Tag: النقد الاجتماعي

  • جهد هائل | A Tremendous Effort

    جهد هائل
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مايو ١٩٦٢

    أجَلْ جهد هائل هذا الذي بذله رئيس الجمهورية ليضع هذا الأثر الرائع الذي يسميه الميثاق الوطني.

    ولست أدري كيف وجد الوقت وأين وجد القوة ليفرغ لهذا العمل الخطير ويخرجه في صورته الرائعة التي عرضها على المؤتمر الوطني منذ أيام؛ فهو مُثقل بأعمال جِسام تنوء بالعُصبة أولي القوة، وتستغرق ليله ونهاره، ولا تُتيح له أن يستريح ولا أن يُريح أعوانه الذين يعملون معه من قرب.

    وهو على كثرة الأعمال وثقلها الفادح واستغراقها لأكثر وقته قد استطاع — ولست أدري كيف استطاع — أن يَفْرُغ لدرس الحياة المصرية من جميع أقطارها؛ لدرسها أثناء تاريخ الشعب المصري على طوله والتوائه وتعقده في كثير من العصور، ولدرسها في حاضرها المعقد المثقل بالمشكلات من جميع الألوان، ولتصورها، بل تحققها في مستقبلها البعيد الذي نعرف أوله ولا نستطيع أن نعرف دقائقه على مر الأيام والسنين.

    ولاستخراج هذه الحقائق الخصبة البارعة التي تحدَّث بها إلى الشعب مساء الإثنين الماضي.

    لقد سمعتُ الميثاق حين عرضه الرئيس على المؤتمر وقرأتُه بعد ذلك، وأعترف بأني لا أكاد أقضي العجب من قدرته، مع وقته الضيق وقوَّته الموزَّعة، على أن يخرجه كما عرضه واضحًا جليًّا لا غموض فيه ولا التواء.

    إنما هو توفيق كتبه اللَّه له، وأرجو أن يكتب له أمثاله في كل ما يحاول من قول أو عمل؛ لأنه حين يعرض لحياة الشعب بالقول أو العمل لا يفكر في نفسه ولا يحفل بجهده ولا بقوَّته ولا بطاقته، قد أخلص نفسه للوطن وأخلص له قلبه وضميره، فأحسن الله إليه كما يحسن هو إلى مواطنيه.

    وأنا مع ذلك أسأل نفسي عن هذا البحث الرائع العميق الذي أخرجه الرئيس: أهو حقًّا ميثاق وطني، أم هو كتاب مفصل يشتمل على كل ما تحتاج إليه لتستخرج منه خلاصة واضحة جلية يفهمها ويتمثَّلها كل من قرأها أو سمعها، في غير احتياج إلى وقوف عند هذه العبارة أو تلك، وفي غير احتياج إلى سؤال عن معنى هذه الجملة أو تلك؛ خلاصة يقرؤها القارئ ويسمعها السامع في وقت قصير لا يتجاوز الساعة بل لا يَبْلُغُها.

    هذا أجدر أن يصل إلى قلوب الناس جميعًا، سواء منهم ذو الثقافة العالية وذو الثقافة المتوسطة، ومن لم يُتح له حظ ذو بال من الثقافة.

    فقد كنت أظن أن الرئيس سيقرأ الميثاق على المؤتمر في نصف ساعة أو في أكثر من ذلك قليلًا، ولكنه احتاج إلى ستِّ ساعات ليقرأ هذا الميثاق.

    وأنا أعلم أنه قد قوطع كثيرًا بالتصفيق والهتاف، ولكني أعلم أني حين فرغت لقراءته لم أقرأه في ساعة ولا ساعتين. أقول هذا ولا أريد به أن النص الذي عرضه الرئيس قد طال أكثر مما ينبغي، بل أنا معجب بما أُتيح للرئيس من الإيجاز ليقول في هذا النص كل ما قاله، ولكن الميثاق الوطني الذي يوجه إلى الشعب على اختلاف طبقاته وعلى اختلاف حظوظه من المعرفة والثقافة، يجب أن يكون — فيما أعتقد — أقصر وأيسر من ذلك.

    ولقد كنت أقرأ هذا النص، وأفكر في كتاب من هذه الكتب السياسية والاجتماعية التي ينشرها الفلاسفة والممتازون من الساسة؛ ليقرأها أهل العلم وأصحاب الثقافة، ولعل كتاب رأس المال لماركس قد خطر لي مرات أثناء قراءة هذا النص.

    فهذا النص إذن هو رسالة من الرئيس إلى الشعب يضع فيها أصول الحياة التي تنبغي، لا للشعب المصري وحده؛ بل للأمة العربية كلها، ولشعوب أخرى تسعى إلى الرقي وإلى الحياة الحرَّة الكريمة التي تقوم على العدل والإخاء المساواة. ومن هذا النص — الذي هو منهاج فلسفي مفصل — يجب أن يستخلص البرنامج الموجز للحياة المصرية، الذي يستطيع كل إنسان أن يقرأه وأن يفهمه وأن يستجيب له بقلبه وضميره في غير مشقة ولا عناء. ولو أطاعني المؤتمر لانتخب من بين أعضائه لجنة من المختصِّين تتدبر هذا المنهاج وتتعمقه وتستخلص منه النص الموجز الذي أشير إليه.

    لقد استجبتُ لهذا المنهج حين سمعته من الرئيس، وازددتُ استجابة له واقتناعًا به واطمئنانًا إليه حين فرغتُ بعد ذلك لقراءته. ولم أقف إلا عند نقطتين اثنتين لم تطمئن إليهما نفسي؛ فأما أولاهما فتاريخية لا تمس الحاضر ولا المستقبل، وليس الخلاف فيها إذن خلافًا في البرنامج الذي يريد الرئيس أن تقوم عليه الحياة المصرية، وذلك حين تحدث الرئيس عما صارت إليه أمور الأحزاب المصرية بعد المطالبة بالاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

    وكل ما قاله الرئيس عن هذه الأحزاب وما كان من اختلافها وتنافسها في الحكم واستباقها إليه، لا غبار عليه ولا معنى للجدال فيه، ولكن الرئيس تحدث عن المثقفين وعن نشاطهم في هذه الفترة بين الثورتين؛ ثورة سنة ١٩١٩ والثورة القائمة. ويخيل إليَّ أنه لم ينصفهم الإنصاف كله، فهم قد انضموا إلى الأحزاب، واختلفوا كما اختلفت هذه الأحزاب، وأضاعوا في السياسة العقيمة كثيرًا من جهودهم وأوقاتهم. ولكنهم في الوقت نفسه لم يخضعوا جميعًا للإغراء، ولم يتنافسوا جميعًا في الحكم، ولم تكن جهودهم كلها عقيمة، وإنما كانت لهم جهود صادقة باقية الأثر. وما أشكُّ في أن الرئيس يعرف هذه الآثار ولا يجحدها، فهؤلاء المثقفون قد أثاروا في هذه الفترة نهضة فكرية ونشاطًا عقليًّا لا سبيل إلى الجدال فيهما، فهم قد أيقظوا الشعب وعلَّموه بما ألَّفوا من الكتب وما نشروا من الأدب، بل بكثير مما كتبوا في السياسة، وهم قد كانوا قوام التعليم في المدارس والمعاهد على اختلافها، وهم قد نهضوا بأعباء الجامعة بل بأعباء الجامعات الثلاث؛ جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس، وهم قد خرَّجوا ألوفًا كثيرة من الشباب الذين ينهضون في هذه الأيام بأعباء الحياة، لا في مصر وحدها بل في غيرها من البلاد العربية، وكنت أود لو أنصفهم الرئيس شيئًا بعد أن ذكر انضمامهم إلى الأحزاب وانسياقهم معها.

    هذه واحدة، أما النقطة الثانية التي وقفت عندها حين سمعت الميثاق، فهي ما ذكره الرئيس حين تحدث عن مهمة الجامعات، فأكد — وله الحق في ذلك كل الحق — أن العلم ينبغي أن يتجه إلى إصلاح الحياة وترقيتها، ولكنه قال: إن العلم للعلم في حد ذاته مسئولية لا تستطيع طاقتنا الوطنية في هذه المرحلة أن تتحمل أعباءها. وقد وقفت عند هذه الجملة؛ لأني أعتقد أن العلم للعلم تبعة نستطيع أن نحتملها في هذا الطور من أطوار حياتنا. ذلك أن على الجامعات والمعاهد العليا أن تعلم الشباب تعليمًا صحيحًا صالحًا يُمكنهم من النهوض بأعباء الحياة والنفوذ من مشكلاتها ومن إصلاح الحياة وترقيتها، فإذا وجد بين هذه الألوف الكثيرة من طلاب العلم من ملك حبُّ العلم عليه نفسَه وأراد أن يُخلص قلبَه وعقلَه للدرس وأن يقف حياتَه على البحث العلمي، فلا ينبغي أن نردَّه عن ذلك ولا أن نغريه بالانصراف إلى الخدمة العملية، بل يجب أن نشجعه كل التشجيع على أن يمضي في الدرس والتحصيل وتعمق حقائق العلم؛ لأن ذلك من خير ما تُخدم به الشعوب. فمن يدري لعل هذا الذي وقف حياته على العلم وأخلص نفسه للبحث والدرس، أن يستكشف ذات يوم حقيقة من الحقائق العلمية تملأ الحياة من حوله معرفة ونورًا، وعسى أن يكون لها الأثر كل الأثر في إصلاح الشعب وترقيته، وهي على كل حال تشرف الشعب وترفع مكانته بين الشعوب. والمواهب فضل يؤتيه الله لمن يشاء، ولا ينبغي أن يُرَدَّ أصحابُها أو يُصَدُّوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له.

    وأنا بعد ذلك مطمئن إلى أن هؤلاء الذين قد يُخلصون أنفسَهم للعلم ويقفون حياتهم عليه، لن يكونوا إلا قِلَّة قليلة، لا في شعبنا وحده بل في شعوب الأرض كلها.

    وقد ذكرت هاتين النقطتين اللتين وقفت عندهما لسبب واحد، هو أن الرئيس نفسه يؤكد في الميثاق أن النقد ضرورة من ضرورات الحياة الناهضة.

    وأنا بعد ذلك لا أدري كيف أهنئ الرئيس بهذا التوفيق الرائع، وكل ما أملكه هو أن أسأل اللَّه مخلصًا أن يُتيح له أمثال هذا التوفيق في كل ما يحاول من جهد في سبيل ترقية الشعب ورفع مكانة الوطن.

  • موسم | A Season

    موسم
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٢٣ سبتمبر ١٩٤٩

    هذا الصيف يريد أن ينصرم، ويهم أن يمضي بقيظه المحرق وحرِّه المرهق وكسله الذي يكف النفوس عن النشاط، ويصد الأجسام عن العمل، ويفرض على الناس في مصر حياة خامدة هامدة، يحيونها كما يستطيعون لا كما يريدون. وهذا الخريف يريد أن يُقبل بنسيمه العذب الذي يردُّ الحياة إلى النفوس، والنشاط إلى الأجسام، ويحبب إلى العقول أن تفكر، وإلى القلوب أن تشعر، ويُتيح للناس أن يبتسموا للحياة، وأن يستقبلوها فَرِحين، بل مبتهجين لها، يصرفونها حسب حاجاتهم وإرادتهم، وحسب منافعهم ومآربهم. وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف؛ تهيأ الصبية والشباب للسعي إلى المدارس والاختلاف إلى الدروس في معاهد العلم على اختلافها متعلمين، وتهيَّأَت الأسر لما يقتضيه ابتداء العام الدراسي إنفاق المال ليُتاح للتلاميذ والطلاب أن يفرغوا للدرس والتحصيل، ومن إنفاق الجهد لكسب هذا المال وتدبيره وتوفير ما يحتاج إليه التلاميذ والطلاب من أداة وملبس وطعام ليكون فراغهم للدرس خصبًا وإقبالهم عليه منتجًا.

    وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأَ الأساتذة والمعلمون للسعي إلى المدارس والمعاهد، يَلْقَوْنَ فيها هذه الأجيال الناشئة، فَيُلْقُونَ إليها تراث الأجيال الماضية، ويهيئونها لاستقبال الحياة في جِدٍّ وكَدٍّ، وفي ثقة وأمل، وعن بصيرة وخبرة وقدرة على قهر المصاعب واحتمال الخطوب.

    إذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأ الماضي لينقل تراثه إلى المستقبل، وتهيَّأت الأمة لتجدد نفسها، وتهيأ الوطن ليستقبل ربيعًا جديدًا تشيع فيه الحياة، وتنشر فيه الثقة، وتبتسم فيه الآمال.

    فهذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر هي أيام الموسم الرائع في حياة الأمة والوطن جميعًا. أيام الموسم الذي تنعقد به الآمال وتتعلق به الأماني، ويتهيأ فيه الجيل الجديد لتلَقِّي شعلة الحضارة من الجيل القديم على أنها أمانة ما ينبغي أن تحفظ كما هي، وإنما ينبغي أن تزكو وتنمو وتربو وتزداد بهجةً وجمالًا وتألُّقًا وإشراقًا. فمن حق الأمة أن تبتهج بهذه الأيام، وأن تتلقاها بقلوب فرحة ونفوس مرحة وضمائرَ مطمئنَّة إلى أنها قادرة على البقاء والنماء والخلود الذي لا خمول فيه ولا خمود. كذلك أتصور هذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر. وكذلك ينبغي أن يتصوَّرَها المصريُّون جميعًا. ولكن أنظر فأرى هذه الأيام تُقبل شاحبة كئيبة، تُثقِلُها الهموم وتنوء بها الأحزان؛ لأننا لا نعرف للعلم حقه، ولا نقدِّر الرُّقِيَّ قدره، وإنما نستقبل فصل التعليم كما نستقبل غيره من فصول الحياة اليومية، لا نمنَحُه حَقَّهُ من الرِّضَى والابتهاج؛ لأننا لا نمنحه حقه من العناية والإكبار. فالكثرة الكثيرة من صبيتنا وشبابنا لا يحفلون بهذا الموسم لأنهم لا يشاركون فيه، قد حال الجهل والعجز بينهم وبين المدارس والمعاهد والجامعات؛ فهم مُقبِلُون على حياة حيوانية غليظة، لا رِقَّةَ فيها ولا لين، على حياة تمَس أجسامهم ولا تمس قلوبهم وعقولهم، على حياة تشبه حياة ما يسومون من الماشية وما يتعهدون من نبت الأرض. فموسم التعليم لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ولأن القلة القليلة من صبيتنا ومن شبابنا يُقبلون على هذا الموسم يريدون أن يبتهجوا به، ولكنه يكتئب لهم، ويريدون أن يتلقوه بالفرح والمرح، ولكنه يتلقاهم بالهَمِّ والحزن والكآبة والضيق. تصدهم المدارس والمعاهد عن أبوابها لأنها أضيق من أن تتسع لهم.

    فبعضهم يريد أن يتعلم فيرده ضِيق المدارس إلى الجهل. وبعضهم يريد أن يتزيَّد من التعليم فيَضطره ضيق المعاهد إلى أن يقف حيث انتهى به الشوط. وبعضهم يطمح في ارتفاع الذكر ونباهة القدر فيرده ضيق المدارس والمعاهد إلى الخمول والجمود، والرضى بما قُسِم له من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا. والأُسَر تشارك أبناءها في هذا الهم المُمِض، وتحمل معهم همومًا ممضة أخرى، فليس كل الناس قادرًا على أن يوفر لصِبْيَتِه وشبابه ما يحتاجون إليه من المال ليشتروا العلم من حيث يُباع، أو ليتلقَّوْه بالمُجَّان إن أتاحت درجاتهم أن يتلقوه بالمجان.

    فهذا الموسم الذي حقُّه أن يكون عيدًا تملؤه البهجة والغبطة والرضى والأمل، يستقبله الصبية والشباب عندنا بالنفوس الكئيبة والقلوب الوَجِلة، ويستقبله الآباء والأمهات بالحزن المبرح والهم الثقيل، وتستقبله وزارة المعارف بهذا النشاط المجدب الذي لا يغني عنها ولا عن الناس شيئًا. ولا يمكن أن يُشَبَّه إلَّا بالقطار الذي يملأ الجو من حوله ضجيجًا وعجيجًا وصفيرًا وزحيرًا، ولكنه لا يتقدم شِبْرًا إلى أمام، وإنما يضطرب مكانه فيكون مصدر إقلاق وإزعاج لا مصدر شيء آخر.

    هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب الذين ظفِروا بالشهادة الثانوية لا يجدون أماكنَ في الجامعات، وهذه الألوف المؤلَّفة من الصبية الذين ظفروا بالشهادة الابتدائية لا يجدون أماكن في المدارس الثانوية. ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على الديوان ويروحون إلى بيوتهم، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن، ينقُضُون بين ذلك ويبرِمُون، ويختصمون فيما بينهم ثم يصطلحون، يختلفون ثم يأتلفون. والصبية والشباب لا يجِدُون أماكن في المدارس ولا في الجامعات. وهَبْهُم وجدوا الأماكِنَ واستقروا فيها وتهيَّئوا للدرس، واطمأن أباؤهم وأمهاتهم، فإن الوطن لن يطمئن، ولا ينبغي له أن يطمئن؛ لأن هؤلاء الصبية والشباب لن يتعلموا كما ينبغي لهم أن يتعلموا، يحُول بينهم وبين ذلك حائل خطير كل الخطورة، هو أن المعلم ليس منشرح الصدر للتعليم، وليس فارغ البال للعلم، وليس موفور النشاط للدرس، وليس خالص القلب للطلاب والتلاميذ. يشغَلُه عن هذا كله أن له أسرة ينبغي أن تعيش هادئة مطمئنَّة، ولم تُيسَّر لها أسباب الحياة الهادئة المطمئنة. يشغله عن ذلك أن له بنات وبنين يريدون أن يتعلَّموا، وقد تقطعت بهم الأسباب. لم يظفروا بالدرجات التي تُعفِيهم من أجور التعليم، ولم يظفر أبوهم بالمرتب الذي يتيح له أن يؤدي عنهم أجور التعليم، بل لم يظفر بالمرتب الذي يتيح له أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم من آفات المرض والبؤس والجوع. فهو يُقبل على هذا الموسم كارهًا له، ضيقًا به، ساخطًا عليه. وإذا أقبل المعلم على التعليم كارهًا، فلا تنتظر منه خيرًا. وإذا لم تنتظر من المعلم خيرًا، فلا تنتظر من تلاميذه خيرًا. وإذا لم تنتظر خيرًا من المعلمين والمتعلمين، فلا تَشُكَّ في أن الأمة تضيع أجيالها، وتبدد تراثها، وتقضي على نفسها بالخمود والهوان.

    ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على ديوانهم إذا أصبحوا ويروحون إلى بيوتهم إذا أمسَوْا، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن ويختصمُون ويصطلحُون ويختلفُون ويأتلفُون، ولا يُغْنُونَ عن أنفسهم ولا عن الناس شيئًا. ولو قد قدَّرت وزارة المعارف التعليم حق قدره، وعرَفت لمستقبل الشعب ما ينبغي من العناية به والرعاية له؛ لاستقبل المعلمون والمتعلمون هذا الموسم الوطني العظيم بقلوبٍ يملؤها الرضا، ونفوسٍ تملؤها الغبطة، وضمائرَ يملؤها الاطمئنان، ونشاطٍ خصب ينبئ الشعب بأن مستقبله سيكون خيرًا من ماضيه، وبأن أبناءه سيكونون خيرًا من آبائهم، وبأن الوطن سيزداد على مر الزمن قوة وعزة ورقيًّا وازدهارًا.

    إن أخبار مصر لتصل إليَّ في هذه القرية المنقطعة النائية التي أَوَيْتُ إليها في قمة من قمم الألب، فتملأ نفسي حزنًا وكآبةً، وتمزِّق قلبي لوعةً وحسرةً. وزير المعارف مشغول بحماية التقاليد عن حماية التعليم، ووكلاء يختصمون فيما بينهم أيُّهم تكون له الكلمة النافذة والأمر المطاع، والصِّبْية والشباب لا يجدون الأماكن في المدارس، والجامعات والمعلمون لا يجدون ما ينفقون، وهم يجأرون بالشكاة، ولا يجدون لشكاتهم سميعًا. والأحزاب المؤتلفة تختصم في توزيع الدوائر، وفي أجَل مجلس النوَّاب أيقصر أم يطول.

    ليصدِّقني رئيس الوزراء — وهو الرجل الذي أعرف فيه الوطنية الصادقة والإخلاص الصحيح — أن أمته تتعرض لخطر أشد هولًا من اختلاف الأحزاب بعد ائتلافها، وهذا الخطر يأتي من عجز وزارة المعارف عن النهوض بما ينبغي للتعليم من العناية والرعاية والاحتفال. لن يغني عن مصر شيئًا ألَّا يسافر الفتيات إلى أوروبا، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تُلغى في المدارس دروس الموسيقى والرقص التوقيعي، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تنفَّذ كلمة هذا الوكيل من وكلاء الوزارة أو ذاك، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تأتلف الأحزاب أو تختلف إذا تعرضت أجيالها الناشئة لهذا الشر المستطير، فدُفِعت إلى الجهل من حيث تسعى إلى العلم.

    ليصدِّقني رئيس الوزراء وزملاؤه المؤتلفون أن من الحق عليهم جميعًا أن يمنحوا التعليم والمعلمين والمتعلمين شيئًا من عنايتهم واحتفالهم. فليس منهم من يرضى إذا خلا إلى نفسه أن تكون مصر لُقْمَةً سائغة لكل جائع من الأمم المستعمِرة. وإذا مضَيْنا في إهمال شئون التعليم على النحو الذي مضينا عليه إلى الآن؛ فلن يكون لمصر بدٌّ من هذا المصير.

    وقى الله مصر كل مكروه، وجنَّبها شر العاديات، وأتاح لها مواسم تعليمية يتفوق فيها الابتسام على العبوس.

  • الثوب الضيق | The Tight Garment

    الثوب الضيق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٩ يناير ١٩٤٨

    وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!

    يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:

    حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِيوَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِيمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِكَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
    ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.

    فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.

    وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.

    هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.

    وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!

    ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.

    ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟

    ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.

    والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.

    فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.

    مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.

    وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!

    هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟

  • القلق الخطر …! | Dangerous Anxiety …!

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

  • سخاء … | Generosity …

    سخاء …

    طه حسين

    النداء

    ٢ ديسمبر ١٩٤٧

    لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.

    وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.

    وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.

    ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.

    الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.

    هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.

    والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.

    وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.

    ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.

    أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.

    ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.

    استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.

    وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.

    لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.

    لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.

    ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.

    أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.

    إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.

    إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.

    وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.

    نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!

    نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.

    والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!

    فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!

    ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!

    والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.

    صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ.

  • تفوق … | Superiority …

    تفوق …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٣ نوفمبر ١٩٤٧

    أمَّا أننا متفوقون على شعوب الأرض كافة؛ فذلك شيء ليس فيه شك، ولا يمكن أن يُجادل فيه إلَّا الذين يحبون المكابرة ويكلفون بالمراء. وتفوقنا على شعوب الأرض مختلف الأشكال والألوان، منه القديم الذي ظهر في فجر الحضارة، ومنه الحديث الذي لم يظهر إلَّا في هذه الأيام، ومنه المقيم الذي يصاحبنا في حياتنا كلها على طولها، وعلى اختلاف العصور والأزمان. فنحن متفوقون في العصر القديم؛ لأننا سبقنا الإنسانية كلها إلى إنشاء الحضارة، فبنينا الأهرام تقاوم الزمان، وأقمنا أبا الهول شاهدًا على الأحداث متحديًا للخطوب، واستكشفنا العلوم والفنون والإنسانية غارقة في بحار من الجهل ليس لها قرار.

    فمصر أم الحضارة ما في ذلك شك، وهي من أجل ذلك أم الإنسانية كلها، الإنسانية المتحضرة بالطبع. فأمَّا الإنسانية المتبربرة فليست من مصر، وليست مصر منها، ويجب عليها أن تلتمس أمًّا حيث تشاء. وأمَّا التفوق الحديث الذي نشأ في هذه الأيام الأخيرة، فقد كسبناه في مقاومة الوباء كما يقول الأطباء؛ فمصر هي البلد الوحيد الذي حُقِن أهله جميعًا — إن صدقت أنباء وزارة الصحة — بما يقيهم وباء الكوليرا، وهي بذلك تفوقت على الشرق والغرب، وعلى الشمال والجنوب، تفوقت على البلاد التي اتخذها وباء الكوليرا وطنًا مختارًا كالهند والصين؛ لأن أهل هذه البلاد أكثر من أن تحقنهم وزارات الصحة، وتفوقت على البلاد التي لا يحبها وباء الكوليرا، ولا يريد أن يستقر فيها؛ لأن جوها لا يلائمه ولا يواتيه.

    فأهل أوروبا لم يُحقنوا؛ لأنهم ليسوا في حاجة إلى أن يُحقنوا، وهذا يكفل لنا التفوق عليهم دائمًا، فكل مصري متفوق على كل أوروبي؛ لأن المصري قد حُقن، ولأن الأوروبي لم يُحقن، ولا ينتظر أن يُحقن إلَّا إذا بُدِّلت الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء. وكذلك أُتيح لنا تفوق قديم لا يعرف أوله وإن عرف آخره، وتفوقٌ حديث لا يعرف آخره وإن عُرف أوله. وليس هذا كل ما كُتِب لنا من تفوق، فنحن متفوقون في أشياء أخرى لعلها أن تكون أجلَّ شأنًا وأعظم خطرًا من إنشاء الحضارة، ومن الاحتقان بما يقاوم الوباء.

    نحن متفوقون بإقامة الأعداء الثلاثة الذين أصبحوا الأصدقاء الثلاثة، والذين كنَّا نريد أن نحاربهم فأصبحنا حراصًا على أن نسالمهم، والذين أتحدث عنهم كما يتحدث الناس عن العقلاء، وإن لم يكونوا من العقل في شيء؛ وهم: الجهل والفقر والمرض، فقد أصبح هؤلاء السادة أصدقاء لنا؛ لطول ما ألفونا وألفناهم، وعاشرونا وعاشرناهم، وأصبحوا عاقلين راشدين يوجهوننا في تدبير أمورنا وإدارة شئوننا توجيهًا رائعًا بارعًا حقًّا. فنحن أجهل الأمم المتحضرة، لا يشك في ذلك إلَّا المدخولون، وتستطيع أن تقرأ كتب الإحصاء ومجلاته؛ فلن تجد بلدًا متحضرًا راقيًا يشاركنا فيما نمتاز به من الجهل، أو يقاربنا فيما نمتاز به من كثرة الجاهلين.

    ونحن كذلك أفقر الأمم، ونحن أشدُّها مرضًا، وأشدُّها تعرضًا للمرض، وأشدُّها استبقاءً للمرض حين يلم بها أو يستقر فيها. كل هذه خصال نمتاز بها من الأمم، ونتفوق بها على الشعوب، والناس يلتمسون وسائل التفوق والامتياز حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها. فإذا استطاعت أمة أن تمتاز بالعلم فذلك شأنها هي وما تريد من ذلك. فأمَّا نحن فقد أردنا وأرادت لنا الظروف أن نمتاز بالجهل، وقلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى الفقر، وقل مثل ذلك بالقياس إلى المرض، وإلى كثيرٍ من الخصائص التي ننفرد بها ولا يشاركنا فيها غيرنا من الناس.

    وليس المهم هو أن يكون ما نمتاز به خيرًا أو شرًّا، ونافعًا أو مضرًّا، وإنما المهم هو أن نمتاز بشيءٍ لا يشاركنا فيه غيرنا، وإلَّا فأي فخرٌ لنا في أن نكون الشعب الوحيد بين شعوب الأرض الذي حقن أهله جميعًا بما يقاوم وباء الكوليرا. أمَّا أنا فأفضِّل أن نكون من الشعوب المتواضعة التي لا تُحقن كلها ولا يُحقن بعضها؛ لأنها ليست في حاجة إلى أن تُحقن.

    على أننا لا نمتاز بهذه الخصال وحدها، وإنما نمتاز بخصال أخرى ليست أهون منها شأنًا، نمتاز بالنسيان، والنسيان السريع المسرف في السرعة، فلولا أننا نسينا وباء الكوليرا الذي ألمَّ بنا في أول هذا القرن لما تعرضنا لوباء الكوليرا الذي يعود إلينا قبل أن ينتصف هذا القرن. ووزارة الصحة تحتاط فيما يُقال حتى لا يعود الوباء مع الربيع أو مع الصيف، ولكني أراهن من شاء على أن مصر ستنسى هذا الوباء حتى قبل أن يمضي عام أو عامان، بل نحن نتفوق في شيء أشدَّ خطرًا من النسيان؛ وهو السأم، فقد قيل لنا حين عظم شر الوباء أن المنكوبين في حاجة إلى المعونة، وأن من الخير أن يتبرع الموسرون بمعونة المعسرين؛ فقد لا تجد الدولة في خزائنها ما يُمكِّنها من مقاومة الوباء ومعونة ضحاياه.

    وقد أقبل الموسرون على التبرع متثاقلين متباطئين، ولكن وزارة الصحة جعلت تنشر بلاغاتها الرسمية، وجعلت هذه البلاغات تدل على أن الوباء قد أخذ يخف، وإذا الموسرون ينسون حاجة المعسرين إلى المعونة، وإذا أكثرهم يسأمون الإنفاق قبل أن ينفقوا شيئًا، وإذا نحن ننسى الكوليرا أو نكاد ننساها، لا يذكرنا بها إلَّا ما تنشره وزارة الصحة من البلاغات.

    والشيء الذي تستطيع أن تؤكده وأنت واثق بأنك مصيب غير مخطئ هو أن المثقفين من المصريين قد عنوا في هذا الأسبوع بقصة التعديل الوزاري أكثر مما عنوا بقصة الوباء. ولا تقل: إن التعديل الوزاري لن يقدِّم ولن يؤخِّر، ولن ينفع مصر ولن يضرها، وإن الوباء ينكب الناس في أنفسهم وأموالهم ومرافقهم؛ فقد يكون هذا حقًّا، ولكن الحق ليس هو المهم، وإنما المهم هو أننا متفوقون في الإسراع إلى النسيان، وفي الإسراع إلى السأم، وفي العناية بالسخيف من الأمر، وفي الإهمال للخطير من الأمر. كما أننا متفوقون في إنشاء الحضارة، وفي تلقي الكوليرا مرتين في أقل من نصف قرن، وفي حقن الشعب كله لمقاومة الكوليرا، وفي الجهل والفقر والمرض، وفي حب الكلام الفارغ الذي لا يفيد، وبُغض العمل المنتج الذي ينفع الناس.

    وأغرب شيء نتفوق به على الأمم جميعًا هو حبُّنا للمتناقضات، فنحن لا نكتفي بتفوقنا وامتيازنا، ولكننا مع ذلك نريد أن نشبه الأمم المتحضرة الراقية التي نمتاز منها ونتفوق عليها، ونحن من أجل ذلك نأخذ بأسباب الحضارة الحديثة في السياسة والإدارة، وفي الاقتصاد والتعليم، وفي كل شيء؛ فنحن نتفوق ونمتاز من جهة، ونحن نتهالك ونقلد من جهة أخرى، ونحن نبالغ في التهالك والتقليد حتى لقد قرأت في بعض الصحف منذ وقت قريب اقتراحًا بأن يكون لنا جندي مجهول كما أن للأمم الأوروبية والأمريكية جنودًا مجهولين. وما أشك في أننا نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جنودًا مجهولين لا جنديًّا واحدًا، نستطيع أن نتخذ لأنفسنا جاهلًا مجهولًا، وفقيرًا مجهولًا، ومريضًا مجهولًا، وما شئت من هذه الرموز التي تصور هذه الخصال الرائعة التي نتفوق بها على الناس جميعًا، أو نشارك فيها الناس جميعًا.

    وفي مصر مثلٌ عاميُّ بارعٌ حقًّا، ما أرى إلَّا أنه يلائمنا أشد الملائمة، ويطابق حياتنا أحسن المطابقة، وهو قول العامة: إن أصحاب العقول في راحة، إلَّا أن نكون قد تفوقنا على غيرنا من أمم الأرض كلها بهذه الخصلة التي تكفل لأصحابها السعادة كل السعادة، وهي قلة العقول. وهل تظن أن المتنبي أخطأ حين قال:

    ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم

  • جوع وأحاديث | Hunger and Talk

    جوع وأحاديث

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٢١ نوفمبر ١٩٤٧

    جوع وأحاديث! … فنحن أفصح الناس كلامًا، وأرفع الناس صوتًا، وأبرع الناس في الحركات والتمثيل … ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس والجهل والمرض، والتهافت في الموت كما تتهافت الفراش في النار! …

    لا يغضب المواطنون الأعزاء أن نشق عليهم في القول، ونُعنِّف بهم في الحديث؛ فقد يجب أن يُقال الحق وإن لم يبلغ من نفوسهم موضع الرضا، وقد يجب أن يُقال الحق وإن بلغ من نفوسهم موضع الغضب وأثار في قلوبهم موجدة وغيظًا.

    والمواطنون الأعزاء قد تعودوا أن يُكال لهم المدح كيلًا، ويُهال عليهم الثناء هيلًا؛ حتى رضوا عن أنفسهم أعظم الرضا، وسخطوا على غيرهم أشد السخط، وناموا ملء جفونهم والأحداث لا تنام، وعاشوا ساهين لاهين تتخطفهم النوائب وتعبث بهم الخطوب، فلا يُغيِّر ذلك من رأيهم في أنفسهم وحياتهم شيئًا؛ لأنهم قد أَلِفوا الرضا عن أنفسهم، والاطمئنان إلى حياتهم؛ فأصبح من أعسر العسر أن نخرجهم من هذا الرضا أو نزعجهم عن هذا الاطمئنان …

    ولا بدَّ مع ذلك من أن يبصروا بحقائق الأمر، ومن أن يُخرَجوا من رضاهم، ويُزعَجوا عن اطمئنانهم، ويعلموا أنهم يعيشون أبغض العيش، ويحيون أبشع الحياة. وإن هذا المثل العربي القديم الذي اتخذته عنوانًا لهذا الحديث لم يُوضَع إلَّا لهم، ولم يُضرَب إلَّا فيهم، ولم يُصوِّر إلَّا ما دأبوا عليه وتورطوا فيه من كلامٍ كثيرٍ لا يغني، وعملٍ قليلٍ لا يفيد!

    ولعل المواطنين الأعزاء قد فطنوا ليومين من أيام الأسبوع الماضي، كان أحدهما عيد الجهاد والآخر عيد الهجرة، وكان من قبلهما يوم له في حياتهم خطره الخطير وشأنه العظيم، وهو يوم افتتاح البرلمان!

    ولعل المواطنين الأعزاء قد لاحظوا أن هذه الأيام الثلاثة قد انقضت كما تنقضي غيرها من أيامهم المتصلة التي يتبع بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا كما تشبه قطرة الماء قطرة الماء، حتى كأن أيامهم على اختلافها وتعاقبها يومٌ واحدٌ!

    مضت هذه الأيام الثلاثة كما يمضي غيرها من أيامهم: كلامٌ كثيرٌ، وعملٌ قليلٌ، واضطرابٌ في غير حركة، ونشاطٌ في غير إنتاج، وجعجعةٌ في غير طحن، ورضا بعد ذلك عن النفس، واطمئنان بعد ذلك إلى هذه الحياة المطردة المملة التي لا تنفع الناس ولا تنفع أصحابها، والتي لا تُغْنِي عن الناس ولا عن أصحابها شيئًا!

    كانت رائعةً بارعةً خطبة العرش التي ألقاها رئيس الوزراء في البرلمان، صوَّرت لنا الحياة المصرية كأحسن ما تكون حياة الأمم: حكومة جادة لا تنام ولا تُنيم، وشعب عامل لا يريح ولا يستريح!

    وقد رضيت الحكومة عن نفسها فأثنت على نفسها، ورضي البرلمان عن الحكومة فصفق للحكومة، وسمع الشعب للحكومة تقول وللبرلمان يصفق؛ فرفع الأكتاف وهزَّ الرءوس، وترك الخلق للخالق. وأقبل المترفون على ترفهم ينعمون بغير حساب، وأقبل المحرومون على حرمانهم يألمون بغير حساب، وتذبذب بين أولئك وهؤلاء فريقٌ من أوساط الناس يأكلون في غير شبع ويشربون في غير رِي، وكلهم راضٍ بما كان، مطمئن لما هو كائن، مستعد لما سيكون، واثق بأن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي جنة الدنيا، وزينة العالم، وقائدة الشعوب العربية إلى المجد المؤثل الذي لا يشبهه مجد، والفخار الذي لا يدانيه فخار!

    وفي أثناء هذا كله كان المواطنون يموتون مئات، ويمرضون مئات، يتخطفهم هذا الموت الطارئ، ويصرعهم هذا المرض الطارئ، ومن حولهم ألوف وألوف يتخطفهم الموت العادي الذي لا يحمله الوباء، ويصرعهم المرض العادي الذي لا يحمله الوباء أيضًا … وفي أثناء هذا كذلك كانت ملايين من المواطنين تنعم بالجهل الذي يحجب عنها حقائق الحياة، فلا ترى ما هي فيه، ولا توازن بين حياتها وحياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى … وكانت هذه الملايين في أثناء ذلك أيضًا تنعم بفقرها الذي يشغلها بالتماس القوت وإطعام العيال وكسوتهم دون أن تجد ما تسعى إليه، ولكنه يشغلها على كل حال بذلك عن التفكير في حياتها، والموازنة بينها وبين حياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى!

    كان هذا كله يحدث في الصحف من يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر، بينما كان رئيس الوزراء ينبئ البرلمان بما فعلت الحكومة وبما ستفعل، موفقةً في الماضي والمستقبل لإنقاذ الشعب من الموت والمرض، ومن الفقر والجهل، ولتمكين مصر الخالدة المجيدة من أن ترفع رأسها العظيم الكريم بين الأمم الراقية، التي لم تبلغ ولن تبلغ ما بلغت مصر من المجد والفخار!

    «جوع وأحاديث» — كما يقول المثل العربي القديم — في يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر! و«جوع وأحاديث» في يوم الخميس الثالث عشر من شهر نوفمبر، حين استراح الموظفون من العمل احتفالًا بعيد الجهاد الوطني! وأي احتفال بالجهاد يعدل الراحة — لا من الجهاد؛ فقد انقضت أيام الجهاد! — ولكن من العمل اليومي اليسير الذي يتيح لهم أجورهم آخر الشهر؟! وأي احتفال بالجهاد يشبه الحصول على الأجر من غير عمل، وإن كان هناك قوم آخرون تُفرَض عليهم الراحة احتفالًا بالجهاد، ثم يُحرَمون أجورهم في ذلك اليوم؛ لأنهم أُكْرِهوا على الراحة احتفالًا بالجهاد؟!

    في ذلك اليوم، خطب الخطباء وتكلم الزعماء، وذُكِرت الثورة وأُثْنِيَ على الشهداء! وفي أثناء هذا كله كان الجيش البريطاني مرابطًا في أماكنه المقسومة له، لا يحتفل بعيد الجهاد لأن الجهاد لم يرزأه فتيلًا!

    و«جوع وأحاديث» يوم الجمعة الأول من شهر المحرم سنة سبع وستين وثلاثمائة وألف للهجرة … في ذلك اليوم كُتِبت المقالات المدبجة والفصول المنمقة، وأُقيمت الحفلات الرائعة، وذكر المسلمون هذا الحدث الإنساني الخطر الذي تغير له التاريخ، وهو الهجرة، وذكروا ما في الهجرة من موعظة وعبرة! بكى بعضهم وتباكى بعضهم الآخر، واصطنع سائرهم الوقار فلم يتكلفوا تباكيًا ولا بكاءً!

    ثم لم يَنْقَضِ يوم الجمعة إلَّا كما تعودت الأيام أن تنقضي: خمود وجمود، وكسل وركود، ونوم عميق، وإمعان فيما تعوَّد الناس أن يمعنوا فيه من هذه الحياة الفارغة، التي لا تُغْنِي عن الناس ولا عن أصحابها شيئًا.

    «جوع وأحاديث» في هذه الأيام الثلاثة، وجوع وأحاديث فيما سبقها وفيما سيتلوها من الأيام!

    صحف لا تُحصَى، ولا يُحصَى ما فيها من الكلام، تصابح الناس وتماسيهم، وثرثرة لا تُحصَى في الراديو تصابح الناس وتماسيهم، وهراء كثير لا يُحصَى يشغل الناس عن أنفسهم، وعن حياتهم، وعن آمالهم، وعن آلامهم. لا يصرفهم عنه النوم، بل هم إذا ناموا وألمَّتْ بهم الأحلام لم يخرجوا من هذا الهراء!

    جوع … وأحاديث، فنحن أفصح الناس كلامًا، وأرفع الناس صوتًا، وأبرع الناس في الحركات والتمثيل … ونحن مع ذلك مضرب المثل في البؤس والجهل والمرض والتهافت في الموت كما تتهافت الفراش في النار! والله يعزي الناس عن آلامهم، ويسليهم عن مصائبهم بالعمل الذي يزيل الآلام ويكشف المصائب، كما يسليهم بالقول الذي لا يمحو ألمًا ولا يكشف ضرًّا ولا يجلي خطبًا، وإنما يجعل أصحابه ضحكة الضاحكين وهزء الهازئين!

    فلنبتهل إلى الله في أن يبرئنا من علة الكلام الكثير، فلعلنا إن برئنا من هذه العلة أن نجد العزاء عن آلامنا وكوارثنا في العمل الذي يزيل الآلام، ويمنع الكوارث، ويُجلي الغمرات.

  • الهجرة | The Migration

    الهجرة
    طه حسين
    النداء
    ١٨ نوفمبر ١٩٤٧

    لفظ يسير ينطق به اللسان في غير مشقة ولا جهد، ومعنًى كبير تقصر العقول عن إدراك جلاله، وتضيق القلوب عن الإحاطة بروعته، ويُقبِل الناس مع ذلك على تمجيده والاحتفال به كلما دار العام. يظنون أنهم يؤدون إليه كل حقه أو بعض حقه، وهم لا يؤدون إليه من حقه شيئًا، وإنما يخدعون أنفسهم عن هذا الحق، ويجورون بها عن قصد السبيل.

    ولستُ أدري لماذا لا تتعلق الحكومات المصرية والجماعات المصرية بشيء عظيم إلا ابتذلته ابتذالًا، وردَّتْه إلى ما لا يلائمه من ضآلة القدر وتواضُع المنزلة.

    فالحكومات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة حين تغلِق الدواوين، وتريح الموظفين، وتُطلِق المدافع في أوقات معلومة من رأس العام الهجري، لا تزيد على أن تعبث بنفسها وتعبث بالناس، وتضحك من نفسها وتضحك من الناس، وتتيح للناس أن يضحكوا منها، وهي لا تعبث بمعنى الهجرة؛ لأنه فوق عبث الحكومات وجدِّها، وفوق تواضع الحكومات وكبريائها، وفوق تقدير الحكومات وحكمها.

    والجماعات التي تظن أنها تحتفل بالهجرة، حين تحتشد بالهجرة حين تحشد في هذا المكان أو ذاك، لتسمع الخطب المدبجة والأحاديث المنمقة والكلام الذي لا يدل على شيء، ثم لتصفق حين تدعو المواقف إلى التصفيق، أو حين لا تدعو إليه، ثم لتثني على هذا الخطيب، وتغض من ذاك الخطيب، ثم لتتفرق بعد ذلك كأنها لم تشهد شيئًا ولم تسمع شيئًا، وإنما انصرفت عن لعب إلى لعب، وتحولت من لغو إلى لغو …

    هذه الجماعات لا تزيد على أن تخدع نفسها بالأماني، وتضل نفسها بالآمال، وتستجيب للغرور كما يستجيب له الأطفال، ثم تعود إلى اللهو الباطل كما يعود إليه الأطفال. وهي مع ذلك لا تحتفل بالهجرة؛ لا تزيدها جلالًا، ولا تغض من قدرها بهذا اللعب؛ لأنها أرفع شأنًا وأعظم خطرًا وأسمى مكانًا من أن يبلغها لعب اللاعبين وغرور المغرورين.

    فلم تكن الهجرة كلامًا يقال الآن ليُنسَى بعد حين، ولم تكن الهجرة تمثيلًا يُعرَض على النظارة ليلتهوا به حين يُعرَض عليهم، ثم يكون الانصراف عنه والنسيان له بعد ذلك بوقتٍ يقصر أو يطول.

    وإنما كانت الهجرة حدثًا خطيرًا، لم تشهد الإنسانية مثله من قبل أن يكون، ولا يُنتظَر أن تشهد الإنسانية مثله بعد أن كان حدثًا خطيرًا، لم يُقدِم عليه الإنسان بدافع من نفس الإنسان، وإنما أقدم عليه النبي — صلى الله عليه وسلم — بأمر من الله ووحي من السماء.

    حدثًا خطيرًا لم تنقضِ آثاره القريبة والبعيدة لمجرد وقوعه، أو بعد وقوعه بالأعوام أو بعشراتها أو بمئاتها، ولكنها لن تنقضي حتى يرِث الله الأرضَ ومَن عليها.

    وهل من أجل هذا لا يمكن ولا ينبغي أن يكون الاحتفال بها كلامًا يقال وحركات تُعرَض؛ كلامًا تنطق به الألسنة وتتلقاه الآذان، وحركات تأتي بها الأجسام وتتلقاها العيون؟ وإنما الاحتفال بالهجرة إيمان يستقر في القلوب فيملؤها نورًا، ويقين يبلغ أعماق الضمائر فيملؤها نقاءً، وثقة تستأثر بالنفوس فترفعها عن الدنيات، وليس هذا كله من الكلام والحركات في شيء.

    إنَّ النَّبيَّ حين هاجر لم يتكلم، ولم يُلْقِ خطبًا طوالًا ولا قصارًا، ولم يعرض على أصحابه وأعدائه حركات تُسحِر العيون وتُبهِر الألباب وتستهوي العقول، وإنما تلقَّى أمر ربِّه بالهجرة من تلك القرية الظالم أهلها، فأذعن للأمر، وأنبأ صاحبه وقَبِلَ مرافقته، وأمر ابن عمه أن يبيت في فراشه، وأن يتخذ برده، ثم خرج في الساعة التي أُذِنَ له أن يخرج فيها، فمر بالرصد القائمين حول بيته، الذين كانوا ينتظرون به أن يسفر الصبح فيقتلوه. مر بهم لم يستخف عنهم ولم يحتط منهم، ولم يهدئ من مشيئته، ولم يخافت بصوته، ولم يضائل من شخصه، وإنما خرج كما تعوَّد أن يخرج، ومرَّ كما تعوَّد أن يمر، وجعل يتلو آيةً من القرآن، ويضع على رءوس هؤلاء الرصد التراب، ثم مضى لغايته. لم يَرَوا شخصه، ولم يحسوا خطوه، ولم يسمعوا صوته، ثم لم يطيقوا أن يسهروا له إلى آخِر الليل، وإنما شملهم نوم عميق غليظ، ليس أقل عمقًا من جهلهم، ولا أقل غلظًا من حمقهم، فلما أصبحوا تبيَّن لهم أنهم قد مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

    وقد بلغ محمد دار هجرته بعد خطوب كلأه الله فيها بعنايته، وشمله برعايته، وصحبه في وحدته، وآنسه في وحشته، فلما بلغ المدينة لم يحفل بكلامٍ يقال ولا بحركاتٍ تُعرَض، وإنما بنى المسجد، فأسَّس في الأرض أول بيت خالص للدين الجديد، وآخَى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فأسَّس هذه الدولة الني نشرت في الأرض نورَ الدين الجديد.

    صبر على المحنة وصبر معه أصحابه عليها ثلاثة عشر عامًا قبل الهجرة، واستقبل العمل والإنشاء (كما نقول الآن)، واستقبلهما معه أصحابه عشرة أعوام بعد الهجرة. وكان في أثناء هذا الوقت الطويل القصير يبلِّغ رسالات ربه، ثم لا يقول بعد ذلك إلا حين يحتاج إلى القول، وكان أصحابه يتلَقَّون ما يبلغ إليهم من رسالات ربهم، ثم لا يقولون بعد ذلك إلا حين يحتاجون إلى القول.

    لم يتخذ هو ولم يتخذ أصحابُه القولَ غايةً يقصدون إليها، ويقفون عليها جهودهم، وينتهون إليها بعنايتهم، وإنما اتَّخَذَ القولَ، واتَّخَذَ أصحابَه وسيلةً إلى العمل الصالح كما أراد الله أن يكون.

    نعم، عمل وعمل أصحابُه في هذا الوقت الطويل القصير أكثر جدًّا مما قالوا؛ أنشئوا دولة ما زالت آثارها خالدة، وستظل خالدة إلى آخِر الدهر، لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تكون هناك سبيل إلى إحصاء الخلود. أعمال لا تُحصَى، وأقوال تُجمَع في مجلدات صغار، ثم يختاره الله لجواره، فيمضي أصحابه على سُنَّته، يعملون دائمًا ولا يتكلمون إلا قليلًا، فتكون الفتوح، وينتشر دين الله في الأرض، وتدخل الإنسانية في طور جديد من أطوار حياتها.

    حتى إذا كانت هذه الأيام من آخِر الزمان، تبيَّنَ أنَّ من الناس مَن يتَّخِذ القولَ وسيلةً إلى العمل، فيملأ القلوب رحمةً، والعقول علمًا، والأرض عدلًا، والدنيا نورًا، وأنَّ من الناس مَن يتعزى عن العمل بالقول، ويتلهَّى عن الجد بالهزل، ويتخذ من القول غايةً لا وسيلة، ويهمل العمل إهمالًا، فيملأ القلوب قسوةً، والعقول جهلًا، والأرض جورًا، والدنيا ظلامًا.

    كلا أيها السادة، لا تحتفلوا بالهجرة في المجامع والمحافل قبل أن تحتفلوا بالهجرة في القلوب والضمائر والعقول. إنْ كنتم تحبون الله ورسوله، وتؤمنون بما دعا إليه النبي قبل الهجرة وبعدها، فأقيموا في قلوبكم وضمائركم وعقولكم محاريب، يُذكَر الله فيها حين تمسون وحين تصبحون، وحين تنامون وحين تستيقظون، وتتمثل فيها الأسوة الحسنة التي عرضها عليكم الرسول قبل أن يهاجر وبعد أن هاجر.

    هنالك تجدون في قلوبكم رحمةً تعصم البائسين من البؤس، وتنقذ الأشقياء من الشقاء، وهنالك تجدون في ضمائركم نقاءً يرتفع بها عن الصغائر والدنيات، وهنالك تجدون في عقولكم نورًا يبيِّن لكم أن سوق العدل والبر والإحسان هي الرابحة، التي لا يتعرَّض أصحابها إلى بوار أو كساد. فأما ما أنتم فيه من كلام يُقال ليُنسَى، وحركات تُرَى لتُهمَل، وغرور لا يرضي الله وإنما يرضي الشيطان؛ فانظروا، أتريدون أن ترضوا الله، أم تريدون أن ترضوا الشيطان؟!

  • جنون! | Madness!

    جنون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٣ مايو ١٩٤٧

    تحدثتُ في غير هذا المَوضع عن قصة لكاتبٍ عظيم من كُتَّاب تشكوسلوفاكيا هو «فرانز كفكا»، وهي قصة «القصر». وكنتُ أظنُّ كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والبَاحثين أنَّ الكاتب قد اتَّخَذَ قِصَّتَهُ رَمْزًا لمُشكلة من المُشكلات العُلْيَا؛ هي مُشكلة الاتصال بين الإنسان وخَالِقِه. فالقصر قائم على ربوة مُرتفعة تنبسِط تحتها قرية مُنتشرة في أسفل الأرض، وليس من سبيل إلى أنْ يَصِلَ عامَّة الناسِ إلى هذا القصر، وإنَّما يَهبِط إلى القرية بعض الموظفين بين حينٍ وحين، ويصعب لقاء هؤلاء الموظفين على أهل القرية، ولا يرقى إلى القصر من أهل القرية إلا رُسُلٌ قليلون لا يزيد عملهم على نقل الأوامر بين القصر والقرية. وقد أقبل رجل من مكان بعيد على أنه قد عين مَسَّاحًا في هذه القَرية، ولكنه يُنفق خلاصة عمره دون أن يتسلَّم عمله، ويَبْذُل جهودًا لا تنقضي دونَ أنْ يَرْقى إلى القَصْر ليَتَسَلَّم عَمَله، أو دُون أن يَتَّصِلَ بأحد الموظفين الذين يهبطون بين حين وحين من القصر، لعله يجد عند هذا الموظف معونة على تسلُّم عمله!

    وكنت أظن كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والباحثين أنَّ هؤلاء الموظفين الذين يستقرون في القَصر أو يهبطون إلى القرية بين حين وحين، إنَّما هُمْ رُموز للوسطاء الذين يُحاولون أنْ يَصِلُوا بين المَخْلُوق وخَالقه دون أن يبلغوا من ذلك شيئًا، ولكنَّ نظرة يسيرة إلى بعض الشئون في حياتنا المِصرية قد لفتني إلى أنه وإن يكن من الجائز أنَّ الكاتب قد أراد بقصته إلى الرَّمز، ولكن من المُحقق أنه قد صوَّر في قصته ألوانًا من حقائق الحياة في بعض البلاد التي تتعقَّد فيها البيروقراطية، وتختلط فيها شئون الإدارة، وتتسلَّط فيها جماعة قليلة من كبار الموظفين على جماعة ضخمة من صغار الموظفين، ويتسلَّط فيها أولئك وهؤلاء على شعب كامل، يُرُونَهُ النجوم في الظهر، ويذيقونه من العذاب فنونًا وألوانًا!

    ويَكْفِي أنْ تَذْهَب إلى دِيوان من دواوين الحُكومة في يومٍ منَ الأَيَّام العَادِيَّة؛ لترى ازدحام الديوان بطلاب الحاجات وأصحاب المصالح، وتجمعهم على أبواب الغُرُفات والحُجُرات، ولتَرَى من وراء أبواب هذه الغُرُفات والحجرات مُوظفين هادئين مُطْمَئنين، يُداعب بعضُهم بعضًا، ويتحدث بعضهم إلى بعض في أمورٍ ليس بينها وبين هذه الجماعات المُزدحمة صلة قريبة أو بعيدة.

    ولتراهم ينفقون اللحظات الطوال والقصار يقولون للتليفون ويسمعون منه، وهم في أثناء هذا كله يُقْبِلون على البارد والحار من شرابهم، ويستعينون على قطع أوقاتهم بتدخين السيجارة أو تدخين السيجار، والجماعات مُزدحمة مُصطخبة يشكو بعضها إلى بعض، والحُجَّاب يحولون بينها وبين الأبواب، بحيث تشهد في هذا الديوان عالمين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف: عالم الموظفين الذي يأتلف من الآلهة وأنصاف الآلهة وأثلاثهم وأرباعهم، بل من أخماسهم وأسداسهم؛ وعالم الرعية الذي يأتلف من عباد الله البائسين؛ أولئك الذين يُؤدون الضرائب ويرزُقُون هؤلاء الموظفين جميعًا من جر أموالهم وثمرة أعمالهم، دون أن يستطيعوا أن يصلوا إليهم ليعرضوا عليهم ما يهمهم من المآرب والحَاجَات، فإذا ذهبت إلى هذا الدِّيوان في بعض المَواسم الخَاصَّة التي تظهر فيها حاجات الناس عنيفة مُلِحَّة كمواسِمِ دخول المَدارس مَثلًا لرَأيتَ الفَرْقَ بين هذين العالمين مروعًا خطيرًا حقًّا!

    وهذا وحده يكفي لتصوير لونٍ من ألوان الفساد في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين؛ ولتصوير ما نستطيعُ أنْ نُسَمِّيه قلب الأوضاع، وتبديل قيم الأشياء؛ فالرَّعية هي التي تعمل وتجدُّ وتنتج وتملأ خزانة الدولة بما تؤدي إليها من الضرائب المُباشرة وغير المباشرة، وتتيح للدولة في أن ترزق الموظفين في آخر كل شهر. والرَّعية هي التي أنشأت الدولة إنشاءً، وجعلت لها حُكُومة ومُوظفين، وقَصَدَتْ بإنشاء الدَّولة وتكون الحكومة وترتيب الموظفين، إلى أنْ يكون الحُكَّام والموظفون عامة خدامًا لها، يُدَبِّرون أَمْرَها، ويَقْضُون مَصَالحها، ويُحققون منافعها، ويَسْمَعون لها إذا تكلَّمت، ويأتمرون بأمرها إذا أمرت، في حدود ما وضع من نظم وقوانين … ولكن الأوضاع تُقلب، والقيم تبدَّل، فيُصبح الموظفون سادة، وتُصبح الرَّعية عَبيدًا، ويتَحَكَّمُ المُوظفون في الشعب تَحَكُّمًا لا يصدر إلا عن السيد في تلك العصور القديمة التي كان النظام فيها يقوم على أنَّ الدولة لا تستَمِدُّ سُلطانها من الشعب، وإنَّما تستمده من الله.

    ولكن في الأمر ما هو أغرب من هذا كله، وأدنى إلى الطرافة التي لا أدري أتسر هي أم تسوء! فطبقة الموظفين لا تقسو على الشعب وحده، ولا تسخر من الشعب وحده، وإنما يقسو بعضها على بعض، ويسخر بعضها من بعض، ويهمل بعضها أمر بعض، وتنظر فإذا بعض الموظفين سادة وبعضهم الآخر عبيد، وإذا السادة من الموظفين يتحكَّمون في العبيد منهم كما يتحكَّم أولئك وهؤلاء في طبقة ثالثة مُستعبدة لأولئك وهؤلاء؛ وهي طبقة الشعب!

    هذه الطائفة من كبار الرؤساء لم يجعل القانون إليها أمور الشعب وحده، وإنما جعل إليها أمور المرءوسين الذين يُعاونونها على خدمة الشعب؛ فهِي التي تَخْتَارُهم وتضَعهم في مواضعهم، وتَكِلُ إليهم أعمالهم المُختلفة، وتكافئهم إن أحسنوا وتُعاقبهم إن أساءوا. وهي من أجل ذلك تَتَحكم فيهم كما تتحكم في الشعب، وتُغريهم بالتحكم فيمن دونهم من المُوظفين كما تتحكم هي فيمن دونها من الموظفين.

    ويَكفي أن تتحدث إلى هذا المُوظف أو ذاك، أو أنْ تَسْتَمع للموظفين وهم يتحدثون في مَكاتبهم وأنديتهم وقهواتهم؛ لتتبيَّن مقدار ما يكون من التحكم بين طبقات الموظفين، ولتتبين أنْ لا غرابة مُطلقًا في إهمال مصالح الشعب، وإنما الغرابة كل الغرابة في العناية بمصالح الشعب؛ لأنَّ كبار الموظفين وصغارهم مُشغولون بأنفسهم عن الشعب، ولأنَّ الوسائل أصبحت غايات، فلم يبقَ الموظف خادمًا للشعب، وإنما أصبحَ خَادمًا لرئيسه أولًا، ومعنيًّا بنفسه ثانيًا، ومُستخدِمًا لمن دونه ثالثًا!

    وكبار الموظفين يترضَّوْنَ الوزراء، وأوساط الموظفين يترضون كبارهم، وصغار الموظفين يترضون أوساطهم، والحُجَّاب والخدام يترضون الصغار والأوساط والكبار جميعًا.

    فإذا بقي لهؤلاء الموظفين شيء من وقت رَفَّهوا فيه عن أنفسهم، وتَحَدَّثوا فيه بما يهمهم من الأمر، وقد يتَفَضَّل بعضُهُم فيُعْنَى بمصلحة الشعب من حين إلى حين!

    وإذا كانت هذه الحال؛ فأي غرابة في أنْ تُوجد بين الموظفين طبقة المنسيين، وأي غرابة في أن تقرأ في الصحف منذ أيام أن مُوظفًا في وزارة الزراعة قد وقف عن عمله منذ ست سنين، وكُفَّ عنه مُرتبه منذ ست سنين أيضًا، ولم يُقْضَ في أمره إلى الآن، على ما كان من تَعاقُب الوزارات، وعلى أنَّ لهذا الموظف أُسرة يَجبُ أن تعيش، وأبناء يجب أن يتلعموا، وحياة يجب أن تحتمل؟!

    وأي غرابة في أن يعود موظف من مُهِمَّة كان يُؤديها خارج مصر، وينتظر منذ أكتوبر إلى الآن دون أنْ يُقال له أين أنت أو ماذا تصنع، ودون أن يكلَّف عملًا من الأعمال على كثرة إلحاحه في أن يكلَّف بعض العمل، وعلى كثرة تردده على مكاتب الكبار والأوساط والصغار من الموظفين؟!

    قوم لا يعملون، ولكنهم يترددون إلى المكاتب، ويقبضون المرتبات، ويُشغَلون بأنفسهم عن مصالح الشعب، وقوم لا يعملون، ولكنهم يقبضون مرتباتهم آخر الشهر … ومنهم من يرضى بذلك ويحمد الله على هذا الرزق الذي يُساق إليه في غير جهد، ومِنْهُم من يَذُوب قلبه حَسْرَةً لأنَّه يريد أن يعمل بمقدار ما يأخذ من أجْرٍ فلا يجد عَمَلًا! وقومٌ آخرون لا يَعْملون ولا يقبضون المُرتبات ولا يجدون ما ينفقون ولا يُخلى بينهم وبين التماس العمل؛ لأنهم موقوفون، قد علقوا بين الولاية والعزل تعليقًا!

    وهذا كله يقع، تراه الأعين وتسمعه الآذان، وتلمسه الأيدي، وتفكر فيه العقول، وتتحدث به الألسنة، وفي مصر مع ذلك برلمان يُهيمن على شئون الدولة، ويُراقب السلطة التنفيذية فيما تأتي وما تدع!

    فإذا كان هذا كله لا يدلُّ على أنَّ مصر قد جُنَّ جُنونها، وأصبحتْ في حاجة إلى البيمارستان، فلستُ أدري ماذا عسى أن يكون الجنون؟!

  • إقطاع | Feudalism

    إقطاع
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ مايو ١٩٤٧

    لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.

    هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.

    أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.

    ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!

    فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.

    هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!

    فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!

    ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!

    ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!

    والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!

    ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.

    نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!

    فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!

    وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    والشيخ إن قومته من زيغه لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى!