، فسافر من سافر، وأقام من أقام، ونامت أعمال الدولة صباح
    أمس، وغدَا وزراء الدولة على زميلهم وزير الداخلية، فأقاموا عنده يرقبون ويتحسسون الأخبار، حتى
    إذا انتهى إليهم النبأ أن قد نفذ الكيدُ، وخُدع الشعب، وسُرق الرئيس وصاحبه؛ انطلقت أنفاس حارة
    كانت تكوي القلوب، وتلهب الصدور.

    هنالك انحلت عقدة الألسنة، وهنالك نشطت العقول للتفكير، وهنالك فكر الوزراء وقدروا وأعدوا
    تفسيرًا للقصة التمثيلية المضحكة؛ فكتبوا بلاغهم الرسمي البديع. وتريدني بعد ذلك على أن أغضب!
    وتريدني بعد ذلك أن ألوم الوزراء! صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى اللوم، ولم تريد أن تغضب وقد
    عجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش، والمعتزة بتأييد الحياد النزيه عن أن تواجه
    رئيس الوفد وتطلب إليه أن يقطع رحلته؟ وعجزت الحكومة ذات الحول والطول، وذات الشرطة والجيش،
    والمعتزة بالحياد النزيه عن أن تأخذ الرئيس وصاحبه عنوة من الأمة التي كانت تحيط بهما، وتلتف
    حولهما! وعجزت الحكومة التي أقرت النظام، وملكت قياد الشعب، وملأت قلوب الناس حبًّا لها،
    وإعجابًا بها، واستعدادًا لفدائها بالأنفس والأموال عن أن تدع الرئيس وصاحبه ينتقلان من مدينة
    إلى مدينة لزيارة هؤلاء الأفراد القليلين الخاملين الذين ما زالوا يحبون الوفد؛ يؤمنون له بشيء
    يسير — يسير جدًّا — من السلطان على القلوب.

    أي شيء يغضبك في هذا؟ أكنت تريد نصرًا فوق هذا النصر؟ أكنت تريد فوزًا فوق هذا الفوز؟ أليس
    يرضيك أن تضطر الحكومة كلها — بحولها وطولها وبأسها وقوتها — إلى أن تخطف من الشعب زعماء الشعب؟
    أليس يرضيك أن تعترف الحكومة كلها — بحولها وطولها وجيشها وشرطتها وسلطانها على النفوس والقلوب
    — أمام مصر وأمام إنجلترا وأمام العالم كله، بأنها مضطرة إلى إحدى اثنتين لترد رئيس الوفد
    وصاحبه إلى القاهرة؟ فإما الحيلة والكيد وما بعدهما من الخطف والاختلاس، وإما الكر والفر وما
    بعدهما مما لا أحب أن أذكره.

    ستقول: لو قد تركت الحكومة رئيس الوفد وصاحبه يُتِّمان رحلتهما لما كان شرٌّ، ولما تعرض
    النظام لخطرٍ ولا بأسٍ، ولكن هذا كلام تفهمه أنت وأفهمه أنا؛ لأننا نعرف مصر ونفهمها، فأما
    الذين يرهبون الخيال، ويخافون من الظلال، فلا يفهمون الأمر كما نفهمه، ولا يلقون الأمر كما
    تلقاه وألقاه، وإنما يحمون أنفسهم بالعنف الذي ليس فوقه عنف، أو الكيد الذي ليس دونه
    كيد.

    صدقني ليس في الأمر ما يدعو إلى الغضب، وإنما الأمر يدعو إلى تهنئة الحكومة ببراعتها في
    التمثيل المضحك، وتهنئة الأمة بفوزها الذي لا حد له، والذي ستظهر آثاره في وقت قريب، أقرب مما
    يظن الممثلون!

  • هدوء

    هدوء
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٩ أغسطس ١٩٣٢

    كل شيء هادئ وكل شيء مستقر؛ الجو صفو والسماء نقية، والإقليم معتدل، والسفينة تجري باسم الله وبأمره كأنما تنزلق على البحر انزلاقًا، لا يخاف عليها القبطان ولا المسافرون عطبًا ولا اضطرابًا. ورئيس الوزراء مطمئن إلى هذا الهدوء؛ فهو هادئ أيضًا يستشفي أو يستريح في فيشي بعد أن طوَّف في أرجاء مصر واضطرب في أقطار إيطاليا.

    كل شيء هادئ وكل شيء مستقر. ولكن من الهدوء ما يريح ومن الهدوء ما يخيف، ومن الهدوء ما يبعث الرجاء ومن الهدوء ما يتقدم اليأس. ولست أدري، أو لست أريد أن أدري، في أي هدوء نحن؟ أفي هدوء يسبق الأمل، أم في هدوء يلد القنوط؟

    نعم؛ لست أدري، أو لست أريد أن أدري، أعميق هذا الهدوء أم ظاهر؟ أمتصل هذا الهدوء أم منقطع؟ أطويل هذا الهدوء أم قصير؟ بل لست أدري، أو لست أريد أن أدري.

    أمستقر رئيس الوزراء في فيشي أم مضطرب؟ أمستريح هو أم متعب؟ أساكن هو أم متحرك؟

    كل شيء يدل في ظاهر الأمر على أن رئيس الوزراء مطمئن البال، يستمتع بالفاتر والبارد من مياه فيشي بعد أن استمتع بما أُدِيرَ على الموائد من أكواب وأقداح في مدينة القياصرة. ولكن هذا الهدوء الظاهر، وهذا الاطمئنان المسرف في الوضوح، ليس من شأنه أن يُهدِّئ، ولا من شأنه أن يُطمئن.

    ما أكثر ما اضطرب البرق وكثر وميضه بين القاهرة وروما، حين كان عظيم مصر ضيفًا على عظيم إيطاليا! وما أشد سكون البرق منذ اطمأن رئيس الوزراء في فيشي! وليس رئيس الوزراء من الذين يحبون أن يحيط بهم الصمت، ويُخيِّم عليهم السكوت؛ فما بالنا لا نقرأ في الصحف كيف أصبح رئيس الوزراء ولا كيف أمسى، ولا أين ذهب رئيس الوزراء ولا متى جاء؟!

    تقصير تُلام عليه الصحف! فحياة رئيس الوزراء علينا غالية، وصحته علينا عزيزة، وأخباره إلينا محببة، ومن الحق على الصحف أن لا تنساه، فهو ما زال رئيس الوزراء، وهو ما زال خليقًا أن يُذكَر في صحف الصباح وفي صحف المساء.

    أما أنا فأرى أن رئيس الوزراء لا يستريح وإنما ينتظر، وأرى أن رئيس الوزراء ليس هادئًا هدوء الحال في مصر، وليس مستقرًّا كما استقر فيها النظام، وإنما هو موزع النفس مفرق الهوى، ينظر وراءه إلى مصر، يريد أن يتبين ما يصنع فيها خصومه المعارضون، وينظر أمامه إلى إنجلترا يريد أن يتبين ما يصنع حلفاؤه المحايدون. وهو يخاف من أولئك ويشفق من هؤلاء، يفكر فيهم جميعًا وجه النهار ويحلم بهم جميعًا إذا جنَّه الليل، وينتظر في قلق واضطراب ما سينتهي إليه أولئك وهؤلاء.

    وهو في أثناء ذلك ينظر إلى نفسه وإلى أعوانه وأنصاره وإلى قوته على الثبات وأمله في البقاء، فيرى ضوءًا شاحبًا ضئيلًا تنتقصه الظلمات من أطرافه كما تُنتقَص ظلمة الليل من ضوء الشفق.

    هدوء مخيف هذا الهدوء الذي نحن فيه، والذي يُظِلُّ رئيس الوزراء في فيشي، وربما كان الفصل الذي نشرته التيمس لمكاتبها في القاهرة، وأذاعته الصحف بيننا في المساء، من أوضح الدلائل على هذا الخوف الذي يستره ما نحن فيه من هدوء، وعلى هذه الظلمات التي تحيط بما بقي من حياة الوزارة القائمة، وتنتقص من أطرافها شيئًا فشيئًا.

    وليس يعنينا الآن من هذا الفصل ما يقوله المكاتب عن الوفد والأحرار الدستوريين؛ فنحن نعرف مذهب الإنجليز في التحدث عن المعارضين وعن الحكومات القائمة، فما داموا لم يقلبوا للحكومة القائمة ظَهْرَ المجنِّ بالفعل، وما داموا لم يعلنوا إليها العداء الصريح ولم يشهروا عليها الحرب الواضحة الشعواء؛ فهم يظهرون نصرها ويظهرون أفكارهم لخصومها وتألبهم عليهم، وهم يأبون إلا أن يكرروا أن المعارضة ضعيفة لا حظ لها من قوة، وأنها قد فشلت فلا نصيب لها من التوفيق، يعيدون هذا ويبدونه في غير سأم ولا ملل، حتى يأتي اليوم الموعود؛ فإذا الضعف قوة، وإذا الإخفاق نجح، وإذا الفشل فوز وتوفيق.

    لِيَقُلْ إذن مكاتب التيمس في خصوم الحكومة ما يشاء؛ فنحن نعلم ما يريد ونفهم معنى ما يقول، ولا نشك في أن رئيس الأحرار الدستوريين قد أخطأ أشد الخطأ حين قال الحق في رئيس الوزراء وأذاعه، بينما يقول رئيس الوزراء فيه الباطل ويذيعه. ونعلم أن قد كان من الحق على رئيس الأحرار الدستوريين إذا أراد معارضة صدقي باشا أن يهدي إليه باقة من الزهر منسقة أحسن تنسيق، ليس فيها إلا ما يسره ويروقه ويرضيه. نعم؛ أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين أنكر وطلب إلى الأمة أن تنكر معه ألا يُولَّى أمر هذه البلاد خيارها وأبناؤها الذين يعرفون كيف يرفقون بها، ويشفقون عليها، ويتوخون منفعتها، ويجعلون أنفسهم قدوة صالحة، وأسوة حسنة في السياسة والإدارة، وفي السيرة والأخلاق.

    نعم؛ وأخطأ رئيس الأحرار الدستوريين كل الخطأ حين رفع إلى جلالة الملك؛ وهو صاحب الحق الشرعي في إبقاء الوزارات وإقالتها، وهو الحريص على مصلحة شعبه، الأمين على منافعه، الممثل لكرامته وعزته. أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين رفع إلى جلالة الملك كتابًا يلتمس فيه باسم حزبه إقالة هذه الوزارة؛ لأنها عجزت عن حل الأزمة الاقتصادية، ولم تقدم البلاد أصبعًا نحو استكمال استقلالها، ولم تستطع أن تصلح الإدارة بل أفسدتها.

    ونشأ عن هذا كله فساد عام شامل، ينذر بفساد أعم منه وأشمل إذا لم تُوكَل أمور البلاد إلى وزارة قومية لا تحكم بالهوى ولا تتعصب للشهوة الحزبية، وإنما تحكم مصر لمنفعة مصر، وتعتمد في حكمها على حب الشعب لها وثقته بها وتأييده إياها، لا على ما تعتمد عليه هذه الوزارة من الترغيب حينًا والترهيب أحيانًا، ومن الضعف المهين لبعض النواحي، والقسوة العنيفة على بعضها الآخر.

    أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين طلب هذا كله إلى جلالة الملك؛ لأنه لم يرفع إلى جلالته الأدلة، على ما وصف به الوزارة من ضعف وعجز، ومن تقصير وجور. كأن هذه الخصال لم تصبح واضحة كشمس النهار، وكأن جلالة الملك، لا يستطيع أن يعرف من أمر الحكومة ما يعرفه الناس جميعًا ومكاتب التيمس من بينهم، وكأن جلالة الملك لا ينبغي أن تُرفَع إليه العرائض الموجزة المقنعة، وإنما يجب أن تُرفَع إليه المجلدات المطوَّلة والأسفار المفصَّلة.

    لِيَقُلْ مكاتب التيمس في المعارضين ما شاء؛ فهم يعرفون ما يريد كما يعرفه هو، ولكن أي شيء أراد حين كتب عن الوزارة ورئيسها صدقي باشا؟ أأراد مدحًا أم أراد ذمًّا؟ أأراد تأييدًا وتثبيتًا أم أراد تشنيعًا وتشهيرًا؟

    أمَّا أن مصر هادئة منذ نهض صدقي باشا بأعباء الحكم فواضح لا شك فيه، ولكنها كانت هادئة قبل أن ينهض صدقي باشا بأعباء الحكم وكانت هادئة عن حب الهدوء ورغبة فيه، وهي الآن هادئة لما يسجله مكاتب التيمس من أن صدقي باشا قد أسكت المعارضة وقيدها؛ فهي لا تستطيع أن تنطق، وهي لا تستطيع أن تتحرك، وزعماؤها يحيط بهم الجند وأنديتها ترابط حولها الشرطة.

    وأي هذين النوعين من الهدوء أحب إلى مكاتب التيمس وإلى الإنجليز؟ أهذا الذي يصدر عن الرضا وهو خليق أن ينمو ويدوم أم هذا الذي يُرغَم الناس عليه إرغامًا وهو خليق أن يتحوَّل إلى ما لا خير فيه للمصريين ولا للإنجليز؟

    إذن؛ فقد نجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في إقرار النظام، ولكن بشرط أن يظل الجند والشرطة على ما هم فيه يراقبون ويرابطون، لا ينامون الليل ولا يهدءون في النهار. ونجح صدقي باشا في شيء آخر عند مكاتب التيمس؛ نجح في الاستكثار من الأولياء والأعوان والأنصار بهذا الترهيب من جهة وبما يسجله مكاتب التيمس نفسه من رشوة المأزومين وإغرائهم من جهة أخرى؛ فهم بين الإفلاس إن احتفظوا بآرائهم السياسية، واليسر إن أنكروا هذه الآراء وانضموا إلى صدقي باشا.

    وأي فوز يشبه هذا الفوز الذي يصل إليه صاحبه بالعنف والعسف، ويبلغه بالرشوة وإفساد الأخلاق؟!

    ونجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في الاحتفاظ بتوازن الميزانية، وإن كان مكاتب التيمس نفسه يسجل أن الموارد الأساسية للدولة قد نقصت نقصًا عظيمًا، وأن صدقي باشا سيضطر إلى تعويض هذا النقص لا بالاقتصاد والتدبير، ولكن بفرض الضرائب الجديدة وإرهاق الشعب الذي لم تَدَعْ له الأزمة شيئًا إلا أَتَتْ عليه!

    وأي فوز مالي يشبه هذا الفوز الذي لا يبلغه صاحبه بالاقتصاد والاعتدال في النفقات، وإنما يبلغه بالمضي في الإسراف والغلو في إرهاق دافعي الضرائب. ونجح صدقي باشا في أنه لم يفرض على الموظفين إلى الآن تضحيات شاقة، ولكنه سيضطر إلى فرضها عليهم بعد حين.

    ونجح صدقي باشا — وما أبدع ما نجح! — نجح في المفاوضات؛ فقد كان أول العام مستعدًّا للتحدث عنها والتهالك عليها، فلما انتصف العام أصبح حريصًا على ألا يذكرها، وأصبح يرى الخير في ألا يفكر فيها؛ حتى يثق بأنه يستطيع أن ينتهي بها إلى غايتها.

    ماذا؟! هو إذن غير واثق بأنه يستطيع أن ينتهي بالمفاوضات إلى غايتها! وما الذي يمنعه من هذه الثقة؟! أيمنعه منها فوزه بإقرار النظام عسفًا وعنفًا؟! أم يمنعه منها كسبه للناس بالرشوة والإغراء؟! أم يمنعه منها إقامته للميزانية على أساس الإسراف في الإنفاق والغلو في إرهاق الشعب؟! أم يمنعه منها أنه لم يُوفَّق في شيء مما تطمع الحكومات أن تُوفَّق فيه؟!

    أهو الذي لا يثق بنفسه، أم الإنجليز هم الذين لا يثقون به؟! أم الأمر مشترك بينه وبين الإنجليز؟! فلا هو يثق بنفسه، ولا الإنجليز يستطيعون أن يطمئنوا إليه، وهم يعلمون من أمره أكثر جدًّا مما قال مكاتب التيمس.

    أما أنا، فأعترف بأني قرأت هذا الفصل، فوجدت في قراءته خير ما يجد القراء من اللذة والمتاع في فصل قوامه السخرية والعبث. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فربما كانت السخرية أظهر ما يمتاز به النقد الإنجليزي، والناس جميعًا يعرفون خطبة أنطوان في قصة يوليوس قيصر. وهم حين يقرءون فصل مكاتب التيمس عن صدقي باشا مضطرون إلى أن يسألوا أنفسهم: ألم يتخذ مكاتب التيمس هذه الخطبة مثالًا يحتذيه، فيمدح صدقي باشا كما مدح أنطوان بروتسن؟!

    أما بعد، فلست أشك في أن مكاتب التيمس وكثيرًا من الصحفيين الإنجليز في مصر وإنجلترا إذا خلوا إلى أنفسهم تحدثوا إليها في أمر وزارتنا القائمة بما أتحدث به أنا إلى نفسي وإلى الناس، وهو أن وزارتنا قد بلغت في حياتها الأصيل، وأن الأمد بينها وبين الغروب ليس بعيدًا، وأنها تجد مشقة وعناءً في الاحتفاظ بهذا النَّفَس الضئيل الذي يحتفظ لها بالحياة، وأن احتفاظها بهذا النَّفَس الضئيل رهين بسياسة الحياد الإنجليزي، وكل شيء يدل فيما يظهر على أن سياسة الحياد هذه قد آذنت بزوال.

  • قسمة٢

    حديث اليوم: قسمة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٢ يوليو ١٩٣٢

    قد تكون عدلًا هذه القسمة ولكنها لا تخلو من الجور، وقد تكون قصدًا ولكنها لا تخلو من الإسراف، وقد تكون جِدًّا ولكنها لا تخلو من الهزل. وهي على كل حال آية بديعة يجب أن تسجل مع الثناء لرئيس الوزراء. وما زال رئيس الوزراء يأتي بالأعاجيب، لا نكاد ننسى أعجوبة حتى يأتينا بأعجوبة خير منها أو مثلها. فهو يطرفنا في كل يوم بما يسلي عن الصدور، ويجلي عن النفوس، ويملأ القلوب غبطة وحبورًا. جعلنا أحرارًا عبيدًا، وجعلنا آمنين خائفين، وجعلنا محاربين مسالمين، وجعلنا أغنياء فقراء. وأقام على ذلك كله أدلة لا تحتمل النقض، ولا يعرض لها الشك، فصدقناه وآمنا به، وكذبنا أنفسنا وأنكرنا ما نحس، وجحدنا ما نشعر. ولكنه جاءنا بآية جديدة أمس حين خطب في أشياعه وأتباعه الذين حشدوا له في نادي حزب الشعب في الإسكندرية. قسم العافية نصفين، وشقها شقين وجعل نصفها في مصر، ونصفها الآخر في أوروبا، وأعلن أنه كسب نصفها الأول حين رأى الأشياع والأتباع يهتفون ويصفقون لزعيمهم الذي اختاروه وآثروه بحبهم وإعجابهم، وأنه سيكسب النصف الثاني في أوروبا، حين يذهب للراحة والاستشفاء. وهو بالطبع لا يعرف أين يوجد هذا النصف: في إيطاليا، وقد يكون في كرلسباد، وقد يكون في فيشي، وأكبر الظن أنه في لندرة. وليس من شك عندي ولا ريب في أن العافية قد أصبحت شيئًا يقسم نصفين، ويشطر شطرين، ويكون نصفه في الجنوب، ونصفه الآخر في الشمال، ليس عندي في هذا شك ولا ريب؛ لأن رئيس الوزراء قد قاله وأعلنه، وأنا ملزم أن أصدق رئيس الوزراء إذا قال؛ لأني معجب به قبل كل شيء، وخائف منه بعد ذلك، ولأني إن خالفته فقد أنكرت استقرار النظام، وهو يؤكد أنه مستقر.

    يمكن إذن أن تنقسم العافية نصفين، ولكني كنت أحب أن أعلم، وقد يتيح لي رئيس الوزراء أن أعلم، كيف تقسم العافية، وعلى أي نحو تشق، وبماذا تقسم؟ أتقسم طولًا أم تقسم عرضًا، أم تؤخذ من عمقها، وتشقق من سمكها؟ وبمَ تقسم؟! أتقص قصًّا؟ أم تقط قطًّا؟ أم تقطع بالسكاكين، أم تحطم بالفئوس؟ ومهما يكن من شيء فقد قسم رئيس الوزراء عافيته نصفين، استرد أحدهما أمس في نادي حزب الشعب، وسيسترد الآخر متى عبر البحر. ولكن فيمَ هذا العناء وعلام هذه المشقة وفيم الأسفار، واقتحام البحار، والغيبة عن الأنصار؟! وفيمَ حرمان الشعب طلعة زعيمه، ومحضر عظيمه، وفيمَ ترك الديار تتعرض للأخطار، ما دام تصفيق الأشياع، وهتاف الأتباع، يزيل الصداع ويمحو العلة ويبدل الزعماء من أسقامهم صحة، ومن آلامهم لذة؟! هؤلاء أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية قد ردوا عليه نصف عافيته حين هتفوا وصفقوا. وأين يقع أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية من أشياعه وأتباعه في الأقاليم؟ وأي مدير وأي مأمور يعجز عن أن يحشد لرئيس الوزراء من الأشياع والأتباع أضعاف مَن حُشدوا له في الإسكندرية؟ وقد احتشد لرئيس الوزراء في شمال البلاد وجنوبها، حين زار الأقاليم عشرات الألوف ومئاتها وكلهم هتف، وكلهم صفق. فما بالهم لم يردوا على الرئيس نصف عافيته أو ثلثها أو ربعها؟ فأنت توافقني على أن العافية إذ جاز أن تنقسم نصفين جاز أن تنقسم أثلاثًا وأرباعًا، وأن تشق أسداسًا وأسباعًا. وكان الحق على رئيس الوزراء وهو الرجل العدل المنصف، أن يقسم عافيته إلى أجزاء متساوية يوزعها على الأقاليم والمدن التي يمكن أن يزورها حتى إذا طوف أقطار مصر رد إليه كل إقليم جزءًا من عافيته، وكان يستطيع أن يحتفظ بجزء أو أجزاء من هذه العافية ويوزعها على المدن التي يحتاج لزيارتها في أوروبا. فأما أن يقسم عافيته نصفين اثنين ويقصرهما على الإسكندرية وأوروبا فمجاوز للعدل بعيد عن الإنصاف، مخالف للديمقراطية التي استقر عليها النظام. قال قائل: وما ذنب رئيس الوزراء إذا كانت عافيته لا تحب الحر، ولا تستقيم مع القيظ، ولا يردها عليه الهتاف والتصفيق إلا إذا مسهما من نسيم البحر نفَس عليل بَلِيل، وأصابهما ريق من هذا السحاب الذي يظلل أوروبا في الصيف والشتاء؟ فعافية رئيس الوزراء ليست جافة ولا يابسة، وإنما هي لينة، تحب اللين، وهينة تؤثر الجو الرطب.

    والظاهر في حقيقة الأمر أن الذي رد على رئيس الوزراء نصف عافيته ليس هو هتاف الهاتفين، ولا تصفيق المصفقين، وإنما هو شيء آخر ظهر في «الشعب» صباح أمس، وأحب رئيس الوزراء فيما يظهر أن يعرفه الناس، فأوحى إلى جريدة «المقطم»، فنقلته عن «الشعب» ثم أحب رئيس الوزراء أن تذيعه «الأهرام» أيضًا، فقال في خطبته أمس، ونشرت «الأهرام» هذه الخطبة صباح اليوم، وهو أن المفاوضة آتية لا ريب فيها. نعم، نشرت «الشعب» و«المقطم» هذا الكلام وأعلنه رئيس الوزراء ثم نشرته «الأهرام»، فيجب أن تكون الطير قد حملته إلى رئيس الوزراء من لندرة. ومن الطير ما يصدق، ومنها ما يكذب، ورئيس الوزراء عليم بصدق الطير وكذبها؛ ولذلك لم ترد عليه هذه الطير عافيته كلها وإنما ردت عليه نصفها، ليس غير؛ لأنها لم تحمل إليه يقينًا وإنما حملت إليه ظنًّا وأملًا. وقد قُلتُ لك منذ أيام: إن لندرة تداعب حكومة القاهرة، فتدنيها أصبعًا إذا احتاجت إلى شيء، وتقصيها شبرًا إذا قضت منها ما تريد. وأمر حكومة القاهرة مع لندرة كأمر البحتري مع صاحبه حين قال:

    لج هذا الحبيب في الهجر جِدَّا وأعاد الصدود منه وأبدى

    ذو فنون يريك في كل يوم خلقًا من جفائه مستجدَّا

    أغتدي راضيًا وقد بت غضبا ن وأمسي مولًى وأصبح عبدًا

    ولسنا ندري في أي الأطوار تكون حكومة القاهرة الآن: أراضية أم غضبى؟! سيدة أم مسودة! وأكبر الظن أنها شيء بين ذلك، ما دام رئيس الوزراء لم يسترد عافيته كلها، وإنما استرد نصفها وسيطلب إلى الأطباء في روما أن يدلوه على نصفها الآخر.

    وهل هو سيطلب هذا النصف إلى أطباء روما أو إلى عظيمها مسوليني؟ فدكتاتور إيطاليا طبيب بالسياسة يحسن العلم بها والمشورة فيها، وهو إلى الآن أعظم الذين نهضوا بالدكتاتورية حظًّا من التوفيق. نجح في إيطاليا؛ فدان له الشعب وأحبته كثرته المطلقة، ونجح في سياسته الخارجية؛ فأكره خصوم إيطاليا على أن يعرفوا لها مكانها النابه بين الدول العظمى. فمن حقه أن يكون أستاذًا مسموع الكلمة، وطبيبًا مقبول الرأي عند رؤساء الحكومات الذين يريدون أن يصطنعوا الحزم في سياستهم الداخلية والخارجية. وقد وفق رئيس وزرائنا مع المصريين؛ فدانوا له جميعًا وأحبوه جميعًا حبًّا قوامه الإخلاص والإيثار، وآمنوا جميعًا وأنا أولهم لنظامه الجديد. ولكن نجاحه في السياسة الخارجية مشكوك فيه؛ فالإنجليز قساة لا يرحمون، جياع لا يشبعون. وليس يضر رئيس الوزراء وقد ينفعه كثيرًا أن يستشير طبيب إيطاليا في أمر هذه العلة، وأن يسأله عن أقرب الطرق إلى إكراه الإنجليز على قبول المفاوضات. وأنا واثق بأن موسوليني سيشير عليه بالرأي المستقيم؛ فقد عرف من قبلُ كيف ينزل إنجلترا وفرنسا عند ما كان يريد. ومن يدري لعل مشورة موسوليني هذه أن ترد على رئيس الوزراء النصف الثاني من عافيته، فيعود إلينا وقد غاب عنا أيامًا لا أسابيع؟ ونحن أحوج ما نكون إلى أن يعود إلينا في أقرب وقت، بل إلى أن يبقى فينا لا يفارقنا إلا حين يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز، ويستخلص منهم الاستقلال. وعلى كل حال فإني أهنئ رئيس الوزراء مخلصًا بنصف عافيته الذي استرده، وأتمنى له صادقًا أن يجد نصفها الثاني في غير مشقة ولا عناءٍ، ولا فراق طويل.

  • رحيل

    حديث اليوم: رحيل

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٩ يوليو ١٩٣٢

    رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد، ثم إعلان الانتصار، وفخار أي فخار! وكبت الحسود، ورغم الحقود، وخزي الشامت، من ناطق وصامت، وتفريق المعارضين، بالشمال واليمين، ثم استقرار النظام، في أمن وسلام، على مدى الأيام.

    تلك أماني صادقة نرسلها مخلصين لتصحب رئيس الوزراء حين يطير على الماء بعد أن عَامَ في الهواء، وحين تستقبله مدينة القياصرة باسمة ناضرة كما تستقبله القاهرة. وأَخْلِقْ بالمدينتين أن تتشابها! وأَخْلِقْ بهما أن تتقرب كل منهما إلى الأخرى! تلك مدينة نيرون وهذه مدينة قلاوون، تلك عاصمة المسيحية وهذه عاصمة الإسلام، تلك مستقر السنيور موسوليني حليف البابا وهذه مستقر صدقي باشا صديق الأستاذ الأكبر، تلك مدينة الغرب الخالدة وهذه مدينة الشرق الماجدة.

    ما أخلق المدينتين أن تتقرب إحداهما من الأخرى يوم يسعى النبوغ إلى النبوغ ويبتسم الذكاء للذكاء، وتصافح الكفاية الكفاية، ويشهد صدقي مأدبة موسوليني.

    تعالى الله ما شاء وقوَّى الله إيماني

    ماذا ينقص المصريين؟! وماذا يمنعهم أن يكونوا أسعد الناس وأعظمهم حظًّا من الابتهاج؟! لقد أخطأتهم صداقة لندرة فكسبوا مودة روما. وأين تقع لندرة من روما؟! لقد فاتهم التحدث إلى مكدونلد فأُتِيحَ لهم التحدث إلى موسوليني! وأين يكون مكدونلد من موسوليني؟!

    إن في المصريين لبطرًا لا يشبهه بطر، وإن فيهم لأشرًا لا يعدله أشر، متى رأوا قبل اليوم مدينة خالدة ماجدة كمدينة روما تتأهب وتتزين للقاء وزيرهم الأكبر، قبل أن يقصد إليهم بأسبوع أو أكثر من أسبوع؟! وهم على هذا كله لا يعلنون السرور ولا يظهرون الابتهاج ولا يقيمون الأعياد في أطراف البلاد!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    هذه جريدة المقطم تعلن إلينا اليوم أن قد احْتُجِز لرئيس الوزراء جناح خاص على هذه السفينة الفخمة الضخمة التي يسمونها إسبيريا، ومتى احتُجِز قبل اليوم لوزيرهم الأكبر جناح خاص على سفينة فخمة ضخمة كالإسبيريا؟! ومتى أُعْلِن ذلك في الصحف؟!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    لن يبلغ وزيرهم الأكبر ثغر نابولي حتى يستقبله فيه الممثلون الملكيون والعسكريون للحكومة الإيطالية، ولن يركب القطار حتى يكون عن يمينه مندوب رسمي إيطالي وعن شماله وزير مفوض مصري.

    متى استُقْبِل وزراؤهم على هذا النحو؟! ومتى رُوفِق وزراؤهم على هذا النحو؟!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    إني نذير لهم إن لم تمتلئ نفوسهم عزة وتنتفخ أوداجهم كبرًا بهذه الحفاوة التي تُهيَّأ لوزيرهم الأكبر أن يعودوا كما كانوا من قبل ضعفاء أذلاء يسافر وزيرهم الأكبر كما يسافر عامة الناس لا تُحتجَز له أجنحة في السفن، ولا يستقبله في الثغور حكام المدن وقواد الجيوش، ولا يرافقه في القطار مندوب رسمي ووزير مفوض، ولا تحتفي به مدينة روما الخالدة، ولا يُولِم له عظيم إيطاليا وزعيمها.

    اللهم ألهم المصريين شكر النعمة، كما ألهمتهم احتمال النقمة. اللهم علمهم الابتهاج كما علمتهم الاحتجاج.

    ماذا يريد المصريون؟! وماذا ينقصهم؟!

    يريدون المفاوضة مع الإنجليز، ويريدون أن يستخلصوا استقلالهم من الإنجليز. بُعْدًا للمفاوضة وأفٍّ للاستقلال! ما أظن أن الله قد أراد بهذا البلد خيرًا حين وضع في رءوس أهله فكرة الاستقلال وحين ألهمهم أن مفاوضة الإنجليز قد تؤدي إليه!

    أشهد إن رؤساء الوزارات كانوا مستريحين قبل أن تنبت فكرة الاستقلال في الرءوس، ويلعب خيال المفاوضة بالنفوس، كانوا يسيرون بوزاراتهم الإدارية في أناة ورفق، يغدون على دواوينهم ويروحون منها هادئين وادعين، لا ينغص عليهم حياتهم مكاتب المقطم اللندني، أو مكاتب الأهرام الخاص، أو المحرر السياسي للديلي تلغراف، وكانت لهم وزارة خارجية قبل الحماية تتصل بالدول وتفاوضها كما تفعل وزارة خارجيتنا الآن في مسائل قيمة منتجة تُكتَب فيها المذكرات الطوال الممتعة كهذه المذكرات التي تكتبها وزارة خارجيتنا الآن حين تفاوض الدول في ضريبة السيارات، أيجب أن تُقاس بالوزن، أم يجب أن تُقاس بالسرعة، أم يجب أن تُفرَض على السيارة؛ لأنها سيارة؟!

    هذه هي المسائل القيمة الممتعة التي يجب أن تدور حولها المفاوضات! هي قيمة ممتعة؛ لأنها ستنتهي بعد يوم أو أيام أو بعد عام أو أعوام بإغناء الخزانة المصرية، وهي قيمة ممتعة لأن أصحاب العقول المفكرة والذين يحبون الفلسفة يستطيعون أن يجدوا فيها غذاءً فلسفيًّا ممتازًا حين يقارنون بين الوزن والسرعة، وحين يعرفون أن العالم الألماني العظيم أينشتين يرى أن الوزن شيء نسبي يختلف باختلاف السرعة؛ فليس للسيارة وزن واحد وإنما تختلف أوزانها باختلاف سرعتها حين تنهب الطريق!

    هذه هي المفاوضات الخصبة المنتجة اللذيذة!

    ولكن حكومتنا تحاول أن تحبب هذا النوع من المفاوضات إلى المصريين، لعلهم ينصرفون إليه عن مفاوضة الإنجليز في الاستقلال فلا تفلح ولا تُوفَّق.

    كانوا مبتهجين برحلة رئيس الوزراء حين كان من ورائها أمل الذهاب إلى لندرة والمفاوضة في الاستقلال. فلما قُطِع هذا الرجاء أو أُخِّر إلى الشتاء فتروا وأخذوا يقرءون أخبار هذه الرحلة الميمونة بشيء من الإغضاء يبعث على الرثاء، وأخذت الصحف تستحثهم بما تنشر من أخبار هذه الرحلة ومما سيكون فيها من ألوان الحفاوة والإكرام، فلا يبعث فيهم هذا نشاطًا ولا ينفخ فيهم هذا روحًا من قوة.

    ولا تُصَدِّقْ أن الأزمة المالية هي التي أحزنتهم فلا يفرحون وأسكنتهم فلا ينشطون، وأسكتتهم فلا يقولون، لا نصدق هذا. فليست الأزمة المالية إلا أسطورة خلقتها المعارضة من عند أنفسها، ولو أن في البلاد أزمة مالية حقًّا لما تفرق وزراء الدولة في أقطار الأرض يلتمسون الراحة ونعيم الحياة. ومتى رأيت الوزراء في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا يتركون بلادهم إبان الأزمة للراحة أو الاستشفاء؟!

    إنما الأزمة أسطورة خلقتها المعارضة، ولو كان في مصر أزمة مالية حقًّا لما تركها في وقت واحد وزير المالية ووكيلها. هذا يتحدث في القطن دون أن يرفع ثمن القطن، وذاك يسلم على زعيم إيطاليا ثم يستشفي ويستريح.

    ليس في مصر أزمة مال، ولو قد كانت فيها هذه الأزمة حقًّا لما تركها رئيس الوزراء وهي أحوج ما تكون إلى عنايته المتصلة بماليتها وسهره الدائم على اقتصادها.

    أزمة المال وأزمة التعليم أسطورتان لا تدلان على شيء. وزير المالية ووكيله يغيبان عن مصر، وزير المعارف ووكيله يغيبان عن مصر، وزير الحقانية يستريح في إنجلترا، وزير الأشغال يهيئ لجبل الأولياء في لندرة، ووزير الزراعة يُرفِّه عن نفسه لا أدري في أي مكان.

    كل شيء في مصر على أحسن حال. وإذن؛ فما بال المصريين لا يكترثون برحلة وزيرهم الأكبر، ولا يحفلون بما يحيط بهذه الرحلة من مظاهر الإكرام والإجلال؟!

    قال فريق من الناس: وكيف تريد المصريين على أن يتهجوا برحلة رئيس الوزراء وهو أحب إليهم من حياتهم وأعز عليهم من أنفسهم؟! ومتى رأيت حبيبًا يفرح بفراق حبيب؟! وأين ذهب عنك قول النابغة:

    زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك تنعاب الغراب الأسود

    لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد

    وقال فريق آخر: وكيف لا يحزن المصريون ولا يبتئسون لرحلة رئيس الوزراء عنهم في هذه الأيام والحوادث تحدث، والنوائب تنوب، والأزمات يتلو بعضها بعضًا؟!

    ولرئيس الوزراء سابقة يشفق منها المصريون الذين يحبونه أكثر مما يحبون حياتهم، ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم؛ كان وزيرًا للداخلية، ثم سافر إلى أوروبا ليستريح، ثم نابت نائبة فاستقال من باريس. أليس من حق المصريين الذين يحبون رئيس الوزراء أكثر مما يحبون حياتهم ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم أنفسهم، ألا يرتاحوا لهذه الرحلة وأن يشفقوا من أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وأن يذكروا قول جرير وقلوبهم ملؤها الحسرة ونفوسهم يعبث بها الأسى:

    يا أم ناجية السلام عليكم قبل الرواح وقبل لوم العذل

    لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

    أو كنت أرهب وشك بين عاجل لقنعت أو لسألت ما لم أسأل

    قال فريق آخرون: فأل الله ولا فألكم أيها المتشائمون! ما نرى إلا أن المعارضة الماكرة قد نفخت فيكم من روحها السيئ ونفثت فيكم من سمها الذي يميت القلوب، من زعم لكم أن المصريين لا يبتهجون برحلة رئيس الوزراء؟! ألم تقرءوا الأهرام؟! ألم تقرءوا المقطم؟! ألم تقرءوا الشعب؟! ألم تعلموا أن الشيوخ والنواب يُهرَعون إلى الإسكندرية منذ الآن ليحتفلوا بوداع رئيس الوزراء؟! وإذا ودعه الشيوخ والنواب فقد ودعته مصر، فهم مصر تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق وتسافر إلى الإسكندرية لتودع رئيس الوزراء، فأما الآخرون فليسوا شيئًا؛ لأنهم قد نزلوا عن حقهم في الحركة والقول لبرلمانهم وأعضائه الشيوخ والنواب، فليس لهم إلا أن يستريحوا خمس سنين كاملة.

    وكان في القوم شيخ وقور يُعرَف بالفهم والذكاء والمكر والدهاء، لا يطيل الكلام ولا يحسن الابتسام، ولكنه إن قال أصاب الحق، وإن ابتسم كان ابتسامه دليلًا على أن الشر قد صُرِف عن الناس حينًا، وعلى أن الدهر سيبتسم لهم لحظه.

    سمع هذا الشيخ حديث الناس وهو مطرق ينكت الأرض بعصاه، فلما فرغوا رفع رأسه، فالتفتوا إليه، ثم ابتسم فتعلقوا بشفتيه، ثم قال بصوت هادئ مطمئن: ولا بأس عليكم؛ فلن تجني مصر من رحلة رئيس الوزراء إلا خيرًا، لئن فاتته مفاوضة الإنجليز فسيفاوض الإيطاليين، أهدى إليهم جغبوب أمس؛ لأنها لم تكن مصرية قط، وسيهدي إليه الإيطاليون أرتيريا غدًا؛ لأنها لم تكن إيطالية قط!

    ولو عرف المصريون كيف يفهمون قول هذين البيتين لاستراحوا:

    ألا إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيُّ

    فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وحَسْبُك من غنًى شبعٌ وريُّ

    رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد.

  • منذ اليوم

    حديث اليوم: منذ اليوم

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٦ يوليو ١٩٣٢

    من المحقق أننا أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الدستور قد كفل لنا الحرية على اختلاف ألوانها وتباين فنونها. نحن أحرار في التفكير؛ لأن حرية الرأي مكفولة في الدستور. وأحرار في القول والكتابة؛ لأن حرية القول والكتابة مكفولة في الدستور. وأحرار في الحركة والانتقال؛ لأن حرية الحركة والانتقال مكفولة في الدستور. نحن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من الناس في بلاد كثيرة من ألوان الاستبداد وفنون الإذلال؛ لما كفَّت ألسنتهم عن الثناء على رئيس الوزراء. وقد كدت أسميه الدكتاتور، ولكني أمسكت؛ لأن دكتاتوريته الفعلية إنما تبتدئ بعد يومين، حين يتفرق البرلمان فتستأثر الحكومة استئثارًا فعليًّا بالتشريع والتنفيذ حتى يعود البرلمان إلى الاجتماع. فهو إذن رئيس الوزراء إلى مساء الخميس، وهو الدكتاتور بعد ذلك. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من استبداد واستعباد لأثنوا على رئيس الوزراء أحسن الثناء، ولكنهم يجهلون ذلك فلا يرضيهم ما هم فيه من النعيم والعزة والسعادة. وأخلق بهم مع هذا البطر والأشر أن يصيبهم ما يكرهون.

    أمرهم في الحرية كأمرهم في الرخاء، يحسبون أن في بلادهم أزمة، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن أزمتهم ليست شيئًا يذكر بالقياس إلى أزمات الأمم الأخرى، وأنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة. ويحسبون أن حظهم من الحرية قليل، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن حظهم من الحرية كحظِّ غيرهم من الأمم الحرة المستقلة التي تستمتع بالنظام الديمقراطي الصحيح. والغريب من أمر هؤلاء المصريين أنهم يستمعون لرئيس الوزراء إذا خطب ويقرءونه إذا كتب أو تحدث إلى الصحف، ثم يشكون فيما يقول ولا يطمئنون إليه! يصدقون أنفسهم ولا يصدقون رئيس الوزراء، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا، وحسبك بهذا بطرًا وأشرًا. ماذا؟ ألأنهم يحسون العسر والضنك، وتألم كثرتهم من الخوف والجوع، يعتقدون أنهم مأزومون ولا يصدقون رئيس الوزراء حين ينبئهم بأن بلادهم لم تعرف العسر ولا الضنك بعد، وبأن الخوف والجوع لم يجدا بعد إليهم سبيلًا؟!

    اللهم إني أعوذ بك من هذه الفتنة، وأستعينك على هذه المحنة، وأضرع إليك في أن تعفيني مما تورط فيه هؤلاء المصريون الذين يرون أنفسهم أصدق من رئيس الوزراء. اللهم إني أعلن أن رئيس الوزراء صادق دائمًا، صادق حين يزعم لي الحرية وأنا مغلول، صادق حين يزعم لي الرخاء وأنا مأزوم. صادق حين يزعم لي الأمن وأنا خائف. صادق حين يزعم لي الشبع وأنا جائع. صادق في كل ما ينبئني به عن نفسي مهما أجد أنا ومهما أحس ومهما أشعر، ومهما تنبئني نفسي بغير ما يقول؛ ذلك لأنه رئيس الوزراء، ومعاذ الله أن أصيب أنا ويخطئ رئيس الوزراء، أو أصدق أنا ويكذب رئيس الوزراء!

    نحن إذن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا، ولو عاش مصطفى كامل رحمه الله في هذه الأيام التي نعيش فيها نحن؛ لكان أسعد الناس وأشدهم اغتباطًا حين يرى أمنيته الغالية حقيقة واقعة. فقد أصبحنا بفضل رئيس الوزراء أحرارًا في بلادنا مكرمين لضيوفنا، أحرارًا نفكر كما نشاء ونقول ما نشاء وننتقل كما نشاء. لا يجتمع البرلمان لينكر علينا ما نفكر أو ما نقول، ولا تطلب مشيخة الأزهر مصادرة كتبنا أو تحريقها. ولا تتعقبنا الشرطة حين نذهب أو نجيء، ولا تبلغ وزارة الداخلية أنباء ما يعترينا من حركة أو سكون. ولا يعدل بقطاراتنا عن الطريق العامة إلى الصحراء، ولا تحفر أمامنا الخنادق، ولا تهيأ لنا المكايد. نحن أحرار نفكر ونقول وننتقل كما نريد نحن لا كما تريد لنا الحكومة. ولا تصدق الأحرار الدستوريين ولا تصدق الوفديين، فأولئك وهؤلاء إنما يتجنون على الحكومة، ويقولون فيها غير الحق. ونحن مكرمون لضيوفنا. وما أشد إكرامنا لهم وسخاءنا عليهم! ننفحهم بالأموال ما أقاموا فينا، فإن رحلوا عنا تبعتهم أموالنا كما كان النظام القديم.

    انظر إلى عنايتنا بالأجانب سواء منهم الموظف وغير الموظف. ألسنا نفرض على الموظفين رسم الدمغة؟ فأما المصري فيؤديه صاغرًا وأما الأجنبي فيؤديه شكلًا، ثم يزاد في مرتبه ما يعوض عليه هذا الرسم. فإذا ارتحل الأجنبي عنا تبعته أموالنا في أشكال مختلفة. ألسنا نقرض السودان (أي الإنجليز) ونحن في حاجة إلى من يقرضنا؟! ألسنا ندفع كذا إلى الديلي تلغراف لتصدر ملحقًا خاصًّا عن مصر؟! نحن أحرار في بلادنا مكرمون لضيوفنا بفضل رئيس الوزراء الذي عرف كيف يجعل خيال مصطفى كامل حقيقة لا تتعرض لشك ولا ريب.

    ولكن الدستور الذي يكفل الحرية يأبى إلا أن ينظمها، وإذن فلا بد من أن تشرع لها القوانين، وتقام لها الحدود، ولا ذنب لرئيس الوزراء في أن يكون دستورنا كدساتير الأمم الأخرى ليقيم للحرية من الحدود والسدود ما يمنعها من الطغيان والعدوان، وقد جربنا الحرية التي لا يقام لها حد ولا سد، فرأينا نتائج هذه التجربة منكرة مرذولة. رأينا الناس يشكون فيما يقول رئيس الوزراء، فلا يصدقون أنهم أحرار ولا يصدقون أنهم أغنياء. رأيناهم يسيئون الظن بالحكومة فينكرون من أعمالها ويشكون في أقوالها وينقدون البرلمان، وأي إثم يعدل نقد البرلمان؟! وإذن، فلا بد من إقامة الحدود والسدود أمام هذه الحرية الطاغية. يجب أن يقتنع الناس في مصر بما يقتنع الناس به دائمًا في البلاد الراقية التي تعرف الحرية والديموقراطية من أن الحكومة مصيبة أبدًا لا يمكن أن تخطئ، صادقة أبدًا لا يمكن أن تكذب. ومن أن النواب والشيوخ مقدسون، مَن نالهم بالنقد فقد أسرف على نفسه واعتدى على وطنه وعرَّض نفسه لأشد العقاب.

    الأحرار في أوروبا يعرفون هذا؛ لأن عهدهم بالحرية والدستور قديم. أما المصريون فحديثو عهد بتلك وذاك، فلا بد لهم من التربية والتأديب، ولا بد من أن تعلمهم الحكومة ما كان ينبغي أن تعلمهم التجربة. ولا بد من أن يقوم التشريع الرسمي مقام الذوق والإحساس والشعور.

    أرأيت فرنسيًّا ينكر ما يقول هريو أو يسخر من البرلمان؟ أرأيت إنجليزيًّا يشك فيما يقول مكدونلد أو ينقد مجلس العموم؟ لا تصدق الصحف الفرنسية ولا الإنجليزية إذا نقلت إليك ما يقوله ترديو أو هندرسون أو أنصار هذا وذاك. فإن هؤلاء الفرنسيين والإنجليز قوم مكرة، يصدرون من صحفهم طبعتين مختلفتين: إحداهما صادقة تنشر في فرنسا وإنجلترا وتمثل المعارضة في صورتها الحقيقية مذعنة للحكومة، مؤمنة بها مصدقة لها، تمنحها كلَّ نصر وتأييد. والأخرى كاذبة مضللة ترسل إلى مصر خاصة وإلى الشرق عامة؛ لتفسد العقول والذوق والشعور. وهي تصور المعارضة مناوئة للحكومة وللكثرة البرلمانية. تنقدهما أشد النقد وتنكر عليهما أقبح الإنكار. وهل تنتظر من هؤلاء الأوروبيين أن يرسلوا إلينا من صحفهم ومجلاتهم وكتبهم إلا ما يفسد العقول ويعلمنا نقد الوزراء والنواب والشيوخ، والشك فيما يقولون ويفعلون. نحن إذن مسرفون على أنفسنا. وحكومتنا مخلصة في حبنا ناصحة لنا حين تؤدبنا بأدب الأمم الراقية، فتضع أمام حريتنا الطاغية من الحدود والسدود ما يعلمنا كيف نصدق رئيس الوزراء إذا قال، ونطيعه إذا أمر، وكيف نقدس النواب والشيوخ ونؤمن لهم بأنهم معصومون من الخطأ مضطرون دائمًا إلى الصواب.

    لقد شرعت لنا الوزارة شرعًا جديدًا. يعلمنا كيف نكون أحرارًا حقًّا، وقد أقر مجلس النواب هذا الشرع الجديد منذ أيام، وما أرى إلا أن مجلس الشيوخ سيقره الليلة. فليست غيرة الشيوخ علينا بأقل من غيرة النواب، وإذن فمنذ اليوم سنكون أحرارًا حقًّا. ومنذ اليوم سيعرف الكتاب والخطباء — إن كان للمعارضة أن تخطب — والصحفيون ما أقيم أمامهم من الحدود والسدود؛ ليوجهوا الشعب نحو الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة.

    ولعل الكاتب الفرنسي بومارشيه قد صور هذه الحدود والسدود أحسن تصوير حين انتطق بطله فيجارو بها في قصته المشهورة «زواج فيجارو». فللصحفي حريته في القول والكتابة بشرط ألا يمس السلطة، ولا الدين، ولا السياسة، ولا الأخلاق ولا الأشخاص الذين يشغلون مكانات ممتازة، ولا الهيئات المحترمة، ولا الأوبرا، ولا التمثيل بوجه عام، ولا أي شخص يتصل بأي عمل. فإذا تجنب هذا كله وخضع لاثنين أو ثلاثة من المراقبين بعد ذلك فله أن يقول ما يشاء.

    أيها الكُتاب والخطباء والصحفيون، هذه الحدود قد رسمت لكم منذ اليوم، فاعرفوها واحذروا أن تتجاوزها، وقولوا بعد ذلك فيما تريدون. صفوا جمال الطبيعة وصفاء الجو واعتدال الإقليم، واحذروا أن تشكُّوا في أنكم أحرار! فأنتم أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. بذلك يخبرنا رئيس الوزراء، وإذا قال رئيس الوزراء، فقوله الحق مهما تحسوا ومهما تشعروا ومهما تعتقدوا.

    تعلموا منذ اليوم كيف تكون الكتابة الحرة والخطابة الحرة والصحافة الحرة. فمن اعتدى بعد ذلك فإنما يعتدي على نفسه، ومن أحسن فإنما يحسن إليها. أما أنا فقد عرفت طريقي فلن يسمع مني رئيس الوزراء منذ اليوم إلا الحمد والثناء، وأي الناس أحق بالثناء من رئيس الوزراء؟! أليس قد ضمن لنا الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة في ظل دستوره الجديد؟!