الصلح مع إسرائيل
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ يونيو ١٩٥٦
لم يكن من جُناة تلك الحرب التي سيخذى لها جبين الإنسانية المتحضرة في يوم من الأيام القريبة، ولكنه اصطلى حَرَّها وبلى مُرَّها، كما بلته مئات كثيرة من ألوف الناس الذين لا ذنب لهم إلا أنهم عرب لم تُتَحْ لهم وسائل الذَّوْدِ عن حياضهم والاحتفاظ بحقهم في الحياة الكريمة التي تأذَّن اللَّه بأنه قد أسبغ نعمتها على الناس جميعًا، وقصَّر جيرانهم من العرب أو أخطأهم التوفيق حين خَفُّوا لنجدتهم فلم يبلغوا مما أرادوا شيئًا، ولم يحفظوا على إخوانهم المضيَّعين من حقهم في الحياة الكريمة قليلًا ولا كثيرًا.
لم يَجْنِ هذه الحرب، ولكنه ذاق آلامها مروِّعة، واحتمل أثقالها مُفْظِعَة، ثم خلا إلى نفسه بعد أن أُتيحت له العافية المُرة والسلامة التي لا يسعد بها أصحابها، فجعل يفكر فيما رأى ويتدبر ما أحس من لوعة، وما احتمل من شِقوة، وما بقي في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من حسرات. جعل يفكر في هذا كله؛ لماذا كان؟! وكيف كان؟! وإلى أي عاقبة سينتهي به وبقومه وبالعرب أجمعين كل هذا الذي كان؟ وأطال التفكير في ذلك والتدبر له، وجعلت الليالي تمر والأيام تَكِرُّ والحسرات متصلة في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من أبناء وطنه، تضنيها وتُعَنِّيها ولا يزيدها مر الليالي وكرُّ الأيام إلا لذعًا وإمضادًا، وهو وأمثاله من أبناء وطنه ثابتون لها صابرون عليها ولعلهم أن يستزيدوها لذعًا وإمضادًا؛ لأنهم حراص على أن يذكروا … على أن يذكروا كل شيء، وأن يذكروه دائمًا، وأن يُشْعِروه قلوبَ أبنائهم وبناتهم، وأن يملئوا به الأرض إن استطاعوا إلى أن يملئوها به سبيلًا، وأن يُبَلِّغُوه ضمائر الذين بقي لهم حظ من الشعور بالعدل والاستخذاء من الظلم الذي يقع في النهار المبصر على الأبرياء الذين لا ذنب لهم، إلا أنهم لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم. ثم لم يكتف بالتفكر والتدبر ولا بالتضور ألمًا لهذه الحسرات التي تقض مضجعه ومضاجع أمثاله من أبناء وطنه إذا أظلم الليل وتفرق نفسه ونفوس أمثاله إذا أضاء النهار.
لم يكتفِ بالتفكير والتدبر، ولكنه أراد — أو أُكرِه على أن يريد — الإعراب عن بعض ما يجب لعمل غيره من الذين يشاركونه في الإنسانية ويشاركونه في الشعور بحق الناس في العدل، وفي النفور من هذا الظلم الصارخ البشع الذي يُصَبُّ على الناس لغير ذنب إلا أنهم ضعفاء. لعل غيره من هؤلاء الناس يجدون بعض ما يجد ويَشْقَوْنَ ساعة من ليل أو ساعة من نهار بهذا الذي يشقى به ويشقى به أمثاله من أبناء وطنه ساعات الليل والنهار كلها.
أراد هذا كله فكتب، ولكنه لم يكتب شكاة إلى أحد ولا رجاة لأحد ولم يُصور قلمه هذه الزفرات التي تتأجج في قلبه وفي قلوب مئات الألوف الكثيرة من أمثاله، ولم يصور قلمه هذه الدموع الغزار التي تأبى العيون أن تفيض بها تجملًا وترفعًا، فتنصبُّ في القلوب كما يقول الشاعر العظيم جوته، ولكنها لا تنصبُّ في القلوب ماءً وإنما تنصب فيها نارًا، فتزيد ما يتأجج فيها من الزفرات قوة وإضرامًا.
لم يصور كتابه زفرات ولا دموعًا ولا حسرات أيضًا؛ لأنه لم يكتب بقلبه وحده ولا بضميره وحده، وإنما أشرك عقله فيما كتب وجعل لعقله السيطرة كاملة شاملة على قلبه وضميره، وآثر أن يتحدث إلى عقول الناس فأبلغَ وأدركَ أكثر مما أراد، تحدث إلى عقولهم فلم تُقَصِّر هذه العقول في أداء ما وعت إلى الضمائر والقلوب.
وإذا هو يُقنع العقول بأن الصلح مع الظالمين إجرام ما دام ظلمهم قائمًا، ويُشعر القلوب بأن من الخزي أن ترضى وقلوبٌ أخرى لإخوان لها تتحرَّق حزنًا وتتشقق لوعة وألمًا، وأقر في الضمائر أن الرضى بقصة فلسطين وظلم إسرائيل وأعوانها إنما هو مشاركة في الإثم ورضًى بما لا يرضى به إلا الذين برئوا من الإنسانية واستحقوا خزي الدنيا والآخرة جميعًا.
هذا هو الأثر أو بعض الأثر الذي تركتْه في نفسي قراءة كتاب الأستاذ عميد الإمام عن الصلح مع إسرائيل. قرأته مُستأْنِيًا، فكنت أشعر بالضيق أشد الضيق أثناء قراءته، وكنت أستحبُّ ما أجد من الضيق، وأطلب إلى صاحبي أن يزداد أناة في القراءة لأزداد استمتاعًا بهذا الضيق، إن صح أن الناس يستمتعون بما تجد نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من اللوعة والأسى. ثم فرغتُ من هذه القراءة، ولكني على اشتغالي بكتب أخرى كثيرة مختلفة، وعلى اشتغالي بما يضطرب فيه الناس من حياتهم وأمورها المعقدة، لم أَنْسَ هذا الكتاب ولم أُصرف عنه، وإنما ذكرته منذ قرأته وعدت إليه غير مرة أقرأ منه هذا الفصل أو ذاك، وربما عدت إليه فجعلت أقرأ فصوله كلها لأستحضر سائرها.
كنت أجد راحة مُمِضَّةً إلى هذا الكلام المُرِّ، وكنت وما زلت أتمنى أن يقرأه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأن يقرأه الشباب خاصة والشباب الذين لم تتقدم بهم السن بنوع أخص؛ لينشئوا مع هذه الفكرة، فكرة الشعور بمرار الظلم والغضب للمظلومين حتى يتم لهم الإنصاف كاملًا موفورًا.
لم يعلمني هذا الكتاب شيئًا جديدًا؛ فقد كنت أعرف من قصة فلسطين ما يعرفه أمثالي من الناس، وكنت أجد من الأسى لأهل فلسطين ما يجد أمثالي من الناس، ولكني على ذلك أقرأ هذا الكتاب وأقرأ وأقرأ فلا أملُّ مرارته وإنما أستحبها. وهذه مَزِيَّة الكتاب الذي يصور العقل والقلب والضمير؛ لأن صاحبه قد كان صادقًا منذ أخذ في كتابته إلى أن فرغ منها.
ولا أعرف شيئًا أبلغ تأثيرًا في النفوس وأنفذ إلى أعماق الضمائر من صدق اللَّهجة حين يُتاح صدق اللَّهجة لكاتب من الكتاب، وأشهد لقد أُتيح للأستاذ عميد الإمام أن يكون صادق اللَّهجة في كل ما قال.
وأبرع ما في هذا الكتاب أن صاحبه استطاع أن يقهر عواطفه وأن يروِّض آلامه المُمِضَّة وآماله الحزينة المضطربة، وأن يكون موضوعيًّا كما يُقال في كل كلمة خطها قلمه في هذا الكتاب؛ فهو لا يتزيَّد ولا يتكثَّر ولا يرسل لقلمه العنان، وإنما يضبطه أشد الضبط ويجريه في أعظم التحفظ والاحتياط، فيستقصي حين يجب الاستقصاء ويحصي حين يَحْسُن الإحصاء، ويحلل ويعلل كلما احتاج البحث إلى التحليل والتعليل، ويتتبع الأمور من مصادرها الأولى إلى مواردها الأخيرة، ويَردُّ أعمال اليهود — والصهيونيين منهم خاصة — وأقوالهم وخواطرهم وهواجسهم إلى أصولها من العهد القديم والعهد الجديد، ويصور براعتهم وسعة حيلتهم في السعي والدأب وفي الكيد والمكر، وفي شراء العقول والضمائر بالمال حين يحتاجون إلى شرائها بالمال، وفي استغلال سلطان المال على الحكومات إلى أقصى حد، وفي انتهاز الفرص والانتفاع بما يصيبهم من المظالم وما يُصَبُّ عليهم من الآلام، وفي الاستزادة من المظالم والآلام لاستثارة الشفقة والرحمة حينًا ولترويع الضمائر وتفزيعها حينًا آخر.
يصور هذا كله في دقة أي دقة، وفي هدوء أي هدوء، كأن الأمر لا يمسه ولا يمس قومه من قريب أو بعيد، وكأنه يكتب في موضوع لا يعنيه إلا أن يؤديه إليك أداء صادقًا، ليتيح لك أن تحكم عليه حكمًا صادقًا، ثم ترتب على حكمك ما ينبغي أن ترتب عليه من النتائج حين تعمل وحين تقول.
ولِمَ لا أعترف بالحق فأقول إني لم أكن أعرف صاحب هذا الكتاب، وكنت أظنه مواطنًا مصريًّا ولد ونشأ في مصر، وكنت أعجب بما أتيح له في هذا الكتاب من التوفيق بين البحث الدقيق الموضوعي والشعور الحاد العاطفي وما نشأ عن ذلك من صدق اللَّهجة وحسن المدخل إلى العقول والقلوب جميعًا.
فلما عرفت بِأَخَرَةٍ أن صاحب الكتاب فلسطيني شهد المأساة واصطلى نارها، ازداد إعجابي بهذا الذي عرف كيف يكتم ألمه ويكظم غيظه ويملك نفسه ويؤدي إلينا هذا الكتاب في هذه الأناة وفي هذا الهدوء وفي هذا الصدق العجيب.
ولست أدري أأهنئ الأستاذ عميد الإمام بهذا الكتاب الرائع البارع، أم أَسْتَأْنِي بالتهنئة لعل اللَّه يُتيح لنا يومًا من الأيام نهنئه ونهنئ إخوانه فيه بما هو أبلغ وأشد روعة من هذا الكتاب، بالنصر الذي يرد على الفلسطينيين حقهم ويرد على العرب كرامتهم ويعصم الإنسانية من هذا الخزي البغيض، ولكن على كل حال أهدي إليه أصدق الشكر وأجمله لأنه أتاح لي هذه المتعة المُرَّة بقراءة كتابه الممتع المر.
Tag: العدالة
-
الصلح مع إسرائيل
-
سراب
سراب
بقلم الدكتور طه حسين
لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الأقوياء وأوهام الضعفاء، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل في الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف، ويطمئن القلق، وتستقر القلوب بين الجوانح.
لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديًا ولم تقمع باغيًا، ولم تقر أمنًا ولم تشع عدلًا ولم تزد على أن أنفقت مالًا كثيرًا وملأت الأرض كلامًا وأوهامًا، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والأقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسًا للسلم، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التي ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعًا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الأطلنطي فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه. كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك في بلاد اليونان التي كانت حليفته في الحرب، والتي اصطلت النار الألمانية، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الإنجليزية أيضًا.
لم أؤمن بشيء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الإخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشيء فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين في أحدهما الرحمة وفي الآخر صنوف العذاب. وهم يبرعون في بذل الوعود كما يبرعون في إخلافها ويمتازون في إعطاء العهود كما يمتازون في نقضها، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفًا، وأهون من أعظم الناس هوانًا.
كذلك تملق الإنجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا في البغي والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل في مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التي أعلنها في ميثاق الأطلنطي فقال: تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول.
وما كرهت شيئًا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك في هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت في شيء قط كما شككت في مجلس الأمن هذا الذي لا يؤمن أحدًا ولا يرد إلى أحد حقًا ولا ينصف مظلومًا من ظالم ولا يصد معتديًا عن عدوان والذي سميته غير مرة مجلس الخوف. ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد. ولم نر قط قويًا أعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض. وإنما الأقوياء بين اثنتين دائمًا، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون إن لم يجدوا إلى البطش سبيلًا.
وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع في كل عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال. وهذا مجلس الأمن يجتمع في كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفًا آمن ولا باغيًا كف عن بغيه، ولا مظلومًا أتيح له الإنصاف، ولا ظالمًا آثر العدل والقصد.
وإنما تجري أمور الاستعمار في ظلهما كما تعودت أن تجري لم يتغير منها شيء. شعوب تستذل وتستغل في غير رفق ولا لين وفي غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلًا إلى شيء من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروهًا. وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلى أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضي في جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين، والله خير الحاكمين.
وأروع من هذا كله وأبرع أن ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل في الدفاع عنها الجهود التي لا تحصى، وتوضع أيدي هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه في مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التي يقع فيها الظلم المنكر في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذي يقال، والجهود التي تبذل، وينتظر العالم هذا القرار الذي ستصدره الهيئة أو المجلس، والذي ينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل في حياة راضية آمنة.
ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء. هذه الدماء التي تسفك وهذه النفوس التي تزهق وهذه الحقوق التي تهدر، وهذه الحرمات التي تنتهك، وهذه الشعوب التي تصبح وتمسي في شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان. كل ذلك لا خطر له ولا ينبغي أن يكون له خطر. وإنما الشيء الوحيد الذي يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص، وتضحي في سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل اتفاق الدول المستعمرة قائمًا لا يصل إليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلًا.
فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغى بريطانيا العظمى على من تريد أن تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما، وإنما المهم أن تظل الدولتان على شيء من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعًا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التي لا توافقها في المذهب ولا في الرأي، ولا في تدبير شؤون المال.
الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء، ومنفعة الأقوياء في أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغي أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء ولا عليهم أن يضحي بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة.
ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون. فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضًا، وقد يصدم بعضها بعضًا، وقد يجب أن يضحي ببعضها في سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغي أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبي وإن كرهه الشعب الفرنسي وقد ينبغي أن تمضي فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية في غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التي لا تعرف لها غاية.
وقد ينبغي أن تضحي بريطانيا العظمى بشيء من تجارتها في الشرق الأقصى وفي شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديًا. وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنًا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم في أقطار أخرى من الأرض.
وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شيء من المصاعب أو العقبات. فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت في غير طائل، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التي ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
إذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها، صورها الشاعر العربي القديم أروع تصوير وأبرعه في بيته الخالد.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يُهْدَم ومن لا يظلم الناس يُظلَم
والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدًا ولا نرضى أن يظلمنا أحد.
طه حسين
الجمهورية ١١ ديسمبر ١٩٥٣. -
حرية
حرية…
بقلم الدكتور طه حسين بك
لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
طه حسين
صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦. -
تنظيم القوة
تنظيم القوة
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٤ نوفمبر ١٩٤٥
كان اجتماع الرؤساء الثلاثة للدول الكبرى في القرم — أثناء شهر فبراير الماضي — هو الخطوة الأولى الحازمة الحاسمة لمحاولة تنظيم القوة والتسلط بين المنتصرين. ففي ذلك الوقت كان الرؤساء الثلاثة قد استيقنوا بأن بلادهم قد كسبت الحرب كسبًا نهائيًّا، وبأن التسجيل الرسمي لكسب الحرب قد يتم في أيام، أو في أسابيع، ولكنه سيتم من غير شك. وكانوا من أجل ذلك قد قرروا أن يستعدوا لإنشاء العالم الجديد على أساس من تسلط المنتصرين. وكان العالم يظن مخطئًا — فيما يظهر — أن النصر لم يكن مقصورًا على الدول الثلاث الكبرى، وإنما كان شائعًا بين جميع الذين عملوا له وشاركوا فيه، سواءٌ منهم من امتُحن في أول الحرب وألقى السلاح بعد أن جاهد ما وجد إلى الجهاد سبيلًا — كفرنسا وبلجيكا وهولندا — ومن لم يشارك في الحرب مشاركة فعلية تصورها كثرة الجند ووفرة السلاح، ولكنه أعان الحلفاء ما استطاع أن يعينهم بما كان يملك من قوة وجهد؛ فأتاح لهم الثبات حينًا، وعصمهم من الهزيمة المنكرة حينًا آخر.
وكان العالم يعتقد مخطئًا في أكبر الظن أن هذا النصر الذي كسبه الحلفاء جميعًا سيؤتي ثمره للحلفاء جميعًا، فلا يكون بينهم متسلط ولا مقهور. وإنما يشهد العالم في المرة الأولى للتاريخ عدلًا شاملًا، وإنصافًا كاملًا، وتساويًا في الحقوق بين جميع الذين شاركوا في قهر العدو واضطراره إلى التسليم. كان العالم يظن هذا — بل كان يؤمن به — ولكنه لم يكد يرى النتائج التي انتهى إليها مؤتمر يالتا حتى أحسَّ شيئًا منكرًا من خيبة الأمل، وعرف أن الضعفاء لم يزيدوا على أن خدموا سادتهم من الأقوياء، وأن هذا النصر العظيم لن يكون شركة عادلة بين المنتصرين جميعًا، ولن يزيد على أن يكون شركة بين المتفوقين في القوة والممتازين في عدد الجند وكثرة السلاح.
ويجب أن نسجِّل الحق، فنقرر أن فرنسا كانت أول من أنكر هذا الاستئثار، وسخطت على هذا الاستبداد بثمرات كان ينبغي أن تقسم بين المنتصرين جميعًا.
فقد أنكرت فرنسا ما ذهب إليه الرؤساء الثلاثة من استئثار بالتسلط على العالم، وانفراد بتصريف الأمر فيه. ورفضت أن تكون داعية لمؤتمر سان فرنسيسكو، وآثرت أن تنحاز إلى نفسها على أن تعترف بهذا التفوق الذي انتزع من المنتصرين انتزاعًا.
وعلى رغم هذا كله، ذهب الرؤساء الثلاثة مذهبًا غريبًا، أقل ما يوصف به أنه كان يقوم على الخداع والتضليل أكثر مما يقوم على أي شيءٍ آخر؛ فهم قد جعلوا مؤتمر سان فرنسيسكو مطمعًا عزيز المنال، وقرروا ألَّا يشترك في هذا المؤتمر إلَّا الذين يعلنون الحرب الرسمية على ألمانيا واليابان. وخيَّلوا بذلك لبعض الأمم المحايدة — ولبعض الأمم غير المحاربة — أن إعلان الحرب على المحور سيكون وسيلة خطيرة إلى غاية خطيرة هي الاشتراك في تنظيم العالم، ووضع الأسس للحياة الإنسانية الجديدة، على أن يكون العدل والمساواة قوامًا لهذه الأسس، وملاكًا لهذا العالم الجديد.
وقد انخدع العالم بهذه الحيلة، فاستبقت أمم كثيرة إلى هذه الخطوة المضحكة، وأعلنت الحرب على ألمانيا واليابان، بعد أن تحققت هزيمة ألمانيا واليابان. وكانت مصر بين هذه البلاد المخدوعة التي ظنَّت أنها ستفيد من إعلان الحرب على المحور فوائد لا تكاد تحصى ولا تستقصى. وقد جعلت هذه البلاد تتهالك على الحرب المنقضية كما يتهالك الفراش على النار. وإذا هي تعلن الحرب في غير طائل، وتتَّخذ في سبيل هذا الإعلان إجراءات لم تكن في حاجة إلى اتخاذها، وتندفع في ذلك غير محتاطة ولا متحفظة … قد وثقت بالوعود وانخدعت بالآمال، وخيِّل إليها أن الدول الكبرى لا تهزل في مواطن الجِدِّ، ولا تتخذ الخداع الصريح وسيلة من وسائل السياسة.
ثم ينعقد مؤتمر سان فرنسسكو، فتتكشَّف الحوادث عن هذه المأساة المضحكة — أو الملهاة المحزنة — وهي أن الدول الكبرى الثلاث، أو الأربع أو الخمس، لم تتخذ هذا المؤتمر إلَّا وسيلة إلى التكاثر والتنافس والتفوق بكثرة ما تحرز من الأصوات حين يجدُّ الجد، وحين يشجر بينها الخلاف.
فأمَّا الولايات المتحدة فاعتزَّت بالدول الأمريكية الجنوبية، وأمَّا الروسيا فاخترعت لنفسها من نفسها دولًا تؤازرها وتناصرها، وأمَّا بريطانيا العظمى فاعتزَّت بإمبراطوريتها وبمستعمراتها المستقلة، وبالدول التي تخضع لنفوذها خضوعًا ظاهرًا ومستترًا.
وكذلك اختصمت الدول الثلاث الكبرى، واشتدَّ بينها الخصام، ثم اتفقت وحسن بينها الاتفاق. وكانت نتيجة المؤتمر أن قرر الأقوياء والضعفاء جميعًا تسليم الأمر إلى الدول الكبرى وحدها. وكانت النتيجة أيضًا أن الملايين التي ضحَّت بحياتها في سبيل الحق والعدل والمساواة قد ذهبت هباءً، وأن الحرب التي أنيرت في سبيل الديمقراطية ومحو الدكتاتورية في بعض البلاد قد انتهت إلى إقرار دكتاتورية عالمية، يسيطر فيها المنتصرون المتفوقون على المنتصرين والمنهزمين جميعًا.
وفي أثناء ذلك انتهت الحرب في أوروبا؛ فانتهت دكتاتورية هتلر لتقوم مقامها في الأرض دكتاتورية مثلثة أو مربعة أو مخمسة، قُلْ فيها ما تشاء …! ولكنها دكتاتورية على كل حال، لا تعبث بالأفراد ولا بالشعوب في جزء بعينه من الأرض، وإنما تعبث بالأفراد والشعوب جميعًا في جميع أقطار الأرض.
وكان رائعًا حقًّا هذا المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في بوتسدام، ولم يدع سان فرنسيسكو. كان كل ذلك خليقًا أن يجعل أمر القنبلة الذرية هينًا يسيرًا، وأن يضعها تحت تصرف العالم المتحضر، يمنع بها الظلم، ويرد بها المعتدي إلى الصواب. ولكن الأمريكيين لا يثقون بالعالم المتحضر، وهم من أجل ذلك لا يبيحون سرَّ هذه القنبلة الذرية لأحد من الناس، لا يُبِيحُونه للإنجليز والكنديين الذين شاركوهم في البحث والإنفاق، وأحرى ألَّا يبيحوه للروس الذين لم يشاركوهم في البحث والإنفاق. وإذن فيجب أن يسعى الإنجليز والكنديون إلى الاتفاق مع الأمريكيين على أمر هذه القنبلة: أتكون لهم جميعًا أم تكون للأمريكيين من دون الحلفاء والشركاء؟
وفي سبيل هذا السعي يسافر رئيس الوزارة البريطانية إلى واشنطون، ويغير رئيس الوزارة الكندية منهاج زيارته لأوروبا، فيعود إلى أمريكا ليشترك في هذا البحث. أمَّا الروس فيائسون من الأمريكيين ويثقون بأنفسهم … لقد وجد الأمريكيون قنبلة ذرية، فيجب أن يجد الروسيون قنبلة ذرية أخرى، ويقال إنهم وجدوها بالفعل. وأمَّا فرنسا فقد كانت هي المبكِّرة للبحث عن القنبلة الذرية، وهي التي سبقت إلى الاستكشافات الأولى، ولو أمهلتها الحرب لانتهت بالبحث إلى غايته، ولكن الحرب لم تمهلها، فأهدت ما ظفرت به إلى الإنجليز والأمريكيين.
وهي الآن قد استردت حريتها، ولكنها مضعضعة مزعزعة، مضطربة السياسة والاقتصاد. ومع ذلك فيجب أن تجد قنبلتها الذرية أيضًا، ولا ينبغي أن تتخلف بعد أن كانت سابقة. وإذن فهي تنشئ معهدًا خاصًّا للبحث عن القنبلة الذرية، وتقتطع لهذا المعهد من ميزانيتها المزعزعة المضعضعة مبلغًا ضخمًا ستتبعه مبالغ ضخمة. وإذن فلن تكون في العالم قنبلة ذرية واحدة، بل ستكون فيه على أقل تقدير قنابل ذرية ثلاث: إحداها عند الإنجليز السكسونيين — إن تم الاتفاق بين البريطانيين والأمريكيين — والثانية عند الروس، والثالثة عند الفرنسيين. وستصبح القنبلة الذرية سلاحًا كغيره من الأسلحة يكثر ويشيع، حتى يلغي بعضه بعضًا، وحتى يصبح خطره قليلًا ضئيلًا.
وليس العلم مقصورًا على هذه الأمم الثلاث، ولكن أممًا أوروبية أخرى قد تكون صغيرة، ولكن فيها علماء يستطيعون أن يبحثوا، ومعامل يمكن أن تجرى فيها التجارب. وإذن فاعتداد الولايات المتحدة الأمريكية بالقنبلة الذرية إن كان خطيرًا اليوم فلن يكون خطيرًا غدًا، وسينظر العالم — أو سينظر سادة العالم — فإذا هم مضطرون إلى أن يختاروا بين اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن يستبقوا في الاختراع والاستكشاف، ثم ينتهوا بالاختراع والاستكشاف إلى غايتهما، فتكون الحرب المدمرة التي لا تُبْقِي على شيء، ويخلو العالم من هذا الإنسان المتمرِّد المغرور الذي لا يُرِيح ولا يستريح. وإمَّا أن يتفقوا على خطة سواء تنظِّم القوة تنظيمًا عادلًا، وتُخْضِعها للحق بعد أن خضع الحق لها دهرًا طويلًا، فتمضي الحضارة في سبيلها إلى الرقي، ويستطيع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة حقًّا، وأن يستغلَّ مصادر هذه الطبيعة لما ينبغي أن تستغل له من إصلاح الحياة وترقيتها، وإباحة السعادة لهذا الإنسان الذي منح العقل ليكون سعيدًا، فلم يَعُدْ عليه العقل إلَّا بالبؤس والشقاء.
هذه هي الحال بين السادة المتفوقين الذين استغلوا العالم حتى انتصروا، والذين يريدون أن يستعبدوا العالم في السلم كما استعبدوه في الحرب، وهي حال تقوم — كما ترى — على الشك والخوف وسوء الظن. فأمَّا الضعفاء الذين أخلصوا في الحرب وضَحَّوْا بأنفسهم وأموالهم ولذاتهم ومرافقهم ليُعْلُوا كلمة الحق ولتمتلئ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا؛ فهم ينظرون فيرون أن العدل ينأى عنهم وقد كانوا يظنونه قريبًا، وأن الجور يسيطر عليهم وقد كانوا يحسبونه بعيدًا. وهم لا يزالون إلى الآن دهشين، يظنون أنهم لا يحلمون، وقد يطول دهشهم أو يقصر. ولكنه سيتخلى عنهم في يوم من الأيام، وستثوب إليهم عقولهم، أو سيثوبون هم إلى عقولهم، وسترى الأرض يومئذ أن عليها شعوبًا تؤثر أن تفنى على أن تستعبد إلى غير حد، وتستذل إلى غير مدى. ومن يدري؟ لعل الشعوب أن توفق في يوم من الأيام إلى إخضاع سادتها وساستها لشيء من القصد والاعتدال …! -
أجد أم مزاح
أجد أم مزاح
بقلم الدكتور طه حسين بك
يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
صدت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
طه حسين
البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥. -
الفاروق … الشديد الليِّن
الفاروق … الشديد الليِّن
طه حسين
مجلة الهلال
نوفمبر ١٩٣٧
من أيسر الأمور على المثَّال البارع أنْ يصنع لعُمر بن الخطاب — رضي الله عنه — تمثالًا يجمع بين الصدق والروعة، وبين الدقة التي تُرضي الحقَّ والجَمال الذي يُرضي الخَيال، فقد حَفِظَ التَّاريخُ لعُمر صورة دقيقة صادقة لا تتعرض للشك ولا للخلاف، بحيث يراها الناس جميعًا إذا قرءوا تاريخه فلا يختلفون فيها، ولا يفترقون في الإعجاب بها والإعظام لها مهما تَخْتلف أمزِجَتهم وطبائعهم، ومهما تختلف آراؤهم ومذاهبهم، ومَهما تختلف طَرَائِقهم في التفكير والحكم والشعور.
وهذه الصورة الدَّقيقة الصَّادقة الرَّائعة التي حفظها التاريخ لعمر لا تُمثِّل شخصه المادي وحده، وإنما تُمَثِّل شخصَهُ المَادي والمعنوي أيضًا، وتُمَثِّل شخصه المعنوي من جميع نواحيه: تمثل قلبه، وتمثل عقله، وتمثل إرادته، وتمثل حِسَّه أيضًا. وهي صادقة في هذا كله لا يتطرق إليها الشَّكُّ؛ لأنها أوضح وأظهر من أن يتطرق إليها الشك أو تختلف فيها الآراء.
وما أعرف أنَّ تاريخ الخلفاء والملوك المسلمين قد صَدَقَ في تصوير شخصية من شخصيات الخلفاء والملوك كما صدق في تصوير شخصية عمر بن الخطاب.
والغريبُ أنَّ هذه الشَّخصية لم تكن سهلة ولا يَسِيرَة في نفسها، وإنَّما كانت عسيرة مُعقَّدة كما سترى بعد قليل، ولكنَّها كانت قوية جدًّا، قوية إلى الحدِّ الذي يعجز معه التاريخ عن مُقاومتها؛ فيضطر إلى أن يقبلها كما هي، لا يستطيع أن يزيد فيها أو ينقص منها، وإنَّما يتلقاها كامِلَةً وينقلها إلى الأجيال كاملة، وتَمضي القُرون في إثر القرون، وهي كما هي لا يستطيع الزَّمان أنْ يَمَسَّها بِزيَادَةٍ أو نقص.
ولو أنَّ مَثَّالًا بَارِعًا قرأ ما حفظ التَّاريخ مِنْ صورة عُمر، ثم أراد أنْ يُظْهر ذلك بوسائله الفنية، وأنْ يَصْنَع هذا التِّمثال لعُمر، لجمع بين خصلتين غريبتين، فكان ناقلًا لا مُبتكرًا، وكانَ في الوقتِ نفسه رَائعًا مُعجِبًا؛ يبهر العُقول، ويخلب الألباب، ويَملأ الأبصار والقلوب.
ولكنَّ عمر كان ثاني خُلفاء المُسلمين، فمكانته الدينية ومنزلته من النبي، ومقامه من الإسلام نفسه، كل ذلك يرفعه عن أن يكون موضوعًا لصناعة المصوِّر أو المثَّال.
فلنجتهد في أن نستعين بصناعة الكلام على تصويره للشباب المُحدثين، فعُمَر فيما نعتقد أعظم شخصية يُمكن أن تُعرَض على الشباب؛ لأنهم يجدون فيه خير ما نُحِبُّ أن يجدوا من المثل التي نتمنى أن يطيلوا النظر إليها، والتفكير فيها، والتأثر لها، لعلهم يَرقَوْن إليها شيئًا.
وأول ما يهمنا من أمر عمر أنَّه كان مُلتقى لطائِفَة من الخِصال المُتناقضة التي ينكر بعضُها بعضًا أشد الإنكار، ويدفع بعضها بعضًا أشد الدَّفع، ولكنَّ الله قد لاءم بينها وألَّف بينَ مَقادِيرِها تأليفًا غريبًا؛ حتى التقت فلم تتنافر ولم تتدابر، ولم يفسد بعضها أثر بعض. وإنما ائتلفت أحسن ائتلاف وانسجمت أروع انسجام، كما تأتلف الأصوات المُتنافرة، وكما تنسجم الأنغام المُتباعدة في القطعة الموسيقية الرائعة، حتى أصبح شخصُ عمر آية خالدة من آيات الموسيقى يتغنى بها تاريخ المُسلمين، وسيتغنَّى بها ما بقي الإسلام وما بقي للإسلام تاريخ.
وأغرب مِنْ هذا كُلِّه أنَّ بعض هذه الخِصَال لم يُستأنَف في شخص عمر، وإنما وُجِدت في أسرته ورهطه الأدنين مُفرقًا قبل أن يُوجَد عمر.
وقد نشأ هذا الفتى القرشي فأدرك شيئًا من هذه الخصال، فقد كان أبوه الخطاب بن نفيل رجلًا غليظًا فظًّا إن امتاز بشيء من قومه، فإنَّما يمتاز بالشدة والعنف، والمُحافظة على القديم الموروث، والنشاط الغريب في حماية هذا القديم الموروث والذود عنه. وكان ابن عمه زيد بن عمرو بن نفيل رجلًا رقيقًا ليِّنًا، مرهف الحسِّ، ذكي القَلْبِ، نقي الطبع، مُستعدًّا للإيمانِ الصَّادق، مُبغضًا للقديم، شديد النَّشاط للتجديد. شك في وثنية قومِهِ ثم جحدها، والتمس دينًا صفوًا ومِلَّة نقية، وجعل يُنكر على قريش ما كانت فيه، فكانت قريشُ تسمع منه وتُعرِض عنه ولا تحفل بما كان يقولُ، ولكنَّ الخطاب بن نفيل ثبت له ثم قاومه، ثم جدَّ في فتنته حتى أشقاه، ثم حبسه في مكة، ثم أغرى به الشباب حتى اضطره إلى أنْ يَستخفي وأنْ يحتال في الفرار من مكة؛ ليلتمس ما كان يُحِبُّ مِن دين عند اليهود والنَّصارَى. وقد فرَّ زيدٌ بدينه الجديد أو باستعداده للدين الجديد، وجَعَل يَلْتمِسُ ما يُحِبُّ عند اليهود مرة، وعند النَّصارى مرة، حتى استيأس مِنْ أولئك وهؤلاء؛ فعاد إلى مكة، ولكنه قُتِل غيلةً في بعض الطريق.
وقد ورث عمر هاتين الخصلتين عن أُسرَتِهِ، فكان شديدًا ورقيقًا في وقت واحد، وكان غاليًا في الشدة، غاليًا في الرِّقَّة أيضًا، وكان إسلامُه مَظهرًا لهاتين الخصلتين المتناقضتين. خرج ذات يوم، وكان فتى قد نيف على العشرين مُلتزمًا أن يشتد في غيظ المُسلمين والكيد لهم والإيقاع بهم، يبحث عن أول فرصة تتيح له البطش بهؤلاء المُجددين، فلقي رَجُلًا منَ المُسلمين وأخَذَ مَعَه في حديثٍ حول الإسلام يريدُ أن ينتهي من هذا الحديث إلى الشدة والبطش، فينبئه هذا الرجل أن الإسلام قد غزا أسرته واستقر فيها، وأنَّ أُخته قد أسلمت كما أسلم زوجها، فينقض عمر على أخته، وقد أزمع البطش بها وبزوجها، فإذا بلغ الدار سمع قراءة، فإذا طَرَق البابَ فزِع مَنْ في الدار واستخفى مُقرئُ الأُسْرَة، ودخل عمر على أخته فسألها، فلم تُخْفِ عليه شيئًا، فيبطش بها وبزوجها ويثبتان له ويظهرانه على الصحيفة التي كانا يقرآن فيها، فلا يكاد يتلو آيات من القرآن حتى تذهب شدته وبأسه، ويستحيل إلى لينٍ وعَطْفٍ ورَحْمَة وإشفاق.
ويَسأل عن مكانِ النَّبي؛ فإذا دُلَّ على هذا المكان ذهب إلى حيث كان النبي وأصحابه يجتمعون، فإذا أحس أصحابُ النبي مَقدمَه أنكروه وأشفقوا منه، إلا رجلًا واحدًا هو حمزة بن عبد المطلب لم يكن أقل منه شدة وبأسًا فقد انتظره ثابتًا له، وتلقاه بمثل ما كان قد أقبل به فيما ظنَّ المسلمون من الشدة والبأس، ولكنَّ النَّبي يلقاه لقاء شديدًا رفيقًا، فمَا هي إلا أنْ يُسلم عُمر ويُكبِّر المسلمون، ويعلموا أن الله قد أعز دينه بأحب الرجلين إليه: عمر بن الخطاب، وعمرو بن هشام بن أبي جهل. كما كان النبي يسأله في كل يوم.
ومنذ ذلك اليوم، استطاع المُسلمون أن يجهروا بصلاتهم وكانوا يُخفونها، وأن يتخذوا ناديهم في المسجد، وكانوا لا يظهرون فيه إلا فرادى.
هذه الشدة البالغة والرِّقة الرَّائعة تُصَوِّران عمر طول حياته. تصوِّرانه صاحبًا للنبي، ومُشيرًا لأبي بكر، وإمامًا للمسلمين، تصوِّرانه حين أراد النبي أن يُمضي صلح الحديبية فأنكر عمر هذا الصلح، وقال للنبي: كيف نرضى الدنية في ديننا؟! وتصوِّرانه حين رأى الجِدَّ من الله ورسوله في هذا الصلح؛ فأذعن له رَاضيًا مُؤمنًا أصدقَ الرِّضا وأَخْلَصَ الإيمان. تُصَوِّرانه حينَ أُعلِن أنَّ رسول الله قد مات؛ فأنكر ذلك أشد الإنكار وأنذر المعلنين بالسيف، فلما سمع قولَ اللهِ عز وجل: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهَ الشَّاكِرِينَ)؛ أذعن لقَضَاءِ اللهِ رَاضيًا به مُؤمنًا له أصدق الرضا وأخلص الإيمان. تُصَوِّرانه حين جد في حزم أمر المسلمين، وأخذ البيعة لأبي بكرٍ بَاسِطًا يده للبيعة قبل أن تتم الشورى، حتى إذا استقرت الأمور واطمأنت القلوب واجتمعت الكلمة عرف من نفسه هذه الشدة، وقال في بيعة أبي بكر: كانت فتنة وقى اللهُ المسلمين شرَّها.
تصوِّرانه في كل ما تقرأ من مَواقفه حينما كان يجد الجد، ويحتاج الأمرُ إلى الحزم والعزم، ثم بعد أن تستقر الأمورُ وتهدأ العاصفة، وقد اختصر التاريخ هذه الصور الغريبة الرَّائعة فيما تحدَّث به من أنَّ عُمر كانَ أَشَدَّ الناس غضبًا إذا غضب، وكانَ إذا ثار لم يثبت له أحد ولم يثبت له شيء، فإذا ذُكِر الله أو تُلِيَ القرآن رَقَّ حتى أصبح الرِّقَّةَ نَفْسَها.
واختصر التاريخ هذه الصورة الرائعة أيضًا حين روى ما كان من أمره لما اجتمع الناس إليه في الموسم؛ فسأل عن سيرة العمال في الأمصار، فقام إليه أحد المسلمين، وزعم له أن عامله قد ضربه، فأبى عمر إلا أن يقتص هذا الرجل من الوالي بمحضر من المُسلمين، وجعل الولاة يُصوِّرون له أثر ذلك في إضعاف السلطان وإطماع الرَّعية في الولاة فلا يحفل بشيء من ذلك؛ لأنَّ رَسولَ الله قد اقتص من نفسه حتى اضطر العمال إلى أنْ يرضوا هذا الرجل ويشتروا منه حقه بالدنانير، ولولا ذلك لرأت جماعةُ المسلمين رَجلًا من الرَّعية يُعْمِل سوطه في جسم والٍ ومن ولاة الأمصار.
كان عمرُ شديدًا حتى خشي الله في الشدة، وكان ليِّنا حتى خشي الله في اللين، وكان يصطنع في الناس شِدَّتَه ولِينَه جميعًا، فأمَّا مع نفسه وأهله فلم يصطنع قط إلا الشدة، ولم يعرف اللينُ قط إلى قلبه سبيلًا، وكان عمر حريصًا على مال المسلمين أشد الحرص، يُحاسب العُمَّال والولاة حسابًا أيسر ما يُقال فيه أنَّه كانَ عَسيرًا، لا يختار واليًا لعمل من الأعمال حتى يُحصي ماله قبل الولاية، ثم يتتبعه بعد ذلك ليرى كيف زاد ماله، وما مصدرُ هذه الزيادة، وما الصلة بينها وبين ما كان له من عطاء. ثم لا يتحرج أن يُقاسم الوالي ماله بعد عزله، فيترك له النِّصف ويَرُدُّ النصف إلى المسلمين.
وكان كريمًا في مال المسلمين إلى أقصى حدود الكرم، لا تكاد تجتمع إليه الأموال التي كانت تأتيه من الأمصار والأقاليم حتى يُشِيعها في المسلمين على طريقة رائعة حقًّا؛ لا يترك رجلًا ولا امرأة ولا صبيًّا ولا صبية في أسرة تليه أو تبعد عنه إلا قسم له من هذا المال حظه، وأدى إليه حقه، وأدى إليه الفضل بعد الحق. ثم كان لا يأمن على ذلك أحدًا، وإنَّما يليه بنفسه، ويتتبع أمور الناس لا ليَعرفها، ولكنْ ليعرف أيشكو الناسُ منه شيئًا، أينكرُ الناس منه شيئًا، فقد كان لا يأمن نفسه على تحقيق العدل، كما كان لا يأمن الناس على تحقيق هذا العدل.
وقد أجدب المُسلمون في بلاد العرب سنة، فاقرأ أخبارَ عمر في هذه السنة؛ فستقرأ أروع ما حفظ الأدب والتاريخ في أي أمة من الأمم، وفي أي جيل من الأجيال، وفي أي عصر من العصور، من تصوير الرِّفق بالرَّعية والنُّصح لها، والإشفاق عليها والشدة على الأقوياء والرَّحمة للضُّعفاء.
أخذ عماله في الأقاليم بأنْ يُرسلوا إليه الطعام والكسوة للناس، ووجَّه رُسُله في أطراف الجزيرة وأنحائها، يُقَسِّمون الطعام وينحرون الجُزُر ويكسون الناس، وقام هو على ذلك في المدينة وما حولها، وأبى أنْ يُطعَمَ في بيته إذا اجتمع المسلمون للطعام العام.
قلَّ السمنُ وقلَّ اللحم، فحرَّم على نفسه السمن واللحم وفرض على نفسه الخبز والزيت حتى يخصب المسلمون. وكانت حرارة الزيت تؤذيه، فتقدم إلى مولاه أن يطبخه له ليكسر من حرارته، فلم يُغنِ ذلك شيئًا. وجعل بطنه يقرقر، فيقول له: «قرقر ما شئت فلن تُطْعَم إلا الزيت حتى يخصب المسلمون.»
وكان عمر أجرأ الناسِ على الناسِ، حتى خافه الأقوياء وأشفقوا من لقائه ووسط إليه كبارُ الصحابة من يسأله الرِّقة للناس؛ لأنهم يهابونه ويشفقون أنْ يعرضوا عليه حاجاتهم، ثم كان في الوقت نفسه أشد الناس خوفًا من الضعفاء والعاجزين والمحرومين. يستطيعُ أهونُ الناسِ شأنًا وأَيْسَرُهم أمرًا أن يَجْتَرئ عليه، ويَلْقَاهُ بما يكره من الحديث، فيسمع ثم يعتذر، ثم يستعبر ثم يستغفر.
وأروع ما تَلْقاه في شخصية عمر من الخصال، هذه الفكرة التي كوَّنها لنفسه عن الخلافة منذ ولي الخلافة إلى أن مات، وقد صورها هو تصويرًا رائعًا بإيجازه ودقته وصراحته العنيفة حين خطب الناس لأول مرة بعد البيعة، فقال: «أيها الناس، إنكم قد ابتُلِيتم بي وابتُلِيتُ بكم.»
فالخلافة عند عمر امتحان للخليفة وللرعية معًا، كلاهما مُمْتَحنٌ بصاحبه، وكلاهما خليق أن يحتمل المحنة ثابتًا لها صابرًا عليها، وأنْ يُخلص منها وينفذ من مُشكلاتها صحيحًا بريئًا، لم يَكْلَم في نفسه ولا في خُلُقه ولا في دينه، ولا في شيء من هذه الملكات الكثيرة المُعَقَّدة التي تُكَوِّن ضمير الرَّجل الكريم.
وإذا كان الخليفة مُمْتَحنًا دائمًا مُبتلى برعيته؛ فمن الحق عليه لنفسه وللناس، ومن الحق عليه لله الذي يلي أمره وأمر الناس، أن يُحاسب نفسه دائمًا عن عظيم الأمر وهينه، وألا يأتي أمرًا صَغيرًا أو كبيرًا إلا وهو عالمٌ بما يأتي، وبما يحمله على أن يأتي هذا الأمر أو ذلك، إلا وهو مقدر أنه سيُسأَل عما أتى ومهيِّئ الجواب على هذا السؤال حين يُلقى إليه، سيُسأل عما أتى في اليوم الآخر حين يسأله الله عن الجليل والضئيل من أعماله، وقد يُسأل عما أتى في كل لحظة ومن كل إنسان، فإنَّه حين نَهَضَ بالأمر قد عرض نفسه لهذا السؤال؛ لأنَّه احتمل أمانة يشترك في حسابه عنها الناس جميعًا، وينفرد بحسابه عنها آخر الأمر ربُّه الذي جعل إليه أمور الناس على أن يؤدي إليه حساب ما فعل وما ترك.
وما أعرف أن خليفة من خلفاء المسلمين أو ملكًا من ملوكهم، مُنِح ما مُنِحَه عمر من هذا الضمير الحساس إلى أقصى ما يستطيع الضمير أن يحس. ظهر ذلك من أمره للناس جميعًا ظهورًا قويًّا مُقنعًا حتى شبهوه بالميزان الدقيق الذي لا يمكن أن ينحرف أو يجور، وما أعرف خليفة من خُلفاء المُسلمين أو ملكًا من ملوكهم، تمثِّل حساب الله له في جميع لحظاته يقظان ونائمًا، عاملًا ومُستريحًا، مُقبلًا على عظائم الأمور أو على الهين منها كما فعل عمر.
يدخل على بنته حفصة أم المؤمنين، فتُقدِّم إليه خبزًا ومَرَقًا قد جعلت فيه الزيت، فينصرف عنه، ويقول: «إدامان في إناء واحد؟! لا والله لا أذوقهما.» ويدخل على رجل من المسلمين فيستسقيه، فيقدم إليه الرجل شرابًا، فيسأل: ما هو؟ فإذا عرف أنه عسل انصرف عنه، وقال: لا والله، لِيُحاسبَني اللهُ عليه؟! ويدفع إلى أحد الفُرْس قميصًا له، ويتعجله في ذلك؛ فيقدم إليه الفارسي قميصين قد صنعهما، فيسأله: أليس فيهما من مال الذمة شيء؟ فيجيب الفارسي: لا، إلا الخيط. فينهره عمر ويقول: اغرُبْ واردد إليَّ قميصي. ويرد عليه الفارسي قمِيصه لم يجفَّ بعد.
فهو يرى الله إذا أصبح ويراه إذا أمسى، ويتمثل نفسه قائمًا بين يديه يؤدي إليه الحساب عما فعل وما قال.
وله في ذَلكَ أعاجيب كلها رَائِعَة، وكثيرٌ مِنْها يدفع إلى البكاء دفعًا. جهَّز عيرًا إلى الشام؛ فقد كان يتجر ليعيش، واحتاج إلى ثلاثة آلاف درهم، فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف ليقرضه هذا المقدار، فقال عبد الرحمن للرسول: ليقترضها من بيت المال. فلما لقي عمر عبد الرحمن بعد ذلك سأله: أأنت قلت هذا؟ قال: نعم. قال عمر: فإني إن اقترضت هذه الدراهم من بيت المال، ثم أدركني الموت، قال المُسلمون: ضعوها عن أمير المؤمنين واتركوها لأهل أمير المؤمنين، وسألني اللهُ عنها يوم القيامة، ولكنِّي إن اقترضتها من شحيح مثلك ثم أدركني الموتُ؛ لم يضعها عني ولم يتركها لأهلي حتى تُؤدَّى إليه.
ولما طُعِنَ وأفاق من غشيته الأولى كان أول شيء عناه وأهمه أن يعرف أكان طاعنه رجلًا من المسلمين؟ فلمَّا عرف أن طاعنه كان غلام المُغيرة بن شعبة رَضِيَ واطمأنَّتْ نفسُه؛ لأنه علم أن قاتله لا يستطيع أن يُحاسبه أمام الله عن سيئة قدَّمها إليه أو شر جناه عليه.
ومن هنا، لم يكن عمر شديدًا على الناس بما كان يلقاهم به من الحزم فحسب، وإنما كان شديدًا عليهم بما كان يتشدد على نفسه. وكان كثير من المسلمين يرون من إمامهم هذا العيش الخشن الغليظ، فيستحون أنْ يُلينوا لأنفسهم من العيش أو يُظهروا ذلك، ورُبَّما وسطوا إليه ابنتَه حَفْصَةَ أمَّ المُؤمنين لتَسْأَله أنْ يَرْفُق بنفسه، وأنْ يُبِيحَ لها شيئًا ولو قليلًا من طيبات الحياة، فأجابها: «لقد نصحتِ لقومك وغششتِ أباك!»
وكذلك كان ضميره مرهف الحس، شديد المُراقبة، يسأله عن كل شيء قبل أن يسأله الناس، وقبل أن يسأله الله. وكذلك أدى امتحانه مُدَّة خلافته، ولكنَّ الشيء الذي ليس فيه شك هو أنَّ رعيته لم تؤدِّ الامتحان كما أداه، ولم تثبت للمِحْنة كما ثبت.
ومُراقبة الضمير لا تُتاح للناسِ جَميعًا، وإنما تُتَاحُ لأَخْيَارِهم والمُمْتَازين منهم، وهي على النَّحو الذي عرفه عُمر لا تكاد تُتاح إلا للرجل الفذ بين حين وحين، أو قُل بين القرون الطويلة والقرون الطويلة.
ولما امتُحن المسلمون من أهل جزيرة العرب بالجدْبِ واشتدت عليهم السنة ظهرت مُراقبة الضمير في حياة عمر وفي أقواله وأفعاله جميعًا؛ فكان يقول للناس: إن الله قد ابتلاكم بي وابتلاني بكم؛ فما أدري أهي خطيئة مني، أم خطيئة منكم، أم هي خطيئة عمَّتنا فعمنا من أجلها العذاب؟!
وقد صلى بالنَّاس صلاة الاستسقاء؛ فكانت صلاته استغفارًا كلها، حتى ظنَّ الناسُ أنه لن يسأل الله شيئًا إلا المَغفرة، ولكنه في آخر الصَّلاة سأل الله أن يسقي الناس.
وعمر أول الخلفاء تشددًا في تعرف أحوال الناس، كما قدَّمْتُ، ليتعرف ما يُمكن أن يكون قد قدَّم إليهم من شرٍّ أو جَنى عليهم من مكروه. كانَ إذا أقبل الليل صَلى فأطال الصلاة، ثم خرج مُستخفيًا يتحسس أخبار الناس ويستمع أحاديثهم. وقد نفعه ذلك فأصلح من أمور الناس شيئًا كثيرًا.
كان قد فرض العطاء للرجال والنساء والفتيان والفتيات وللصبيان بعد أنْ يُفطَموا، فلما كان في بعض لياليه سَمِعَ صبيًّا يبكي بكاء شديدًا، فسألَ أُمَّه عن مَصْدَر هذا البُكاء فأجابته، وهي لا تعرفه جوابًا لم يُقنعه، وعاد الصبي إلى البكاء، فعاد عمر إلى السؤال. وتكرر ذلك من الصبي ومن عمر حتى ضاقت المرأة بهذا السائل المُلِحِّ، فقالت له: «لقد أثقلتَ عليَّ منذ الليلة، أمَا تعلم أنَّ ابن الخطاب لا يُعطي الصبية إلا بعد الفطام؟! فأنا أتعجلُ فطام هذا الصبي لننال عطاءه من بيت المال.» فانصرف عمر عن المرأة مَحزُونًا كئيبًا، وهو يقول: «ويل عمر، كم قتل من أبناء المسلمين!» ثم أمر المنادين فنادوا في الناس: «أتموا رضاع أبنائكم؛ فإنَّ لهم عطاءهم منذ يُولَدون.»
ولم يعرف عمر نُظُم الحكم الديمقراطي كما ألِفَه اليونان والرومان في بعض عهودهم، ولكنَّ ضميره الحساس وغريزته المُستقيمة وقلبه الذكي وحرصه على العدل وخوفه من الجور، كل ذلك دعاه إلى شيء ليس بعيدًا عن النظام الديمقراطي. ولعل عمر لو عاش لأحدث للمُسلمين نظامًا ديمقراطيًّا عربيًّا.
كان يستشير من حوله من أصحاب النبي وسادة الناس في كل ما يعرض له من المشكلات، ولكنه كان شديد الحرص على أن يحج بالناس في كل عام، ويشهد الموسم الذي يجتمع فيه أهل الأمصار، ويأمر العمال أن يوافوه على رأس من يليهم. فإذا كان الموسم وحضرت هذه الوفود سمع من العُمَّال في الرَّعية، وسمع من الرَّعية في العُمَّال، وأقرَّ العدل والنصفة بين أولئك وهؤلاء.
فكان موسم الحج عند عمر موسمًا سياسيًّا يستعرض فيه أمور الأقاليم بمشهد من الحاكمين والمحكومين. ومن يدري لو أنَّ الله مدَّ له في الحياة إلامَ كان يصيرُ أمرُ هذا الاجتماع السياسي المنظَّم؟!
وخصلة أخرى من خصال عمر؛ هي: بُغضه للتكلف، وازدراؤه للمتكلفين. يتأخر شيئًا عن الصلاة، فإذا خرج جلس على المنبر واعتذر إلى الناس قائلًا: لقد أخَّرني قميصي. غُسِلَ له قميصه؛ فانتظر أنْ يَجفَّ ثم خرج للنَّاس بعد أن تَمَّ له ما أراد. وقُرِئ أمامه قول الله عز وجل: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)، فقال قائل: وما الأبُّ؟ قال عمر: هذا هو التكلف، وما يضرك ألا تعرف الأبَّ؟!
ولو أني ذهبت أعدُّ خِصَال عمر الرَّائعة وخلاله الممتازة لخشيت أنْ أستغرق هذا السِّفر من أسفار «الهلال» دون أن أُرضي من ذلك حاجتي وحاجة القُرَّاء، ولكنك توافقني فيما أظنُّ على أن ما عرضت عليك من صورته كافٍ كل الكفاية لإثبات ما زعمته في أول هذا الفَصْل من أنَّ من أيسر الأشياء أن يُصنَع لعمر تمثالٌ دقيق رائع دون أن يحتاج المثَّال إلى أن يستعين بالخيال.
وقد حفظ التاريخ الصورة المادية لعمر كما حفظ الصورة المعنوية، فقد كان عمر طويلًا يفوق الناس كلهم طولًا، وكان ضخمًا بدينًا، وكانَ إذا مَشى أسرع في مِشْيته، وكان أبيض اللون إلا في عام الجدب؛ فقد اقتصر على أكل الزَّيت حتى أفسد عليه معدته فاسودَّ شيئًا. وأكبرُ الظَّن أنَّ الذين وصفوه بالسَّواد لم يَرَوْه إلا في ذلك العام.
وخصلة أخرى أختم بها هذا الفصل؛ لأنَّ عُمر قد ختم بها حياته وهي الرِّقة والأدب والحياء والإكبار لحرمات البيوت. كانَ عمرُ شديد الحرص على أن يُدفَن مع صاحبيه إذا مات، فلمَّا طُعِنَ وأحسَّ الموت دَعا ابنه عبد الله، وقال له: «اذهب إلى عائشة أمِّ المؤمنين، وقل لها: إن عمر بن الخطاب يقرأ عليك السلام — ولا تقُل: أمير المؤمنين؛ فإني لستُ للمؤمنين أميرًا — ويستأذنك في أنْ يُدْفَنَ مع صاحبيه.» فذهبَ عَبْدُ اللهِ، فقال ذلك لعَائِشَة، وعاد إلى أبيه بإذنها، فقال لابنه: «إذا متُّ احملوني على سرير، فإذا وصلتُم إلى بيت عائشة فلا تدخلوا حتى تستأذنوا.» وقد حُمِل سرير عمر، حتى إذا بلغوا بيت عائشة قالوا: إنَّ عمر بن الخطاب يستأذن عائشة أم المؤمنين، ولم يُدْخِلُوا السرير حتى أذنت عائشة. وهنالك دُفِن عمر بن الخطاب مع صاحبيه محمد رسول الله، وأبي بكر أول خلفاء المسلمين. -
العدل
حديث الوادي
العدل
ليقرأ رئيس الوزراء
كلمة حلوة رددها الناس جميعاً في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضاً؛ لأنهم يعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما اختلفت فروعها. ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها، وبين الحقائق الواقعة بوناً شاسعاً واختلافاً عظيماً. وأنت تشعر بحرص الناس على العدل وتحرقهم ظمأً إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه، تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهداراً، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكاً، تجبى منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبِيَت لم تنفق في مصالحهم وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث وإرضاء الأهواء والشهوات وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يباح لهم أن يشكوا، فإن دفعوا إلى الشكوى عذبوا فيها تعذيباً، وربما سفكت دماؤهم سفكاً. ثم لا يباح لهم أن يجتمعوا، فإن هموا بالاجتماع، فرقوا بالحراب والرصاص، ثم لا يباح لهم أن ينطقوا، فإن نطقوا دفعوا إلى القضاء وألقوا في غيابات السجن. ثم لا يباح لهم أن يكتبوا، فإن كتبوا حطمت أقلامهم تحطيماً، وعطلت صحفهم تعطيلاً، ثم لا يباح لهم أن يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء. إذا احتمل المصريون هذا كله، وشراً من هذا كله أربعة أعوام بل أكثر من أربعة أعوام، يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أن عهد الظلم ينقضي، وأن سلطان الجور يزول، ظهر تحرقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مثله، وأروع صوره، وخيل إليهم أن أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمناً يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءاً يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافاً يكافئ ما وجدوا من الجور، ومن المؤلم للنفوس أن تخيب هذه الآمال، وأن يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أن القيسي باشا وبأن الإدارة تمثل وتعتذر وتزعم أنها لا تستطيع أن تغير شيئاً حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأي رئيس الوزراء في أن ذلك الكبت الرسمي يجب أن يزال، وفي أن ذلك الجور الخفي يجب أن يمحى، وفي أن هذا العهد الجديد لا ينبغي أن يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضاً؟ نظن أن رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن نفوسهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا غير الحق، وأن يأخذوا الأموال بغير الحق، وأن يعاقبوا الناس على آرائهم، وأن يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، ظن الذين يتولون أمور الناس في هذا العهد أن يرضوا عن شيء من هذا، ولن يقروا شيئاً من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك بأن أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غداً يرفع هذا الظلم، وبأن الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القيسي باشا سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.
طه حسين
الوادي، ١٩ نوفمبر ١٩٣٤. -
استقال
حديث الوادي
استقال
نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
طه حسين
الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤. -
تسوية
حديث الوادي
تسوية…
تمت أمس في غرفة من غرفات البرلمان، ولكنها تمت بين أحد الفريقين المختصمين بالأصالة، وبين أحدهما الآخر بالنيابة. فقد شهدها وقبلها واطمأن إليها النواب الغاضبون، وقد سكت عنهم الغضب، وشملهم الهدوء، ولم يسحبوا إعذارهم وإنذارهم، ولكنهم أهملوهما إهمالًا. وأعرضوا عنهما إعراضًا. أما وزير المالية فلم يشهد جلسة التسوية هذه، ولم يشترك فيها يقول ولا يفعل، وإنما ترك لرئيس الوزراء، ووزيرين آخرين، أن يهدئوا النواب ويعينوهم على ابتلاع هذه الحبة المرة. وقد أعانوهم بالفعل، فأهدوا إليهم جملًا عذبة، وألفاظًا حلوة رائقة، كهذه الأشربة الحلوة التي تقدم إلى المريض، ليمحو بها ما يبقى في فمه من مرارة الدواء. وانصرف النواب راضين أو مظهرين للرضى، وأرسل رئيس الوزراء نفسًا طويلًا حارًا، كمن زال عن كتفيه عبء ثقيل، وانجلت هذه السماء الصغيرة الضئيلة الضيقة. سماء السياسة الرسمية، من تلك السحب التي كانت تبدو كثيفة صفيقة، وإن كانت في حقيقة الأمر رقيقة شفافة، لا تحجب شيئًا، ولا تكدر صفوًا، ولا تخيف إلا الذين يخافون من الأوهام والخيالات. ولبث وزير المالية حيث كان مستقرًا هادئًا في حديثه المنشور الذي أذاعه في الأقاليم، وفي شماله الرد الذي كان قد هيأه ليلقي به خصومه إن عرضوا له في مجلس النواب، وأكبر الظن أن أنباء الصلح قد انتهت إليه، فرد المنشور إلى مكانه، وحفظ الرد في حرز أمين، لأنه قد يحتاج إليه. ثم استقر كل شيء، واطمأن كل إنسان، ولعب النسيم بسطح البحيرة مداعبًا ملاطفًا، ولكن هذا النسيم على رفقه، ولينه، ورقته، أطار بعض الأوراق من مكانها، وحملها مداعبًا، ملاعبًا، إلى مكان آخر. ثم أشرق الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، ولكن الأهرام تكلمت مكان شهرزاد. فقصت على الناس أنباء التسوية، ثم روت للناس نص المنشور الذي أغضب النواب، وأملى الاستجواب، وأثار الوزير، إلى الكتابة والتحرير. فإذا هو منشور له ما بعده حقًا، منشور تتمثل فيه البطولة، ويقطر من أطرافه النبوغ، وتتجلى في جمله القصار معانٍ كثيرة، وأغراض سياسية خطيرة. منشور من شأنه أن يغضب النواب حقًا، وإن أعلنوا إلى رئيس الوزراء أنهم لم يغضبوا منه، وإنما غضبوا مما أشيع عن تعليمات أخرى سرية، يقال إنها سبقته، ولحقته، وأحاطت به. وقل ما شئت، فالمنشور نفسه مغضب للنواب،
ولا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها. ولو كنت نائبًا وأذيع هذا المنشور لغضبت منه فإن كان صادقًا غضبت من نفسي وكرهت لها البقاء في مجلس النواب، لأن الذين يلتوون بالضرائب، ويستفيدون من الاستثناء الذي لا يسمح به ليؤخروا أموال الدولة، لا ينبغي أن ينوبوا عن الشعب، وإن لم يكن صادقًا غضبت لنفسي وأنكرت على الوزير أن يهين النواب بغير حق، ويبسط عليهم قلمه ولسانه في غير مقتضى لبسط القلم واللسان. فالوزير يزعم أن للدولة عند جماعة من كبار الممولين وأعضاء الهيئات النيابية خاصةً مقدارًا من المال، يبلغ أربعمائة ألف من الجنيهات. تأخر بها أصحابها عن وقت الأداء. والوزير يزعم أن صغار الملاك قد أدوا دينهم إلى الدولة، كأحسن ما تكون التأدية، وإن كبار الملاك وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية، هم الذين أبطأوا وتلكأوا، والوزير يزعم أن تأخر هذه الأموال عند كبار الملاك وعند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية لم ينشأ عن قصور في القانون ولا عن قصور في النظم والتعليمات. وإنما نشأ عن استثناء لا يبيحه القانون، ولا تسمح به النظم والتعليمات. فالوزير يسجل إذن تسجيلًا صريحًا قاطعًا أن كبار الممولين وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية. قد ميزوا أنفسهم أو ميزتهم الإدارة بشيء من الاستثناء الذي لا يباح. فهذا مغضب للنواب من أنفسهم إن كان حقًا. ومغضب للنواب من الوزير إذا لم يكن حقًا. ولكن النواب يقولون أنهم لم يغضبوا، وهم بالطبع أحرار فيما يريدون لأنفسهم من الغضب والرضى. على أن الوزير لم يقف بمنشوره عند هذا الحد الإخباري، كما يقول أصحاب البيان، وإنما تجاوزه إلى الإنشاء، فأصدر أوامر لحكام الأقاليم، وهذه الأوامر نفسها حازمة ملائمة للعدل، ولكن من طبعها أن تغضب الذين تعودوا أن يؤذيهم خطرات النسيم، ويؤلمهم مس الحرير. فالوزير يأمر في نفس هذا المنشور الذي لم يغضب منه النواب بأن يؤخذ الناس جميعًا بأداء الضرائب في غير تفرقة بينهم وبأن يوقع الحجز عليهم جميعًا من غير تفرقةً أيضًا بين الصغار والكبار وبين النواب وغير النواب، إن هم قصروا في الأداء. وأن ترفع أمورهم كلهم إلى النيابة، من غير تفريق، كذلك بين الصغار والكبار، وبين النواب وغير النواب إن وقع منهم التبديد. ثم يأمر الوزير بأن تراعى النظم والتعليمات، بالعدل والقسط والمساواة في تحصيل الضرائب التي آن أوانها. أرأيت إلى هذه الأوامر الحازمة الصارمة التي أصدرها وزير المالية وهو هادئ مطمئن، والتي لم يغضب منها النواب، وما ينبغي لهم أن يغضبوا منها، وهم الذين ينبغي أن يلوموا الوزير ويسقطوه إن لم يصدرها ولم يقم على تنفيذها بالدقة والحزم والمضاء.
لم يغضب النواب فيما قالوا لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يلتووا بالضرائب، أو يفروا من التكاليف العامة، أو يغضبوا من كلمة الحق، حين تقال، فلم يبق لنا إلا أن نتمنى لهم حلمًا إلى حلم، ورضى إلى رضى، ونتمنى للوزير حزمًا إلى حزم، وشجاعة إلى شجاعة، ونبوغًا إلى نبوغ، ونتمنى لرئيس الوزراء، دهاء إلى دهاء، وكياسة إلى كياسة، ونتمنى للمنشورات أن يظل ورقها خفيفًا لطيفًا، يحب أن يحمله النسيم إلى دور الصحف، لتذاع هذه المنشورات بين الناس، فيرى المصريون كيف تؤدى الضرائب من الصغار، وتبقى عند الكبار، وكيف يجد الوزراء في الحزم، ويذعن النواب للحق، وتجرى الأمور بين النواب والوزراء على ما يقول البحتري:
أغتدي راضيًا وقد بت غضبان وأمسى مولى وأصبح عبدًا
طه حسين
حديث الوادي، ١٣ يونية ١٩٣٤. -
أخلاق
حديث الوادي
أخلاق . . .
هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
طه حسين
حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.