Tag: النهضة الفكرية

  • أثر الجامعة المصرية القديمة في حياة مصر الحديثة | The Influence of the Old Egyptian University on Modern Egyptian Life

    أثر الجامعة المصرية القديمة في حياة مصر الحديثة
    طه حسين
    جريدة وطني
    ٢٥ يناير ١٩٥٩

    كان إنشاء الجامعة المصرية الأولى ضرورة لم يشعر بها إلَّا الأقلون من المصريين الذين عرفوا الغرب قليلًا أو كثيرًا.

    كان بعضهم قد درس في جامعاته، وبعضهم قد تردد عليها واختلف إلى بعض دروسها، وهؤلاء وحدهم هم الذين أحسُّوا أن الجامعة ضرورة من ضرورات الحياة في مصر؛ إذ كانت مصر تطمح إلى الحرية وتضيق بالاحتلال البريطاني، وتكره أشد الكره ما بقي من أعقاب الحكم التركي العثماني.

    كانت تطمح إلى هذا كله بغريزتها التي لم تطمئن في يوم من الأيام إلى الحكم الأجنبي على طول ما حكمها الأجنبي منذ عصور بعيدة جدًّا في التاريخ. ولكنها كانت تقاوم هذا الحكم الأجنبي بغريزتها، تصطنع في مقاومتها القوة إن أتيحت لها، والكلمة اللاذعة السائرة في الآفاق التي نسمِّيها النكتة في هذه الأيام إن لم تجِد إلى القوة سبيلًا.

    ولم يكُن لها سبيل إلى هذه القوة في العصر الحديث؛ لأن أسلحة المتسلطين عليها لم تكُن ميسَّرة لكل إنسان، ولم تكُن تتاح إلَّا للسلطان المنظم الذي يأوي إلى ركن شديد.

    وكانت كل مقاومتها نقدًا لاذعًا للظالمين من حكَّامها. ولم يكُن سبيل إلى أن تسلك الطريق إلى حريتها إلَّا إذا تحررت عقول أبنائها وفَتحت عليها آفاقًا كانت لا تزال مغلقة. وكان التعليم الذي يُتاح لأبنائها في أول هذا القرن لا يُحرِّر عقلًا ولا يهذب خُلُقًا ولا يضفي عليها آفاقًا كانت لا تزال مغلقة.

    كان كلامًا يُحفظ ثم يُرد على الذين قالوه حين يؤدَّى الامتحان، وكان التلاميذ يخرجون من مدارسهم وقد حفظوا أشياءَ لا تبلغ قلوبهم ولا تذكي عقولهم، وإنما تجعل منهم أدوات تغدوا على الدواوين، فتؤدي أعمالًا آلية ثم تروح إلى الدور فتصيب شيئًا من طعام وحظًّا من نوم، ثم تمسي إلى الأندية والقهوات فتعبث وتلهو بمقدار ما يتاح لها العبث واللهو.

    من أجل هذا كله أحستْ قِلَّةُ المثقَّفين الذين عرَفوا الغرب قليلًا أو كثيرًا حاجة هؤلاء الشباب من المصريين إلى ما يذكِّي عقولهم، ويحيي قلوبهم، ويفتح عيونهم على حقائق الحياة التي يحياها من حولهم، والتي يأخذون هم منها بأيسر الحظوظ وأهونها شأنًا.

    فدَعَوْا إلى إنشاء الجامعة، وبلَغوا من إنشائها بعض ما كانوا يريدون. وبدءوا بإنشاء الكلية التي هي أقرب إلى العقول، وأجدر أن توصِّل بعض المعرفة الجديدة إلى القلوب، وهي كلية الآداب. كان أكثر الذين استجابوا لدعوتهم مقلِّدين لا يحققون معنى الجامعة في أنفسهم، وإنما قال لهم قادتهم إنها الوسيلة الصحيحة إلى الحرية، فقبلوا وأمنوا واستجابوا. وفي ذات عام من الأعوام دُعيَ الشباب إلى دروس الجامعة، فاستجابوا مشغوفين مشوقين، وإذا المئات الكثيرة منهم تختلف إلى قاعات الدروس والمحاضرات، فتسمع أشياءَ لم يكن يخطر لها أن الناس يمكن أن يتحدثوا بها، وتفتح لهم الأبواب على حضارتهم المصرية القديمة ليذوقوا في أعماق قلوبهم معنى هذا الآثار القائمة في بلادهم، والتي كانوا يَرَوْنَهَا فلا يقع في نفوسهم منها شيء. وتفتح لهم أبوابًا على أصول الحضارة العربية، وأبوابًا أخرى على ألوان من الأدب الأجنبي كانوا يسمعون أطرافًا من الحديث عنها، ولا يذوقون ممَّا يسمعون شيئًا.

    ولا تقف الجامعة عند فتح هذه الأبواب للشباب المصريين، ولكنها ترسل أفرادًا منهم إلى بلاد الغرب؛ ليدرسوا فيها العلم والأدب وفنون التاريخ درسًا حرًّا في أرقى الجامعات وأبعدها صوتًا، لا تقيِّدهم الجامعة في دراستهم بتلك القيود الثِّقَال التي كان المحتلون يفرضونها على من يرسلونهم إلى الجامعات البريطانية.

    ولا تمضي أعوام على إنشاء الجامعة في مصر حتى ينظر الشباب، فإذا ألوان جديدة كل الجِدَّة من العام تُعرض عليهم، فهذا أستاذ يعلمهم قراءة الهيروغليفية، وهذا أستاذ آخر يعلمهم مرة لغةً تسمى اللاتينية ولغة تسمى اليونانية القديمة، وهم يسمعون هذه الدروس ويكبرونها أولًا لأنها جديدة، ويحبونها بعد ذلك لأنها تلذهم. وإذا جيلٌ جديدٌ من الشباب قد أخذ يعرف ما لم تعرفه أجيال الشباب المصريين من قبله.

    وإذا كان المصريون قد ثاروا بالإنجليز في أعقاب الحرب العالمية الأولى مستجيبين لغريزتهم تلك التي تأصلت في نفوس أجيال مصر منذ فتحها الفرس إلى هذه الأيام، والتي دفعتهم دائمًا إلى مقاومة السلطان الأجنبي، والمُضِيِّ في مقاومته حتى يتمصر أو يزول. أقول: إذا كان المصريون قد استجابوا لهذه الثورة بغريزتهم تلك، فليس من شك في أن هذه الثورة قد استتبعت نهضة في الحياة العقلية، فكثُر الإنتاج الأدبي في الصحف أولًا وفي الكتب والمجلات ثانيًا، وكثر الجدال حول القديم والجديد في الأدب وفي غير الأدب، وكثر الجدال في الديمقراطية الحرة والديمقراطية المقيَّدة، وعرَفت مصر في هذه الأعوام التي جاءت بعد الثورة حرية عقلية لم تعرفها من قبلُ.

    فالجامعة المصرية القديمة هي وحدها مصدر هذه النهضة التي حررت العقل المصري من قيود المحافظة الشديدة أولًا، ومن قيود الخوف والفَرَق والإشفاق من بطش السلطان ثانيًا.

    والجامعة المصرية وحدها هي التي دفعت بعض المصريين إلى أن يكتبوا في أشياء لم يكُن المصريون يكتبون فيها من قبلُ، كالذي كان حين أقدم الأستاذ علي عبد الرازق على الكتابة في الإسلام وأصول الحكم، وعلى مهاجمة الخلافة وإثبات أنها منصب سياسي لا صلة بينها وبين الدين، وأن المسلمين أحرار ينظمون الحكم في بلادهم كما يشاءون، لا يطلب إليهم الدين إلَّا أن يكون حكمهم قائمًا على العدل والرعاية الصادقة لمصالح الشعب.

    وكذلك ازدهرت الحياة المصرية العقلية في تلك الأعوام بفضل الجامعة المصرية. وأشدُّ منها أثرًا في الحياة المصرية أن الجامعة فرضت نفسها على الشعب والحكومة معًا، وأشعرتهما بأن مصر لا تستطيع أن تعيش بغير جامعة، وبغير جامعة تنفق عليها الدولة في غير ضيق ولا حرج، وفي غير بخل ولا إمساك.

    ولم يَكَدْ هذا القرن يبلغ رُبعه الأول حتى استجاب الشعب والحكومة معًا لهذه الدعوة، وإذا الجامعة الشعبية تستحيل إلى جامعة حكومية، ثم تتسع وتتسع حتى تشمل التعليم العالي كله، ثم تخصب وتخصب حتى تنشأ في مصر جامعات ثلاثًا في الإسكندرية وعين شمس وأسيوط قبل أن يمضي على إنشائها خمسون عامًا.

    ثم لا تكتفي بذلك، ولكنَّ خريجيها وخريجي الجامعتين الأخريين في الإسكندرية وعين شمس يسيطرون على الحياة المصرية في جميع فروعها. فليس في مصر لون من ألوان النشاط الآن إلَّا والمشرفون عليه المدبِّرون له قد تخرجوا في إحدى هذه الجامعات.

    فأثر الجامعة المصرية القديمة في الحياة المصرية الحديثة — وهو هذا الذي نراه والذي وصفتُه — إن دل على شيء فإنما يدل على أن تلك البَذرة التي بَذَرها أولئك المثقفون القليلون في أول هذا القرن لم تلبَث أن أصبحت شجرة عظيمة طيبة أصولها ثابتة وفروعها في السماء، تُظِلُّ مصر كلها وتُظِلُّ معها بلادًا عربية كثيرة.

    وانظر، هل تجد بلدًا عربيًّا في الشرق والغرب يخلو من جامعي مصري يعمل فيه نوعًا ما من أنواع العمل الخصب؟

  • قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل | Our Arab Nationalism Between Past, Present, and Future

    قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٥٩

    الأمة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كانت في العصر الجاهلي مختلفة أشدَّ الاختلاف، قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب. ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي إلا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة، وإنما الذي استطاع أن يؤلِّف شيئًا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يكد ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الأمة العربية كلها في جميع أطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية، فكان الشاعر العربي إذا أنشأ قصيدة وأنشدها في نادٍ من الأندية، فَهِمها عنه الناس مهما تكن قبائلهم، ومهما تكن لهجاتهم أو لغاتهم الخاصة، ثم لم يكتفوا بفهمها، وإنما كان الرواة يتناقلونها عن الشاعر. وكانت القصيدة لا تكاد تُنشَد حتى تَشِيع في الجزيرة العربية، ويحفظها كثير من الرواة في الأقطار المختلفة من أقطار الجزيرة. فأول توحيد للعقل العربي إنما جاء من هذه الناحية، من هذا اللسان الذي أتاح للغة العربية في العصر الجاهلي أن تكون لغة اجتماعية، وأن تكون لغة تستطيع القبائل — على تباعدها واختلافها وخصومها — أن يفهم بعضها البعض، وأن يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر. فالمكوِّن الأول في المحاولة لإيجاد وحدة لهذه القبائل العربية، إنما هو الأدب، والشعر من الأدب بنوع خاص؛ لأنه هو الذي سبق إلى الوجود، ولم يوجد أخوه النثر إلا بعد عصور تطاولت كثيرًا.

    مَتَى تكونت القومية العربية؟ والقومية العربية، إذا أردنا أن نَعْرِف متى تكونت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية، فينبغي أن نرد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكوِّن الحقيقي للوحدة العربية بجميع أنواعها وفروعها: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضًا، إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن، ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلُّون من أصحابه، وجعل الأقلون يَكْثُرُون شيئًا فشيئًا؛ حتى كانت الهجرة، وحتى أُسِّسَتْ أول مدينة إسلامية، أو بعبارة أدق: أول مدينة عربية منظمة عرفها التاريخ. ولا أذكر اليمن القديمة؛ لأني لا أكاد أعرف من حضارتها ونظمها شيئًا، وإنما المدينة الأولى التي عرفها التاريخ والتي تكونت فيها النواة الأساسية للقومية العربية، هي مدينة «يثرب» بعد أن هاجر النبي إليها مع أصحابه من «قريش». ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها — من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من أيسر الأشياء أن يتخطَّفها العرب من حولها، لولا أن الله أيَّد رسوله وأيَّد المدينة برسوله من هذه الوحدة؛ جعل الاتحاد العربي ينمو قليلًا قليلًا، باللين حينًا، وبالعنف والشدة حينًا آخر، ولم ينتقل النبي إلى جوار ربه إلا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها المنَظِّمون والمنَظَّمون أيضًا، الذين لا يستأثرون على أحد ولا يؤثرون أنفسهم بخير، وإنما هم خَدَم للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم. وبعد أن أتم النبيُّ توحيدَ الأمة العربية ونَهَضَ خلفاؤه من بعده، جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأول هذه الأقطار التي انتشرت أو التي تجاوزت العروبة جزيرتها إليها ينبغي أن نلاحظ أنها كانت أقطارًا قد استعربت شيئًا ما في العصر الجاهلي. فأول ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون أن ينشروا الإسلام ويدعون إلى دين الله، ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان الشام قد استعرب قبل الإسلام، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب، حيث كان الغسانيون يُقيمون، بل إلى داخل البلاد الشامية، وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الإسلام، وتأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر، وهي حياة الروم، وتديَّنت بالدين الذي كان الروم يدينون به؛ وهو النصرانية. والعراق كان أيضًا قد سبق إليه العرب في الجاهلية، وتأثروا إلى حد ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة، وتأثَّروا إلى حد ما بسياسة الفرس، الذين ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان العرب حماةً لحدود الإمبراطورية الرومانية في الشام وحماةً لحدود الإمبراطورية الفارسية في العراق. ولم يكن الفتح الإسلامي في أول أمره إلا يسيرًا عندما التقى بالعناصر المستعربة في الشام وفي العراق، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة، واهتم الروم من جهة أخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفَّق على الشام والعراق، أصبحت القومية العربية أمام واجب خطير، وهو أن تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين: الإمبراطورية البيزنطية في الشام، والإمبراطورية الفارسية في العراق.

    انتصار القومية العربية هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين؛ في الشام وفي العراق، ولكنها لم تقف عند هذا الحد؛ وإنما تجاوزته إلى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل، تجاوزتها إلى مصر في المغرب، وتجاوزتها إلى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق، وانتصرت على الروم في مصر، كما انتصرت على الفرس في بلادهم وأدالت دولتهم، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمالي أفريقية. واستقرَّت العروبة في شمالي أفريقية بعد خطوب شداد، ثم تجاوزت أفريقية إلى القارة الثالثة التي لم يكن العرب يعرفونها قبل الإسلام وهي القارة الأوروبية، ففتحت الأندلس، واستقر العرب في إسبانيا كما استقروا في أفريقية، وكما استقروا في شرق الدولة الإسلامية في بلاد الفرس، ووصلوا إلى أطراف الهند … منذ ذلك اليوم تعقَّدت القومية العربية، لم تصبح أمة تعيش في وطنها الذي نشأت فيه خالصًا لها هذا الوطن، وخالصة هي لهذا الوطن؛ وإنما أصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها ونزلت إلى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي، ولم تكن هذه الأوطان والبيئات تعرف عنها إلا الشيء القليل. وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية، هو أنها عندما استقرَّت في هذه البلاد التي افتتحتها، وحاولت أن تستقر فيها عندما أُتيح لها هذا النوع من الاستقرار لم تكتفِ به، ولم تكتف بأن تستقر في الشام حكومة متسلِّطة، أو في العراق حكومة متسلطة، أو في بلاد الفرس كذلك. لم تكتف بامتلاك الأرض، ولم تكتف بإخضاع الناس للسلطان؛ لأنها لم تكن تريد أن تملك الأرض، ولم تكن تريد أن تُخضِع الناس بسيطرة سياسية فحسب، وإنما كانت غايتها — قبل كل شيء — أن تملك القلوب، وأن تسيطر على الضمائر، وأن تدخل في أعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، وبشرط أن يكون هذا كله دون إكراه أو عنف، وإذن ينبغي أن يأتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة، بل من غير محاولة في أكثر الأحيان. فبعد أن غلب المسلمون، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم، ولم يفرضوا عليها دينهم؛ لأنهم اكتفوا منهم بالأصول التي قررها الإسلام، وهي: الإسلام لمن أراد أن يسلم عن رضًا، أو أداء الجزية. وفي نصف القرن الأول — أي قبل أن يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلًا — كان بعض الفرس قد أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها، وأخذوا ينافسون العرب في الشعر العربي نفسه، ووجد في أيام بني أمية شعراء يقولون الشعر كأفصح ما يكون الشعر في اللغة العربية، وأصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية إلا بعد أن أسلموا، وبعد أن قاموا مجاورين للعرب في بلادهم أو في جزيرة العرب نفسها. ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر إلى القومية العربية فنرى عجبًا من العجب، نرى مهد القومية العربية قد هُجر أو كاد يُهجر، ونرى الجزيرة العربية قد عادت إلى بداوتها القديمة، وظلت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يدرس فيهما من الدين والعلم. ولكن البيئات القديمة البدوية في نجد عادت إلى بداوتها، وعادت إلى شيء كثير من عزلتها القديمة، وكادت الصلة تقطع بينها وبين البلاد الأخرى، وإذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها، وإنما هي — قبل كل شيء — في هذه البلاد التي فُتحت، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الأصليين. ومعنى هذا خطير كل الخطورة، فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدًّا، وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية، وكانت للشام لغات سامية، وكذلك في العراق وفي الجزيرة، وكان المصريون يتكلمون لغتهم القبطية. وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية، ولغة السياسة والثقافة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية، ولغة الثقافة والسياسة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية.

    قوة اللغة العربية وننظر في أواخر القرن الثاني، فإذا كل هذه اللغات قد تركت أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية؛ فالفرس يتكلَّمون العربية ويكتبونها، ويُزاحِمون العرب أنفسهم فيزحمونهم، وإذا الفرس هم الذين يضعون كتب النحو العربي وأصوله، وإذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها، ويشاركون العرب في هذا كله ويغلبونهم عليه أحيانًا، واللغات السامية التي كان الناس يتكلمونها في سوريا ويتكلمونها في الجزيرة ويتكلمونها في العراق، عادت كلها إلى الأديرة، وأصبح الناس يتكلَّمون اللغة العربية، واللغة العربية بطبيعتها أصبحت لغة السياسة ما دام الحكام عربًا، ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث أن أصبحت لغة للثقافة والعلم أيضًا. وإذن هناك قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام، لم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص، وإنما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد، فأنشأ الإسلام إذن أمة جديدة، وجعل هذه الأمة عربية: عربية اللغة، عربية التفكير والشعور، عربية الحضارة، عربية العلم والثقافة والأدب. ومن غريب الظواهر الأدبية في حياة هذه القومية الجديدة التي أنشأها الإسلام — والتي ألغى فيها الفروق بين الأجناس، وألغى فيها أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى — من أغرب الظواهر أن الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه، وأصبحوا هم ألسنة الأمة العربية بمعناها الجديد، لم يكن منهم شاعر عربي خالص؛ كان بعضهم فارسيًّا، وبعضهم نبطيًّا، وبعضهم يونانيًّا. لم يكن منهم شاعر عربي خالص، وإنما كانوا جميعًا من هذه الأمم التي استعربت وأعربت عن شعورها القديم، وعن عقولها القديمة، وعن وجدانها القديم في الشعر العربي، والعقل العربي، والوجدان العربي. وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نسميه الآن بالشرق العربي، وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة. ولكنها لم تستطع أن تمحو هذه اللغات الوطنية، فظل المصريون يتكلَّمون لغتهم القبطية، وظل أهل الشام يتكلَّمون لغتهم السامية الآرامية، وظل أهل الجزيرة والعراق كذلك، وكانت اللغة اللاتينية سائدة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا، ولكنها لم تستطع أن تقهر لغة البربر في شمالي أفريقية، ولا أن تقهر الإسبانيين على أن يتركوا لغتهم الوطنية الأولى. ولكن اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية، وقهرت معها اللغات الوطنية أيضًا، وقهرت اللاتينية في المغرب، وقهرت اللغة الفارسية أربعة قرون تقريبًا. كل هذا إن دل على شيء فإنما يدلُّ على قوة اللغة العربية، وقوة الطبيعة العربية، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل أو المؤثِّر الأول في انتشار العرب خارج جزيرتهم، ثم في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة. ومن المحقَّق أن البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث لا يمكن أن تكون حقًّا مؤلَّفة من عناصر عربية خالصة تُنسب إلى عدنان وقحطان؛ وإنما هي عربية بلغتها، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها، عربية بدينها، سواء أكان هذا الدين إسلامًا أم كان نصرانية، هي عربية بهذا كله، أثرت العروبة على غيرها، وأصبحت أمة عربية جديدة كَوَّنَهَا الإسلام وكوَّنها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكوَّنت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر.

    سماحة القومية العربية وأخص مزايا هذه القومية العربية أنها حرة ومتسامحة، وأنها مفتوحة الأبواب لا مغلقتها، وأنها متعاونة مع الذين يحبون أن يتعاونوا معها؛ فهي قبلت الثقافات الأجنبية في عصورها الإسلامية الأولى؛ قبلت الفرس والهند واليونان، وقبلت كثيرًا جدًّا من الثقافات السامية القديمة، ومن ثقافة المصريين القدماء، قبلت هذا كله وأساغته وجعلته عربيًّا، ثم لم تكتف بهذا ولم تستأثر به دون الإنسانية المتحضرة، ولكنها جعلت تنشر ما تستطيع أن تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعًا، فأثَّرت بثقافاتها الجديدة في الشرق: في الهند وفي بلاد الصين، وأثرت بثقافتها العربية الجديدة في أوروبا في الغرب، وفي أوروبا لم تؤثِّر بعلمها وفلسفتها فحسب، ولكنها أثَّرت بعلمها وفلسفتها، وأثَّرت بشعرها أيضًا، وهي التي علَّمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى أن يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا. هذه هي القومية العربية، كوَّنها — أو حاول تكوينها — الشعر أول الأمر، ثم كوَّنها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف ولا إكراه على العالم القديم، حتى احتلَّت مكانة الإمبراطورية الرومانية واحتلَّت مكان الدولة الفارسية. وهي الآن بعد أن عَدَتْ عليها الخطوب، وبعد أن ألحفت عليها الكوارث، وبعد أن ألح عليها التُّرْك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم، وبعد أن اضطُرَّت إلى الخمول وإلى الضعف؛ ظلَّت على الرغم من هذا كله محتفِظةً بقوميتها، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها. ظلت محتفظة بهذا كله، وقد عَرَضَتْ لها الخطوب المختلفة، فانقسمت وانفصل بعضها عن بعض ونشأت فيها دول، برغم هذا ظلت — وستظل — واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال.

    فضل الأدباء وإن كانت الأمة العربية قد أخذت الآن تنهض، وأخذت تعرف نفسها، وأخذت تعرف حقوقها وتعرف واجباتها؛ فالفضل في هذا كله إنما يرجع إلى الأدب وإلى الأدب وحده. ما الذي أنشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية؟ هو أنها التقتْ بالغرب، وعرفت حياة غريبة لم تكن تعرفها … كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فلم تكن تعرف الغرب ولا تكاد تسمع به، وكاد الغرب هو نفسه أن ينساها. اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر إلى أن تعرف أوروبا، فرأت ألوانًا من الحياة جديدة، وأرادت أن تعرف من هذه الحياة شيئًا؛ فجعلت تتعلَّم اللغات الأوروبية، وإذا هي تعرف المطبعة، ولم تكد تعرف المطبعة حتى ذكرت أن لها كتبًا قديمة مكدسة في المساجد وفي الكنائس وفي الأديرة، وإذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب، وكان إحياء الأدب العربي القديم بفضل المطبعة، وكان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة ضمن هذين التيارين، نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية، ومَن الذي أنشأها؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلموا، والذين كانوا يقرءون الكتب القديمة وينشرونها، ويتعلَّمون اللغات الحديثة ويترجمون منها، والذين كانوا يُذيعون العلم والأدب في بلادهم وفي البلاد المجاورة. ومَن هؤلاء القوم؟ ومَن هؤلاء الناس؟ إنهم هم طليعة الأدباء المعاصرين.

  • خطاب الدكتور طه حسين بك | The Address of Dr. Taha Hussein Bey

    خطاب الدكتور طه حسين بك
    طه حسين
    مجلة الحديث
    فبراير ١٩٤٣

    مولاي صاحب الجلالة:
    أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.
    هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.
    لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.
    لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.
    ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.
    وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.
    لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.
    فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.
    ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.
    وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.
    وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:
    على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
    ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.
    وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.
    ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.
    وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.
    أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.
    والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.
    وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.
    بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.
    أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين.

  • تنظيم النهضة | Organizing the Renaissance

    تنظيم النهضة

    طه حسين

    مجلة مجلتي

    ١ يونيو ١٩٣٦

    ولست أريد إلَّا النهضة العقلية، فهي التي أستطيع أن أتحدث عنها مع بعض العلم بشيءٍ من شئونها، وهي فيما أظن قوام غيرها من أنواع النهضات مهما تختلف. فالحضارة الإنسانية الآن أثرٌ من آثار العقل، ومظهر من مظاهر النشاط في الإحساس والشعور والتفكير. ومعنى ذلك أنها تقوم على الثقافة أكثر مما تقوم على شيءٍ آخر، فإذا استقامت الثقافة استقامت الحضارة، وإذا انحرفت الثقافة عن طريقها المعقول انحرفت معها الحضارة أيضًا، وإذا ضعفت الثقافة شاركتها الحضارة في هذا الضعف. وعلى هذا النحو تستطيع أن تقيس حضارة الشعب بثقافته، كما تستطيع أن تقيس ثقافة الشعب بحضارته.

    والحضارة بناءٌ تقيمه الشعوب في أوطانها، وتقيمه الإنسانية في الأرض. فإذا كان العمَّال الذين ينهضون بإقامة هذا البناء مثقفين حذاقًا متقنين؛ كان بناؤهم متينًا جميلًا قريبًا إلى الخير والكمال، وإذا كانوا جهالًا غلاظًا مقصرين؛ كان بناؤهم مضطربًا واهنًا سيء الشكل، بعيدًا كل البعد عن أن يلائم جمالًا أو يُذكر بكمال.

    هذه أوليات نقولها فلا نقول شيئًا؛ لأن الناس جميعًا يعرفونها، ونجادل فيها فنضيع الوقت في غير طائل؛ لأن الناس جميعًا يؤمنون بها. ولكننا مع ذلك محتاجون إلى أن نعيدها من حين إلى حين؛ لأن الناس ينسونها أحيانًا، ولأن مصر بلد يحب أهله الجدال في الأوليات والمناقشة فيما لا يحتمل مناقشةً ولا خصامًا. وأنت تستطيع أن تنتقل مع الزمن في التاريخ، أو أن تنتقل مع أي شيءٍ آخر في الجغرافيا؛ فسترى دائمًا أن بين الحضارة والثقافة هذه الصلة المطردة التي أشرت إليها كارهًا. فإذا فكرنا في تنظيم النهضة العقلية أو تحدثنا عن هذا التنظيم، فإنما نفكر في ترقية الحضارة المصرية، ونتحدث عن إصلاحها، وأنا أريد أن أُكبر المصريين عن أن يغرهم بأنفسهم الغرور، وتملك عليهم الكبرياء أمرهم، ويخيَّل إليهم أن حضارتهم راقية لا تحتاج إلى ترقية، صالحة لا تحتاج إلى إصلاح، فهم إن قضي الله عليهم بهذه المحنة في تقديرهم لأنفسهم لا يزيدون على أن يقضوا؛ لأنهم قد بلغوا من الحياة أقصى ما يستطيعون أن يبلغوا، ولم يبق لهم إلَّا أن ينتظروا الفناء، ولست أزعم أن المصريين جميعًا معصومون من هذا الغرور أبرياء من هذه الفتنة.

    قد يكون في هذا الزعم شطط كثير، فمنَّا — والحمد لله على الخير والشر — قوم يؤمنون بأنهم قد بلغوا الغاية وانتهوا إلى أقصى الأمد، ويؤذيهم كل الإيذاء مثل هذا الحديث الذين نحن فيه، يظنُّون بصاحبه الظنون، ويتهمونه بالإثم في ذات الوطن، ويصمونه بالافتتان بما ليس مصريًّا، والإزدراء لما كان مصريًّا صميمًا.

    وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى غضب جماعة من الناس؛ لأني تحدثت في الراديو — أو في المذياع كما يريد المجمع اللغوي منذ حين — بأن لغتنا العربية كانت مثقفة في العصور الأولى؛ لأن أصحابها نقلوا إليها علوم الأمم الأخرى وأدبها، وهي الآن غير مثقفة لأننا لا ننقل إليها ما عند الأمم الأخرى من علوم وآداب. غضبوا من ذلك، ومن أنني قلت إن الذين يكتفون الآن من العلم والأدب بما تشتمل عليه لغتنا العربية لا يبلغون من الثقافة ما ينبغي للرجل في هذا العصر الحديث، فلا بدَّ لهم من أن يلتمسوا حظَّهم من الثقافة في لغة أوروبية حية، أو من أن تنهض الدولة فتترجم لهم هذه الثقافة ترجمة منظمة مطردة إلى اللغة العربية. غضبوا من هذا، وقالوا رمى أمته بالجهل، وعاب نصف المستنيرين فيها بالقصور، وزعم أن كل متعلم لا يحسن لغة أجنبية ليس مثقفًا، وحسبك بهذا إثمًا وحسبك به إسرافًا في النكر والشناع. وقال قائلهم: أقسم لئن دُعيت إلى الاختلاف إلى ما يلقى في الجامعة من دروس، وخيِّرت بين هذا وبين التعرض للشر، لآثرت الثانية على الأولى، ولأبيت أن أذهب إلى معهد فيه رجل يجهل العلماء، ويغض من قيمة أهل الفضل، ويجعل الثقافة رهنًا برطانة الأجانب لا بلغة الضاد.

    سأنسى أشياء كثيرةً قبل أن أنسى هذا الحديث الذي نُقِل إليَّ، وقبل أن أنسى حديثًا آخر ألقاه إليَّ صديق عزيز يلومني فيه لومًا رفيقًا؛ لأني زعمت أن الذين يلتمسون ثقافتهم في اللغة العربية، لا يجدون ما يكفيهم ولا ما يلائم حظَّهم الذي ينبغي لهم في القرن العشرين. ذلك أن طبقات ضخمة من المستنيرين في مصر لا تعرف لغة أجنبية، ولا تستطيع أن تلتمس فيها مزيدًا من علم أو أدب، فهي مضطرة إلى أن تكتفي بما تجده في لغتنا العربية، وما ينبغي لنا أن نصف هذه الطبقات الضخمة التي نحبها ونعطف عليها ونُكبر منها أفذاذًا يستحقون الإجلال والإكبار؛ بقلة الحظ من الثقافة الملائمة لهذا العصر. وإذن فينبغي أن نرضى بما قسم الله لنا، وألَّا نلتمس مزيدًا من خير ولا فضلًا من رقي. ولست أدري ماذا تكون الحال لو أننا سلكنا هذه الطريق نفسها في فروع حياتنا الأخرى، فقلنا إن نظامنا الاقتصادي على نقصه وعلى قعوده بكثيرٍ منَّا عن النهوض بجلائل الأعمال الاقتصادية لا يبتغي أن يُعاب ولا أن يُلتمس إصلاحه؛ لأن في ذلك عيبًا لكثير من المصريين الذين لا يحسنون من الشئون الاقتصادية إلَّا ما بعد العهد وطال عليه القدم، وأصبح غير ملائم لظروف العصر الحديث. وماذا تكون الحال لو قلنا مثل ذلك في حياتنا الاجتماعية، وماذا تكون الحال لو أشفقنا من الإصلاح وكرهنا الدعوة إليه؛ لأن كل دعوة إلى الإصلاح إنما هي إنكار لقديم يجب العدول عنه، وشكوى من نقص تجب البراءة منه. كلَّا إن الذين يضيقون بالدعوة إلى الإصلاح لا يضيقون بالإصلاح نفسه؛ لأنهم يطمحون إليه ويأخذون بأسبابه ويدفعون إليه دفعًا، ولكنهم في الوقت نفسه يحبون أنفسهم ويكبرونها، ويشق عليهم أن يلفتوا إلى ما ينقصهم، أو أن يُذكرهم مُذكِّر بما ينبغي لهم من كمال. وآية ذلك أن الأزهر الشريف مثلًا ينبذ نُظمه القديمة كلها نبذًا، ويستأنف حياة جديدة ليس بينها وبين قديمه القريب فضلًا عن قديمه البعيد صلة. ويُصدق كل ما أنبأناه به منذ أعوام طوال من أن في أوروبا علمًا يُمكن أن يُطلب، وفلسفةً يمكن أن تُدرس، وأدبًا يمكن أن يُحصَّل. وهو لا يكتفي بالتصديق بل يُجيبنا إلى ما دعوناه إليه منذ أعوام طوال، فيأخذ في السعي إلى تحصيل العلم الأوروبي والأدب الأوروبي والفلسفة الأوروبية. يُحصِّل شيئًا من ذلك في مصر، ويرسل جماعة يبتغون له ذلك في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فإذا أبيت عليه ذلك أغضبته وأحفظته لأنك تحاول أن تصده عن الحياة وتبعد به عن الرقي، وإذا قلت له إن علمه القديم لا يكفيه وإن ثقافته العربية الحاضرة لا تغني عنه شيئًا أغضبته وأحفظته لأنك تؤذيه في كبريائه. وإذن فهو يجمع بين هذين النقيضين، يطلب الثقافة الأوروبية ويغلو في طلبها من جهة، ويكره أن يُقال له إن في هذه الثقافة خيرًا أو نفعًا من جهة أخرى. ودار العلوم توشك أن تشبه الأزهر من هذه الناحية، فهي تُرغِّب في الإصلاح وتجهر بهذه الرغبة وتُلح فيها وتستزيد من الثقافة الأوروبية، وتطالب بدرس اللغات الأجنبية فيها، فإذا قيل إن ما هي عليه الآن من اكتفاء بالقديم وقلة حظٍّ من الجديد لا يلائمها ولا يلائم مكانتها ولا يلائم ما يُنتظر منها غضبت وأخذتها الحفيظة؛ لأن هذا القول يؤذي كبرياءها.

    وكم أحب أن نفهم الكبرياء فهمًا أصح وأصوب وأقوم من هذا الفهم، فليس يؤذيني أن يُقال إني أجهل هذا النحو من العلم أو ذاك إذا كنت أجهله، وإنما يؤذيني أن يُقال إني أعلم هذا النحو من العلم أو ذاك وأنا لا أعلم منه شيئًا.

    وأؤكد لهؤلاء السادة أني أتأذى حين أسمع محاضرة بالألمانية ولا أفهمها، وحين أجد كتابًا بالألمانية ولا أفهمه إلَّا من طريق المترجم، أتأذى بذلك وآلم له وأشكو منه وأحزن لأني لا أجد من الوقت أو من مواتاة الظروف ما يمكنني من إصلاح هذا النقص، ولا يؤذيني بحال من الأحوال أن يقول عني قائل إني أجهل الألمانية ولا أستطيع أن أصل إلى ما فيها من العلم إلَّا من طريق الترجمة والنقل.

    وبعد فإنَّا لا نعيب هؤلاء السادة بما نقصهم، كما لا نعيب أنفسنا بما ينقصنا، وما أكثره، وإنما نريد أن تكون حال الجيل المقبل خيرًا من حال هذا الجيل، وأن يكون نقص الجيل المقبل أقل من نقص هذا الجيل، ونريد أن نفهم أمور النهضة على وجهها، وأن نصلح خطأً شائعًا قبيحًا يتورط فيه كثيرٌ من الذين يشرفون على أمور التعليم ويخوضون فيها. فكثيرٌ من الناس يريدون أن يشيع العلم باللغات الأجنبية في مصر، ويظنُّون أن هذا هو سبيل الثقافة، فنحب أن يعلم هؤلاء الناس أن شيوع اللغات الأجنبية في مصر لا بأس به، ولعل فيه خيرًا كثيرًا، ولكنه ليس سبيل الثقافة، أو ليس هو السبيل المستقيمة المنتجة إلى الثقافة، وإنما السبيل أن تُنقل الثقافة للمصريين في لغتهم، وأن يلتمسوها في هذه اللغة قبل أن يلتمسوها في أي لغة أخرى.

    إنما اللغات الأجنبية أدوات للاستزادة من العلم لا لتحصيل الضروري منه. وما دمنا نعتمد على اللغة الأجنبية لنحصِّل من طريقها الضروري من العلم والثقافة، فنحن عالة على الأجنبي، ونحن مقصرون في ذات أنفسنا وفي ذات لغتنا وفي ذات وطننا نفسه. وقد كان الجاحظ رجلًا مثقفًا فيما أظن، ولعله كان من أوسع الناس في عصره وأعمقهم ثقافة، وما أظنه عرف اليونانية أو السريانية، ولكنه عرف ما كان في اليونانية والسريانية من علم؛ لأنه نُقل إلى اللغة العربية، ولأن رجال الحكم في ذلك الوقت كانوا يفهمون الثقافة خيرًا مما نفهمها نحن الآن، ويقدِّرون ما يجب عليهم لتثقيف اللغة والشعب خيرًا مما نقدِّره نحن الآن.

    أفئن طالبنا بأن تنقل علوم أوروبا وآدابها إلى اللغة العربية لتكون اللغة في نفسها غنية مثقفة، وليستطيع أبناؤها أن يجدوا فيها العلم دون أن يلتمسوه ضد الأجنبي ومن طريق اللغة الأجنبية، أفئن طالبنا بذلك؛ كنَّا مُجهلين للأمة، مزدرين للعلماء، عائبين للمستنيرين، مقصرين في حق الوطن؟ اللهم إني لا أكره هذا التقصير ولا أتردد في احتمال تبعاته مهما تثقل، ولا أتردد في أن ألح على وزارة المعارف في شيئين لا بدَّ منهما لتنظيم الثقافة في مصر: الأول إنشاء مكتب للترجمة العلمية ينهض بنقل أمهات العلم والأدب والفلسفة إلى هذه اللغة التي كانت غنية قديمًا وما ينبغي أن تكون فقيرة الآن. والثاني أن ترصد في ميزانيتها مقدارًا حسنًا من المال تكافئ به الذين ينهضون بنقل الكتب القيمة في مختلف العلوم والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.

    وأؤكد لوزارة المعارف أن إرصاد عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام لمكتب الترجمة وتشجيع المترجمين أنفع لمصر وأجدى عليها وأنهض بالواجب الوطني من مئات الألوف التي تُنفق في أنواع الترف المادي، الذي قد نستطيع أن نستغني عنه، وقد يكون من الخير ألَّا نفكر فيه قبل زمن طويل.