إجماع …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢١ أغسطس ١٩٤٦
يقال: إن السادة المفاوضين قد ائتلفوا بعد اختلاف، واتفقوا بعد افتراق، وأصدروا قرارًا إجماعيًّا سيبلغ إلى الإنجليز ثم يذاع في المصريين. وقد وُصف هذا الإجماع بأنه وطني عظيم، وبأنه مطابق لأماني مصر. وقد خُيِّل إلينا حين سمعنا هذا الكلام أن السادة المفاوضين عادوا إلى الصواب بعد أن أمعنوا في الخطأ، وثابوا إلى الحق بعد أن لجُّوا في الباطل إلجاجًا. وقرروا بإجماع الآراء ألا مفاوضة مع الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء معجلًا لا مؤجلًا، وحتى يعترفوا بوحدة وادي النيل في ظل عرش واحد هو عرش مصر وتاج واحد هو تاج مصر، وحتى يعدلوا عن هذه الشركة البغيضة وعن هذا المجلس البغيض الذي ينظم الدفاع عن مصر؛ فيلغي استقلالها إلغاءً، ويضع الأصبع الإنجليزية — بل اليد الإنجليزية كلها — في المرافق المصرية مهما تختلف ومهما تتنوع.
وفهمنا كذلك أن السادة المفاوضين قد قرروا بالإجماع ألا يقحموا مصر في مشكلات الإمبراطورية البريطانية، قريبةً كانت هذه المشكلات من مصر أو بعيدة عنها، وألا يخوضوا ببلادهم غمرات الحرب إلا حين تكون مصر المعروفة بحدودها الجغرافية معرضة للخطر المباشر القريب.
فهمنا هذا كله فرضينا وابتهجنا، ولكن رضانا وابتهاجنا لم يتصلا إلَّا دقائق معدودات. فقد فسَّر لنا المفسِّرون أن السادة المفاوضين لم يجمعوا على شيء من هذا ولا على شيء قريب من هذا، وإنما أجمعوا على الاستمساك بذلك الاقتراح الذي قدموه إلى الإنجليز، وزعموا أنه آخر ما يستطيعون أن يقدموه. وقبلوا فيه مجلس الدفاع وقبلوا فيه تأجيل المفاوضات المفصلة في شئون السودان، وحددوا فيه أمد الجلاء بعام واحد فيما يقال. وعرَّضوا فيه مصر لخوض غمارات الحرب حين تثار الحرب في البلاد المتاخمة دون البلاد المجاورة … إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يقطع الشعرة أرباعًا، ويبحث عن الظُّهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقال! لم يجمع السادة المفاوضون على خير إذن، وإنما أجمعوا على شر عظيم؛ أجمعوا على الكارثة التي تخذي مصر وتغض من قدرها وتضيِّع حقَّها وتجعلها ضحكة للعالم الغربي البعيد وللعالم العربي القريب. والناس قد يجمعون على الخير؛ فيرضون عن أنفسهم ويرضى عنهم الناس. ولكنهم قد يجمعون على الشر؛ فلا يرضى عنهم أحد. ثم يختلفون بعد ذلك: فمنهم من يرضى عن نفسه؛ لأنه لا يحفل بخير ولا بشر، ولا يحفل بأحد غير نفسه، ولا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا عليه. ومنهم من ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بها أشد الضيق؛ لأن له ضميرًا يعرف الحياء ويعرف الندم، ويعرف أن النفس أمَّارة بالسوء، ويعرف أنها ضعيفة أمام بعض الظروف، فهو يذعن في النهار ويندم في الليل، وهو يأثم اليوم ويبكي غدًا، ثم يتوب حين لا تغني التوبة عن أصحابها شيئًا. وليس المهم أن يرضى السادة المفاوضون عن أنفسهم أو أن يسخطوا عليها، وأن يكون منهم الراضي ومنهم الساخط، وإنما المهم ألا يخدع المصريون عن حقِّهم، وألَّا تغرهم الأماني والآمال والدعاوى العراض تذاع في شمال الوادي وجنوبه.
فالمصريون يعرفون حقَّهم كما يعرفون أنفسهم، والمصريون يعرفون الكيد الذي يُكاد والأمر الذي يُراد. وهم يعرفون الضمائر المرنة كما يعرفون الضمائر الصلبة. وهم يفرِّقون بين الجِدِّ والهزل كما يفرِّقون بين الذين يقدمون على الجد والذين يتخذون أمور الحياة لعبًا وهزءًا. المصريون يعرفون أنهم لا يريدون مشاركةً مع الإنجليز لا في الدفاع عن مصر ولا في غير الدفاع عن شئون مصر. ويعرفون أن وحدة وادي النيل حق لوادي النيل وحق لعرش وادي النيل. فالتفريط فيها تفريط في حق الأمة وفي حق العرش جميعًا. والمصريون يعرفون أنهم لا يريدون أن يكونوا جنودًا للبريطانيين، يسفكون دماءهم للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في البلاد المتاخمة أو المجاورة أو البعيدة. المصريون يعرفون هذا كله كما يعرفون أنفسهم، ولا يرضون من السادة المفاوضين إلا أن يجمعوا على هذا كله لا يختلفون منه في قليل أو كثير. فأمَّا أن يجمع المفاوضون على الاقتراح الذي قدموه أو يختلفوا في هذا الاقتراح، وأمَّا أن يجمع المفاوضون على المقترحات البريطانية أو يختلفوا فيها، فسخف لا يعني المصريين في قليل ولا كثير؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والمصريون يعرفون ما يريدون، ولا يعنيهم أن يتورط السادة المفاوضون فيما يتورطون فيه من شبهات.
ومع ذلك فمن الإجماع ما يحزن، ومن الإجماع ما يضحك. وإجماع السادة المفاوضين على ما أجمعوا عليه أمس من هذا النوع الثاني. فهم كانوا مختلفين منذ عاد سفيرنا من لندرة، وكان اختلافهم شديدًا وكان خطيرًا إن صحت الأنباء.
فقد قيل: إن رئيس الوزراء كان يرى قبول المقترحات البريطانية التي حملها إليه السفير، وأنه بذل جهدًا غير قليل ليقنع بذلك زملاءه المفاوضين؛ فاستجاب له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر. فلما استيأس من الممتنعين وأعياه إقناع المفاوضين جميعًا؛ حاول إقناع الوزراء، فأتيح له من ذلك ما أراد، وأجابه مجلس الوزراء إلى إجماع كامل شامل يناقض بالضبط إجماع المفاوضين أمس.
وكذلك وقف مجلس الوزراء في ظل إجماع رائع، ووقف السادة المفاوضون في ظل إجماع آخر ليس أقل منه روعة. المجلس يقبل المقترحات البريطانية بالإجماع، وهيئة المفاوضين ترفضها بالإجماع، ورئيس الوزراء متفق مع المجلس في إجماعه؛ لأن إجماع المجلس لا يتم إلا باتفاقه، وهو متفق مع هيئة المفاوضات في إجماعها؛ لأن إجماعها لا يتم إلا باتفاقه.
وإذن، فهو يقبل المقترحات البريطانية ويرفضها، واجتماع الضدين مستحيل فيما يقول أرسطوطاليس، ولكن أرسطوطاليس يقول أيضًا: إن الضدين لا يجتمعان إذا اختلف المكان، فرئيس الوزراء يقبل المقترحات في مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء يرفض المقترحات في هيئة المفاوضات. وإذا اختلف المكان أو اختلف الزمان لم يجتمع الضدان، والمكان مختلف كما ترى، وليس الزمان أقل من المكان اختلافًا. فرئيس الوزراء كان يقبل المقترحات البريطانية إلى الساعة الحادية عشرة من صباح أمس، ثم أصبح يرفض هذه المقترحات حين انتصفت الساعة الأولى بعد ظهر أمس، المكان مختلف والزمان مختلف؛ فلم يجتمع الضدان ولم يتورط رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية في هذا المجال الذي يأتي من اجتماع الضدين. ومجلس الوزراء قابل للمقترحات البريطانية منذ جلسته الأخيرة، ولكنه سيرفضها — بإذن اللَّه — في جلسته المقبلة. سيتحقق التضامن الوزاري من جهة، وليتحقق التضامن بين المجلس وبين هيئة المفاوضات من جهة أخرى.
وإذا اختلفت العلة اختلفت النتيجة بطبيعة الحال. فقد كان مجلس الوزراء قابلًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء كان لها قابلًا، وسيصبح مجلس الوزراء رافضًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء أصبح لها رافضًا. والشيء المحقق هو أن هناك إجماعين كلاهما يَسرُّ القلوب ويُسري عن النفوس. والمصريون في حاجة إلى ما يَسرُّ قلوبهم ويُسري عن نفوسهم في هذه الأيام الشداد، التي ينذرهم فيها الفيضان بشر مستطير. فليبتهج المصريون بإجماع أمس كما ابتهجوا بإجماع مجلس الوزراء منذ أيام، وكما سيبتهجون بإجماع مجلس الوزراء غدًا أو بعد غدٍ.
صنع اللَّه لمصر! متى يأخذ الساسة أمورها على أنها جدٌّ لا لعب؟ ومتى يريحها اللَّه من هذه المغامرات؟ ومتى تجتمع كلمة الكثرة والقلة على الشيء الطبيعي الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهو أن الشرط الأساسي لإمكان المفاوضات الحرة المنتجة إنما هو جلاء الإنجليز قبل كل شيء عن وادي النيل؟
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نفاوض الإنجليز لنحالفهم أحرارًا، فنقبل الحلف أو نرفضه. فأمَّا أن يجثم العدو على صدرك، ويضع السكين على عنقك، ويدعوك إلى مفاوضة حرة؛ فهذا هو الذي لا يكون إلَّا في مصر، ولا يعرضه إلا الإنجليز!
Tag: وحدة وادي النيل
-
إجماع … | Consensus …
-
وحقوق مصر؟! | And Egypt’s Rights?!
وحقوق مصر؟!
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ نوفمبر ١٩٤٥
وحقوق مصر ما خطبُها وما خطبُنا! ألا نزال نذكرها أم أَسْدَلَ النسيان عليها ستارًا كثيفًا؟ أنقرب منها أم نبعد عنها؟ ما خطب الجلاء! أممكن هو أم غير ممكن؟ أقريب هو أم بعيد؟ وما خطب وادي النيل! أيتحد أم ينقسم؟ أيتصل أم ينفصل؟ وما خطب المعاهد! أتبقى كما هي أم يصيبها التعديل؟ كل هذه الأسئلة خليقة أن تُلقَى في كل يوم، بل أن تلقى في كل ساعة، خليقة أن تتصل بالقلوب حتى لا يشعر الناس إلا بها، وأن تتصل بالعقول حتى لا يفكر الناس إلا فيها، وأن تتصل بالضمائر حتى لا يحيا الناس إلا بها، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ألا يلاحظ المصريون أن حكومتهم مشغولة عنها، مقصرة في ذاتها، وأنها توشك أن تشغَلهم هم أيضًا عنها، وأن تورِّطَهم فيما تورطت هي فيه من التقصير؟ أين نحن من المفاوضات، أو أين نحن من المحادثات؟! فقد قيل لنا في شهر سبتمبر الماضي إن الوقت كان أشد الأوقات مناسَبةً للأخذ في تلك المفاوضات، وقد مضى شهران أو أكثر من شهرين ولم نعلم أن أحدًا قد أَخَذَ في هذه المفاوضات، وإنما علِمنا أن حكومتنا لم تصنع شيئًا؛ لأن وزير الخارجية البريطانية أنبأ البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ منها شيئًا، ثم أنبأتنا خطبة العرش أن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات. فماذا بلغت الحكومة من هذا التمهيد؟ أمهدت السبيل كلها فلم يبقَ إلا أن تُبدئ المفاوضات، أم مهدت بعضها وما زال جزء منها طويل أو قصير يحتاج إلى فضل من التمهيد؟ وما هذه السبيل التي يُراد تمهيدُها، وما هذه المصاعب التي يُراد تذليلها، ومن أين تأتي؟ أتأتي من ناحيتنا نحن أم تأتي من ناحية حلفائنا الإنجليز؟ فأما نحن فما أعلم أننا نقيم عقبات، أو نخلق مصاعبَ في سبيل المفاوضات؛ لأننا نريدها ونحرص عليها ونتعجلها كأشد ما يتعجل الناس شيئًا. وأما حلفاؤنا فما أدري لِمَ يقيمون العقبات وكيف يقيمونها، وكيف نرضى نحن منهم أن يقيموها؟ فقد عاد السفير البريطاني إلى مصر بعد أن أُلْقِيَتْ خُطبة العرش، فظن الناس أنهم سيعرفون من أمر المفاوضات شيئًا، ولكنهم لم يعرفوا من هذا الأمر قليلًا ولا كثيرًا، واليوم يعود السفير المصري من بريطانيا إلى مصر، ويظن الناس أنهم سيعلمون من أمر هذه المفاوضات شيئًا، ولكني أؤكد لهم أنهم لن يعلموا منه قليلًا ولا كثيرًا؛ لأن حلفاءنا الإنجليز الذين يحبوننا أشد الحب قد أشفقوا علينا من خيبة الأمل، فأذاعت بياناتهم الرسمية في لندرة أن السفير إنما يزور مصر زيارة عادية يقتضيها منصبه، وأن محادثات رسمية في الحقوق المصرية لم تَجْرِ قط. وكذلك نستقبل السفير اليوم ونودعه بعد أيام دون أن نعرف من أمر هذه المفاوضات شيئًا؛ لأن هذه المفاوضات لم تبدأ بعدُ، ولأن الحكومة ما زالت على اتِّصال لتمهيد السبيل إليها، وأكبرُ الظَّنِّ أن السفير إنما أقبل لينبئ الحكومة من قرب بالعقبات التي تحتاج إلى تذليل، والمصاعب التي تحتاج إلى تمهيد. وفي أثناء ذلك تَجرى المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا ليتحقق جلاء القوات الأجنبية عن سوريا ولبنان. ومن المؤكد أن الجلاء عن سوريا ولبنان سيتم قبل الجلاء عن مصر، فليس في طريق هذا الجلاء عقبات شِداد تحتاج إلى تمهيد طويل؛ إذ ليس في سوريا ولبنان قناة السويس، وليس لسوريا ولبنان وادٍ كوادي النيل يريد هو أن يتصل، ويريد له غيره أن ينفصل. وليس في سوريا ولبنان حكومة تخفي على الشعب أمره، وتطوي عن الشعب سره، وتستأثر من دونه بالمخبآت. وليس في سوريا ولبنان حكومة تريد أن تبقى؛ لأن البقاء في نفسه خير. وليس في سوريا ولبنان وفد يحب أن يهدم؛ لأن هدمه هو غرض الأغراض وغاية الغايات، ولأن هدمه أهم وأخطر من تحقيق المطالب القومية وجلاء القوات الأجنبية، وتوحيد وادي النيل. ليس في سوريا ولبنان شيء من هذا؛ ولذلك تجري أمور سوريا ولبنان رخاء في طريق سواء، فما هي إلا أن يتم الاتفاق بين البريطانيين والفرنسيين على تنظيم مصالحهم في الشرق الأدنى، حتى يُجلوا أولئك وهؤلاء عن هذين القُطرين العزيزين، وحتى تظفر هاتان الدولتان الشقيقتان بحقهما في الاستقلال الكامل الذي تتقطَّع قلوبنا شوقًا إليه منذ أعوام وأعوام. والذي يظهر أن قلوبنا ستتقطع شوقًا إليه أوقاتًا طويلة أخرى ما دامت حكومتنا على اتِّصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل، وما دام هذا التمهيد يمكن أن يقصر ويمكن أن يطول. وأكبرُ الظن أن حكومتنا لا تكره أن يطول؛ لأن طوله يمدُّ لها أسباب البقاء، ويمكِّن لها من وسائل السلطان. وأي شيء أنفع لمصر وأجدى عليها من بقاء هذا العهد السعيد؟! هل يعلم المصريون أن أمرهم أصبح أدنى إلى الهزل منه إلى الجِد، وأن حياتهم أصبحت أقرب إلى العبث منها إلى الحزم، وأنهم يستطيعون أن ينعموا بهذه الحياة الراضية مطمئنين بأن المسيطرين على أمورهم قد قبِلوا لهم هذا الوضع الغريب، وقالوا لهم منذ نهضوا بأعباء الحكم إن غايتهم إنما هي توفير الغذاء والكساء، وهم يَجِدُّون في توفير الغذاء والكساء ينجحون حينًا ويخفقون أحيانًا؟ وماذا يريد المصريون من حكومتهم أكثر من أن تبذل ما تستطيع لتوفر لهم الغذاء والكساء، إنها لم تأخذ على نفسها عهدًا يوم تولَّت الحكم بأنها ستسعى بهم إلى ابتغاء المكارم، وتحقيق المآثر، وارتفاع المنزلة بين الشعوب، وإنما قالت لهم إنها ستغذوهم وتكسوهم، وهي تبذل في ذلك ما تستطيع. وقديمًا قال الحطيئة لبعض خصومه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ويريد سوء الحظ ألَّا يكون المصريون جميعًا طاعمين ولا كاسين، فمنهم الجائع الذي لا يجِد ما يقيم الأود، ومنهم العريان الذي لا يجِد ما يقي جسمه عاديات الحر والبرد، ولكن خلاصة المصريين طاعمة لا تعرف الجوع كاسية لا تعرف العُري. وإذا كانت الصفوة طاعمة كاسية راضية فلا على الكثرة أن تجوع، ولا على الكثرة أن تعرى، وما ينبغي للكثرة أن تغضب وقد رضي السادة واطمأنُّوا. وكذلك تجري أمور المصريين: سادة يرضون فيستبقون الرضى، وينعمون فيستديمون النعيم، وكثرة تسخط فلا يحفل بسخطها أحد، وتشقى فلا يلتفت إلى شقائها أحد. وشعبٌ كان خليقًا أن يجدَّ في سبيل الاستقلال، فتصرف كثرته عن الاستقلال إلى رفع الشقاء واكتمال البقاء، وتصرف قلته عن الاستقلال إلى الاستزادة من السعادة واستدامة النعيم. وتنظر حكومته إلى أولئك وهؤلاء باسمة راضية؛ لأن اشتغال الكثرة بالتماس الرزق، واشتغال القلة بالاستزادة من الترف؛ كل ذلك يُمكِّنها من البقاء، ويمد لها أسباب السلطان. وأغرب ما في الأمر أن الإنجليز يظنُّون بنا خيرًا مما نظن بأنفسنا، وينتظرون منا أكثر مما ننتظر من أنفسنا، فصحفهم تبدئ وتعيد فيما يمكن أن يكون لنا من أثر في استقرار الأمن الدولي في الشرق، وفيما يمكن أن يكون لرضانا أو سخطنا من أثر في تحقيق التوازن الدولي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي تأمين المواصلات العالمية. والصحف الإنجليزية مصيبة غير مخطئة، فنحن خليقون أن نؤثر في الصلة بين الشرق والغرب تأثيرًا خطيرًا بعيد المدى، ونحن قادرون على أن نفرض احترامنا على الغرب، ونكرهه على أن يحسب لنا الحساب كل الحساب. ولكن بشرط أن ننهض نحن بأمرنا كله، وألا تنهض به من بيننا قلة ضئيلة تُعنى بإخضاعنا لسلطانها أكثر مما تُعنى بالمفاوضة لتحقيق الجلاء وتوحيد وادي النيل. أيهما أحق بعناية الحكومة القائمة: أن يبقى العهد ويهدم الوفد ويخضع الشعب، أم أن يُجلوا الإنجليز ويتَّحد وادي النيل؟ إن كنت في حاجة إلى الجواب عن هذا السؤال فانظر فيما عملت الحكومة الحاضرة، وفيما قالت، وفيما هي عاملة وقائلة منذ أن تولت الحكم إلى الآن، لم تعمل إلا أن حاربت الوفد، ولم تقُل إلا أن شتمت الوفد. فأما مطالبة الإنجليز بالجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل، وتعديل المعاهدة، فإن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات؟ والأمر لا يخلو من فكاهة مؤذية؛ فإن وزراءنا مصريون يجري في دمائهم حب مصر كما يجري في دمائهم حب أنفسهم، يجدون في قلوبهم شعورًا بالكرامة الوطنية كما يجدون في قلوبهم شعورًا بالغرور الإنساني، فهم يتمنَّوْن الاستقلال لأنهم مصريون، وهم يتمنون البقاء في الحكم لأنهم ناس من الناس. وهم يخضعون لهذا الصراع العنيف بين حبهم للوطن وحبهم لأنفسهم، وهم من أجل ذلك يُقدِمون حينًا ويُحجِمون أحيانًا، يُقَدِّمون رِجلًا ويؤخرون أخرى، يرفعون أبصارهم إلى السماء ثم يَرُدُّونها مسرعين إلى الأرض. ألست تذكر أننا منذ أشهر لا نكاد نتَّفق أسبوعًا حتى نسمع أن هذا الوزير أو ذاك ساخط؛ لأنه يرى تقصير الحكومة في المطالبة بالاستقلال، وأنه قد همَّ أن يستقيل، ثم بدا له فأرجأ الاستقالة أو أنه قد استقال بالفعل، ثم بدا له فاسترد الاستقالة. وأن هذا الوزير وذاك يلتقيان ويفترقان ويُبرِمان وينقُضان، عين في الجنة وعين في النار. والجنة بالطبع هي البقاء في الحكم، والنار بالطبع هي التخلي عن الحكم، وأي العقلاء يُخَيَّرُ بين النعيم والجحيم ثم يُؤْثِرُ الجحيم على النعيم؟! وكذلك يتردد وزراؤنا بين دُورِهِم ودواوينهم، يعزمون في الليل وينهزمون في النهار. كذلك يتردد السفير البريطاني بين القاهرة ولندرة، ويتردَّد السفير المصري بين لندرة والقاهرة. ويصبح الشعب المصري متشوِّقًا إلى الاستقلال متحرقًا إلى الكرامة، فلا يكاد يقرأ صحف الصباح حتى تهدأ اللوعة وتخمد نار الشوق. ثم يُمسي متلهفًا إلى الاستقلال متهالكًا على الحرية، فلا يكاد يقرأ صحف المساء حتى يسلو ويلهو ويغل بالعبث عن الحرية والاستقلال. وكان يقال إن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالبون بها. وإني لأعلم أن لمصر حقوقًا توشك أن تضيع لأن الذين كُلِّفوا المطالبة بها يعنون بأنفسهم أكثر مما يعنون بهذه الحقوق.