Tag: Anglo-Egyptian relations

  • قرار

    قرار
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ يناير ١٩٥٧

    كانت نفوسنا تطمع فيه وقلوبنا تطمح إليه وضمائرنا تؤمن به، وربما جرت به ألسنتنا بين حين وحين، حين نخلو إلى الصديق الأمين، وكنا قد سمعنا اللَّه عز وجل يقول: ( فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ).
    وكنا نعلم أن قول الله حق وأن وعده حق، ولكنا كنا نرقب ما ستعمل الحكومة وما ستقول، وكنا نستبطئ نشاطها إلى العمل وإطلاق لسانها بالقول حتى كان أول العام الجديد، فرأيناها تعمل وتقول ورضينا عما عملت وما قالت. وما أكثر ما كرهنا أشد الكره عدوان البريطانيين والفرنسيين على مصر، وضاقت به نفوسنا وقلوبنا، ولكن اليأس لم يجد إلينا سبيلًا، فثبتنا للخطب، وانتصرنا على المحنة، وانتظرنا أن يجد المعتدون عقابهم على هذا الاعتداء، وأن يلقوه منا نحن بعد أن لقوه من الظروف والأحداث.
    وقد لقي البريطانيون بعض العقاب بهذا القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية أول العام، وجعله أقوَم هدية يستقبل بها المصريون هذه الدورة الجديدة من دورات الزمان. وأقول إنه بعض العقاب، وإن كان أمضَّه وأقساه وأبلغه في نفوس البريطانيين أثرًا؛ لأني ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا العدوان وما نشأ عنه من نقض العهود وإهدار العقود، ومن سفك الدماء وإزهاق النفوس وتدمير المرافق وصب الهول على الوادعين الآمنين.
    ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا كله ويعاقب عليه الذين اقترفوه، وأنا مع ذلك لا أتحدث الآن عن هذا العدوان البغيض وآثاره المنكرة، وإنما أتحدث عن هذا القرار الذي أصدرته مصر بإلغاء الاتفاق الذي كان قائمًا بيننا وبين البريطانيين، والذي نقضه البريطانيون أنفسهم يوم أرادوا مصر بالمكر والكيد، فحاق بهم مكرهم ورُد عليهم كيدهم. وصدق اللَّه وما زال صادقًا حين أنبأنا بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
    وكأن أهوال العدوان وعناية الحكومة والشعب بإصلاح آثاره، وهذه الأحداث الكثيرة التي تحدث في أقطار الأرض والتي تُتوقع في الزمن القريب أو الزمن البعيد، والأنباء الكثيرة المتباينة التي نسمعها ونقرأها مصبحين وممسين؛ كأن هذا كله لم يتح للمصريين أن يفرغوا لإلغاء الاتفاق المصري البريطاني ليتدبروا خطره العظيم، ولو قد فرغوا له وقدروا خطره لفرحوا به وابتهجوا له أكثر مما فعلوا.
    فهم يستقبلون عامهم الجديد هذا وقد رُدَّ عليهم استقلالهم كاملًا صافي الجوهر نقي الصفحة لا غبار عليه، مسلمًا لا شية فيه. وهو يُرد إليهم على هذا النحو لأول مرة في تاريخهم الحديث منذ اعتدى عليهم الترك العثمانيون في أوائل القرن السادس عشر. وهو يرد عليهم في ظروف كريمة حقًّا، فهم لا يتلقونه منحة من أحد، وإنما يكسبونه بأيديهم، وأموره لا تُدبر بعقول أجنبية كما كانت تُدبر أيام المماليك أو أيام غيرهم من الدول المستقلة التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، وإنما تدبر أموره عقول مصرية خالصة، ويقوم عليه سلطان مصري خالص جاء من صميم مصر ولم يأتِ من وراء البحر ولا من وراء الصحراء.
    وقد كنا مستقلين قبل العدوان لا شك في ذلك، ولكن استقلالنا لم يكن يخلو من شائبة؛ فهذا الاتفاق الذي كان بيننا وبين البريطانيين كان يثير الشك في بعض النفوس، ويغري الحيرة ببعض العقول، ويعرِّض سلامة الوطن المصري لبعض الخطر إذا اضطرت بريطانيا إلى الاشتراك في الحرب للدفاع عن بعض الدول الشرقية والتي لا يعنيها أمرنا من قريب ولا من بعيد، والتي لا تكره أن تمكر بنا وتكيد لنا وتعين علينا.
    كان يكفي مثلًا أن يتعرض الترك لبعض ما يكرهون، وأن يخف حلفاؤها البريطانيون لنصرها؛ فتتعرض للاحتلال البريطاني القصير أو الطويل من جديد. فقد حطَّ عنا هذا العبء، وأُلقي عنا هذا الإصر، وأصبحنا أحرارًا حرية كاملة نقية كما كانت نفوسنا تتمنى دائمًا.
    وأصبحت مشكلات البريطانيين والترك لا تعنينا إلا كما يعنينا غيرها من المشكلات التي تُثار في العالم القريب والبعيد، نُسالم من نُسالم أحرارًا، ونخاصم من نخاصم أحرارًا، ونؤثر الحيدة أحرارًا لا معقب على إرادتنا في بلادنا ولا خوف على استقلالنا في أرضنا إلا بمقدار ما يفرضه التضامن الإنساني بين الدول الحرة المستقلة. وكنا ننكر الأحلاف مع شرق أوروبا أو غربها ومع إحدى الكتلتين المختصمتين؛ نرى هذه الأحلاف وسيلة إلى التدخل في شئوننا وبقية من بقايا الاستعمار الأجنبي. وكان بعض المتورطين في هذه الأحلاف يخادعون أنفسهم ويخادعون بعض الناس، ويقولون لأنفسهم ولهؤلاء الناس: إن مصر تعارض الأحلاف، وهي مرتبطة بالاتفاق مع البريطانيين، متورطة في شيء إن لم يكن حلفًا فهو يشبه الحلف شبهًا قويًّا أو ضعيفًا.
    فقد محونا من نفوسهم ومن نفوس عملائهم هذا الوهم، وقطعنا عليهم هذه الحجة، وأزلنا عنهم هذه الشبهة، وأصبحنا أحرارًا بأوسع ما تحتمل كلمة الحرية من المعاني في هذا العصر الحديث، وأصبحنا نستطيع أن ننكر الأحلاف ونعارضها دون أن نتيح لقائل مقالًا. وكان بعض المخادعين يخيلون إلى نفوسهم وإلى بعض الناس أن الفنيين البريطانيين الذين كانوا يقومون على شئون القاعدة العسكرية في القناة، ما زالوا ظلًّا للاحتلال البريطاني البغيض وأنهم كانوا عسكريين يتخذون ثياب المدنيين.
    فقد زال هذا الظل، ومضى أولئك الفنيون مع المعتدين، وذهبت القاعدة العسكرية، وأصبحت شمس مصر تشرق على القناة وما حولها، فلا تغمر إلا أرضًا مصرية قد طَهُرت من الاحتلال ومن ظلال الاحتلال. وعادت مصر كلها حرة مبرأة الحرية من كل شائبة، كعهدها أيام الفراعنة القدماء لأول مرة منذ انقضى عهد الفراعنة القدماء.

  • ذات الرءوس

    ذات الرءوس

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٧ فبراير ١٩٤٦

    هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رءوس ثلاثة إلى أمس، فنقل منها مجلس الأمن رأسًا ليضعه في محكمة العدل الدولية، وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رءوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين، وقد يُضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نُقِلَ إلى لاهاي، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيُختار لوزارة الخارجية إن أُتِيحَ لهذه الوزارة أن تبقى، وأن تُعدَّل، وأن يُختَار للخارجية فيها وزيرٌ جديدٌ.

    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رءوسًا سبعة، لا يكاد عدوُّه يقطع منها رأسًا إلَّا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدوًّا من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رءوس بمقدار ما فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رءوسًا، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم، فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد.

    فأمَّا الرءوس الثلاثة فمعروفون: أحدهم رئيس الوزراء، والرئيس مشتق من الرأس، فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رءوس الوزارات المصرية يعمل رأسًا ويدًا، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء، وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية، أو قُلْ إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية، ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يدًا ثالثة بين اليمين واليسار وقتًا ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.

    أمَّا الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقْتُطِعَ منها أمس ونُقِلَ مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأسًا أي رأس، كان رأسًا مرفوعًا في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأسًا في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤديًا فريضة الحج، لولا أن الوزارة استعارت يدًا من أيديها فجعلتها رأسًا من رءوسها وقتًا ما حين كان وزير الصحة أميرًا للحج.

    مهما يكن من شيء، فقد كان وزير خارجيتنا رأسًا ثانيًا من رءوس الوزارة، له الخطر كل الخطر، وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولًا وأمل البلاد العربية ثانيًا، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتُخِبَ في مجلس الأمن، ولم تُنتخَب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك، فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاضٍ متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى.

    فأمَّا مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه، ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأسًا وتفض رأسًا، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر، يرتفع أحدهما في رياسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رياسة الوزارة.

    والشعب المصري واقف موقف النظارة، يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلَّا انخفض أحدهما الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأنًا من أن تُهَدِّد السلم. وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها، ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها.

    وقد جعل رأس من رءوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا وبكاءً محتجًّا على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناءً ودعاءً رضًا بتغليق الأبواب، وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأمَّا البلاد العربية الأخرى، فقد هزَّت رءوسها ورفعت أكتافها، وأعرضت عن الوزارة المصرية ورءوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب، وعرضت على مجلس الأمن شئون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شئون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن، وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.

    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل، ويقولان فيحسنان القول. أحدهما يملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، يعلن في مجلس الشيوخ مثلًا أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تُغِير على قطار قريبًا من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحًا وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلقَ كيدًا؛ لأن رأسًا من رءوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رءوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.

    وعرف المصريون رأسًا ثانيًا من رءوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل، شرَّفَ مصر بين الأمم فانتُخِبَتْ في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق، فانتخبه قاضيًا في محكمة العدل.

    فأمَّا الرأس الثالث من رءوس وزارتنا، فأمره عجب أي عجب، هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة، يصيح في غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يَوْمَهم، وأرَّق عليهم نَوْمَهم، وأقضَّ عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأتِ حركة ولم يرفع صوتًا. كل همه أن يملأ الأرض صياحًا، وليس من همه أن يعمل شيئًا، يُقْدِم لِيُحْجِم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين، لا يريد إقدامًا ولا هجومًا ولا احتجاجًا، وإنما يريد تنغيصًا وتأريقًا وإقلاقًا. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح، ولا يريد أن يريح.

    له في كل يوم استقالة، وله في كل يوم عدول عن الاستقالة، وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعبًا يوم الثلاثاء، وكان رأسها الآخر غائبًا في لندرة؛ فتحدث نائبًا عن الرأسين أو مستبدًّا بأمر الرأسين.

    ولست أدري، أرضيَ الرأسان عما قال طوعًا واختيارًا أم قسرًا وقهرًا. فأمَّا الرأس الغائب فلم يَرْضَ ولم يسخط؛ لأنه لم يسمع مما قيل شيئًا. فأمَّا الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم؛ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني، ولم يكن يستطيع إلَّا أن يجيب: نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن برِّ مصر وجوِّها وبحرِها؟! وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد، فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البرِّ والبحرِ والجوِّ، ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف؟!

    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئًا من ذلك! أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصارًا مؤزرًا في مجلس الشيوخ، فقد أنكر الرأس النقراشي الأول وزير الخارجية كل الإنكار، وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقِّها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملًا شاملًا، ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.

    ومع ذلك فقد نصَّت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تُستوحَى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق من غير السودانيين، فهي لا تستوحي شيئًا، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق.

    وإذن؛ فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي رُكِّب بين كتفيه رءوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلَّا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.

    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة — وهي الوزارة ذات الرءوس الثلاثة — لا تمتاز برءوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب، أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟! وقد قال شاعرنا القديم:

    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟!

    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟! أمَّا هي فتريد أن تكون أنفًا أو أنوفًا، ولست أكره لها ذلك وإن لم يَرْضَ البرلمان وإن لم يَرْضَ الدستور، وأمَّا الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها ولم يَرْضَ به مركز أعضائها الممتاز.

    مهما يكن من شيء، فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت، ولتضعها الوزارة حيث شاءت، وربما كان خير الحلول أن تكون أنفًا حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذَنَبًا حين يُحاس الحيس وحين تجري الريح رخاءً.

    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفًا كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنبًا بعد أن جاء الرد البريطاني، فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحيانًا ولا يخيف أحيانًا أخرى، على أنه ليس غاضبًا للهيئة السياسية وحدها، بل هو غاضب لمجلس النوَّاب أيضًا، فقد أُجِّلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب.

    وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات، مع أن الأمر لا ينبغي أن يُقبَل فيه إلَّا المفاوضات، والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيءٌ تُؤلَّف له الوفود التي تذهب إلى لندرة، والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا، وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفًا. أمَّا المحادثات فشيءٌ تستأثر به الوزارة، ولا يشارك فيه صدقي باشا، ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلَّا ذنبًا. وإذن فصدقي باشا غاضب، والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوءه وترضي الإنجليز بقبول المحادثات؟!

    وهناك حل بديع فيما أعتقد يريح الناس جميعًا. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأسًا من رءوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذَّنَب إن كانت الهيئة السياسية ذَنَبًا؟! وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفًا! وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!

    كل شيء يمكن، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برءوس ثلاثة، وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب؟! وما يمنعها أن تعيش بغير أنف؟! بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب؟! بل ما يمنعها أن تعيش برءوس كثيرة جدًّا، وذلك يسير؟!

    يُقال إن التعديل الوزاري قريب، فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعِشْ وزارتنا بعشرين رأسًا لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يُضْحِك المصريين. وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!

  • تمهيد

    تمهيد

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣١ يناير ١٩٤٦

    وأخيرًا قرأ المصريون مذكرة الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية بطلب المفاوضات، ورد الحكومة البريطانية عن هذه المذكرة.

    قرءوا هاتين الوثيقتين بعد أن ألحوا أشد الإلحاح في أن تتخذ حكومتها خطوة حاسمة، فتكتب مذكرتها لتتلقى عليها رد البريطانيين، وليعرف المصريون أين هم وماذا يراد بهم.

    ويجب أن نسجل — في كثير من الحزن والمرارة — أن المصريين قد بذلوا جهودًا عنيفة حقًّا ليحملوا حكومتهم على أن تخطو هذه الخطوة. فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى طالب الوفد بحقوق مصر كاملة في مذكرة صريحة لا عوج فيها ولا التواء، واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، قويةً لا ضعف فيها ولا وهن. ثم جعل الشعب يلح على الحكومة في أن تطلب من الطريق الرسمية تحقيق المطالب الوطنية. فوضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وقتًا حتى إذا أحرجوا ولم يروا بدًّا من القول والعمل؛ آثروا القول وأرجئوا العمل، فصرَّح رئيس وزرائنا في البرلمان في أواخر أغسطس بأنه لن يهمل أي فرصة تسنح ليدخل مع الحليفة في مفاوضات لتحقيق المطالب الوطنية. ونام الوزراء والبرلمان على هذا التصريح شهرًا كاملًا، فلم يقولوا شيئًا ولم يعملوا شيئًا، وظلَّ الشعب يقول ويقول ويطالب ويلح في المطالبة، والوزراء مغرقون في النوم لا تبلغهم أصوات الشعب، حتى أيقظهم صوت واحد يخافونه أكثر ما يخافون الشعب كله، وهو صوت صدقي باشا الذي أنكر عليهم سياسة كسب الوقت لأمر يعلمه الله ويعلمه صدقي باشا ويعلمه الوزراء، ويكاد المصريون يعرفونه.

    هنالك اجتمعت الهيئة السياسية ذات الصوت البعيد والشهرة العريضة الواسعة، فقررت أن الوقت الحاضر في سبتمبر كان أشد الأوقات ملاءمة للأخذ في المفاوضات، ووافقها مجلس الوزراء على هذا القرار. ثم نام الوزراء ونامت الهيئة السياسية، ومضى البرلمان في النوم، وظل الشعب يقول ويقول، ويطالب ويلح في المطالبة، والسادة القادة والساسة المحنكون مغرقون في نوم عميق لا تبلغهم أصوات الشعب. والصحف البريطانية راضية عن نومهم، مثنيةٌ على إيثارهم للعافية وحرصهم على الراحة، ساخرةٌ من يقظة الشعب ومطالبته بالجلاء ووحدة وادي النيل. حتى أيقظ القوم صوت يخافونه أكثر مما يخافون صوت الشعب وأكثر مما يخافون صوت صدقي باشا، وهو صوت المستر بيفن الذي صرح ذات يوم في البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ من مصر طلبًا رسميًّا للدخول في المفاوضات. وكان صدقي باشا أسرع القوم إلى الاستيقاظ؛ لأنه فيما يظهر أكبر القوم سنًّا وأخفهم نومًا وأدقهم حسًّا وأكثرهم درايةً بمهاب الرياح. فقد صال صدقي باشا وجال وأنذر ثم استقال. ومضت الأمور بين نوم واستئناف لليقظة، حتى هبَّ المجاهدون الكبار والمجاهدون الصغار، فأثاروا أزمة أي أزمة، واستقالوا أو أنذروا بالاستقالة، وأقرتهم الهيئة السياسية على ما أرادوا، وتلكأ مجلس الوزراء ثم أذعن وأقر ما أراد المجاهدون الكبار والصغار، وما أرادته الهيئة السياسية، وكتب المذكرة وأرسلها إلى الإنجليز، فذهبت إليهم متلكئة في سفرها مبطئة في سيرها كما تلكأ أصحابها في تصورها، وكما أبطئوا في كتابتها، وكما ترددوا في إرسالها. وقد ظلت الحكومة المصرية تتردد في أمر هذه المذكرة من آخر شهر أغسطس إلى العشرين من شهر ديسمبر. في ذلك اليوم وصلت المذكرة المصرية بارعة الحسن رائعة الجمال، تصد بخدٍّ وتجلو عن خد كما يقول بشار، إلى وزارة الخارجية البريطانية، فتلقاها البريطانيون لقاءً فاترًا واستقبلوها استقبالًا هادئًا، وأخذوا ينامون كما نام المصريون. ولكن جو بريطانيا العظمى لا يغري بالنوم كما يغري به جو مصر، فلم ينم البريطانيون إلَّا شهرًا على حين نام المصريون شهرًا وشهرًا وشهرًا. وأخيرًا استيقظ البريطانيون متثاقلين من نومهم هذا القصير، فردُّوا على المذكرة المصرية. والغريب أنهم استيقظوا في الوقت الذي أثار فيه وزير الخارجية المصرية من ناحية، وكبار المجاهدين وصغارهم من ناحية أخرى أزمتهم تلك حول مجلس الأمن واختصاصه بالنظر في المسألة المصرية. ولكن استيقاظهم في هذا الوقت كان مصادفةً لا أكثر ولا أقل، فقد كان الضجيج شديدًا وكان الضجيج مقلقًا. كان الإيرانيون يعرضون قصتهم على مجلس الأمن، وكان السوريون واللبنانيون ينذرون بعرض قصتهم على مجلس الأمن، وكان الروسيون يعرضون قصة اليونان وقصة إندونسيا على مجلس الأمن، وكان وزير الخارجية المصرية يعلن أن مصر لن تعرض قصتها على مجلس الأمن. وكانت هذه الأصوات كلها تحدث ضجيجًا وعجيجًا وهرجًا ومرجًا، وكان صوت وزير الخارجية المصرية وحده هو الصوت العذب الرقيق الرفيق الرشيق. والناس يختلفون فيما أيقظ الإنجليز: أهي خشونة تلك الأصوات المنكرة التي كانت تعرض القصص على مجلس الأمن أو تنذر بعرضها عليه؟ أم هي عذوبة هذا الصوت المصري الذي أعلن أنه لن يعرض على مجلس الأمن شيئًا؟ وعلى كل حال فقد استيقظ الإنجليز — في الوقت المناسب — من نومهم القصير.

    وكان استيقاظهم في هذا الوقت بعينه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكنهم استيقظوا على كل حال، وأرسلوا ردَّهم إلى مصر في أشد الأوقات ملاءمةً لإرساله. في نفس الوقت الذي استقال فيه جماعة من الوزراء احتجاجًا على وزير الخارجية وعلى صوته العذب الرقيق، وكان صوت هذا الرد في وقت هذه الأزمة وفي أشد الأوقات ملاءمة لوصوله مصادفة لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرد البريطاني أقل دلالًا ولا استحياءً ولا إيثارًا للفتنة والتمنع من المذكرة المصرية.

    فقد وصل الرد البريطاني ولم يصل، وبلغ رئيس الوزراء ولم يبلغه. اضطربت بعض ألفاظه في الطريق، فلم يكن بد من السؤال والاستفسار والتصحيح. والمهم أن الرد قد وصل — في الوقت المناسب — فانحلت الأزمة وانجلت الغمرة، وعاد الوزراء المستقيلون إلى مناصبهم. وقرأ المصريون صباح اليوم مذكرة الحكومة المصرية، ورد الحكومة البريطانية، فماذا قرءوا؟ لم يقرءوا شيئًا؛ لأن المذكرة المصرية فاترة أشد الفتور، يدلُّ كل شيءٍ فيها على أنها كلام قومٍ نائمين، كتبوها قبل أن يستيقظوا استيقاظًا تامًّا. كتبوها ولما يغادر النعاس أجفانهم، فلم تتح لهم قوة وهم الأقوياء، ولم يتح لهم حزم ولا عزم وهم أصحاب الحزم والعزم. رأوا فيما يرى النائم أنهم يكتبون مذكرة يطالبون فيها بالحقوق الوطنية، فلما فاقوا وجدوا المذكرة مكتوبة فأرسلوها. فهم يطلبون في كثيرٍ جدًّا من الفتور وفي كثيرٍ جدًّا من اللين والنعومة أن تفكر الحكومة البريطانية في أن الوقت قد أصبح ملائمًا لإعادة النظر في المعاهدة؛ لأن هذه المعاهدة قد وقِّعت متأثرة بظروف وأحداث اقتضت تقييد الاستقلال المصري، وقبل المصريون هذه القيود متأثرين بتلك الظروف والأحداث، معتقدين أنها موقوتة تزول بزوال الظروف والأحداث. وقد زالت الظروف والأحداث بانتصار الحلفاء وبإنشاء جامعة الأمم المتحدة، واستنفدت الحرب نصوص المعاهدة وأصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذه النصوص.

    وقد نوهت المذكرة بمعونة مصر للحلفاء تنويهًا عامًّا غامضًا بريئًا من كل وضوح أو تحديد. ومهما يكن رأيي في هذه المذكرة فلن أستطيع أن أهمل شيئين أظن أن المصريين جميعًا سيقفون عندهما وقوفًا طويلًا.

    الأول: ما جاء في المذكرة من أن مصر تعرف واجبها في الدفاع عن أرضها، وهي لن تتردد في بذل تضحية مهما تكن لتقوية جيشها، بحيث يستطيع أن يثبت للمغير حتى تبلغه نجدات الحلفاء ونجدات الأمم المتحدة.

    في هذا المعنى شيءٌ ظريفٌ حقًّا، هو أن مصر تسجل في طلبها للمفاوضات عجزها عن الدفاع عن أرضها مستقلة بهذا الدفاع. فكل ما تقدر عليه من التضحيات الهائلة التي ستبذلها هو أن تثبت للمغير حتى تأتيها النجدة من حلفائها، ثم من الأمم المتحدة. فمصر تقرر قبل الدخول في أي مفاوضة أنها ستظل محتاجة إلى نجدة الحلفاء. وماذا يطلب الإنجليز أكثر من هذا، وفيما المفاوضة ما دامت مصر معترفة بأنها ستحتاج دائمًا إلى نجدة حلفائها البريطانيين. وإذا كانت هذه الحاجة مقررة معترفًا بها، فقد يستطيع الإنجليز أن يقولوا: لِمَ لا تكون النجدة التي تحتاجون إليها باعترافكم مستقرة في أقرب مكان ممكن بحيث تبلغكم دون أن يطول انتظاركم لها؟ والخير أن تستقر في أرضكم فإن لم يكن بد من أن تستقر خارج أرضكم، فالخير في أن تهيأ لها القواعد التي تستطيع أن تنجدكم منها متى وصلت إليكم. فقد يجب أن تكون في أرضكم قواعد للطائرات، وفي ثغوركم قواعد للسفن، وفي أرضكم أيضًا قواعد يأوي إليها الجيش المنجد. وقد ينبغي أن نكون قادرين على الانتفاع بهذه القواعد في أسرع وقت ممكن، فالحرب لا تحب البطء ولا تعرف الانتظار.

    وكذلك يمهد المفاوض المصري لخصمه البريطاني وسائل الاستمساك بالاحتلال أو بما يشبه الاحتلال. ولو كان الذين كتبوا هذه المذكرة أيقاظًا حين كتبوها؛ لأتاح لهم أيسر الفطنة أن يخلصوا من هذه الجملة التي أريد أن أعتقد أنها كتبت عن خطأ لا عن عمد.

    أمَّا الشيء الثاني، فهو هذه الجملة التي أضيفت إلى المذكرة وكأنها لم تكن منها، وإنما أضيفت إليها على سبيل الاحتياط، وأضيفت إلى آخرها في غير تحفظ، كأنما نسي الذين كتبوا المذكرة شيئًا ثم ذكروه فسُقط في أيديهم وأضافوه على عجل. وهذه الجملة المبهمة الغامضة المقحمة التي وصلت بالمذكرة وصلًا في آخر لحظة هي التي تتعلق بالسودان.

    أمَّا المذكرة البريطانية فائقة في الدهاء السياسي وفي الصراحة التي لا تصرح عن شيء. فهي تنبئ الحكومة المصرية بأنها تلقت مذكرتها، وتعتذر عن الإبطاء في الرد بالظروف الدولية، وبحاجتها إلى الدرس، وهي تسلم بوجهة النظر المصرية فلا تكره أن تبدأ المفاوضات قبل أوانها الذي حددته المعاهدة.

    وكانت الحكومة المصرية قد طلبت أن يشخص وفد مصري إلى لندرة للأخذ في هذه المفاوضات، فأجابتها الحكومة البريطانية بأنها سترسل في وقت قريب تعليمات إلى سفيرها في القاهرة للبدء في محادثات تمهيدية. وإذن، فلن يشخص الوفد إلى لندرة إلَّا بعد أن تمضي المحادثات التمهيدية مع السفير شوطًا بعيدًا؛ ليتبين الفريقان مكان الفائدة من شخوص الوفد إلى لندرة.

    وهذا أول الشرِّ، وإن شئت فقل: هذا أول الرفض. فقد يظهر أن الحكومة البريطانية ترى أن سفر الوفد إلى لندرة ليس من السهولة واليسر، بحيث تظن الحكومة المصرية. فلنتحدث في مصر فإن رأينا الحديث مجديًا أمكن الاستمرار فيه من وراء البحار وإلَّا وقفنا حيث نحن، ولم يتكلف الوفد المصري جهدًا ولا عناءً. وفيمَ نتحدث في القاهرة؟! لقد رسم الرد البريطاني موضوع هذه المحادثات المقبلة، فالحكومة البريطانية ترى قبل كل شيء أن مبادئ المعاهدة الأساسية ما زالت سليمة في جوهرها، على حين يرى المصريون أن هذه المبادئ لم يبقَ لها معنًى بعد انتهاء الحرب وإنشاء جامعة الأمم المتحدة. ومن هذه المبادئ الأساسية مشاركة الإنجليز المصريين في حماية القناة، فالمصريون يرون أن هذا المبدأ لا معنى له بعد انتهاء الحرب، والإنجليز يرون أنه ما زال سليمًا في جوهره. والإنجليز والمصريون جميعًا متفقون على وجوب التعاون بين الدولتين، ولكن الإنجليز يقيمون هذا التعاون على المشاركة بين الندين لحماية مصالحهما. وحكومة العمال تحب المشاركة وتحب الشركة، وتحب كل ما يتصل بالاشتراكية؛ لأنها حكومة اشتراكية فيما يظهر. والعبث بالألفاظ فن من فنون البيان، ولكن المصريين فيما يظهر لا يحبون شركة ولا مشاركة ولا تشاركًا، ولهم في الاشتراكية رأيٌ آخر. ثم ينتهي الرد البريطاني بأن الحكومة البريطانية قد أخذت علمًا بأن مصر ترغب في أن تكون مسألة السودان موضوعًا للمفاوضات.

    وكذلك يقرأ المصريون هاتين المذكرتين فلا يخرجون من قراءتهما بشيءٍ إلَّا الخوف والشك وسوء الظن. ومهما يكن من شيء فقد ينبغي أن يعرف البريطانيون، وأن يعرف المصريون الذين يؤيدون هذا العهد الحاضر أن المحادثات التي ستبتدئ في القاهرة، سيقوم بها عن المصريين قوم، مهما تكن أقدارهم ومهما تكن مكانتهم الرسمية وغير الرسمية، فهم لا يمثلون الشعب ولا ينطقون بلسانه، ولا يعتمدون على تأييده ولا يملكون تقييده بشيء، فهم يستطيعون أن يأخذوا، ولا يستطيعون أن يعطوا. ومن الحق لكل مصري ومن الحق على كل مصري، أن يأخذ لوطنه ما استطاع من المنافع، ولكن ليس لمصري مهما يكن أن يقيد وطنه أو يُعطي من منافعه إلَّا بإذن من هذا الوطن ممثلًا في برلمان صريح يُنتخب انتخابًا حرًّا صريحًا.

  • غداء

    غداء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ نوفمبر ١٩٤٥
    وأخيرًا فتح الله على حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء، فقال كلامًا تمتلئ له القلوب غِبطةً وابتهاجًا، وتمتلئ له النفوس نورًا وإشراقًا، وتهتز له مصر طربًا حتى يوشك طربها أن يكون زلزالًا ترجو أن يعصم الله مصر من أخطاره وآثاره.
    نعم، فتح الله على رئيس الوزراء، فقال كلامًا رائعًا بارعًا، روَّى عقول الصحفيين بعد ظمأٍ طويل ونقع غلة المصريين بعد أن كان الصدى يهلكهم وينتهي بهم إلى البوار. فقد اجتمع مجلس الوزراء أمس لأمر خطير، خطير جدًّا، ثم دعي الصحفيون إلى حضرة الرئيس بعد انفضاض مجلس الوزراء، فأقبلوا وقلوبهم تنزو في صدورهم وألسنتهم ترقص في أفواههم وريقهم يجف في حلوقهم. ثم تحدث إليهم الرئيس فكان كلامه يقع في نفوسهم الظامئة وقلوبهم الصادية موقع الغيث من الأرض المُجدِبة من بعد عهدها بالماء.
    وكيف لا ينعم الصحفيون، وكيف لا يبتهج المصريون، وقد تفضَّل الجنرال جيت فدعا رئيس الوزراء إلى الغداء مع الفيلد مارشال النبروك رئيس هيئة أركان حرب قوات الإمبراطورية البريطانية. أرأيت إلى هذه الألقاب الطويلة التي دُعِي رئيس الوزراء إلى الغداء معها؟ أليس في هذه الدعوة الكريمة تشريف لرئيس الوزراء وتكريم للشعب المصري الذي ينطق باسمه رئيس الوزراء. أليس هذا الغداء خليقًا أن تُتلى أنباؤه على مجلس الوزراء، وأن تُذاع أنباؤه على المصريين جميعًا. ثم إن الأمر لم يقِف عند الغداء، فقد تحدث الرجلان العظيمان بعد الغداء — أثناء انتظار القهوة وأثناء شُربها وبعد شُربها — حديثًا طويلًا وديًّا في مسائل تهم البلدين، والبلدان هما مصر التي يرأس وزراءها النقراشي باشا، والإمبراطورية البريطانية التي يرأس هيئة أركان حربها الفيلد مارشال النبروك.
    ثم يقف الأمر فجأة عند هذا الحد، وشيء خير من لا شيء، وما ينبغي لمصر أن تطمع في أكثر من هذا، فحَسبُها أن تعلم أن الرجلين العظيمين تناوَلا الغداء على مائدة واحدة، وتحدثا بعد ذلك في مسائل تهم البلدين حديثًا وديًّا طويلًا. ولكن فيمَ كان هذا الحديث؟ كان في الشئون السياسية؟ فإن الفيلد مارشال النبروك ليس صاحب سياسة، ليس من شأنه التحدث في السياسة، وما نعلم أن الإنجليز يُفوِّضون رجال الحرب في أحاديث السياسة! أم كان في الشئون العسكرية؟ فليس صاحب الدولة النقراشي باشا صاحب حرب ولا قتال، وليس له علم بالشئون العسكرية قليل أو كثير، وإذن ففيمَ كان الحديث؟! أو بعبارة أدق ما عسى أن تكون الغاية من هذا الحديث؟ أهي التمهيد للمفاوضات؟ أم هي إشاعة الطمأنينة في نفس الرئيس؟ أم هي تكدير الأعصاب؟
    وفيمَ تريد أن يتحدث عظيم من عظماء الإنجليز إلى رئيس الوزارة المصرية حين يلقاه ويجتمع معه على مائدة الغداء؟ أليس طبيعيًّا أن يدور الحديث بينهما عن مسائلَ تهم البلدين، سواء أكان الوقت وقت مطالبة بالحقوق المصرية أم وقت إهمال لهذه الحقوق ونسيان لها وانصراف عنها. وهل من الممكن أن يزور رجل كالفيلد ماريشال النبروك مصر ثم لا يلقى رئيس الوزراء، ولا يجتمع معه إلى الغداء أو العشاء مهما يكُن الوقت الذي تحدُث فيه هذه الزيارة، ومهما تكُن الظروف التي تحيط بها.
    لقد زار الفيلد ماريشال أتينا قبل أن يزور القاهرة، وما من شك في أنه اجتمع بالوصي على العرش هناك إلى غداء أو عشاء، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا عن مسائل تهم البلدين، ولكن الوصي على العرش لم يحتَجْ إلى أن يذيع عن هذا الاجتماع وهذا الحديث بلاغًا أو شيئًا يشبه البلاغ؛ لأن الوصي على العرش في بلاد اليونان — وهو قائم برياسة الوزراء الآن — يرى من الطبيعي أن يكون هذا الاجتماع، وأن يدور فيه هذا الحديث الودي الطويل حول مسائل تهم البلدين. ولأن الوصي على العرش مشغول بأمور الشعب اليوناني عن إصدار البلاغات في أمر طبيعي مألوف. وهذا هو كل الفرق بين رئيس وزرائنا ورئيس الحكومة اليونانية، أحدهما — وهو الرئيس اليوناني — مُثقَل بأشياء كثيرة يجب أن يعملها، وبأشياء كثيرة يجب أن يقولها وبأحاديث كثيرة يجب أن يديرها، والآخر هو رئيس الحكومة المصرية فارغ اليد والبال، ليس له هم ينغص يومه أو يؤرِّق ليله، وليس لديه شيء يقوله للمصريين، والمصريون مع ذلك يريدونه على أن يقول لهم شيئًا. وقد جدَّ الرئيس وكدَّ وبحث واستقصى وفكَّر وقدَّر فلم يجِد شيئًا يقوله للمصريين؛ لأنه لم يجِد شيئًا يعمله للمصريين، ثم صنع الله له ورفق به وهيَّأ له ظرفًا مواتيًا؛ فاجتمع بالفيلد مارشال النبروك واستطاع أن يذيع في المصريين نبأ هذا الاجتماع.
    والغريب أن رئيس الوزراء اكتفى بدعوة زملائه الوزراء، ولم يَدْعُ الهيئة السياسية ليقرأ عليها هذا النبأ العظيم، وليفاوضها في دخائله وأسراره وفي مقدماته ونتائجه، أفتراه يُؤثِر مجلس الوزراء بأسرار السياسة من دون الهيئة السياسية العليا؟ أم ترى الأمر أقلَّ خطرًا أو أهون شأنًا من أن يجتمع له أعضاء هذه الهيئة السياسية العليا؟ وما عسى أن يكون رأي صاحب الدولة صدقي باشا في هذا الحدث العظيم؟ أتراه يرضى عنه ويصبر عليه؟ أم تراه يضيق به فيستقيل من هيئة تُطوى دونها الأسرار وتُخفى عليها حقائق السياسة العليا؟ يستقيل وتُذاع أنباء استقالته في الصحف، ثم يدعوه رئيس الوزراء إلى غداءٍ أو عشاءٍ أو كأسٍ من القهوة يدور حوله حديثٌ وديٌّ طويلٌ كذلك الذي دار بين الرئيس والفيلد مارشال، ثم يعدل صدقي باشا عن الاستقالة؛ لأن أقنع النقراشي باشا بأنه كان مخطئًا، أو لأن النقراشي باشا أقنعه بأنه كان مصيبًا، ثم تجري الأمور كما جرت بعد استقالة الأسبوع الماضي.
    والحق أن المصريين في حاجة إلى هذه الفكاهات يَتَسَلَّوْنَ بها عن هذه الحياة الراكدة الجامدة الخامدة، التي لا تُغني شيئًا ولا تدل على شيء، والتي فُرِضَتْ على المصريين في هذه الأيام الشداد.
    يجب أن يستقيل صدقي باشا، وأن يترضاه النقراشي باشا حتى يعدل عن الاستقالة، وأن يجد الصحفيون من أصحاب الفكاهة ما يرفهون به على القراء. يا ويح هذا الشعب من ساسته العظام وقادته الكبار، إنهم ليكلفونه من أمره شططًا، إنهم ليعبثون والشعب في حاجة إلى أن يجِدُّوا، ولكن بهذا سبق القضاء وجرت الأقدار.
    فيجب أن يشغل الشعب بهذا الأحاديث الفارغة عن حقوقه المُقَدَّسَة، ويجب أن يُلهى الشعب عن آماله وأمانيه بما يكون من استقالة صدقي باشا ظهر الخميس وعدوله عن هذه الاستقالة بعد أن يقدمها بساعات قصار أو طوال.
    وبعد، فلو أن عند النقراشي باشا شيئًا يقوله أكثر من اجتماعه بالفيلد مارشال لقاله، ولو أن عند النقراشي باشا شيئًا يعمله أكثر من الغداء من الفيلد مارشال لعمله. ولكن الرجل قد بذل جهد المُقِل، وأعطى خير ما عنده أو كل ما عنده، وأجملُ بائعة للتبغ لا تستطيع أن تعطي إلَّا ما عندها كما يقول الفرنسيون. والله لا يكلف الناس فوق ما يستطيعون. وقد بذل رئيس وزرائنا طاقته كلها، فتغدى مع الفيلد مارشال وأدار معه حديثًا ودِّيًّا طويلًا في مسائل تهم البلدين، ثم أفضى بنبأ ذلك إلى مجلس الوزراء، ومن حيث إن الوزارة تُعاب بالصمت، وتؤخذ بالتقصير في نشر الدعوة لما تنهض به من أعمال جِسام. فقد أُشير على رئيس الوزراء في أكبر الظن بأن يدعو الصحفيين إلى حضرته، ويذيع فيهم هذا النبأ الخطير، وقد فعل، واللهُ لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، فيجب على الشعب المصري أن يرضى، بل يجب عليه أن يبتهج، بل يجب عليه أن يملأ الجو هتافًا وتصفيقًا وصفيرًا أيضًا. فقد تغدَّى رئيس الوزراء مع الفيلد مارشال النبروك، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهم البلدين.
    ولا ينبغي أن يفوت الشعب المصري أن لهذا الغداء خطره العظيم؛ لأن غداءً آخر حدث في لندرة، وما من شك في أن سفيرنا قد تحدَّث هو أيضًا مع ضيفه المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهمُّ البلدين، غداء في القاهرة وغداء في لندرة وغداء يطابق أصول السياسة كل المطابقة، يطابق أصول السياسة الظريفة كل الظرف، فرئيس وزرائنا ضيفٌ في القاهرة، وسفيرنا مضيف في لندرة، وليس بين الغدائين من فرق إلَّا أن غداء القاهرة دعا إليه قائد بريطاني، ولم يدع إليه السفير البريطاني أو من ينوب عن السفير.
    وتفسير هذا الفرق يسيرٌ جدًّا، فوزير الخارجية البريطانية صاحب سياسة وليس صاحب حرب؛ فهو إذن يتغدَّى مع السفير المصري ويدير معه الحديث الودِّي الطويل. أمَّا رئيس وزرائنا فصاحب مهارة حربية وبراعة في الكرِّ والفرِّ والإقدام والإحجام، فهو إذن يتغدَّى مع الفيلد مارشال ويدير معه الحديث الودِّي الطويل.
    أليس لهذا العبث من آخِر، ألم يأنِ لساستنا أن يثوبوا إلى ضمائرهم وأن ينظروا إلى الساسة من حولهم، وأن يقدروا أنهم يوشكون أن يضيِّعوا على مصر فرصًا لا سبيل إلى استدراكها إذا لم تنتهز الآن؟ ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يخلو إلى نفسه ذات صباح أو ذات مساء، وأن يسألها عن هذا الفوز العظيم المخيف الذي يظفر به في هذه الأيام؟ إنه يفوز على نفسه فيشغل بمظاهر الحكم عن حقائق الحياة المصرية، وقد كان العهد به غاليًا في الوطنية جامحًا في المطالبة بالحقوق. أيمكن أن يكون الحكم ملطِّفًا لحدة المزاج إلى هذا الحد! إنه يفوز على أمته فوزًا عظيمًا مخيفًا حين يشغلها بالتافه من الأمر عن الجهاد في سبيل الحق، وحين يلهيها بهذه الأحاديث التي لا تُغني شيئًا عن تحقيق آمالها في هذا الوقت الملائم لتحقيق الآمال.
    ليت النقراشي باشا يخلو ساعة إلى نفسه ويوازن بين موقفه الآن وموقفه في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إذن يفزع أي فزع ويهلع أي هلع، ويعلم أن الحكم قد يغيِّر بعض النفوس، وقد ينحرف ببعض الناس عن الجادة، ويدفعهم إلى كثيرٍ من الالتواء.
    ولكن صاحب الدولة في شغل عن حساب نفسه والخلوة إليها، والموازنة بين قديمه وحديثه. فقد يحب أن يبقى في الحكم ليحفظ العهد الحاضر من الانهيار، وفي انهيار العهد الحاضر خطر أي خطر. فيه هذا الخطر العظيم الذي قد لا يحبه الإنجليز، ولا يحبه أنصار الوزارة من المصريين. إن انهيار العهد الحاضر يردُّ إلى الشعب حريته ونشاطه، واندفاعه إلى المطالبة بالحق وإصراره على هذه المطالبة حتى يبلغ ما يريد، وهذا شيءٌ قد لا يحبه الإنجليز الآن، وقد لا يحبه فريقٌ من المصريين أيضًا مع الأسف الشديد.
    فليبق العهد الحاضر إذن، ولتُؤجَّل المطالبة بالحقوق، وليتغدَّ رئيس الوزراء مع الفيلد ماريشال النبروك، ولينعم الشعب المصري بهذا الشرف العظيم الذي هو أعظم وأضخم من نيل الحقوق. أليس رئيس وزرائه قد تغدَّى مع الفيلد مارشال، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا.

  • حقيقتان

    حقيقتان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٥
    أي الوزيرين يجد، وأي الوزيرين يهزل؟ أيهما ينصح للبرلمان ولا يقول له إلَّا الحق، وأيهما يداور البرلمان ولا يقول له إلَّا ما يحب أن يقول؟ ثم أي الوزيرين يعلِّم صاحبه فن السياسة وأصول التصرف في الشئون الخارجية: أهو رئيس وزراء مصر النقراشي باشا، أم هو وزير الخارجية البريطاني المستر بيفن؟ فليس من شك في أن المصريين حائرون بين هذين الوزيرين الخطيرين؛ أحدهما لا يريد أن يقول للبرلمان المصري شيئًا، والآخر لا يريد أن يخفي على البرلمان البريطاني شيئًا، وكلاهما مستمتع بثقة البرلمان، وكلاهما يفرض فيه أنه يقدم للبرلمان أخلص النصح، ويواجهه بالحق الصريح الذي لا مراء فيه.
    أيمكن أن يكون سخيفًا كل السخف، وباطلًا كل البطلان هذا الأصل الفلسفي الخلقي الذي اتفق الناس عليه منذ عرفوا التفكير، وهو أن الحق واحد لا يتعدد، وأن يكون التطور الحديث قد أثبت صدق ما كان يقال في فرنسا، وهو أن هناك حقين تفصل بينهما جبال البرانس التي تفصل بين فرنسا وأسبانيا؟ أيمكن أن يكون هناك حق مصري ليس فيه شك، وحق بريطاني ليس فيه شك، وأن هذين الحقين لا يلتقيان الآن، وإنما يذهب كل منهما في جهة مضادة للجهة التي يذهب فيها صاحبه، وإنما قد يلتقيان غدًا أو بعد غدٍ، وفي يوم من الأيام قريب أو بعيد؟
    والمصريون يعلمون أن لهم مطالب يقومون بها ويقعدون، وأنهم قد ألحوا على حكومتهم في أن تفاوض البريطانيين في تحقيق هذه المطالب، وهم يعلمون أن رئيس حكومتهم قد صرَّح أمام البرلمان بأنه وزملاءه يؤمنون بحقوق مصر، وينهضون بأعباء هذه الحقوق، ولا يقصرون في انتهاز الفرص لبلوغها. والمصريون يعلمون أنهم قد اختلفوا في فهم هذا التصريح وتفسيره، فقال أكثرهم: إن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا، وإنما هو يعلل الشعب بالأماني والآمال كما يُعلَّل الأطفال بما يُقدَّم إليهم من اللعب والوعود، وقال أقلهم: إن رئيس الوزراء صنع كل شيء، وسيصنع أكثر من كل شيء، ولكنه رجل سياسة وكياسة، ورجل حزم وعزم، ورجل حذر واحتياط، لا يقول إلَّا حين يحسن القول، فهو رجل يؤثر الذهب على الفضة، والذهب بالطبع هو الصمت، والفضة بالطبع هي الكلام.
    واتصل الخلاف بين الكثرة التي تشك فيما صنع رئيس الوزراء، والقلة التي تؤمن بما صنع رئيس الوزراء، ثم قال أحد الوزراء لإحدى الصحف: إن الوزارة قد صنعت شيئًا، وقال وزير آخر لصحيفة أخرى: إن الوزارة لم تصنع شيئًا. وأراد رئيس الوزارة أن يحسم هذا الخلاف، فاجتمع له الصحفيون، وأرهفوا آذانهم، وأعدوا أقلامهم، واستعدوا للاستماع والتسجيل، وتكلم رئيس الوزراء، ولكنه لم يقل شيئًا، وانصرف الصحفيون عنه كما أقبلوا عليه تمتلئ قلوبهم شكًّا، ونفوسهم ريبًا، وعقولهم اختلاطًا.
    ثم اشتد النقد لرئيس الوزراء من أصدقائه قبل خصومه، ورأى رئيس الوزراء — وهو صاحب الرأي الفصل دائمًا — أن يجلو الغموض، ويمحو اللبس، ويزيل القلق؛ فجمع هيئته السياسية، وجمع بعد ذلك مجلس الوزراء، وأذاع في الناس أن الهيئة السياسية قررت، ووافق مجلس الوزراء على ما قررت، وهو أن هذا الوقت أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضة في تحقيق المطالب المصرية عند الإنجليز.
    وهنا اشتد الخلاف بين المصريين مرة أخرى، فقال أكثرهم: إن هذا كلام يقال لمصر دون أن يبلَّغ إلى الإنجليز، وقال أقلهم: إن هذا كلام يقال لمصر وللإنجليز معًا، يُراد به أن تطمئن مصر إلى أن الحكومة محتملة للأمانة على أحسن وجه، ويُراد به دعوة الإنجليز لا إلى فتح باب المفاوضات، بل إلى الدخول من هذا الباب. ثم جعلت الصحف تزعم مرة أن قرار الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد أُبلِغ إلى الإنجليز، وتزعم مرة أخرى أنه لم يبلغ، وجعل بعضها يقول: إن البريطانيين قد ردُّوا على هذا الإبلاغ، وبعضها يقول: إنهم لم يردُّوا عليه.
    واجتمع البرلمان في دورته الاستثنائية، وتحدث إليه رئيس الوزراء فلم يقل شيئًا، وانفض البرلمان راضيًا أو ساخطًا أو مضطربًا بين الرضا والسخط. ولكن رئيس الوزراء ظل — كعهد الناس به — صاحب سياسة وكياسة، وحزم وعزم، ومؤثرًا للذهب الذي هو الصمت، على الفضة التي هي الكلام.
    ثم جعلت الصحف تختلف من جديد، فقال بعضها: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم لن يفاوضوا إلَّا حكومة تمثل الشعب، وليس يعنيهم كيف تؤلف هذه الحكومة، فذلك شأن من شئون مصر المستقلة، وقال بعضها الآخر: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم سيفاوضون الحكومة القائمة، وسيفاوضونها في قصر الزعفران متى عاد السفير البريطاني إلى مصر في أثناء الشهر المقبل.
    وبينما المصريون يختلفون، ويجادل بعضهم بعضًا، ويقف أصحاب الأناة والحزم منهم موقف الانتظار والمراقبة والخوف على المستقبل؛ تكلم وزير الخارجية البريطانية. وهنا ينتهي الحق المصري ويبدأ الحق البريطاني، وبين الحقين اختلاف شديد. اختلاف في الشكل أولًا: فالحق المصري كما رأيته ملتوٍ شديد الالتواء، متعرج شديد التعريج، لا يكاد الإنسان يقبل منه على وجه حتى يصرف عنه إلى وجه آخر، أمَّا الحق البريطاني فيسير سهل مستقيم لا عوج فيه ولا التواء.
    تكلم وزير الخارجية البريطانية في الثاني والعشرين من شهر أغسطس الماضي، فقال: إنه اطلع على الملاحظات التي أبداها رئيس الوزارة المصرية أمام البرلمان المصري، وأن حكومته ستدرس المسائل المصرية بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة في الوقت الملائم. وانتهى شهر أغسطس، وجاء شهر سبتمبر وانتهى، وجاء شهر أكتوبر وكاد ينتهي. وفي أثناء هذا الوقت الطويل كان الحق المصري يلتوي فيحسن الالتواء، ويعوجُّ فيحسن الاعوجاج، ويلعب بنفسه وبالمصريين كما يلعب المهرجون على الحبال. على حين ظل الحق البريطاني في مكانه ثابتًا لا يلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، لا يلتوي ولا ينزوي، لا يقدم ولا يحجم، لا يرتفع ولا ينخفض، وإنما هو قطعة من الصخر قد استقرت ولا تريد أن تزول؛ فقد تكلم وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم أمس فقال: إنه لا يستطيع أن يزيد شيئًا على ما قاله في اليوم الثاني والعشرين من شهر أغسطس، أي إنه اطلع على ملاحظات رئيس الوزارة المصرية، وسيدرس الأمر المصري البريطاني في الوقت الملائم بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة.
    وكان وزير الخارجية البريطانية قد سُئل عما يمكن أن تكون مصر قد طلبته بشأن السودان، فقال بلفظ صريح: إنه لم يتلقَّ طلبًا ما بشأن السودان، وإنه لا يحب ولا ينصح بإثارة هذه المسألة الآن. وهذا هو كل الحق البريطاني، وهو كما ترى بسيط، لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا، ولا تريد أن تثير مسألة السودان، وإذا جاء الوقت الملائم فستدرس ما بين مصر وبريطانيا العظمى بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة. أي شيءٍ أبسط وأيسر وأصرح من هذا؟ وأي شيءٍ أجدر أن يسوء المصريين، ويملأ قلوبهم حسرةً وألمًا، ونفوسهم حنقًا وغيظًا من هذا الحق الإنجليزي البسيط؟
    لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا إلى الآن بشأن السودان، وليس لدى وزير الخارجية البريطانية شيءٌ يزيده على تصريحه في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. فاجتماع الهيئة السياسية، وقرارها وموافقة الوزراء على هذا القرار، وما كان من مناقشات في الدورة الاستثنائية للبرلمان، كل ذلك لم يعط وزير الخارجية البريطانية شيئًا يضيفه إلى ما صرح به في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. لماذا؟ لأن وزير الخارجية البريطانية لم يتلق شيئًا من الحكومة المصرية.
    وللمصريين أن يقولوا ويعملوا في بلادهم ما يشاءون، فذلك لا يعني وزير الخارجية البريطانية من قريب أو بعيد ما دام لم يُرسَل إليه، وما دامت الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا، والشيء الوحيد الذي يهم وزير الخارجية البريطانية هو أن تظل المسائل المصرية نائمة لا يحب هو أن يوقظها، ولا ينصح للنواب البريطانيين بأن يوقظوها. ذلك أجدر أن يريح الحكومة البريطانية من عناء الأخذ والرد، ويتيح لها الفراغ للمشكلات الأخرى المعقدة في أوروبا وفي غير أوروبا.
    وإذن، فأي الحقيقتين نصدق: الحقيقة المصرية التي تتخذ في كل يوم ثوبًا جديدًا، وزينةً جديدةً، وتتبرج تبرج الجاهلية الأولى في بلدٍ يعاب فيه التبرج، أم الحقيقة البريطانية البسيطة الساذجة الصارمة التي تثير الغيظ، وتشيع الحقد، وتملأ النفوس حسرةً وألمًا؟!
    طلبت الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية شيئًا أم لم تطلب؟ يقول بعض المصريين: نعم، ويقول بعضهم: لا، ويقول بعضهم: لا ندري، ويأبى رئيس الوزارة أن يقول شيئًا صريحًا، ويقول وزير الخارجية البريطانية، المستر بيفن، لمجلس العموم البريطاني في لندرة في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر: إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا بشأن السودان، ولا يريد أن تُثار هذه المسألة، ولا ينصح بإثارتها، وأنه ليس لديه ما يزيده على ما قاله لمجلس العموم في الثاني والعشرين من شهر أغسطس.
    هاتان هما الحقيقتان: حقيقة مصرية ملتوية لعوب تطمع حينًا، وتؤنس حينًا، ترضى مرة، وتسخط مرة أخرى، وحقيقة بريطانية صارمة كريهة لا تكاد الأبصار ترتفع إليها حتى ترتد عنها مغيظة محنقة وقانطة يائسة. ألم يأنِ لرئيس الوزراء في مصر أن يصطنع الجد مرة كما يصطنعه وزير الخارجية البريطانية دائمًا؟! ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يصارح الأمة المصرية بالحقيقة الواضحة الجلية التي لا تتبرج ولا تتبهرج ولا تلعب بالعقول؟! ألم يأن لرئيس الوزراء أن يعلم أن الشعب المصري قد ذاق الآلام وذاقها حتى أصبح ألمًا كله، وأن الشعب المصري قد خضع للمحن، وثبت للخطوب، وتعوَّد أن يواجه المصاعب، ويصبر على المصائب، ولا يجزع من الكوارث، ولا يفزع من الحادثات؟
    يجب أن يعلم رئيس الوزراء أن الشعب المصري شجاع يستطيع أن يلقى الحقيقة وإن كانت بشعة المنظر، كريهة المظهر، مُرَّة المذاق، فليقل له هذه الحقيقة إذن، وليعرضها عليه كما هي في غير تكلف للباقة، ولا لرشاقة، ولا لهذه الفتنة الكاذبة. لن نصدق مهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره أن وزير الخارجية البريطانية قد خدع البرلمان البريطاني أو كذب عليه حين أعلن إليه أنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا. وإذن فحكومة لم تصنع إلى الآن شيئًا، وإذن فكل ما قيل لغو من اللغو، وباطل من الباطل، وكلام يعلل به الشعب كما يعلل الأطفال بالوعود والآمال.
    ولكن الشعب المصري ليس طفلًا، ولا يريد أن يكون طفلًا، ويوشك وزير الخارجية البريطانية أن يكون أحسن ظنًّا بالشعب المصري، وأصدق رأيًا فيه من صاحب الدولة النقراشي باشا. فوزير الخارجية البريطانية يعلم حق العلم أن تصريحه في البرلمان البريطاني سيذاع في أقطار الأرض، وسيقرؤه الشعب المصري فلا يفزع، ولا يهلع، ولا يضعف في الاستمساك بالحق والمطالبة به.
    وزير الخارجية البريطانية لا يتردد في مصارحة المصريين بالحقيقة الواضحة، ورئيس الوزارة المصرية لا يجرؤ على مصارحة المصريين بهذه الحقيقة الواضحة، لماذا؟ لأن أحدهما هو المستر بيفن المطمئن إلى نفسه، وإلى برلمانه، وإلى شعبه، ولأن الآخر هو حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا، الذي لا يطمئن إلى أحد، ولا إلى شيء، والذي يخشى أن تزول الأرض تحت قدميه — أستغفر الله — بل تحت كرسيه في ديوان الرياسة، إن صارح الشعب المصري بأنه لم يطلب إلى البريطانيين شيئًا بشأن حقوق مصر والسودان.

  • في الوقت الملائم

    في الوقت الملائم

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٣ أغسطس ١٩٤٥

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.

    أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.

    ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.

    واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.

    نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.

    وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.

    كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.

    إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.

    ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.

    في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.

    في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.

    فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.

    إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.

    لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.

    على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.

    أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.

    وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.

    إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.

  • الدكتاتورية الدولية

    الدكتاتورية الدولية
    طه حسين
    جريدة الوفد المصري
    ٢٩ يونيو ١٩٤٥

    لم يتلقَّ الناس مؤتمر سان فرنسسكو بما كان ينتظر أن يتلقَّوه به من غبطة وابتهاج، ولم يتتبعوا أعماله بما كان ينتظر أن يتتبعوها به من عناية واهتمام. ثم لم يستقبلوا ميثاقه بما كان ينتظر أن يستقبلوه به من رضًا وحبور. وإنما أحاط بالمؤتمر قبل انعقاده وأثناء انعقاده وبعد انفضاضه جو غريب خانق من التشاؤم والشك، ثم من الحذر والخوف، ثم من اليأس والقنوط.

    وأسباب ذلك واضحة كل الوضوح، فقد كان المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في القرم تمهيدًا لسان فرانسسكو، وفهم الناس من هذا التمهيد أنه وضع للقواعد التي لا ينبغي للمؤتمرين في سان فرنسسكو أن يحيدوا عنها، وأنه فرض لإرادة المنتصرين الأقوياء على المنتصرين الضعفاء وعلى الذين لم يشتركوا في الحرب إلَّا حين كادت الحرب أن تنتهي. ومن أجل ذلك تمنعت فرنسا وترددت ورفضت ما عرض عليها من الاشتراك في الدعوة إلى المؤتمر، ولولا إشفاقها من العزلة وحرصها على المشاركة في كل عمل دولي رعايةً لمكانتها بين الدول الكبرى؛ لكان من الممكن أن تغلو في التردد والتمنع. فأمَّا غير فرنسا من الدول فقد أقبلت على المؤتمر كارهةً فاترةً كأنما كانت تساق إليه سوقًا، ودفعها إلى هذا الإقبال الاحتياط للمستقبل، والحذر من الحاضر، وحب الاستطلاع، ومجاراة القوي، والرغبة في أن يسمع العالم صوتها على كل حال.

    وزاد في هذه الشكوك التي ملأت الجو حول المؤتمر قبل انعقاده ما قرره الثلاثة من أن المشاركة في هذا المؤتمر مقصورة على الذين شاركوا من الحرب، وأن من شاء من المحايدين أو من غير المحاربين أن يشارك في هذا المؤتمر فليس أمامه إلَّا طريق واحدة، هي أن يعلن الحرب على دول المحور بعد أن أوشكت الحرب أن تنتهي في أوروبا.

    وكذلك دخلت تركيا ودخلت بلاد الشرق الأدنى ودخلت بعض الدول الأمريكية الجنوبية، وكان هذا كله نوعًا من الترغيب المريب أو نوعًا من الترهيب المخيف.

    ثم انعقد المؤتمر ولم يكد يتقدم في عمله حتى ظهر الخلاف بين الدول الأوروبية والأمريكية الكبرى في مسائل كثيرة، وحتى تبين للناس أن المهم الخطير من أعمال المؤتمر إنما يدبر من دون الأستار لا على مشهد من كافة المؤتمرين، وحتى تبين للناس أيضًا أن الأمر كله إنما كان يدور على تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى دون عناية ظاهرة بآمال الدول الصغرى.

    ومن أجل ذلك كان الخلاف يثور من حين إلى حين بين السكسونيين والروسيين، فيضطرب كل شيء ثم يقف كل شيء، حتى إذا استقامت الأمور وتراضى المختلفون جرت سفينة المؤتمر بريح مواتية. وكانت الدول الصغيرة ترفع صوتها بين حين وحين بهذا الرأي أو ذاك، فيسمع لها الكبار مبتسمين ثم يعرضون عنها مبتسمين، ثم يصرون على ما أرادوا مبتسمين، ثم تذعن الأمم الصغرى باسمةً مرة وعابسةً مرة أخرى، ولكنها تذعن على كل حال. ثم أتم المؤتمر عمله وأمضى ميثاقه؛ فلم تبتهج الأمم ولم تغتبط، وإنما قال المؤتمرون أنفسهم كلامًا يصور الغبطة والابتهاج. ثم تفرقوا وأُلقيَ الستار وجاءتنا الأنباء صباح اليوم من سويسرا بأن المحايدين والمحاربين في أوروبا تلقوا ميثاق المؤتمر في كثير جدًّا من الفتور.

    وكذلك اضطربت الدنيا أشهرًا ثم عادت إلى السكون، وكأنها لم تضطرب. وقيل للناس: إن عالمًا جديدًا سينشأ في سان فرنسسكو، ثم رأى الناس أن سان فرنسسكو لم تزد على أن أعادت تنظيم العالم القديم. فلقي الناس ذلك كله، لا أقول بالفتور كما تقول الأنباء التي جاءت من سويسرا، وإنما أقول: بالحزن والابتئاس. فقد كان الناس ينتظرون شيئًا كثيرًا من انتصار الديمقراطية، وكانوا واثقين بأنهم سيبلغون ما كانوا ينتظرون، ثم نظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولا يكادون يرجون أن يبلغوا شيئًا.

    وإذن، فلقد بذلت الإنسانية ما بذلت، واحتملت ما احتملت، وضحَّت ما ضحَّت؛ لا ليقوم العدل الشامل الكامل مكان الجور المرهق المهلك، ولكن ليحقق المنتصرون الأقوياء ما ينبغي أن يتحقق بينهم من توازن المصالح وتكافؤ المنافع. وإذا لم يكن بد من أن نلاحظ أن مؤتمر سان فرنسسكو قد أنشأ شيئًا جديدًا، فقد نستطيع أن نلاحظ أنه أنشأ الدكتاتورية الدولية الكبرى، وهي جديدة حقًّا لم تستطع الحرب الكبرى الماضية أن تنشئها، ولم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تنشئها؛ لأن أوروبا في أعقاب الحرب الماضية لم تخضع كلها لألمانيا، ولم يقم منها الإنجليز والأمريكيون والروس مقام المحررين المنقذين، وإنما كان النصر شائعًا، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبلجيكا مشاركة قوية؛ فكان لها أن تقول كلمتها. واستطاعت أوروبا أن تخلص بذلك الفوز الأعرج الذي لم يبلغ أن يكون ديكتاتورية ولا شيئًا يشبه الدكتاتورية. فأمَّا الآن فقد خضعت أوروبا كلها لألمانيا، وأقبلت الدول الثلاث عليها محررة منقذة، وتناست الدول الثلاث ما احتملت أوروبا وغير أوروبا من هول، فأملت شروطها على الأمم المحررة كما أملت شروطها على الأمم المغلوبة، وتحققت بذلك هذه الديكتاتورية التي جعلت أمور الأرض كلها إلى الثلاثة حين اجتمعوا في القرم، وإلى الثلاثة حين دبروا مؤتمر سان فرنسسكو، وإلى الثلاثة حين يجتمعون في برلين؛ ليقبلوا ما قُرِّر في سان فرنسسكو، وليضعوا القواعد التي ستفرض على مؤتمر الصلح حين ينعقد غدًا أو بعد غدٍ.

    من أجل هذا كله لم نكن مخطئين حين تمنينا أن يكون مؤتمر سان فرنسسكو لاحقًا لمؤتمر الصلح لا سابقًا له؛ لتقبل الأمم على هذا المؤتمر وقد عرفت ما لها وما عليها، فتقدم عن بصيرة وتحجم عن بصيرة. فأمَّا الآن فقد قيدت الأمم الصغيرة والمتوسطة بقرارات سان فرنسسكو، فلن تستطيع أن تكون حرة حين تملى شروط الصلح عليها وعلى المغلوبين. ومن أجل هذا كله لم نتردد في أن ننصح المصريين ونلح عليهم في النصح ألَّا يورطوا أنفسهم حتى يظفروا بحقهم كاملًا، ويخلصوا من هذه القيود التي فرضتها عليهم المعاهدة قبل الحرب، وزادتها الحرب قوةً وشدةً وثقلًا. ولكن الناهضين بالأمر لم يسمعوا ولم يحفلوا ومضوا أمامهم لا يلوون على شيء حتى أمضوا الميثاق فيمن أمضاه، ونظرنا فإذا مصر أمام مشكلات معقدة أشد التعقيد، وكان المغفور له أحمد ماهر باشا قد أنبأ البرلمان بأنه سيحاول حل المشكلات بين مصر وبريطانيا العظمى قبل انعقاد المؤتمر فأعجله الموت عن ذلك. ولسنا ندري ما صنع خلفاؤه، ولكنَّا نعلم أن الأمر بيننا وبين البريطانيين قائم كما كان، وأننا قد أمضينا الميثاق في سان فرنسسكو، فأضفنا مشكلات إلى مشكلات، وتعقيدًا إلى تعقيد.

    وإذا لم يكن بدٌّ من أن نمضيَ في النصح للمصريين سواء منهم من نهض بأعباء الحكم، ومن أعفي من أعباء الحكم، فإنَّا نلح عليهم أشد الإلحاح في ألَّا يبرموا هذا الميثاق ولا يغلوا وطنهم بما فيه من تبعات والتزامات قبل أن يخلِّصوا وطنهم من التبعات والالتزامات التي تفرضها عليه المعاهدة بيننا وبين الإنجليز.

    يجب أن يعلم المصريون — ومن الحق علينا أن نعلِمهم — أن الارتباط بما في ذلك الميثاق من القواعد والشروط سيسد الطريق علينا إذا أردنا أن نعيد تنظيم العلاقات بيننا وبين حلفائنا، وأبى حلفاؤنا أن يعيدوا النظر في هذا التنظيم. فلننظم هذه العلاقات أولًا، ولنمحُ كلَّ خلاف بيننا وبين الإنجليز، ولنمضِ بعد ذلك إلى ما يجب علينا من التعاون الدولي بمقتضى هذا الميثاق أحرارًا كرامًا، لا مكرهين ولا مقيدين.

    هل يعلم المصريون أن لحلفائنا أن يستبقوا جيشهم في مصر بمقتضى المعاهدة عشر سنين، حتى إذا انتهى الأمد جاز أن نفاوضهم في الجلاء؟

    وهل يعلم المصريون أن الميثاق يفرض علينا إن قبلناه أن نضع مرافقنا كلها تحت تصرف الأمم المتحدة — أي الدول الكبرى — إذا احتاجت ظروف السلم إلى ذلك؟

    وهل يعلم المصريون أن معنى هذا أن مصر قد تخضع لاحتلالين أحدهما بريطاني تقتضيه المعاهدة، والآخر دولي يقتضيه الميثاق؟

    وهل يعلم المصريون أننا إذا لم نفرغ من مشكلة السودان قبل إبرام الميثاق؛ فلن نستطيع أن نحل هذه المشكلة إلَّا برضا حلفائنا الإنجليز؟

    وهل يعلم المصريون أن جامعة الأمم العربية التي فرحوا بإنشائها وحرصوا على تأييدها لن تستطيع أن تدفع العدوان عن نفسها أو عن أحد أعضائها بالقوة إلا أن يأتي هذا العدوان من ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، فأمَّا إن جاء هذا العدوان من إحدى الدول المنتصرة، فلن يكون إلى دفعه سبيل إلَّا إن رضي المعتدي؟

    هذه أشياء يجب أن يعلمها المصريون، ويجب على قادة الرأي أن يبصِّروهم بها تبصيرًا؛ ليعلموا إلى أين يُساقون، وليعلموا لأي خطر يتعرضون. وهذه أشياء تعرفها الحكومة حق المعرفة، وسيعرفها البرلمان يوم تعرض عليه حق المعرفة. والقائمون بأعباء الحكم والمدبرون لأمور الدولة في الوزارة وفي البرلمان مصريون قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. فلسنا نطلب إليهم شيئًا كثيرًا ولا غريبًا، ولسنا نكلفهم شططًا ولا نرهقهم عسرًا إن طلبنا إليهم ألَّا يبرموا هذا الميثاق حتى يحلُّوا ما بيننا وبين الإنجليز من المسائل المعلقة حلًّا يلائم كرامة الشعب ويحقق رضاه ويكفل له مستقبلًا حرًّا كريمًا.

    والشيء الذي نستطيع أن نؤكده مطمئنين كلَّ الاطمئنان إلى أننا غير مخطئين، هو أن الشعب لن يقر هذا الميثاق ولن يرضى عن الذين يقرونه إلَّا إذا حُلَّت المسائل المعلقة بيننا وبين الإنجليز قبل إبرامه حلًّا كريمًا يكفل له حقه في الحرية الكاملة والاستقلال التام في جميع أقطار وادي النيل.

  • ختام …

    حديث المساء: ختام …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ فبراير ١٩٣٤

    هو ختام وابتداء في وقت واحد؛ ختام لقصة ظريفة، وابتداء لقصة جديدة، لا نَدْرِي أتبلغ من الظرف ما بَلَغَتْهُ القصة المُنتهية، أم تقصر عنه، أم تربى عليه، ولكنها ستكون قِصَّة لا تخلو من لذة، حلوة أو مُرَّة على كل حال. أمَّا القِصَّة الظَّريفة التي خُتِمَتْ أمس فهي قصة الخلاف الذي شَجَرَ بين المندوب السامي الجديد ورئيس وزارتنا الرجل الطيب. وأما القصة الجديدة، التي بُدِئت أمس، فهي قصة الحياة المُنظمة التي ستكون بين الرجلين منذ كان تبادل الزِّيارات، والوَاقِعُ أنَّ قصة ذلك الخلاف لم تكن تخلو من ظرف يُثِيرُ الإعجاب ويبعث الابتسام؛ فهي قد جمعت بين الفُكاهة المرضية والجد المُخيف، ثم انتهت كما كانَ يَجِبُ أَنْ تَنْتَهي أو كما كان يَجِبُ أنْ تبتدئ، وسأل الناس أنفسهم فيمَ كان النشاط والاضطراب؟ وفيمَ كان الاحتجاج واللجاج؟ وفيم كان مَدُّ الشفاه وتقطيب الجباه واستعارة هذا الغشاء القاتم، غشاء العبوس؟

    ختمت القِصَّةُ بما كان ينبغي أن تُخْتَم به، فبدأ رئيس الوزارة بزيارة المندوب السامي، وختمت القصة بما كان ينبغي أن تبدأ به؛ فقد كان ينبغي أن يزور رئيس الوزراء دار المندوب السامي قبل أن ينتظر من المندوب السامي أنْ يَسْعَى إليه، وإذن ففيم كان الأخذ والرَّد؟ وفيم كان الدفع والشدُّ؟ وفيم كانت تلك المَقَالَاتُ المُلْتَهِبة والفصول المضطربة، التي كانت تنشر في الصحف وتُذَاع بين الناس، نَقْدًا لِمَسْلَكِ المَنْدُوب السامي، وتأييدًا لموقف الرَّجل الطَّيب، ودِفَاعًا عن استقلال مصر، وإنكارًا لما يزعمه الإنجليز لممثلهم من الامتياز؟ وفيم كان إحياءُ التاريخ القديم، ونشر ما طوي من محاضر مجلس النواب أثناء الائتلاف؟ وفيم كانت المطالبة بأن يكون المندوب السامي كغيره من الممثلين السياسيين، لا يَسْتَقْبِلُه أَحَدٌ إِذا جاء، ولا يزوره أَحَدٌ حتى يَبْدَأ بالزيارة؟ وفيم كان الإلحاحُ من أن يقدم المندوب السامي أوراق اعتماده إلى جلالة الملك كما يقدم غيره من الممثلين السياسيين؟ ثم فيم كان إقلاق وزيرنا المفوض في لندرة، وإثارة المناقشة بينه وبين وزارة الخارجية البريطانية، حتى ظَنَّ النَّاسُ أن بين القاهرة والعاصمة البريطانية أَزْمَةً سِيَاسِيَّةً حَادَّةً، تُوشِكُ أَنْ تكون بعيدة المدى؟ فيم كان هذا كله ما دام الأمر قد انتهى إلى حيثُ كان يجب أن ينتهي، وما دام الأمر قد خُتِمَ بما كان يجبُ أن يبتدئ به، تستطيع أن تلقي هذه الأسئلة، وأن تلقي أسئلة أخرى أكثرَ من هذه الأسئلة، ولكنك لن تظفر بجواب.

    فأما الذين اندفعوا في تأييد الوزارة، وطلبوا إلى المصريين أن لا يبخلوا عليها بالتأييد، وألحُّوا على المصريين في أن يحموا ظهرها ويشدوا أزرها فيما اعتزمت بمُطَالبة بالحق واحتفاظ بالكرامة، وذَوْد عن الاستقلال، وتسوية بين ممثل الإنجليز وممثلي غيرهم من الأمم في مصر؛ فأمَّا هؤلاء فسَيُجيبونك بالصمت المُحكم، والسكوت البليغ، وسينسون هذه القصة كلها نسيانًا، وسيتحدثون إليك في أشياء أخرى، قد يُعْجِبُك وقد لا يُعجبك أن يتحدثوا فيها إليك، ولكنهم سيتحدثون على كل حال؛ لأنَّ صُحفهم لا بد أن تصدر، ولا بد أن تصدر ممتلئة لا فارغة، وهم لا يستطيعون أنْ يقولوا في هذه القِصَّة شيئًا، بعد أنْ صَرَفَ اللهُ شَرَّهَا عن الوزارة، وبعد أن أراح الله رئيس وزرائنا الرجل الطيب مما كانت تكلِّفه من عناء. فإذا ظهر خلافٌ آخر بين الرَّجُل الطيب والمندوب السامي، واحتاج الرجل الطيب إلى التأييد أو ما يُشْبِه التأييد، فإنَّ هَذِه الصُّحف قادِرَةٌ بإذن الله على أنْ تُهَاجِمَ الإنجليز وتذكر عدوانهم وطغيانهم، وتنكر امتيازهم من غيرهم من الأجانب، وهي قادرة بإذن الله على أنْ تقلب في مجالس مجلس النواب ومجلس الشيوخ أيام الائتلاف أو أيام حكم الوفد لتجد موقفًا من هذه المواقف التي طالبت فيها مصر بكرامتها، وحرصت فيها مصر على حَقِّهَا، وهي قادرة بإذن الله على أن تنشر من ذلك ما طُوِي، وتطلب إلى المصريين أن يؤيدوا رئيس الوزراء.

    فإذا انتهى الخلاف بالتسليم والرِّضا والإذعان لقَضَاءِ الله كما انتهى الخلافُ أمس، فهذه الصُّحف قَادِرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ على أنْ تدخل في الصمت، وتغلق من دونها أبوابه إغلاقًا مُحْكَمًا كلَّ الإحكام، وكذلك يعبث الناس بعقول الناس، ويسخر الناس من الناس، ويلعب الناس بالعواطف الوطنية كما يلعب الأطفال بهذه الكرات الصغيرة التي يتخذونها من الحجر أو الزجاج.

    وأما الصحف الأخرى التي كانت مُستحية مُستخذية لا تذكر هذا الخلاف إلا كَارِهَةً، وَلَا تَقِفُ عِنْدَهُ إِلَّا وقفات قصارًا، حتى إذا اشتَدَّ الأَمْرُ، وَعَظُمَ الحَرَجُ، وقَيِلَ إن رئيس الوزراء قد استقال، دافعت عن استقالة رئيس الوزراء، وزعمت أنها استقالة مشرفة، ترفع الرأس، وتبيض الوجه، وتحسن الذكر، وتخلد اسم الرئيس في التاريخ. أما هذه الصحف، فهي تعرف كيف تُجيب، وقد عرفت بالفعل كيف تجيب، وقد نشرت جوابها صباح اليوم، يستطيع أن يراه من يمنحه الله شيئًا من الشجاعة على قراءة صحيفة الشعب، وهذا الجواب يسير ليس أقل ظرفًا من القصة نفسها، فصحيفة الشعب مسرورة، راضية، وصحيفة الشعب مُغتبطة مُبتهجة؛ لأنَّ الله قد كشف عن الوزارة ضُرَّ هذا الخلاف، وصحيفة الشعب لا يقنعها الرِّضا، ولا يكفيها السرور، وإِنَّما تمدُّ لنفسها في الأمل، وتفتح للوزارة أبوابًا من الرجاء، وفنونًا من الثقة بالمُسْتَقبل المزهر الوضِيء، فالصلح الذي تم أمس دليل واضح عند صحيفة الشعب، وعند أنصار الوزارة بالطبع، على أنَّ أسباب الحياة مَمْدُودة للوزارة، وأبواب الأمل مفتوحة لرئيس الوزراء، وإذن فما أكثر ما خدع المُعارضون أنفسهم، وما أكثر ما اندفعوا في الأمل، وما أكثر ما أمعنوا في الرَّجاء، ثُمَّ مَا أَشَدَّ ما ألمَّ بهم من خيبة الأمل، ومرارة اليأس والقنوط!

    وكذلك كان غضب رئيس الوزراء من المندوب السامي مُشرفًا أمس، وأصبح رضا رئيس الوزراء بما طلبه المندوب السامي مشرفًا اليوم، وكذلك كان رئيس الوزراء مُصيبًا حين غضب، وكان رَئِيسُ الوزراء مُصيبًا حين رَضِي، وكذلك كان رَئِيسُ الوزراء مُوَفَّقًا حين امْتَنَعَ عَنِ السَّعْي إلى المندوب السامي، وكان مُوفَّقًا حين قبل السعي إلى المندوب السامي، ولا بَأْسَ على صحيفة الشعب من هذا؛ فرئيس الوزراء رجل طيب، وكل رجل طيب فهو رجل معصوم، وكل رجل معصوم فهو رجل مُوَفَّق، يصيب حين يأْبَى، ويُصيب حين يرضى، يُحسن حين يحجم، ويُحسن حين يُقْدِم، لا بأس عليه من شيء، ولا بأس منه على شيء.

    ومع ذلك فماذا كان يُريد الإنجليز من رئيس الوزراء؟ كانوا يُريدون أن يسعى لزيارة المندوب السامي ليستطيع المندوب السامي أن يسعى إليه، فأَبَى رَئِيسُ الوزراء هذا، وأَلَحَّ في إبائه، وكَرِهَ أن يسعى مرتين، وقال: لقد سعيت إلى المحطة، فلن أسعى إلى الدار، وكان رئيس الوزراء في هذا مُخالفًا للتقاليد فيما يقول الإنجليز، مُدافعًا عن الاستقلال فيما يقول الوزاريون، ثم ماذا فعل رئيس الوزراء؟ سعى إلى دار المندوب السامي كما كان يطلب منه الإنجليز، ثم اسْتَقْبَل المندوب السامي كما كان يعرض عليه الإنجليز.

    فماذا فعل؟ وماذا ترك؟ وماذا قَبِلَ؟ وماذا رَفَضَ؟ لم يفعل شيئًا ولم يترك شيئًا! لم يقبل شيئًا ولم يرفض شيئًا! وإِنَّمَا سَارَ سيرة أمثاله من رؤساء الوزارات إلا أَنَّه أَظْهَرَ التَّمَنُّعَ أَوَّلَ الأَمْرِ، ثم اضطر إلى الرِّضَا، فليته لم يتمنَّع ما دام آخر الأمر رَضِي، وليته لم يرضَ ما دام أَوَّلَ الأمر تَمَنَّع، ولكن ماذا تُريد؟ كذلك يفعل الرجال الطيبون، فأما غيرهم من رؤساء الوزارات فإنهم يرضون في غير تمنع؛ لأنهم ليسوا طيبين، أو يتمنعون في غير رضًا؛ لأنهم ليسوا طيبين أيضًا.

    ومع هذا كله فرئيس وزرائنا خليق بالتهنئة حريٌّ أنْ يُقَدَّم إليه الثناء، ونحن لا نبخل عليه بالتهنئة إذا استحقها، ولا نَضِنُّ عليه بالثناء إذا استأهله، وهو مِنْ غَيرِ شَكٍّ مُسْتَحِقٌّ للتهنئة، مُسْتَأهل للثناء في هذه المرة.

    كانوا يَقُولُون إنَّهُ استقال، أو إنه يُريد أن يَسْتَقِيل، وكُنَّا نُنْكِرُ ذلك، وننصح لرئيس الوزراء أن لا يُقْدِمَ عليه، فما ينبغي لرئيس الوزارة أن يستقيل لأَنَّه مُخاصم للمندوب السامي، وإذا لم يكن بُدٌّ مِنْ أَنْ يترك أحد المُختصمين الميدان لصاحبه، فإن رئيس الوزراء ليس هو الذي ينبغي أن يترك الميدان، وما رأينا قطُّ أنَّ رَئيس وزارةٍ استقال لأنَّه غَضِبَ من ممثل سياسي أجنبي. وقد قبل رئيس وزرائنا هذا النصح، ورضي رئيس وزرائنا بهذا الرَّأي، وأقام رئيس وزرائنا في مَنْصِبِهِ، وضَحَّى في سبيل ذلك تضحية شَاقَّة عسيرة على نفسه، فقبل أن يَبْدَأ هو بالسعي إلى المندوب السامي، وكان قد صَمَّمَ أَنْ لا يفعل فيما كان يُقال، فمن الحق علينا أنْ نَحْمَدَ لرَئيس الوزراء قبوله ما قدمنا إليه من نصح، وإقراره ما عرضنا عليه من رأي. ومن الحق علينا أن نحمد لرئيس الوزراء إنكاره لنفسه في سبيل مصر، وتَضْحِيَتَهُ بالاعتبارات الخاصة في سبيل الاعتبارات العامة، وتكلفه ما لم يكن يُحِبُّ ولا يُرِيدُ، حتى لا يُقالَ إن خلافًا بين الإنجليز ورئيس الوزارة المصرية قد اضطر الوزارة أن تستقيل، وعلى هذا النحو انتهت تلك القصة الظريفة إلى ما كان ينبغي أن تنتهي إليه، وختمت بما كان ينبغي أن تبتدئ به.

    وبدأت أمس قصة أخرى لا ندري كيف تكون، ولكننا نتمنى على رئيس الوزراء أنْ لَا يَرْضَى عن شيء أو يَأْبَى حتى يُفَكِّر ويُطِيلَ التفكير، وحتى يسأل ويَسْتَشِيرَ؛ فَإِنَّ ذلك خَلِيقٌ أَنْ يَعْصِمَه من التورط في مثل ما تورط فيه من أمر البدء بالزيارة، ولعله يعصمه من أشياء قد لا يكون الخروج منها مُمكنًا إلا بالخروج من منصب الحكم، ورئيس الوزراء يعلم حقَّ العلم أن ليس أشقَّ على مصر ولا أشد إيذاءً لها من أن يستقيل هو، وتخلو مناصب الحكم من وزارة كوزارته قِوَامُها الحزم والعزم، وحفظ الكرامة، والذود عن الاستقلال، ببركة هذه الطيبة التي تملأ قلوب الرجال الطيبين.

  • رحيل

    حديث اليوم: رحيل

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٩ يوليو ١٩٣٢

    رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد، ثم إعلان الانتصار، وفخار أي فخار! وكبت الحسود، ورغم الحقود، وخزي الشامت، من ناطق وصامت، وتفريق المعارضين، بالشمال واليمين، ثم استقرار النظام، في أمن وسلام، على مدى الأيام.

    تلك أماني صادقة نرسلها مخلصين لتصحب رئيس الوزراء حين يطير على الماء بعد أن عَامَ في الهواء، وحين تستقبله مدينة القياصرة باسمة ناضرة كما تستقبله القاهرة. وأَخْلِقْ بالمدينتين أن تتشابها! وأَخْلِقْ بهما أن تتقرب كل منهما إلى الأخرى! تلك مدينة نيرون وهذه مدينة قلاوون، تلك عاصمة المسيحية وهذه عاصمة الإسلام، تلك مستقر السنيور موسوليني حليف البابا وهذه مستقر صدقي باشا صديق الأستاذ الأكبر، تلك مدينة الغرب الخالدة وهذه مدينة الشرق الماجدة.

    ما أخلق المدينتين أن تتقرب إحداهما من الأخرى يوم يسعى النبوغ إلى النبوغ ويبتسم الذكاء للذكاء، وتصافح الكفاية الكفاية، ويشهد صدقي مأدبة موسوليني.

    تعالى الله ما شاء وقوَّى الله إيماني

    ماذا ينقص المصريين؟! وماذا يمنعهم أن يكونوا أسعد الناس وأعظمهم حظًّا من الابتهاج؟! لقد أخطأتهم صداقة لندرة فكسبوا مودة روما. وأين تقع لندرة من روما؟! لقد فاتهم التحدث إلى مكدونلد فأُتِيحَ لهم التحدث إلى موسوليني! وأين يكون مكدونلد من موسوليني؟!

    إن في المصريين لبطرًا لا يشبهه بطر، وإن فيهم لأشرًا لا يعدله أشر، متى رأوا قبل اليوم مدينة خالدة ماجدة كمدينة روما تتأهب وتتزين للقاء وزيرهم الأكبر، قبل أن يقصد إليهم بأسبوع أو أكثر من أسبوع؟! وهم على هذا كله لا يعلنون السرور ولا يظهرون الابتهاج ولا يقيمون الأعياد في أطراف البلاد!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    هذه جريدة المقطم تعلن إلينا اليوم أن قد احْتُجِز لرئيس الوزراء جناح خاص على هذه السفينة الفخمة الضخمة التي يسمونها إسبيريا، ومتى احتُجِز قبل اليوم لوزيرهم الأكبر جناح خاص على سفينة فخمة ضخمة كالإسبيريا؟! ومتى أُعْلِن ذلك في الصحف؟!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    لن يبلغ وزيرهم الأكبر ثغر نابولي حتى يستقبله فيه الممثلون الملكيون والعسكريون للحكومة الإيطالية، ولن يركب القطار حتى يكون عن يمينه مندوب رسمي إيطالي وعن شماله وزير مفوض مصري.

    متى استُقْبِل وزراؤهم على هذا النحو؟! ومتى رُوفِق وزراؤهم على هذا النحو؟!

    ماذا ينقصهم؟! وما الذي ينتظرون؟!

    إني نذير لهم إن لم تمتلئ نفوسهم عزة وتنتفخ أوداجهم كبرًا بهذه الحفاوة التي تُهيَّأ لوزيرهم الأكبر أن يعودوا كما كانوا من قبل ضعفاء أذلاء يسافر وزيرهم الأكبر كما يسافر عامة الناس لا تُحتجَز له أجنحة في السفن، ولا يستقبله في الثغور حكام المدن وقواد الجيوش، ولا يرافقه في القطار مندوب رسمي ووزير مفوض، ولا تحتفي به مدينة روما الخالدة، ولا يُولِم له عظيم إيطاليا وزعيمها.

    اللهم ألهم المصريين شكر النعمة، كما ألهمتهم احتمال النقمة. اللهم علمهم الابتهاج كما علمتهم الاحتجاج.

    ماذا يريد المصريون؟! وماذا ينقصهم؟!

    يريدون المفاوضة مع الإنجليز، ويريدون أن يستخلصوا استقلالهم من الإنجليز. بُعْدًا للمفاوضة وأفٍّ للاستقلال! ما أظن أن الله قد أراد بهذا البلد خيرًا حين وضع في رءوس أهله فكرة الاستقلال وحين ألهمهم أن مفاوضة الإنجليز قد تؤدي إليه!

    أشهد إن رؤساء الوزارات كانوا مستريحين قبل أن تنبت فكرة الاستقلال في الرءوس، ويلعب خيال المفاوضة بالنفوس، كانوا يسيرون بوزاراتهم الإدارية في أناة ورفق، يغدون على دواوينهم ويروحون منها هادئين وادعين، لا ينغص عليهم حياتهم مكاتب المقطم اللندني، أو مكاتب الأهرام الخاص، أو المحرر السياسي للديلي تلغراف، وكانت لهم وزارة خارجية قبل الحماية تتصل بالدول وتفاوضها كما تفعل وزارة خارجيتنا الآن في مسائل قيمة منتجة تُكتَب فيها المذكرات الطوال الممتعة كهذه المذكرات التي تكتبها وزارة خارجيتنا الآن حين تفاوض الدول في ضريبة السيارات، أيجب أن تُقاس بالوزن، أم يجب أن تُقاس بالسرعة، أم يجب أن تُفرَض على السيارة؛ لأنها سيارة؟!

    هذه هي المسائل القيمة الممتعة التي يجب أن تدور حولها المفاوضات! هي قيمة ممتعة؛ لأنها ستنتهي بعد يوم أو أيام أو بعد عام أو أعوام بإغناء الخزانة المصرية، وهي قيمة ممتعة لأن أصحاب العقول المفكرة والذين يحبون الفلسفة يستطيعون أن يجدوا فيها غذاءً فلسفيًّا ممتازًا حين يقارنون بين الوزن والسرعة، وحين يعرفون أن العالم الألماني العظيم أينشتين يرى أن الوزن شيء نسبي يختلف باختلاف السرعة؛ فليس للسيارة وزن واحد وإنما تختلف أوزانها باختلاف سرعتها حين تنهب الطريق!

    هذه هي المفاوضات الخصبة المنتجة اللذيذة!

    ولكن حكومتنا تحاول أن تحبب هذا النوع من المفاوضات إلى المصريين، لعلهم ينصرفون إليه عن مفاوضة الإنجليز في الاستقلال فلا تفلح ولا تُوفَّق.

    كانوا مبتهجين برحلة رئيس الوزراء حين كان من ورائها أمل الذهاب إلى لندرة والمفاوضة في الاستقلال. فلما قُطِع هذا الرجاء أو أُخِّر إلى الشتاء فتروا وأخذوا يقرءون أخبار هذه الرحلة الميمونة بشيء من الإغضاء يبعث على الرثاء، وأخذت الصحف تستحثهم بما تنشر من أخبار هذه الرحلة ومما سيكون فيها من ألوان الحفاوة والإكرام، فلا يبعث فيهم هذا نشاطًا ولا ينفخ فيهم هذا روحًا من قوة.

    ولا تُصَدِّقْ أن الأزمة المالية هي التي أحزنتهم فلا يفرحون وأسكنتهم فلا ينشطون، وأسكتتهم فلا يقولون، لا نصدق هذا. فليست الأزمة المالية إلا أسطورة خلقتها المعارضة من عند أنفسها، ولو أن في البلاد أزمة مالية حقًّا لما تفرق وزراء الدولة في أقطار الأرض يلتمسون الراحة ونعيم الحياة. ومتى رأيت الوزراء في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا يتركون بلادهم إبان الأزمة للراحة أو الاستشفاء؟!

    إنما الأزمة أسطورة خلقتها المعارضة، ولو كان في مصر أزمة مالية حقًّا لما تركها في وقت واحد وزير المالية ووكيلها. هذا يتحدث في القطن دون أن يرفع ثمن القطن، وذاك يسلم على زعيم إيطاليا ثم يستشفي ويستريح.

    ليس في مصر أزمة مال، ولو قد كانت فيها هذه الأزمة حقًّا لما تركها رئيس الوزراء وهي أحوج ما تكون إلى عنايته المتصلة بماليتها وسهره الدائم على اقتصادها.

    أزمة المال وأزمة التعليم أسطورتان لا تدلان على شيء. وزير المالية ووكيله يغيبان عن مصر، وزير المعارف ووكيله يغيبان عن مصر، وزير الحقانية يستريح في إنجلترا، وزير الأشغال يهيئ لجبل الأولياء في لندرة، ووزير الزراعة يُرفِّه عن نفسه لا أدري في أي مكان.

    كل شيء في مصر على أحسن حال. وإذن؛ فما بال المصريين لا يكترثون برحلة وزيرهم الأكبر، ولا يحفلون بما يحيط بهذه الرحلة من مظاهر الإكرام والإجلال؟!

    قال فريق من الناس: وكيف تريد المصريين على أن يتهجوا برحلة رئيس الوزراء وهو أحب إليهم من حياتهم وأعز عليهم من أنفسهم؟! ومتى رأيت حبيبًا يفرح بفراق حبيب؟! وأين ذهب عنك قول النابغة:

    زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك تنعاب الغراب الأسود

    لا مرحبًا بغدٍ ولا أهلًا به إن كان تفريق الأحبة في غد

    وقال فريق آخر: وكيف لا يحزن المصريون ولا يبتئسون لرحلة رئيس الوزراء عنهم في هذه الأيام والحوادث تحدث، والنوائب تنوب، والأزمات يتلو بعضها بعضًا؟!

    ولرئيس الوزراء سابقة يشفق منها المصريون الذين يحبونه أكثر مما يحبون حياتهم، ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم؛ كان وزيرًا للداخلية، ثم سافر إلى أوروبا ليستريح، ثم نابت نائبة فاستقال من باريس. أليس من حق المصريين الذين يحبون رئيس الوزراء أكثر مما يحبون حياتهم ويؤثرونه أكثر مما يؤثرون أنفسهم أنفسهم، ألا يرتاحوا لهذه الرحلة وأن يشفقوا من أن تعود حليمة إلى عادتها القديمة، وأن يذكروا قول جرير وقلوبهم ملؤها الحسرة ونفوسهم يعبث بها الأسى:

    يا أم ناجية السلام عليكم قبل الرواح وقبل لوم العذل

    لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل

    أو كنت أرهب وشك بين عاجل لقنعت أو لسألت ما لم أسأل

    قال فريق آخرون: فأل الله ولا فألكم أيها المتشائمون! ما نرى إلا أن المعارضة الماكرة قد نفخت فيكم من روحها السيئ ونفثت فيكم من سمها الذي يميت القلوب، من زعم لكم أن المصريين لا يبتهجون برحلة رئيس الوزراء؟! ألم تقرءوا الأهرام؟! ألم تقرءوا المقطم؟! ألم تقرءوا الشعب؟! ألم تعلموا أن الشيوخ والنواب يُهرَعون إلى الإسكندرية منذ الآن ليحتفلوا بوداع رئيس الوزراء؟! وإذا ودعه الشيوخ والنواب فقد ودعته مصر، فهم مصر تأكل وتشرب وتمشي في الأسواق وتسافر إلى الإسكندرية لتودع رئيس الوزراء، فأما الآخرون فليسوا شيئًا؛ لأنهم قد نزلوا عن حقهم في الحركة والقول لبرلمانهم وأعضائه الشيوخ والنواب، فليس لهم إلا أن يستريحوا خمس سنين كاملة.

    وكان في القوم شيخ وقور يُعرَف بالفهم والذكاء والمكر والدهاء، لا يطيل الكلام ولا يحسن الابتسام، ولكنه إن قال أصاب الحق، وإن ابتسم كان ابتسامه دليلًا على أن الشر قد صُرِف عن الناس حينًا، وعلى أن الدهر سيبتسم لهم لحظه.

    سمع هذا الشيخ حديث الناس وهو مطرق ينكت الأرض بعصاه، فلما فرغوا رفع رأسه، فالتفتوا إليه، ثم ابتسم فتعلقوا بشفتيه، ثم قال بصوت هادئ مطمئن: ولا بأس عليكم؛ فلن تجني مصر من رحلة رئيس الوزراء إلا خيرًا، لئن فاتته مفاوضة الإنجليز فسيفاوض الإيطاليين، أهدى إليهم جغبوب أمس؛ لأنها لم تكن مصرية قط، وسيهدي إليه الإيطاليون أرتيريا غدًا؛ لأنها لم تكن إيطالية قط!

    ولو عرف المصريون كيف يفهمون قول هذين البيتين لاستراحوا:

    ألا إلا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصيُّ

    فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وحَسْبُك من غنًى شبعٌ وريُّ

    رحلة موفقة إن شاء الله وسفر سعيد، وعودة سالمة إن شاء الله وإياب حميد.

  • وضوح

    حديث اليوم: وضوح

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٣ يوليو ١٩٣٢

    يظهر أن صلات جديدة تريد أن تنشأ بين لندرة والقاهرة، قوامها الصراحة والوضوح إلى حَدٍّ ما.
    أو قل إن لندرة تريد أن تعود — فيما يظهر — إلى سياسة الصراحة والوضوح التي كانت بينها وبين
    القاهرة، قبل أن تنهض هذه الوزارة القائمة بأعباء الحكم؛ فتضطرها إلى العدول عن الصراحة والوضوح
    إلى المواربة والغموض. وتفسد بذلك العلاقة بين شعبين كانا يخطوان إلى المَوَدَّةِ الصادقة خطوات
    واسعة بعيدة المدى.

    نعم، كل شيء يدل على أن لندرة تريد أن تستأنف سياسة الصراحة والوضوح، بعد أن سئمت سياسة
    المواربة والغموض، أو بعد أن قضت أوطارها من هذه السياسة وظفرت أثناء عامين من الوزارة القائمة
    بما كانت تريد. فقد أخذت بيئاتها السياسية المختلفة منذ أسابيع تُظهر شيئًا من التبرُّم يزداد
    وضوحًا وجلاءً كل يوم بالعلاقات الرسمية القائمة بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام، وكانت مسألة
    المفاوضات مصدر هذا التبرُّم والملل؛ فلم يكَد رئيس الوزراء يطلب إلى الحكومة الإنجليزية
    بأسلوبه غير المعروف البَدء في المفاوضة حتى أظهرت البيئات السياسية الإنجليزية نفورًا شديدًا،
    وقد حملت إلينا الأهرام مظهر هذا النفور منذ أسابيع، ثم أكدته المقطم، ثم أمعنت الديلي تلغراف
    في تأكيده، ثم حاول رئيس الوزراء في ختام الدورة البرلمانية أن يلقي على أمر المفاوضات ستارًا.
    فلم تلبث الأهرام أن أزاحت الستار أمس بمقال جاءها من مكاتبها يصور رأي المقامات السياسية
    الإنجليزية في المفاوضات والانتخابات الحرة والوزارة القومية.

    ومقال الأهرام موعز به من غير شك. فهو إذن صورة مقاربة — إن لم تكن صادقة كل الصدق — لرأي
    المقامات السياسية الإنجليزية في هذه المسائل الثلاث، فأما المفاوضات فترى هذه المقامات
    السياسية أن لا سبيل إليها مع رئيس الوزراء ووزارته؛ لأنهما لا يمثلان مصر ولا يستطيعان تقييدها
    بما قد يتم عليه الاتفاق بينهما وبين الإنجليز. وقد كانت الديلي تلغراف صريحة واضحة، فأعلنت أن
    المفاوضة غير مرغوب فيها مع رئيس الوزراء؛ لأن بقاءه في الحكم حتى يتم تنفيذ المعاهدة غير
    مضمون، ولأن خصومه مع الوفديين والأحرار والدستوريين لا بد أن يحسب لهم حساب في كل اتفاق مع
    مصر. وإذن فالإنجليز لم يغيِّروا مذهبهم الذي أعلنوه غير مرة، وهو أنهم لا يريدون أن يعاهدوا
    حكومة وإن كان رئيسها صدقي باشا، وإنما يريدون أن يعاهدوا شعبًا. وما دام صدقي باشا لا يمثل
    الشعب ولا ينطق بلسانه ولا يستطيع أن يقيده بما يمضي من اتفاق، فمفاوضته لون من العبث والاتفاقُ
    معه لغو لا خير فيه.

    وليس من شك في أن تفكير البيئات السياسية الإنجليزية في هذا الموضوع مستقيم لا عِوَج فيه،
    صريح لا غبار عليه، ملائم كل الملاءمة لتفكير المصريين الذين تمثلهم المعارضة فيما يظهر أصدق
    تمثيل، وإن لم يعجب ذلك رئيس الوزراء. فالمصريون يريدون أن يتفقوا مع الإنجليز اتِّفاقًا يرضونه
    ولا يُكرَهون عليه إكراهًا. اتفاقًا قوامه الإخلاص والصراحة والنصح، لا يختلس منهم اختلاسًا،
    ولا يُفرض عليهم فرضًا. ومن الواضح أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على يدي رئيس
    الوزراء.

    أما مسألة الانتخابات الحرة فقد يظهر — إن صح ما يقوله مُكاتب الأهرام — أن الإنجليز قد يئسوا
    منها واعتقدوا أن ليس إليها في مصر سبيل، وأن ما يؤخَذ به صدقي باشا يمكن أن يتهم به الوفديون
    لو أنهم أشرفوا على الانتخابات. لهذا لا تعتمد البيئات الإنجليزية فيما يقول مُكاتب الأهرام على
    الانتخابات الحرة لتعرف رأي المصريين ورضاهم عن المعاهدة، ورأي البيئات الإنجليزية في هذه
    المسألة خاطئ لا يحتاج إلى التصحيح، معوج يحتاج إلى التقويم. وإثم هذا الخطأ والاعوجاج في الحكم
    على أخلاق المصريين وكرامتهم وفَهمهم للحرية وتقديرهم للديموقراطية، ورعايتهم لديموقراطيتهم
    الناشئة يقع على الوزارة القائمة. فلولا أنها سلكت في انتخاباتها طريقها التي نعرفها نحن
    ويعرفها الإنجليز، والتي ننكرها نحن وينكرها الإنجليز، والتي تحول بينها وبين المفاوضة
    والمعاهدة؛ لما رأى الإنجليز رأيهم هذا في مبلغ تقدير المصريين للحرية والكرامة
    والديموقراطية.

    ومهما يكُن من شيء، فإن البيئات السياسية الإنجليزية لا تستطيع أن توجِّه إلى الوفد عُشر ما
    تستطيع أن توجهه إلى رئيس الوزراء ووزارته من التهم في أمر الانتخابات. فمن الأشياء الواضحة
    التي لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا أن الوفد لم يُحِطْ الانتخابات في يوم من الأيام بما أحاطها بها
    رئيس الوزراء ممَّا يدعو إلى الشك، ويُضطر إلى الريب. فالوفد لم يُلْغِ حرية الكلام والخطابة،
    ولم يُلْغِ حرية الانتقال، ولم يكلف خصومه الصمت والسكون، ولم يُحِطْهم بالحرس والجند أثناء
    الانتخابات وقبل الانتخابات. والوفد لم يسلك مع الموظفين السبيل التي سلكتها الوزارة القائمة
    معهم في أمر الانتخابات. والوفد لم يعرض عملية الانتخابات نفسها لما عرضتها له الحكومة القائمة،
    ولم يعطل الصحف قبلها. وشيء يسير من المقارنة النزيهة بين انتخابات الوفد وانتخابات الوزارة
    القائمة يثبت في وضوح وجلاء أن ما تُعاب به انتخابات الوفد طبيعي مألوف في كل ديموقراطية ناشئة
    لم يبعد عليها العهد، ولم يمرن عليها الشعب. أما ما تعاب به انتخابات الوزارة القائمة فشيء غير
    ذلك، لا نستطيع أن نقوله مخافة القوانين الجديدة، ولكنا لسنا في حاجة إلى أن نقوله؛ لأن
    الإنجليز يعرفونه حق المعرفة، ويعلمون به حق العلم في إجماله وتفصيله، ويستطيعون أن يحكموا
    عليه، وما نراهم إلا قد فعلوا. وآية ذلك أنهم قد فاوضوا حكومة الوفد، وهم يأبون أن يفاوضوا رئيس
    الوزراء ووزارته.

    رأي البيئات الإنجليزية إذن في الانتخابات الحرة عندنا معوج. وهو على ذلك لا يعنينا. فأمر
    الانتخابات من الأمور المصرية الخالصة التي يحسن — بل يجب — أن يتركها لنا الإنجليز، نصرفها كما
    نحب ونقضي فيها كما نشاء ما داموا هم واثقين بأن الذين سيفاوضونهم وسيعاهدونهم يمثلون الشعب
    تمثيلًا صادقًا صحيحًا.

    وهنا نصل إلى المسألة الثالثة، وهي مسألة الوزارة القومية التي ينتظرها الإنجليز لمفاوضتها
    والاتفاق معها، والتي طلبها الأحرار الدستوريون وينتظرها الشعب المصري كله، لا للمفاوضة وحدها؛
    بل لحل الأزمة الاقتصادية وتنظيم الإدارة وإصلاح ما أصاب الحياة العامة والخاصة في هذين
    العامين. وواضح جدًّا أن كل مصري يريد أن يخرج وطنه من هذا المأزق الذي هو فيه، والذي اضطرته
    إليه سياسة الحياد المزيف، يسره أن تشعر البيئات السياسية الإنجليزية بمثل ما تشعر به البيئات
    السياسية المصرية، لا نستثني من ذلك إلا رئيس الوزراء. فالمصريون جميعًا يريدون الوزارة
    القومية، وينتظرونها ويرغبون إلى جلالة الملك في أن يأمر بتأليفها، ويكل إليها استنقاذ مصر من
    هذا الشر الذي هي فيه. وما نظن أننا نخطئ أو نسرف في حسن الظن إذا قلنا وأكدنا أن أكثر الذين
    يلوذون برئيس الوزراء، ويؤيدونه يرون رأي الأحرار الدستوريين والبيئات السياسية الإنجليزية في
    الوزارة القومية، وأنها وحدها التي تستطيع أن ترد إلى البلاد ما هي في حاجة إليه من أمن ونظام
    وكرامة واطمئنان.

    رئيس الوزراء وحده في أكبر الظن، هو الذي يكره الوزارة القومية ويشفق منها؛ لأنه يعلم علم
    يقين أنه لن يكون عضوًا فيها. فأما المصريون فهم يؤثرون حياة مصر على رضا صدقي باشا. وأما
    الإنجليز فلهم أن يختاروا منذ اليوم بين رضا الشعب المصري ورضا صدقي باشا، والظاهر جدًّا أنهم
    قد اختاروا وأن اختيارهم ليس من شأنه أن يسوء المصريين.