Tag: النقد الاجتماعي

  • تبعات الأجيال | The Burdens of Generations

    تبعات الأجيال

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٣ مارس ١٩٤٧

    نشرنا في العدد الماضي كلمة عن «الطلبة» للأستاذ الكبير أحمد أمين بك، تضمنت وجهة نظر جامعي بارز.

    واليوم ننشر مقالًا لكاتبنا الكبير الدكتور طه حسين بك يتضمن رأيًا جامعيًّا آخر. و«المصور» إذ ينشر مختلف الآراء في هذا الموضوع الخطير يستعرض كل وجهات النظر، ويفتح الباب لذوي الرأي:

    لا أريد أن أذهب مذهب الأستاذ أحمد أمين بك، فأرجو كما رجا في المقال الذي نشره له «المصور» في الأسبوع الماضي أن تتسع صدور الطلبة والآباء والأحزاب لما أريد أن أقول في هذا الحديث، فلست أرى بأسًا بأن تضيق صدور الطلبة والآباء والأحزاب والحكومات أيضًا بما أريد أن أقول. وقد تعودت أن يغضب الناس عليَّ وأن يرضوا عنِّي، فلم يخفني غضبهم من شيء، ولم يطمِّعني رضاهم في شيء. وإنما قلت وسأقول ما أعتقد أنه الحق؛ لأني أعتقد أنه الحق، ولأنَّ من الخير أن يُقال الحق دائمًا وإن كان مرًّا بغيضًا!

    ثم لأني من ناحية أخرى لا أخص بهذا الحديث حزبًا دون حزب، ولا طائفةً من المصريين دون طائفة، وإنما أسوقه إليهم جميعًا لا أفرق بين أحدٍ منهم.

    ثم لأني من ناحية ثالثة لا أريد أن أنظر إلى قضية الطلبة نظرة كئيبة يائسة كما تعودنا أن ننظر إليها منذ أعوام، وإنما أريد أن أنظر إليها نظرة مشرقة باسمة، فيها كثيرٌ جدًّا من الأمل، وفيها كثيرٌ جدًّا من الدعابة أيضًا. فربما كان من الأشياء التي أفسدت على المصريين حياتهم في كثيرٍ من الأحيان أنهم ينظرون إلى الأشياء في كآبةٍ وبؤسٍ ويأسٍ، كأنما الكوارث تنذرهم بين ساعة وأخرى، وكأنما حملوا على عواتقهم أثقال الدنيا والآخرة، فهم لا يستطيعون حركةً ولا انتقالًا. وكأن كل ساعة تقبل عليهم من ساعات الليل أو من ساعات النهار، إنما تقبل عليهم بالأنباء المنكرة والأحداث الجسام. فهم متشائمون إذا قالوا، متشائمون إذا عملوا، متشائمون إذا حكموا على الأشياء. وحسبك بهذا مثبطًا للهمم، مفترًا للعزائم، مشيعًا للظلمة في النفوس والقلوب والعقول، مانعًا من النشاط الخصب والإنتاج المفيد.

    والطلاب في جميع أقطار الأرض يرضون ويسخطون، ويقبلون على الدرس ويضربون عنه، ويعبرون المدن الكبيرة والصغيرة في مظاهرات صاخبة، يتصايحون ويتهافتون، فلا تضيق بذلك النفوس ولا تحرج له الصدور، ولا تظلم له الحياة في وجه الأحياء!

    والطلاب في جميع أقطار الأرض شبابٌ يسرعون إلى الرضا، ويسرعون إلى السخط، ويندفعون إلى الجد، ويندفعون إلى اللعب. ذلك شيءٌ ملائمٌ لطبعهم ولهذا الطور من أطوار حياتهم … عُرِف ذلك منذ أقدم العصور، وصوره أرسطاطاليس تصويرًا رائعًا بارعًا في كتاب «الخطابة»، فمن الطبيعي أن نأخذ الشباب كما هم، وكما يريد اللَّه أن يكونوا، فلا نملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولا نملأ الجو صياحًا ونواحًا، ولا نجند الجيش، ولا نلغي إجازات الشرطة، ولا نعمل العصي في الرءوس، ولا نصوب البنادق إلى الصدور. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد ضاع؛ لأن الطلاب أضربوا ذات يوم جادِّين أو لاعبين. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد أصبح مكفولًا مضمونًا؛ لأن الطلاب قد أقبلوا على الدرس وألحوا في الاستذكار!

    كل هذا غلو في غير موضع للغلو، وإسراف في غير حاجة إلى الإسراف.

    على أن هناك أمورًا يحسن أن نقف عندها وقفة قصيرة، ونسأل عنها أنفسنا فيما بيننا وبين ضمائرنا. فمنذ ربع قرن حين كانت الحركة الوطنية، كان لوم الطلاب على الإضراب جريمة لا تُغفر، وتقصيرًا في ذات الوطن؛ لأن الطلاب كانوا يضربون محتجين على عبث الإنجليز بحقوق الوطن. وكان كثيرٌ من وزرائنا القائمين ومن النواب والشيوخ الذين يسندون هؤلاء الوزراء طلابًا يضربون، ويرون الإضراب واجبًا وطنيًّا، ويتظاهرون ويرون التظاهر جهادًا في سبيل الوطن، ويتلقون من القادة والساسة تشجيعًا على التظاهر والإضراب. ويُخيَّل إليَّ أننا من هذه الأيام نقف من الإنجليز موقفنا من قوم يعبثون بحقوق الوطن، يحاولون أن يقروا فيه جيوشهم وأن يشطروه شطرين، على حين جعله اللَّه واحدًا لا يقبل القسمة. فما الذي حدث حتى يصبح ما كان وزراؤنا يرونه واجبًا وحقًّا وعدلًا، وإذا هو قد أصبح باطلًا وحرامًا وجورًا؟! لم يتغير الإنجليز ولم يتغير المصريون، وإنما ارتقى إلى الحكم من كانوا يسعون في الشوارع مضربين ومتظاهرين. فالإضراب يسوءهم؛ لأنه يضايقهم، والتظاهر يؤذيهم؛ لأنه يكلفهم مشقةً وجهدًا!

    وما ينبغي أن تفهم الحكومة ولا أن تفهم النيابة ولا أن يفهم الطلاب أني أدعو إلى الإضراب أو أغري به أو أحرض عليه، فأنا أحرص الناس على أن يفرغ الطلاب لدروسهم. ولكني أحب أن أقرر الحق، وأن أدعو الحكام وقادة الرأي إلى أن يأخذوا أمور الشباب بالابتسام والإسماح، لا بالعبوس والتقطيب وانتظار الكوارث والإشفاق من الملمات!

    وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد فُصِل أستاذ من أساتذة الجامعة ذات يوم؛ لأنه حاول أن يؤلف من الطلاب في إحدى الكليات — أو في غير كلية — جماعةً تدافع عن حقوق مصر حين كان الإنجليز يؤيدون نظام صدقي باشا، ويأبون على مصر أن تستردَّ دستورها الصحيح. وقد رأينا تصرف الحكومة مع هذا الأستاذ ظلمًا أي ظلم ونكرًا أي نكر! وهاجمنا صاحب المعالي وزير التقاليد في عنف أي عنف! ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا هذا الأستاذ الذي فُصِل؛ لأنه كان يشجع الطلبة على مقاومة الظلم الداخلي والخارجي قد أصبح وزيرًا للمعارف، وإذا هو يضيق بإضراب الطلاب ومظاهراتهم كما كان يضيق بها وزير التقاليد.

    وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد ذهب بعض كبار الساسة ذات صباح إلى ميدان الجامعة أو إلى الحرم الجامعي كما يُقال، وخطب في الطلاب قائلًا: «لقد أدَّينا واجبنا فأدُّوا واجبكم.» وقد أدى الطلاب يومئذٍ واجبهم كأحسن ما يكون الأداء، فهجموا على عميد من عمدائهم وهمُّوا بإلقائه من حالق! ويذكر هذا العميد أنه غضب يومئذٍ وأقام في داره، وأن صديقًا من أصدقائه أقبل عليه متلطفًا مواسيًا ناصحًا له بألا يقاوم حركة الطلاب. ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا الخطيب الذي حثَّ الطلبة على أن يؤدوا واجبهم يصبح رئيسًا لمجلس الشيوخ، وإذا الصديق الذي نصح للعميد بألا يقاوم حركة الطلاب يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء!

    وأؤكد للقراء أني لا أذكر هذه القصص مغضبًا ولا عابسًا، وإنما أذكرها باسمًا بل متضاحكًا! فالمصريون لم يتغيروا، والإنجليز لم يتغيروا. وما زالت مصر تشقى بظلم يأتيها من بعض أبنائها كما يأتيها من حلفائها، وقد كدت أملي «من أعدائها»! وإنما الذي تغير هو أن المحكومين في تلك الأيام قد أصبحوا حاكمين في هذه الأيام!

    والأيام تدور كما يعرف القراء، وسيأتي يوم يعود فيه الحاكمون إلى الصف ويصبحون محكومين. ومن يدري لعلهم حينئذٍ أن يقولوا للطلاب: قد أدينا واجبنا فأدُّوا واجبكم، وأن ينصحوا لبعض العمداء بألَّا يقاوموا حركات الطلاب! المهم هو ألَّا نبتئس لما لا يدعو إلى الابتئاس، وألَّا نكتئب لما لا يقتضي الاكتئاب، وألَّا يشغلنا جد الطلبة ولعبهم عن مقاومة الإنجليز والفراغ لما يسلطون علينا من ظلم، وما يدبرون لنا من كيد!

    وما من شك في أن الخير كل الخير في أن يقبل الطلاب على دروسهم، ولا يُشغلوا عن هذه الدروس بما يضيِّع عليهم أوقاتهم وجهودهم. ولكن مَن المسئول عن هذه المحن التي يتعرض لها الطلاب حين يصرفون عن الدرس، ويتعرض لها الشعب حين يرى أبناءه يُصرفون عن الدرس؟! أهم الكبار الذين يدبِّرون الأمور فيسيئون تدبيرها؟ أم هم الشباب الذين يندفعون مع طبائعهم؛ لأن الله خلقهم مندفعين مع طبائعهم؟!

    الشيءُ المحقق أن الطلاب لم يتقدموا إلى صدقي باشا في تعطيل الدراسة شهرًا ونصف شهر؛ لأنه أراد أن يسافر إلى لندرة. والشيء المحقق هو أن الطلاب لم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في محاصرة الجامعة وفي منع العاجزين عن أداء المصروفات من الاختلاف إلى دروسهم، ولم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في اتخاذ هذا القرار العجيب الذي يلغي الإجازة في نصف العام! أليس من الظلم أن يخطئ الكبار، وأن يحمِّلوا الصغار تبعة ما تورطوا فيه من خطأ؟!

    يجب أن يحاسب الكبار أنفسهم وضمائرهم قبل أن يقدموا على كثيرٍ من الأعمال وقبل أن يتخذوا كثيرًا من القرارات … ثم يجب ألَّا يتخفف الكبار من أثقال تبعاتهم على الصغار!

    إن الطلاب لا يتمنون إلَّا أن يفرغوا للدرس كما يفرغ الشباب للدرس في جميع أقطار الأرض، جادِّين حينًا ولاعبين حينًا آخر؛ لأن من الحق عليهم أن يجدُّوا، ولأن من الحق عليهم أن يلعبوا. فلنيسر لهم وسائل الفراغ للدرس، ولنتجنب خلق المشكلات التي تصدهم عنه وتزهدهم فيه. ولنحتمل تبعاتنا كما ينبغي أن يحتمل الرجال تبعاتهم. ولنضن بأنفسنا على هذا العبث الذي يثير الضحك ويغري بالرثاء حين نحمل على الشباب تبعة أغلاط الشيوخ!

  • ضحك | Laughter

    ضحك
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١ سبتمبر ١٩٤٦
    لا يصدر عن الشعب المصري بالطبع؛ لأن الشعب المصري في شغل عن الضحك بهذه الخطوب التي تأخذه من جميع أقطاره.
    الشعب المصري مشغول بالفقر والجهل والمرض وغيرها من النكبات التي يداويها الوزراء بألسنتهم، وما يصدر عنها من الأقوال ويستبقونها بقلوبهم، وما يصدر عنها من الأعمال. والشعب المصري مشغول بهذه المحنة التي يمحص الله بها قلبه، فيرسل إليه الشر من حيث تعود أن يلقى الخير، ويسلط عليه صديقه النيل أن يزيد إلى فقره فقرًا، ويضيف إلى بؤسه بؤسًا، ويبيِّن له أنه لم يذُق من الجوع إلَّا أقله، وأن البؤس لا يأتي من الجوع وحده، وإنما يأتي من انهيار الدُّور والتعرض للموت وإيفاق الليل والنهار بالعراء وانتظار المرحمة تنجم له من الأرض أو تهبط عليه من السماء.
    والشعب المصري مشغول بهذا الاستقلال الذي لا يستكمل، وإنما ينتقص، وبهذه الحماية التي لا بد أن تعود؛ لأنها اشتاقت إلى مصر، وإن لم تشتق مصر إليها. وبهذا البلاء النازل الذي قبل فريق من المصريين أن يكتبوه على وطنهم حين قبلوا تأسيس الشركة المصرية البريطانية المساهِمَة للدفاع عن مصر، وللدفاع عن بريطانيا العظمى أيضًا.
    الشعب المصري مشغول بهذا كله وبأشياءَ أخرى أكثر من هذا كله، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يضحك ولا أن يبتسم إلَّا أن يضحك ضحِك المتنبي الذي هو أشبه شيء بالبكاء.
    ولكني لا أتحدَّث عن هذا الضحك الحزين، ولا عن هذه الابتسامات الصُّفر التي تصور الكآبة واليأس أكثر مما تصور الابتهاج والرجاء. وإنما أتحدث عن ضحك صريح لا يشوبه حزن ولا اكتئاب، ولا يتسلى به أصحابه عن الظنون الكاذبة والآمال الخائبة والهموم الثِّقال، وإنما هو ضحك ضاحك كأحسن ما يكون الضحك، وهو ضحك عريض كأعرض ما يكون الضحك أيضًا. ضحك أعرض من النهار حين يملأ العالم ضوءًا وجمالًا، وأعرض من الليل حين يملأ العالم ظلمةً واكتئابًا، ضحك لا يصدر عن فرد ولا عن جماعة ولا عن شعب، وإنما هو أضخم وأفخم وأنفذ وأبقى من هذا كله؛ لأنه يصدر عن الأقدار.
    وضحك الأقدار كما تعلم يملأ ما بين الأرض والسماء، وهو إن صَوَّر شيئًا فإنما يصوِّر سخف الإنسان أمام حكمة القضاء. والأقدار ضاحكة دائمًا؛ لأنها ترى سخف الإنسان واعتداده بنفسه وبكائه على أمسه واحتياطه لغده، وترى أن هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا. ولكن الأقدار قد ضحِكت في أيام العيد ضحكًا جديدًا ما تزال مغرقة فيه. وكان أقطاب هذا العهد السعيد هم الذين أخذوا أنفسهم بتلهية الأقدار وإضحاكها حين فكَّروا وقدَّروا ودبَّروا ورسموا الخطط فأتقنوا رسمها؛ ليمسكوا هذا العهد السعيد من أن يطير، ويحفظوه من أن ينهار، ويقيموه بعد أن أراد أن ينقضَّ، فقد قيل إن بناء الوزارة القائمة سيدعم بنفرٍ من السعديين ليكون الائتلاف متينًا لا يسعى إليه ولا يدب فيه الضعف.
    وقد ظهر لرئيس الوزراء فيما يقال إن الائتلاف بين الدستوريين والمستقلين لم يحسن مقاومة الخطوب ولا الثبات للأحداث. فقد عرضه النقراشي باشا للخطر من أول يوم أُلِّفَتْ فيه الوزارة، ثم عرضه مكرم باشا للخطر من أول يوم بدأت فيه المفاوضات. ثم عملت فيه المعاول في كل ناحية حين جدَّ الجِدُّ، وقيل للمصريين إمَّا أن تقبلوا الحماية وإمَّا أن تُقطع المفاوضات، ثم تداعت أركانه في الاجتماع الأخير لهيئة المفاوضات حين انفضَّ المتفاوضون على ذلك النحو المعروف، وخرج خمسة منهم يملأ قلوبهم السخط واليأس، وبقي سبعة منهم يملأ قلوبهم الخوف والأمل. هنالك تبيَّن لرئيس الوزراء ولرئيس السعديين أن الائتلاف خير من الاختلاف، وأن الوفاق خيرٌ من الشقاق، وأن المستقلين لا يقدِّرون التبعات لأنهم ليسوا مسئولين إلَّا أمام أنفسهم، على حين أن رؤساء الأحزاب يقدِّرون التبعات حق قدرها لأن لهم أتباعًا في الحكم يريدون أن يبقوا فيه وأتباعًا تحت الحكم يريدون أن يرقوا إليه.
    وهم من أجل ذلك يقدِّرون لأرجلهم قبل الخطو موضعها، ويديرون في أنفسهم كلمة ألف مرة ومرة قبل أن يقولوها؛ لأنهم يخشون عواقبها ويحسبون لها الحساب كل الحساب. ولعلَّ هذا يبيِّن للذين لم يتبيَّنوا فِيمَ انصرف المنصرفون، وفيم أقام المقيمون. فقد انصرف المنصرفون ليجترُّوا ما يملأ قلوبهم من السخط وليستمسكوا بما أظهروا من رفضٍ لما عرضه الإنجليز، وأقام المقيمون لينظموا الصفوف ويدعِّموا البناء ويتهيَّئوا للموقعة الحاسمة، ويضيقوا إلى ثوب الوزارة بعض الرقاع التي تمنع الهواء أن ينفذ إلى جسمها العليل، وهي رقاع متينة حقًّا ستصد الهواء مهما يكن حارًّا وباردًا عن جسم الوزارة، وستمكن البناء من أن يثبت للريح مهما تعصف ومهما تقصف. سينهض السعديون بشئون وزارة الخارجية وبشئون وزارة العدل وبشئون وزارة أخرى تُبتكر ابتكارًا للنهوض بالشئون العربية الجسيمة. ويقال إنهم سينهضون بشئون وزارة المواصلات، وسيُزحزح عنها وزيرها القائم لينهض بالصحافة والإذاعة والتمثيل والسينما وما شئت من روائع الأدب وبدائع الفن. وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يريد أن يستريح، ويفرغ للمجمع اللغوي وترجمة أرسطاطليس. فيستريح في منصب مريح هو النيابة عن رئيس الوزراء. أمَّا النقراشي باشا فسيشرب الكأس إلى الثمالة، سيحتمل أثقال الحكم الصدقي دون أن يشارك فيه، وسيعلل برياسة مجلس النوَّاب إن أذن لمجلس النوَّاب أن يستأنف الانعقاد.
    دُبِّر هذا كله بليل، أو دُبِّر هذا كله بنهار. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن سحبًا تتجمع في آفاق السماء، وعلى أن ريحًا تريد أن تعصف، وعلى أن أمواجًا تصطخب وقلوبًا تضطرب، وسفينة تُوشِكُ أن تهوي إلى القاع، وعلى أن الربان يبذل آخر ما يملك من الجهد لتثبت للأحداث، وتمتنع على الخطوب، وعلى أن الأقدار تنظر من قريب أو من بعيد إلى هذا الذي يدار، فترسل ضحكتها العريضة التي تملأ ما بين الأرض والسماء، وينشد منشدها ذلك البيت الذي كان المغفور له الشيخ علي يوسف يُكثر إنشاده في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
    تقفون والفلك المحرك دائر وتقدرون فتضحك الأقدار

  • حملة! | A Campaign!

    حديث المساء: حملة!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ مارس ١٩٣٤

    ألن ترسل إلى حدود السودان؛ لأن الإنجليز يتولون حماية هذه الحدود لأنفسهم ولنا، ولن ترسل إلى أي ناحية من هذه النواحي التي يخاف منها على السلم أو يُخشى منها على الأمن. فمصر والحمد للَّه سالمة آمنة، والإنجليز يتولَّون حمايتها من كل غارة أجنبية، أعلنوا ذلك إلى الدول كلها في الوقت الذي أعلنَّا نحن فيه الاستقلال. بل لن تكون هذه الحملة التي أريد أن أحدثك عنها من هذه الحملات الخطرة المخيفة التي تسبقها وتلحقها المدافع وأدوات الموت؛ لأن مصر قد أخذت على نفسها عهدًا أن تكون بلد الحياة والسلام في ظل الدستور والنظام. إنما هذه الحملة شيء آخر من طراز خاص؛ هي حملة النور على الظلمة، وحملة الذكاء على الغباء، وحماسة الفطنة على الغفلة، وحملة العلم على الجهل. ولهذه الحملة قائد أظنك قد عرفته، فإن لم تكن قد عرفته، فأنت محتاج إلى أن توجَّه إليك وإلى الأقاليم الذي تعيش فيها، أو البلد الذي تضطرب بين أهله، حملةٌ كهذه التي نتخذها موضوعًا لهذا الحديث. لهذه الحملة قائد يجب أن تعرفه دون أن يُعرَّف إليك؛ لأنه ظاهر في سماء مصر وعلى أرضها، يتألق في سمائها كما يتألق النجم المضيء، ويشرق على أرضها كما تشرق الشمس الجميلة الناصعة، يعرفه الناس بخطبه الرنانة، وأحاديثه الطنانة، وأعماله التي لم تسبق بمثلها ولن تلحق بمثلها؛ لأن مصر لم ترزق ولن ترزق قائدًا من قواد الحملات يشبه هذا القائد العظيم. له بلاءٌ حسنٌ في الجامعة، وله بلاءٌ حسنٌ في التمثيل العربي وتعليمه، وله بلاءٌ حسنٌ في الأوبرا، وله بلاءٌ في هذه المشكلات المدلهمات التي تؤرق ليل الرجل الطيب بعد أن كانت تؤرق ليل الدكتاتور العظيم. وله كتاب قيم يعرفه الفقهاء جميعًا، لا يعرفون مثله ولن يعرفوا مثله؛ لأن اللَّه لم يقدِّر للبيع أن يدرسه أحد كما درس هذا الأستاذ العظيم. أظنك عرفت هذا القائد الآن، إن كنت من الذين لم يعرفوه، وما أحسب أن هؤلاء يوجدون، هو وزير التقاليد. فأمَّا حملته الرائعة البارعة، الناصعة الساطعة، التي ستدفع الظلمات دفعًا، وتردع الجهالات ردعًا، وتملأ الأرض علمًا بعد أن ملئت جهلًا، وضياءً بعد أن مُلئت ظلامًا، فهي هذه التي يجردها غدًا أو بعد غدٍ على أدنى الأرض من إقليم البحيرة ليزور المدارس ويشرف من قرب على حياة العلم والتعليم.

    وهذه الحملة نادرة باهرة حقًّا، إن صح ما تتحدث به الصحف، فقد تخير لها الوزير العظيم من الجند أقواه وأذكاه وأمهره وأقدره وأبرعه وأشجعه. وحسبك أنها تتألف من أركان الحرب كلهم في وزارة التقاليد. فالوزير العظيم سيسافر ومن حوله السكرتير العام لوزارة التقاليد، ومدير المكتب لوزير التقاليد، والسكرتير الخاص لوزير التقاليد، ومراقب التعليم الأولي، ومراقب التعليم الابتدائي، ومراقب التعليم الثانوي، ومراقب التعليم الصناعي، ومراقب تعليم البنات، ومراقب التربية البدنية للفتيان، ومراقبة التربية البدنية للفتيات. ولعل مراقب التعليم الزراعي أن يكون قد سبقه، ولعل قومًا آخرين غير هؤلاء أن يكونوا قد سبقوه، أو قد كلفوا أن يلحقوا به بعد وصوله بساعة أو ساعات. وهناك قوم آخرون من رجال التعليم مستقرون في البحيرة، فسينتظرون الجيش، وسينضمون إليه. ولعل قومًا آخرين من رجال التعليم قد استقروا في الإسكندرية وغيرها مما يلي هذا الإقليم السعير، أن يدفعهم الشوق فيتركوا مراكزهم، ويسرعوا إلى لقاء الوزير، والسير في ركابه، والانضمام إلى حملته الموفقة. وقد يلاحظ بعض الملاحظين الماكرين أن في هذه الحملة شيئًا من التجديد، وهو اشتراك مراقبة التربية البدنية للبنات في هذه الحملة، على رغم ما هو مقرر من أن اختلاط الجنسين — حتى في الرسميات — لا يلائم التقاليد، ولكن لا تسمع لهؤلاء الملاحظين الماكرين، فإنما هم قومٌ من الحساد، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، ولا يستريحون إلَّا إذا وجدوا ما يمكرون.

    وإذن فستستعد هذه الحملة — أو هي تستعد من أيام — للخروج من مركز القيادة العليا في القاهرة، وستفصل عن العاصمة مع الشمس إذا أشرقت غدًا أو بعد غدٍ، وستبلغ الميدان بعد ساعات. وهنالك لا تسل عن جيوش الجهل كيف تنهزم، وعن صروح الغفلة كيف تنهدم، وعن عقول الناس كيف تستضيء، وعن قلوب الناس كيف ترقى. ولا تسل عن ابتهاج الجمهور في ذلك الإقليم لمقدم هذه الحملة الموفقة، وطلعة ذلك القائد المظفر. لا تسل عن الصياح الذي سيبلغ عنان السماء، وسيمزق الحناجر تمزيقًا. ولا تسل عن التصفيق الذي سيصم الأسماع، وسيشق الأكف تشقيقًا. ثم لا تسل عن الخطَب الذي ستُلقى، وعن القصائد التي ستُنشد، وعن المقالات التي ستُدبج، ثم تُذاع في الصحف ليقرأها الناس، وليعلموا أن القائد المظفر قد كسب الموقعة، وظفر بالفوز والانتصار. كل هذا شيءٌ لا نشك فيه منذ الآن، ولن نشك فيه بعد أن يتم. وهناك أشياء أخرى لا تقبل الشك، وأهمها أن إقليم البحيرة سيمتاز من الأقاليم المصرية كلها، وسيملأ هذه الأقاليم حسدًا وغيرةً يخشى منهما على الأمن والسلم، ويُخشى منهما على راحة الوزير. فلن ترضى الأقاليم الأخرى أن ينفرد إقليم البحيرة بهذا المجد المؤثل، ولن تستريح إلَّا إذا ظفرت من الوزير وأركان حربه بغزوة كهذه الغزوة التي ينعم بها هذا الإقليم. والوزير أرقُّ قلبًا وأوسع رحمةً وأرأف بالمصريين من أن يؤثر بعضهم على بعض، أو يفضل إقليمًا على إقليم، أو يجود بغزوته على فريقٍ من الناس، ويبخل بها على فريق آخرين. وإذن فسيضطر الوزير إلى أن يطوف الأقاليم كلها، يومًا بجزوى ويومًا بالعقيق، يومًا في الغربية ويومًا في أسوان.

    ومن هذه الأشياء التي لا تقبل الشك، هو أن مقدم الوزير وأركان حربه على هذا الإقليم السعيد سيحدث فيه المعجزات، فتُمحى الأمية محوًا، وسيصبح الناس جميعًا؛ رجالًا ونساءً شبابًا وشيبًا متقنين للقراءة، ولكن بشرط أن لا يقرءوا صحف المعارضة ولا ينظروا فيها. وهذا هو وجه الإعجاز، سيصبح الناس جميعًا قادرين على أن يقرءوا في أي صحيفة، وفي أي كتاب، حتى إذا وقعت إليهم صحيفة من صحف المعارضة مُحيَ فن الكتابة والقراءة من نفوسهم محوًا، فإذا طويت عنهم هذه الصحيفة عاد إليهم هذا الفن كأحسن وأرقى ما يكون. ومن المحقق أن الوزير إذا زار الأقاليم الأخرى سيحدث فيها ما سيحدثه غدًا أو بعد غدٍ في إقليم البحيرة. ولعلك توافقني على أن هذه الزيارات سيكون لها خطرها في حياة المصريين، ستخرجهم جميعًا من الظلمات إلى النور، فمن حقهم أن يبتهجوا بها، وستريحهم جميعًا من قراءة المعارضة والمعارضين، فمن حق هؤلاء أن يحسبوا لها كل حساب، بل من حق هؤلاء أن يقدِّروا ويستيقنوا أن لا مطمع لهم في الحياة بعد اليوم، وأن مصر ستفلت كلها من أيديهم إفلاتًا. ولهذا نتائجه الخطيرة، ومن أهمها أن الوزارة القائمة لن تخشى معارضة ولا معارضين، فستثبت إذن وستثبت إلى ما شاء اللَّه برغم الخصوم والحاسدين، وليس في شيءٍ من ذلك غرابة أو شيء يشبه الغرابة؛ فمصر قديمة العهد بهذه المعجزات. ولعل المصريين يعلمون أن أوزيريس كان يغزو أقطار الأرض فلا يثير فيها حربًا ولا يريق فيها دمًا، وإنما ينشر فيها علمًا ويذيع فيها سلمًا، ويعلم الناس كيف ينعمون بالحياة. وإذا كانت مصر قد أخرجت أوزيريس في العصر القديم، فما يمنعها أن تخرج أوزيريس في العصر الحديث. كل شيء إذن على خير ما تكون الأشياء، ستستنير مصر وسترقى، وستسبق الأمم الراقية المستنيرة في أسابيع. ولكن المصريين قوم لا يرضون، ونفوسهم تحفل دائمًا بالصغار، وتعرض دائمًا عن عظائم الأمور وجلائل الأعمال. فقد رأيت جماعة منهم يقرءون هذا النبأ العظيم في الصحف، ثم تعلو وجوههم غبرة، وتقطب جباههم، وتنطلق ألسنتهم بكلام كثير سخيف، يسألون: وكم ستنفق الدولة على هذه الحملة؟ وما الذي يدعو إلى أن يتبع هذا الجيش الضخم وزير التقاليد في زيارته للمدارس في ذلك الإقليم؟ أرأيت كيف يكون قصر النظر؟ وضآلة الخطر؟ وضيق التفكير؟ قومٌ يقال لهم: إن الوزير سيمحو الأمية من إقليم بأسره في يوم واحد، فيسألون عما سيكلفهم ذلك من المال، ويستكثرون على هذا الرجل العظيم أن يصحبه عشرة من كبار الموظفين. أؤكد لك أن هؤلاء المصريين لم يخلقوا لعظائم الأمور، ولم يخلقوا للأمل، إنما خلقوا ليعنوا بالسفاسف، وليملئوا قلوبهم وقلوب الناس من حولهم يأسًا وقنوطًا. أين تكون النفقات التي سينفقها هؤلاء العشرة، والتي سيتكلفها الناس للقائهم وتضييفهم؟ وأين يكون الوقت الذي سيضيعه هؤلاء العشرة، والذي سيضيعه الناس في لقائهم والاحتفاء بهم؟ أين يكون هذا كله من هذا الحدث العظيم والأمر الجسيم؛ وهو زيارة وزير من الوزراء لإقليم من الأقاليم؟ أليس من حق الإنجليز أن يضحكوا من هذا الشعب الذي كتب اللَّه عليه أن لا يفقه شيئًا، ولا يفطن لشيءٍ، ولا يستطيع أن يتجاوز صغائر الأمور إلى عظائمها؟ أليس من حق الإنجليز أن يستكثروا على هذا الشعب وزير التقاليد، وزملاء وزير التقاليد الذين يجاهدون ما يجاهدون، ويضحُّون بما يضحُّون، ويحتملون من الألم والمشقة ما يحتملون، فلا يلقون من هذا البلد العاق الجاحد شكرًا ولا ثناءً؟ وإنما يسمعونه وهو يسألهم عن هذه الأشياء اليسيرة الحقيرة التي يسمونها المال، والتي يؤديها الفلاح في غير مشقة، أو في مشقة لا تكاد تذكر. ومن الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يجوع؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يلتوي بالضريبة، أو يعجز عن أدائها، فتأخذ ظهره السياط؟ أليس من الغريب أن يستكثر المصريون على الوزير وأصحابه ما سينفق من المال على رحلتهم هذه الموفقة، وحملتهم هذه الظافرة؛ لأن الفلاح يحتمل جهدًا في تحصيله ويلقى عناءً في أدائه؟ فماذا يصنع المصريون؟ وماذا يقولون لو أن وزراءهم أخذوهم بما كانون يؤخذون به من قبل حين كانوا يقيمون الأهرام ويشيدون المعابد، ويحتملون أو يجرون تلك الأثقال؟ أليس من الحق عليهم أن يحمدوا اللَّه على ما هم فيه، وأن يشكروا للوزراء أنهم يأخذونهم باليسر لا بالعسر، ويفرضون عليهم أهون التكاليف؟ ولو شاءوا لعلموهم كيف تكون المشقة، ولو شاءوا لأروهم كيف يكون الضيق والضنك والعذاب! وقومٌ آخرون من هؤلاء المصريين يسألون عن ديوان الوزارة، ما عسى أن يكون خطبه يوم يتركه سادته وقادته، ويدعه رؤساؤه ومديروه، كأن ديوان الوزارة شيءٌ يستحق الذكر أو التفكير بالقياس إلى زيارة الوزير لإقليم من أقاليم مصر. أعترف أني ضقت بهؤلاء الناس حين كانوا يتحدثون بهذا السخف الذي يثير الغيظ، ويملأ القلوب حنقًا ووجدًا، وأعترف بأني وددت لو أن وزير التقاليد وسع حملته بعض التوسعة، وضخَّم عددها بعض التضخيم. فإذا كان هو محتاجًا إلى عشرة ليزور إقليمًا من الأقاليم، فكل واحد من هؤلاء العشرة يحتاج إلى اثنين على أقل تقدير يرافقانه في هذه الزيارة، كل واحد منهم محتاج إلى سكرتيره الخاص، وإلى خادمه الخاص، فيبلغ عدد القوم ثلاثين، وهو عدد يسير لا يبلغ عدد الذين يُحاكمون منذ أمس ويذوقون لذة السجن منذ يوم الخميس؛ لأنهم أرادوا أن يزوروا قبور الشهداء في مدينة الإسكندرية. وكان الوزير قادرًا على أن ينظر إلى هؤلاء التابعين بأركان الحرب، فهم أيضًا يحتاجون إلى الأعوان، وكان العدد يستطيع أن يُضاعف، وكانت الدولة مضطرة إلى أن تنفق أضعاف ما ستُنفق من المال، ولكن الوزير على عنايته بكبار الأمور وجلائلها لا يهمل صغارها ودقائقها، فهو يفكر في المال أيضًا، وهو يتفضل فيقتصد، وهو يتعطف فيقتر في الإنفاق، يكتفي بعشرة ولو شاء لاصطحب عشرين أو ثلاثين أو ستين. ومن ذا الذي كان يستطيع أن يمنعه من أن يصطحب رجال الديوان جميعًا ليزوروا معه هذا الإقليم؟ ولكنه لم يفعل؛ رفقًا بالفلاح، وعطفًا عليه، وإيثارًا للاقتصاد، وضنًّا بالمال، ومصانعة لوزير المالية. وعلى ذكر وزير المالية نلاحظ أنه هو أيضًا سيغزو ناحية من نواحي مصر، وسينبت فيها ألوانًا وأشكالًا من المعجزات. سيزور ساحل البحر الأحمر، ولم لا؟ فالمصريون لا يكادون يحفلون بهذا الجزء من أرض الوطن، فليعلمهم الوزير كيف تكون التسوية بين أجزاء الوطن وساحل البحر الأحمر، وهو غنيٌّ جدًّا فيما يُقال. تتحدث شهرزاد في بعض أقاصيص ألف ليلة وليلة بأن فيه منابع للبترول، ومقاطع للأحجار، ومناجم لفنون من المعدن، ومصادر لضروب أخرى من الثروة والغنى. والمصريون جميعًا يجهلون هذا، فمن حق الوزير، بل من الحق على الوزير أن يزور هذا الساحل؛ ليعرف المصريون من أمره ما يجهلون. وتزعم شهرزاد أن مصادر الثروة هذه قد كثر إهمالها، واشتد الإعراض عنها حتى نضبت أو كادت تنضب، فانتظر إذن زيارة الوزير، فسترى أن منابع البترول ستفيض وتفيض حتى تطغى على البحر الأحمر نفسه، وسترى أن مقاطع الأحجار ستغطي من الصخور ما لا قِبَل لأحد بحمله أو استغلاله أو استخدامه. أمَّا المعادن، فحدِّث عنها بعد زيارة الوزير ولا حرج عليك، ستصبح مصر أعظم البلاد حظًّا من الذهب والفضة والحديد، وما شئت من المعادن الموجودة وغير الموجودة! ولن تتكلف مصر في هذه الزيارة المباركة شيئًا، فسيقضي الوزير فيها عشرة أيام، وسيسافر الوزير في القطار حينًا، وفي السفينة حينًا آخر، وقد يصحب الوزيرَ عددٌ من الناس قليلٌ أو كثيرٌ، ولكن ما سيحتاج إليه من النفقات لن يكون شيئًا بالقياس إلى ما ستستفيده مصر من هذه الرحلة المباركة. وكذلك تجري أمور المصريين، وكيل الداخلية يبحث عن الأمن العام في الصعيد إذا كان الشتاء، ووزير التقاليد يغزو إقليم البحيرة مع هذا العدد الضخم من الموظفين، ووزير المالية يبحث عن المعجزات على ساحل البحر الأحمر عشرة أيام كاملة، يتخذ القطار حينًا ويتخذ السفينة حينًا آخر. ويقول الناس بعد ذلك: إن أمور مصر نائمة، وإن حكام مصر نائمون، وإن أموال مصر قد نضبت أو كادت تنضب. كلا، إن مصر لتباهي بلاد الأرض كلها بسادتها هؤلاء الذي يحكمون فيحسنون الحكم، ويدبِّرون فيتقنون التدبير، ويقتصدون فيتفوقون على الناس جميعًا في الاقتصاد. يجب أن تسعد مصر وأن تغتبط، وأن ترفع رأسها عزيزًا كريمًا، فوزير التقاليد يزور ساحل البحر الأحمر، ووكيل الداخلية قد فتَّش عن الأمن العام في الصعيد.

  • معلوم! | Well Known!

    حديث المساء: معلوم!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٥ نوفمبر ١٩٣٣

    إذا استطاع مدير الدقهلية أن يصول ويجول، ويقصر ويطول، ويقف ويقول، ويخطب في رجال التعليم الإلزامي كما كان يخطب زياد في أهل العراق، باسطًا عفوه لمن تاب وأناب، مسلِّطًا سخطه على من شك وارتاب …

    وإذا استطاع مأمور مركز بني مزار أن يدعو إليه جماعة من المصريين خلقوا أحرارًا كرامًا لآباء أحرار كرام، حتى إذا انتهوا إليه، وقاموا من بين يديه، تكبَّر وتجبَّر، ثم استأسد وتنمَّر، ودعاهم بالكلاب وأبناء الكلاب، وأنذرهم بامتصاص الدماء، وتخريب البيوت …

    وإذا استطاع وزير التقاليد أن يرسل القارعة على أهل الجامعة، فلا يرعى فيهم قانونًا ولا يحفل لهم بحق، وإنما يغيِّر ويبدِّل، وينقل ويعيِّن، ويقول ما لا يقال، ويأتي ما لا ينبغي أن يأتي من الأمر …

    وإذا استطاعت وزارة الداخلية أن تُطلق أيدي المديرين والمأمورين في الناس يعصفون بهم عصفًا، ويعسفون بهم عسفًا، ويفرضون عليهم الضرائب لا كما يريد القانون، بل كما يريدون …

    إذا استطاع هؤلاء جميعًا كل هذا جميعًا، ولم يلقوا فيه مقاومة، ولا احتملوا فيه مشقة، ولا تعرضوا فيه لسؤال، ولا أشفقوا فيه من لوم؛ كان من الطبيعي جدًّا، ومن اليسير جدًّا، ومن الأشياء التي لا يجب الوقوف عندها، ولا التفكير فيها، أن يقسو وزير لاحق على وزير سابق، وأن يطغى عضو من أعضاء حزب الشعب على صفوة حزب الشعب، وأن يتجافى المنزلاوي بك عن الصلح مع علام باشا، وأن لا يحفل المنزلاوي بك بستة وعشرين من أهل الحظيرة على رأسهم زعيم الحظيرة صدقي باشا، وأن يقف المنزلاوي بك من هؤلاء الناس الذين يعتمد عليهم ويلتمس عندهم التأييد موقفَ الذي لا يحفل بهم، ولا يحسب لهم حسابًا، وإنما يدعهم يسعون ويلحُّون في السعي، ويهيئون ويجدُّون في التهيئة، ويصفون الأكواب، ويجتمعون حول الموائد وينتظرون تشريفه ساعة وبعض ساعة، حتى إذا أبطأ عليهم تحدثوا إليه بالتليفون، فأعلن إليهم هادئًا مطمئنًّا باسمًا مستهزئًا أنه لا يريد الحضور.

    كل هذا ممكن، وكل هذا واقع، وكل هذا لا بأس به، ولا غرابة فيه؛ لأنه ملائم أشدَّ الملاءمة لطبيعة الأشياء، فمن عزيز، ومن يهن يسهل الهوان عليه، وقد عزَّ في مصر قوم فبزوا، وأبيح لهم كل شيء، وقد هان في مصر قوم فذلوا، ويجب عليهم أن يحتملوا كل شيء.

    وقد يخيَّل إليك أن في هذه الصور التي نعرضها في هذا الفصل اختلافًا وتباينًا. فأي صلة بين موقف نيازي باشا من رجال التعليم، وموقف المنزلاوي بك من صفوة حزب الشعب؟ وأي صلة بين موقف وزير التقاليد من الجامعيين، وموقف مأمور مركز بني مزار من أهل أبي جرج؟

    ولكن هذه الصور، على اختلافها الظاهر وتباينها الذي يبدو لأول وهلة، متفقة أشدَّ الاتفاق، مؤتلفة أشدَّ الائتلاف؛ لأنها صدرت عن مصدر واحد، وخرجت من ينبوع واحد، وانتهت إلى غاية واحدة. فأما المصدر الذي صدرت عنه، فهو هذه الكبرياء التي تخرج أصحاب السلطان عن أطوارهم، وأما الغاية التي انتهت إليها فهي هذا الإذعان الذي يضطر إليه الناس بكل ما يأتيهم من أصحاب السلطان.

    فلولا أن مدير الدقهلية، ووزير التقاليد، ومأمور بني مزار، ووزير الداخلية، والمنزلاوي بك، لولا أن هؤلاء السادة جميعًا يفهمون السلطان والمنصب على أنهما قوة، يبيحان كل شيء؛ لما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولولا أن رجال التعليم الإلزامي والجامعيين، وأهل أبي جرج، وصفوة حزب الشعب، يفهمون طاعة السلطان وإكباره على أنهما قبول كل شيء، والإذعان لكل شيء يأتيهم من أهل السلطان، لما اجترأ هؤلاء السادة على أن يأتوا ما أتوا ولا رضي رعاياهم أن يحتملوا منهم ما احتملوا، ولكن فكرة السلطان قد فسدت في مصر منذ أعوام؛ فهمها الحكام على غير وجهها، ورجع بها أولئك وهؤلاء إلى ذلك العصر القديم الذي لم يكن فيه قانون ولا دستور، ولا صلات منظمة بين الناس، على أساس القانون والدستور، والذي كان الحكم فيه إرادة لا نظامًا، وكانت الطاعة فيه إذعانًا لا احترامًا لسلطان النظام.

    فليس المصريون الآن أمام أحداث تحدث ثم تمر وخطوب تلم ثم تذهب، وإنما هم أمام نفس تتغيَّر وفكرة تقوم مقام فكرة، وحياة تقوم مقام حياة. كان المصريون قد خطوا خطوات واسعة في طريق الحرية، وفَهْم الكرامة الإنسانية، وتقدير الصلة بين الحاكم والمحكوم، وإقامة القانون والنظام مقام الإرادة والهوى، فردوا بحمد الله — الذي لا يحمد على المكروه غيره — إلى حيث كانوا منذ زمن بعيد. واستطاع الوزراء والمديرون والمأمورون، ومن هم دون هؤلاء، أن يفرضوا عليهم ما يشتهون، وأن يأخذوهم بالطاعة والإذعان لما لا يحق لهم فيه طاعة ولا إذعان.

    هؤلاء رجال التعليم الإلزامي، يكرهون على تغيير أزيائهم، ثم يكرهون على الرضا بهذا التغيير، ثم يحشرون للمدير حشرًا، ثم يرفعون الشكر إلى المدير، ثم يلقون خطبته بالرضا الظاهر، والشكر البين، والإذعان الذي لا حد له. وهؤلاء الجامعيون يأخذهم وزير التقاليد بغير القانون، ويخضعهم وزير التقاليد لغير العدل، فيرضون أو يسخطون، ولكنهم يظهرون الرضا، ويثنون أو يجمجمون ولا يخفون الثناء.

    وهؤلاء أهل أبي جرج يسبون سبًّا، فيتلقون السبَّ، وينصرفون، ولولا أن يزورهم صحفي، ويسمع منهم، ثم يغضب لهم لما علم بأمرهم أحد. وهم لا يستطيعون غير هذا، وهم لا يملكون غير هذا، وماذا تراهم يستطيعون؟ وماذا تراهم يصنعون؟

    وهؤلاء صفوة حزب الشعب بناة النظام الحاضر فيما يقولون، وصماته، وحفظة النظام الحاضر فيما يقولون وسدنته، وأصحاب الكثرة البرلمانية فيما يقولون، تقوم الوزارة رغم أنوفهم، يشترك فيها من يشترك، وينصرف عنها من ينصرف، ويهمُّون أن يجعلوا لأنفسهم شأنًا في تكوين الوزارة، فتخذلهم الظروف، فيذعنون أقبح إذعان، ويستسلمون أقبح استسلام، ويُكرِهون رئيسهم على أن يفتح باب الحظيرة لمن أخرج من الحظيرة. ثم يعود المفصولون إلى الحظيرة عودة الفاتحين، فتستقبلهم الحظيرة مبتهجة بهم، مثنية عليهم. وفي أثناء ذلك يعلن أن أحد الوزيرين المفصولين قد قذف مدير الحزب، وأضاف إليه أمورًا لا ينبغي أن تصدر عن الوزراء — وكان هذا المدير وزيرًا في يوم من الأيام — فيغضب المدير، ولكن وحده، وينصرف المدير، ولكن وحده، وينقطع المدير عن الحزب ولكن وحده. ثم يخطر لرجل من أهل الخير أن يعطف الوزير اللاحق على الوزير السابق، وأن يصلح بين المختصمين؛ فيسعى ويخيَّل إليه أنه قد وفق، فيهيئ الشاي، ويدعو إليه، ويسرع المدير المقذوف إلى إجابة الدعوة، ويسرع الرئيس المغلوب إلى إجابة الدعوة، ولكن القاذف يأبى بعد أن قبل، وينأى بعد أن دنا، ويعلو بعد أن تنزَّل، ويعلن كما تقول السياسة أنه كان يريد أن يلقى صاحبه منفردًا لا في ملأ من الناس؛ أي إنه كان يريد أن يختصم في شارع ويصطلح في حارة كما تقول العامة.

    ويتفرق المجتمعون، ولست أدري أشربوا الشاي أم عافته نفوسهم بعد أن كانت في ظمأ إليه. ولن يكون لهذا الحادث أثر في حزب الشعب؛ لأن المنزلاوي بك وزير قائم، ولأن علام باشا وزير مستقيل؛ لأن الوزارة القائمة محتفظة بالسلطان، ولأن صدقي باشا وأصحابه ملزمون أن يُذْعِنوا للسلطان. وهم ملزمون أن يذعنوا للسلطان لأنهم أصحاب الكثرة البرلمانية، التي تملك السلطان، والتي تستطيع أن تمنحه للوزراء أو تأباه عليهم. المنزلاوي بك لم يهنهم، وإنما هم أهانوا أنفسهم. وهل المنزلاوي بك إلا رجل منهم يمثلهم في الوزارة، ويستمتع بحظهم من السلطة؟ هم محتاجون إليه لأنه وزير، وهو محتاج إليهم لأنهم نواب وشيوخ. فيجب أن يصبر بعضهم لبعض، وأن يحتمل بعضهم من بعض، وأن يغفر بعضهم لبعض. هم محتاجون إلى المنزلاوي بك؛ لأنه يدهم في الحكم، وهم محتاجون إلى علام باشا؛ لأنه يدهم في الحزب. فإذا اعتدت إحدى اليدين على الأخرى، فلا ينبغي الانتقام من اليد المعتدية؛ لأنهم إن فعلوا أساءوا إلى أنفسهم بأنفسهم، وأضعفوا أنفسهم بأنفسهم.

    وكذلك يريد الله أن تفهم الأمور على هذا الوجه في هذه الأيام، وأن تقوم الصلة بين الحاكمين والمحكومين على القوة والضعف، وعلى القدرة والعجز، لا على الحرية والكرامة، ولا على النظام والقانون.

    وصدقي باشا صاحب هذا كله ينظر إلى هذا كله، والله يعلم أيألم لهذا كله، أم لا يجد الألم إلى نفسه سبيلًا؛ لأنه قد ظفر بما أراد من السلطان، وظفر بما أراد من الجاه والغنى، وأصبح يستطيع أن يستمتع بلذات الحياة ما وسعه ذلك، وأن ينظر إلى الحياة العامة على أنها فن من التمثيل لا يمنحه الرجل إلا أوقات الراحة والفراغ، ولا ينظر إليها الرجل نظرة الجد، وإنما ينظر إليها نظرة التسلية والتلهية.

    ما أكثر ما جنى صدقي باشا على نفسه وعلى مواطنيه! وما أخفَّ ما يلقى صدقي باشا من الجزاء على ما قدَّم لنفسه ولمواطنيه!

  • تجربة | An Experiment

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

  • ذوق٢ | Taste (2)

    حديث اليوم: ذوق

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٣ أغسطس ١٩٣٢

    أمَّا أنَّ في مصر نظامًا مستقرًّا فأمر لا سبيل إلى الشك فيه، ولولا ذلك لما غاب رئيس الوزراء عن مصر، ولما فرغ قلبه للقاء عظيم إيطاليا واستقباله وزيارة المتاحف والآثار والانتقال بعد ذلك إلى حيث يستريح أو ينتظر الأقدار. وأمَّا أنَّ هذا النظام دستوري كأحسن ما تكون النظم الدستورية وديموقراطي كأكمل ما تكون النظم الديموقراطية يأمن معه الناس على الأنفس والأموال، وعلى ألوان الحريات كلها، وحرية التفكير والقول والكتابة والقراءة بنوع خاص، فأمر لا سبيل إلى الشك فيه أيضًا. وآية ذلك أن من شك في شيء من هذا فأمره إلى النيابة والقضاء، وإلى الإدارة قبل النيابة والقضاء. ولست أعرف دليلًا أنصع، ولا برهانًا أسطع، من القوة التي تكره الناس إكراهًا على أن يؤمنوا بما لا يستطيعون أن يؤمنوا به لو تركوا أحرارًا.

    نحن إذن هادئون وادعون قد خضعنا للنظام واطمأنت إليه أجسامنا وقلوبنا وعقولنا. وأظن أني قد أرضيت رئيس الوزراء بعد هذا الاعتراف الصريح بما يحب أن نعترف به ونؤمن له. وأظنني أستطيع بعد ذلك أن أتحدث فيما أشاء من أمورنا العامة دون أن يكون لرئيس الوزراء عليَّ سبيل.

    وفي نفسي مسألة تشغلني منذ أيام، بل منذ أسابيع، بل منذ نهضت هذه الوزارة القائمة بالأمر؛ وهي أن حظ حكومتنا من الذوق بعيد عن أن يحقق الأمل ويرضي الحاجة، ويحسن فيها رأي الناس. ومن الواضح أن الذوق أمر كمالي يصح أن تأخذ منه الحكومة بالقليل والكثير ويصح أن تنبذه الحكومة نبذًا، وأن تدعه للمتحذقين المترفين من المصريين والأوروبيين، دون أن يكون لذلك أثر في استقرار النظام وملاءمة الدستور لحاجة البلاد وطاقتها. وإذن، فنستطيع أن ننقد حظ الحكومة من الذوق دون أن نسخطها أو نغيظها أو نثير غضب النيابة أو نضطر إلى مجلس القضاء.

    الذوق شيء كمالي إذن، وهو أسلوب من أساليب الحضارة، وفن من فنون الترف الذي ينشأ عن الرقي في العلم والتربية والأخلاق، وعن تهذيب الشعور وتصفية الطبع وتعديل المزاج. والذين يحبون هذه الخصال كلها يجتهدون في أن يكون لهم منها حظ، فإن لم يوفقوا خدعوا أنفسهم أولًا، وخدعوا الناس بعد ذلك عن أنفسهم، وظهروا مظهر المهذبين المشذبين، الذين قد استكملوا نصيبهم من الذوق حتى أصبحوا فيه القدوة التي لا تشبهها قدوة، والمثال الذي لا يشبهه مثال. ومن أخص مظاهر الذوق فيما يقول المترفون المتحذقون ألا تظهر الفرح إذا كان الناس من حولك مأزومين، وأن تجتهد ما استطعت في ألا تؤذي الناس، ولا سيما حين يكون أمرهم إليك، وحين تقوم منهم مقام رئيس الوزراء.

    كذلك يقول أصحاب الترف والمتحذقون. وهم جميعًا يعلمون أن رئيس وزرائنا لم يمتز من غيره بالذكاء وحده ولا بالفطنة وحدها، ولا باللباقة وحدها ولا بالحزم وحده، وإنما امتاز بخصال أخرى إذا اجتمعت إلى هذه الخصال — التي ذكرتها آنفًا — جعلت من رئيس الوزراء رجلًا كاملًا بالمعنى الذي كان يفهمه من الرجل الكامل أفلاطون وأرسطاطاليس. امتاز رئيس الوزراء بالظَّرف فيما يأتي من حركة، وخفة الروح فيما ينطق به من لفظ، وامتاز فوق هذا وذاك بالذوق في جميع أقواله وأعماله.

    وآية ذلك أنه على كثرة ما يثقله من أمور الدولة، لم يقصر يومًا من الأيام في ذات الأصدقاء والأولياء والزملاء؛ فهو يشاركهم فيما يختلف عليهم من أحداث الحياة حلوها ومرها، وهو يودعهم إذا سافروا، ويزورهم إذا عادوا. وهو يسلك في ذلك طريقًا لم يسلكها رؤساء الوزارات الذين سبقوه إلى تصريف الشئون في هذا البلد السعيد به، العزيز بحكمه. أولئك الرؤساء كانوا يسرفون في المجاملة أحيانًا فيواسون الأصدقاء بأنفسهم، ويودعونهم بأنفسهم، ويهنئونهم بأنفسهم. ولم يكن هذا الإسراف دليلًا على استقامة الذوق ولا اعتدال المزاج، فرؤساء الوزارات ناس من الناس، ولكنهم ممتازون، يجب أن يعرفوا لمكاناتهم أقدارها، وألا يبتذلوا أنفسهم بكثرة التهنئة والتعزية والتوديع والتسليم. وإنما الذوق المستقيم والمزاج المعتدل في ذلك أن ينصرف رئيس الوزراء إلى أعمال الدولة، وأن يرسل عاملًا من عمال مكتبه لتوديع وزير إن سافر مهما يكن هذا الوزير وتعزية صديق أو نصير إن ألم بهذا الصديق أو النصير مكروه. كذلك يفعل رئيس الوزراء. وسنرى بعد أن يستقيل من فيشي أو من القاهرة، أتمضي هذه السُّنة في خلفائه أم يعود هؤلاء الخلفاء إلى السُّنة القديمة التي مضى عليها رؤساء الوزارات من قبل!

    رئيس وزرائنا إذن مثال للذوق المستقيم في مصر، ولكنه لم يكد يرتحل عنا حتى ساءتنا منه أشياء نخشى أن يتعرض معها ذوقه الكامل لشيء من النقد الخفيف أو الثقيل.

    أول هذه الأشياء: رحلته. والناس عن الرحيل في شغل بما هم فيه من فقر وضيق. ستقول: ولكن الوزراء قد سبقوه إلى السفر! وأجيبك: وقد سبقه كثير من الموظفين؛ وسيسافر بعده وزراء وموظفون آخرون. ولكن لا تنسَ قول الشاعر القديم:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    وكان الحق على رئيس الوزراء لذوقه وذوق زملائه، وذوق الموظفين، أن يضرب نفسه مثلًا لهؤلاء جميعًا، فيصبر على القيظ في هذه السنة التي يصبر فيها الناس على الجوع. وأنا واثق بأن رئيس الوزراء كان يريد أن يفعل هذا؛ لأن ذوقه السليم كان يأمره به ويضطره إليه. ولكن أعباء الحكم تخرج الرجل أحيانًا عن طوره، وتورطه فيما لا يقره الذوق. ورئيس الوزراء لم يسافر رغبة في السفر ولا حبًّا في الراحة، ولكنها سياسة الدولة فرضت عليه في آخر لحظة — بعد أن رفض الإنجليز مفاوضته في هذه الأيام — أن يزور مدينة القياصرة؛ ليلقى موسوليني، وليتشرف بلقاء جلالة الملك وقداسة البابا. وإذا تعارضت سياسة الدولة والذوق، فالسياسة فوق الذوق من غير شك. ومن كان في روما واحتاج إلى الراحة في فيشي فلا جناح عليه أن يستريح! نعم، ولكن الناس طوال الألسنة لا يريحون ولا يستريحون، وهم كالثعلب الذي لم يستطع أن يبلغ العنب فوصفه بأقبح الأوصاف. لم يستطع هؤلاء الناس أن يحتجزوا لأنفسهم أجنحة خاصة في السفن، ولا أن يهيئوا لأنفسهم استقبالات فخمة في نابولي، ولا أن يقيموا لأنفسهم مدينة القياصرة ويقعدوها، ولا أن يظفروا بمأدبة موسوليني وعطف جلالة ملك إيطاليا وبركة قداسة البابا. لم يستطيعوا من هذا شيئًا، واستطاعه كله رئيس الوزراء، فهم يحسدونه وينقمون منه ويلهجون به، ويقولون: أسرف رئيس الوزراء في ماله إن كان قد أنفق على هذه الرحلة من ماله الخاص، ومن الحق عليه أن يضرب نفسه مثلًا للناس في الاقتصاد والاعتدال. وأسرف رئيس الوزراء في مال الدولة إن كان قد أنفق على رحلته من مال الدولة؛ فالدولة فقيرة في هذه الأيام، وليس من الرفق بها ولا من العطف عليها أن يحملها رئيس الوزراء مثل هذه النفقات، على حين هي مضطرة إلى الاقتصاد من مرتبات صغار العمال. ويغيظهم من أمر هذه الرحلة ما أعلن من وصف المأدبة التي أقيمت لرئيس الوزراء في دار المفوضية المصرية بروما. والمأدبة الأخرى التي أقامها رئيس الوزراء لموسوليني. فإن في هذا الوصف ما يغيظ ويغري في وقت واحد، إسراف في الترف، وغلو في التأنق، وأزهار كأنها لم توجد في روما فتستحضر خاصة في جنوى، وكل هذا على حساب الدولة من غير شك. والناس هنا يلقون ألوان البؤس، ومنهم من يأرق الليل كله؛ لأنه لا يدري ماذا يصنع ليطعم أبناءه إذا كان الغد. وإذا لم يكن بد من هذا الإسراف، ومن استحضار الأزهار من جنوى في الوقت الذي تنشر فيه الجريدة الرسمية أكثر من ألف حجز في أسبوع واحد على صغار الناس وكبارهم. فقد كان الذوق يقضي ألا يتأرج عطر هذه الأزهار حتى يصل إلى مصر، وألا تعلن كل هذه الأخبار في الصحف. فإن للمصري كغيره من الناس عقلًا يفهم به، وقلبًا تضطرب فيه ألوان الشعور المختلفة. ومنها أنه لا يجوز أن تنفق الأموال على هذا النحو، حين تجد الحكومة أقسى ألوان العناء في جبايتها ويخضع الفلاح لأشنع الصروف والمحن في أدائها.

    والناس لا يقفون عند هذا الحد من النقد بل هم يتجاوزونه إلى شيء آخر ليس عليهم فيه ذنب، وإنما الذنب على الصحف. فالصحف تنشر لهم في كل يوم أخبار رؤساء الوزارات حين يتزاورون وينتقلون من عاصمة إلى عاصمة، فلا تثار حولهم هذه الضجات العنيفة التي أثيرت حول رئيس الوزراء حين زار روما، ولا تشغل بهم الصحف كما شغلت برئيس الوزراء حين زار روما. ونحن نقرأ من حين إلى حين انتقال مكدونلد إلى باريس؛ هربوا إلى لندرة فلا نرى أن الصحف تعنى بما يقام لهما أو يقيمان من ولائم وبما يحضر لهما أو يحضران من أزهار، وإنما تعنى الصحف بأحاديثهما السياسية وجهودهما لخدمة فرنسا أو إنجلترا.

    وشر من هذا أن هذه الأخبار التي تذاع عن رئيس الوزراء في رحيله وإقامته لا تضحك المصريين وحدهم، بل تضحك الأجانب أيضًا؛ لأنها تترجم لهم في الصحف الأجنبية كل يوم فيتفكهون بها إذا خلا بعضهم إلى بعض في المساء. وهم في حقيقة الأمر لا يضحكون من أمر خاص برئيس الوزراء وحده؛ ولا يتفكهون بأمر خاص برئيس الوزراء وحده، وإنما يضحكون من المصريين جميعًا ويتفكهون بهم جميعًا.

    ويقولون: ما أبعد هذا الشعب عن العزة والحرية! ولو قد كان عزيزًا حرًّا لما رضي أن تنفق أمواله على هذا النحو ومثاله من أنحاء الإسراف. يقولون: ما أقل حظ هذا الشعب من الذوق، وما أخلقه أن يكون محدثًا! ولو قد كان على شيء من الذوق، ولو قد كان بعيد عهد بالحياة السياسية؛ لما قبل أن تهزأ به الصحف إلى هذا الحد، فتنشر له هذه الأخبار معتقدة أنه سيقرؤها وسيجد فيها متاعًا ولهوًا! كذلك يقول الأجانب.

    أما المصريون فيقولون مثل هذا إذا خلوا إلى أنفسهم. يضحكون من هذه الأخبار ويسخرون من الصحف التي تنشرها، ويستحون من الأجانب الذين سيقرءونها. ولكن ماذا يصنعون والنظام مستقر والدستور قائم، والحريات مكفولة والقول مباح لكل إنسان؟ ماذا يصنعون؟ ولمَ يصلحون ذوق الحكومة، وقد عجزوا عن إصلاح سياستها الداخلية والخارجية وعن إصلاح إدارتها وعن أخذها بأن تكون حكومة مصرية لا حزبية؟!

    المصريون يصبرون على ذوق الحكومة كما يصبرون على سياستها، وعلى إدارتها وعلى بقائها في مناصب الحكم. والغريب من أمر هذا الاعوجاج في الذوق أنه قد عمَّ حتى تناول الذين يتصلون بالحكومة من قريب أو بعيد، فلا يكاد وزير من وزراء الدولة المسافرين ينتقل أو يتحرك أو يتكلم حتى تهتز أسلاك البرق بما فعل أو قال، ولا يكاد سفير من سفراء الدولة يأتي شيئًا من الجِد القليل أو السخف الكثير حتى تفيض الصحف بجِده وسخفه. وقل مثل ذلك في وكلاء الوزارات وكبار الموظفين وصغارهم، والذين يمثلون مصر في المؤتمرات، والذين ينجحون في أداء الامتحانات! أخبار هؤلاء جميعًا تنشر في إطناب وإسهاب مع ما يليق من المبالغة التي يراد بها خداع الناس، والعبث بالعقول. ما أشد حاجة مصر إلى أن تنشأ فيها مدرسة للذوق يتعلم فيها الموظفون ورجال السياسة — ولا سيما جماعة من الوزراء والمستوزرين — ومن النواب والشيوخ والذين يرشحون أنفسهم لمجلسي النواب والشيوخ! وإلا فما رأيك في هذا النائب المحترم الذي لم يمنعه ذوقه من أن يكتب باللغة الإيطالية التي لا يتكلمها ولا يفهمها فصلًا ينشر في صحيفة إيطالية ثناءً على رئيس الوزراء، بينما رئيس الوزراء في روما والصحف الإيطالية نثني عليه بما شاء وما لم يشأ؟!

    أترى هذا النائب لو تخرج في مدرسة الذوق هذه كان يمضي باسمه في صحيفة إيطالية فصلًا كتب في لغة لا يفهمها ولا يتكلمها؟ وأمثال هذا النائب كثيرون تلقاهم في مصر وتلقاهم في الشرق، وتلقاهم في الغرب وهم يدعون لبلادهم دعاية سيئة، لا لأنهم يريدون السوء؛ ولكن لأنهم يضطرون إليه اضطرارًا ويدفعهم إليه أنهم لم يمروا بمدرسة الذوق.

    لقد قرأت منذ أسابيع فصلًا نشره وكيل لمجلس النواب كان مستشارًا فيما مضى من الزمان، فأصبح زعيمًا سياسيًّا في هذه الأيام. قرأت هذا الفصل الذي كتبه صاحبه ينقد فيه سياسة المعارضين، فهممت أن ألفت إليه رئيس الوزراء، لا لأن فيه إسرافًا في الشتم أو إقذاعًا في الهجاء، فذلك شيء لا يلتفت إليه الآن؛ بل لأن الصحيفة التي تنطق بلسان الوزارة والبرلمان وتمثل أذكى الناس وأكفأ الناس وأظرف الناس، لا ينبغي أن تذكر الكوستليتة والفطير باللحمة وحلاوة النوجا، ولو أن الزعيم المستشار وكيل مجلس النواب قد مر بمدرسة الذوق هذه لعرف أن مثل هذه الألفاظ إن جازت لبعض الصحف فهي لا تجوز لصحيفة الحكومة والبرلمان، وإن أبيحت لبعض الناس فهي لا تباح للزعماء الذين يكتبون في السياسة العليا.

    مدرسة الذوق هذه ضرورة من ضرورات الحياة الجديدة في مصر؛ ذلك لأن النظم تتغير من وقت إلى وقت، والحكم يتنقل في البيئات، وتمثيل الشعب يوكل مرة إلى أولئك ومرة إلى هؤلاء. وكثير من أولئك وهؤلاء لا عهد له بالحكم ولا بتمثيل الشعب، ولا بما يحتاج إليه هذا وذاك من الظَّرف والذوق. ولكن من ذا الذي ينشئ هذه المدرسة؟ أرجو أن لا تفكر الحكومة القائمة في إنشائها؛ فإني أخشى إن فعلت أن تأتي على ما بقي في مصر من الذوق السليم.

  • بعد الأوبة | After the Return

    بعد الأوبة

    طه حسين

    مجلة السفور

    ٥ نوفمبر ١٩١٥

    الحمد لله على أنني قد صرت من دهري إلى شر حال

    مشتت النفس بعيد الهوى في عثرة من زمني ما تُقال

    جهدتُ في الخير لنفسي فما أدركت منه غير طيف الخيال

    مني وآمال تقسمنني ثم انجلى زخرفها عن محال

    نم أيها الليل السَّاهر، واهدأ أيها الخاطر القلق، وتعزَّ أيها الفؤاد المَحزون، فما خير لوعة لا تجدي، وما اللجاج في وجد لا يُفيد.

    أقالَ اللهُ عثارَ الجَامِعَة لقد اعترضت سربًا آمنًا فروعته، وقلبًا وادعًا فأزعجته، وعيشًا صافيًا فكدرته، ولقد استقبلت بي أمرًا لم تبلغ بي غايته؛ فوقفتني بين الحمد والذم، وبين الرضا والسخط، وبين الرجاء والقنوط.

    والذنب للأيام لو لا شؤمها لم تنب شيمه

    ولو استقامت كانت الأ حوال فيها مُستقيمه

    تريدونني على أن أكتب، أيها الأصدقاء، ولقد عَلِمْتُم ما لي بالكتابة من طوق، ولا إلى الإجادة من سبيل.

    وماذا تريدون من رجل لم يكَد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المُبين.

    واهًا لك من عيش حَسُنَ أوَّله وساء آخره، ومن حُلْمٍ لم أكَد أتذوق فيه حلاوة الأمل، ولذة الرَّجاء حتى نغصتهما علي بشاعة الألم ومرارة اليأس.

    ويا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

    أجل، أيُّها الأصدقاء، لقدْ علمتم أنَّ تلكم حياة نور وهدى، وأنَّ هذه حياة ظلمة وضلال، وما أحسب إلَّا أنَّكم قد فعلتم ما فعلت فودَّعتم ذكاءكم وقلوبكم يوم ودعتم تلكم البلاد.

    وماذا عسى أن نصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل من كل شيء؛ فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحِكمة ألفاظٌ يلوكونها، وكلمات يعلكونها، وجُمل يُرَدِّدونها بين الشفاه واللهَّا، من غير أن تُحَصِّل معنًى جديدًا، أو تدل على رأي طريف.

    زهدوا في البحث والتفكير وقنعوا بالنقل والتقليد؛ لأنهم لم يشعروا بنفوسهم بعد؛ فليس يعنيهم أنْ يَكُون لهم في تراث العقل الإنساني حظ أو نصيب.

    وماذا عسى أن نصنع بقلوبِنَا في بلد قانِعٍ كمصر قد رضي أهله بالقليل من كل شيء فحسبهم من الحياة الحس والحركة، ومن اللذات ما يتملق مشاعرهم الظاهرة، قد وضع الله عواطفهم في أيديهم وأرجلهم، وعلى أطراف ألسنتهم؛ فلا يعرفون من الحُبِّ إلا أغلظه وأجفاه، ولا يألفون من الوُدِّ إلا ما أعان على حاجة أو أدى إلى منفعة، أو انتهى بهم إلى إدراك طلبة وتحقيق رجاء.

    شهد الله ما غلوتُ ولا أسرفتُ، ولا بلغتُ حقَّ ما أُريدُ، ولقد أعلم أنني إنما أكتب هذه السطور لرجلين؛ أحدهما ذاق لذة الحياة الغربية فهو مؤمن بما أقول مصدق له، والآخر لم يبل منها شيئًا؛ فهو يتهمني بالغلو ويصفني بالإغراق.

    فأما الأول فما أملك له إلا يد إخاء وكلمة عزاء، وأما الآخر فما أرجو له إلا الهداية والعافية وصفاء العيش، وأنْ يُجَنِّبه الله ما بلوناه؛ فلم نحمد منه حلاوة الجني حتى ترك لنا غُصَّةً لن تفارقنا، إلا مع آخر نفس من أنفاس الحياة.

    يا عجبًا كل العجب يعودُ الناسُ إلى بلادهم بعد الغربة فرحين مبتهجين، وأنا أُقسم بما في تلك البلاد من ذكاء القلوب ورجاحة الأحلام، ومن صفاء الطباع وسلامة الأذواق، ومن رقة العواطف ورقي الأخلاق، ومن جمال الخلال واعتدال الأمزجة؛ لقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد استحيي أنْ أقول الحقَّ فأُعْلِنُ أني استقبلتها باكيًا.

  • حتى في الحفلات العامة | Even at Public Gatherings

    حتى في الحفلات العامة

    طه حسين

    جريدة مصر الفتاة

    ١٥ يناير ١٩١٠

    أكثَرَ النَّاسُ مِنْ نُصْحِ الأزْهَريِّينَ وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وتنفيرهم مما هم فيه
    من لغو القول وسخف الحديث؛ فلم يلتفتوا إلى ما دُعُوا إليه، ولم يُصغُوا إلى أصوات المُخلصين أو
    تهكُّم الساخرين.

    ولقد كنتُ بعيدًا عن هذا البَحث؛ لأنِّي أخذْتُ على نفسي أنْ لا أكتُبَ الآن فيما يُغضب
    أحدًا، وأن تكون أبحاثي مقصورة على الأدبيات والغَراميات مُذْ كان ارتياح الناس إلى هذا كثيرًا،
    وتطلبهم له جمًّا، لولا أن دُعيت إلى حفل أقامه صديقي الأديب الأستاذ الشيخ أحمد حسن الزَّيات
    مساء الخميس الماضي؛ لعقد قرانه بكريمة المِفضال سيد أفندي النجار، فلمَّا أجبتُ الدَّعوة راقني
    ما كان في الحفل من جمال وظُرف، ولا سيما ذلك النوع من الغناء القديم الذي طالما اشتقتُ إلى
    سَمَاعه. ولستُ الآن بقائل كلمتي في هذا النوع من الغناء، ولا في هذا المغني المطرب الأستاذ
    الشيخ الحمزاوي، ولكني أقول كلمةً هي في الحقيقة حزن وأسى، لا سرور وفرح.

    بينما كان المُغني يطرب الناس بغنائه الجميل مال إلى طريقة لم أفهمها، كما أني لم ألُمْهُ
    فيها. هذه الطريقة هي التهكم بالأزهريين والسخر منهم: أوله «رُبَّ»، فما هي إلا أن أسترسل في
    البيت قليلًا ثم عاد فانتقل منه إلى قطعة من «الآجرومية»، فجعل يقول: رُبَّ ولعل ومتى واللام
    والواو والباء والتاء، فضحك له النَّاسُ كثيرًا، ومنهم أنا، إلا أنَّ ضحكي لم يكن إلا عنوانًا
    لما يُكِنُّه فؤادي من الأسف والأسى على ما وصل إليه أمر الأزهريين من الضِّعة والامتهان، ثم
    انتقل إلى بيت آخر هو قول القائل:

    إن كان في جلنارِ الخدَّ مِن عجبٍ فالصدرُ يَطرحُ رُمانًا لمَنْ يردِ

    فجعل يُرَدِّد هذا البيت بأنْغَام مُستحسنة، ثم عمد بطريقة من التهكم إلى كلمة في البيت هي
    الجلنار، فقسمها قسمين، وأخذ لفظة النار فجعل يرددها هكذا: نار على نور، نور على نار، نار على
    نار.

    ثم شرح هذا الترديد بقوله: النور في وجه الحبيب، والنار في كبدي أنا. ولو أنَّ بالكتابة يتمثل
    للناس المعاني تمثلًا ظاهرًا لمثلث للقُرَّاء تَهكُّم المعنى فيما كان يقوله بطريقة الترح
    والحواشي، ولا سيما التفاته بذلك إلى العمائم؛ فقد كان كثيرًا مُضحكًا.

    أنا لا ألوم المغني في ذلك؛ فقد يكون عمله وتبكية الأزهريين طريقة من طرق النصح والإرشاد، كما
    أنه قد يكون مَحض التفنن لإرضاء السامعين وإطرابهم، وعلى كلتا الحالين فنحن الأزهريين أهل
    اللوم؛ لأنَّنا جعَلْنا أنفسنا أغراضًا لمِثْل هذه المخجلات، وأبينا مع مرور الزَّمن إلا أنْ
    نظل على ما نحن فيه من جمود وخمول؛ فعسى أن نتعظ بمثل هذا التهكم وتلك السخرية اللذين يترددان
    كثيرًا في كل يوم، حتى أصبحت لفظة الأزهري أو المجاور سُبَّة على الناس وعارًا.

    لعلنا نتعظ بكل هذا فنصلح من أمرنا، ونقصر عن جمودنا، ونجاري غيرنا في الرُّقي والتقدم؛ فقد
    بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطبين، وإن في ذلك لبلاغًا.

    يوم القران قصيدة قالها صاحب الإمضاء يهنئ بها صديقه صاحب الحفل، ويحمد من حفله أن جمعه بصديق له
    طالت بينهما الجفوة، فأصلح بينهما: يا خليليَّ سلامي حبذا يوم القران حبذا أمس فَفَدَّا ني نوالًا غير دان حبذا ليلة أمس راق لي فيها زمان ليلة قد نلت فيها من حظوظي ما شفاني ليلة قصر في تقـ ـريظها أمس لساني أنا لا أحمد منها حسن توقيع الأغاني إنما أحمد منها حسن أنسي بفلان وسروري بصديق وهو في أحسن شان ناعم البال قرير الـ ـعين في غير افتتان لم أزل أقصف حتى خلت أني في الجنان بينما نحن على ذ لك زفَّ القمران آه يا زياتُ ما أجـ ـمل ساعات الأماني! هُنَّ قد هجْنَ لنفسي ذِكْر سَحْرٍ وعنان أنا لولا سوء حظي لم أكن إلا ابن هاني يا شقيق النفس ضاق الشـْ ـشِعر عن نظم التهاني لا تلُمني إن دعوتُ الشـْ ـشِعر والشعر عصاني جلَّ حبي لك يا زيـْ ـيَات عن وصف البيان لك من صِدْق ودادي أي أسباب متان يا صديقي ولعمر الله لو صدقتماني! آه كم أضمر حبًّا لكما لو تعلمان! إن محمودًا لمن قلـ ـبيَ في خير مكان لكما نفسي فداء من عوادي الحدثان فلتعيشا ليَ حتى يقضيَ الله زماني قد أطلت القول يا زيـْ ـيَات فاهنأ بالقران