هنا وهناك
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٧ فبراير ١٩٤٦
ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.
وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.
وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!
وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.
وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.
ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.
النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.
ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.
ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.
وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.
وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.
وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.
هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.
وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.
ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.
والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.
ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.
ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.
ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام!
Tag: Arab League
-
هنا وهناك
-
ذات الرءوس
ذات الرءوس
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ فبراير ١٩٤٦
هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رءوس ثلاثة إلى أمس، فنقل منها مجلس الأمن رأسًا ليضعه في محكمة العدل الدولية، وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رءوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين، وقد يُضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نُقِلَ إلى لاهاي، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيُختار لوزارة الخارجية إن أُتِيحَ لهذه الوزارة أن تبقى، وأن تُعدَّل، وأن يُختَار للخارجية فيها وزيرٌ جديدٌ.
والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رءوسًا سبعة، لا يكاد عدوُّه يقطع منها رأسًا إلَّا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدوًّا من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رءوس بمقدار ما فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رءوسًا، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم، فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد.
فأمَّا الرءوس الثلاثة فمعروفون: أحدهم رئيس الوزراء، والرئيس مشتق من الرأس، فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رءوس الوزارات المصرية يعمل رأسًا ويدًا، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء، وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية، أو قُلْ إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية، ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يدًا ثالثة بين اليمين واليسار وقتًا ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
أمَّا الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقْتُطِعَ منها أمس ونُقِلَ مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأسًا أي رأس، كان رأسًا مرفوعًا في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأسًا في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤديًا فريضة الحج، لولا أن الوزارة استعارت يدًا من أيديها فجعلتها رأسًا من رءوسها وقتًا ما حين كان وزير الصحة أميرًا للحج.
مهما يكن من شيء، فقد كان وزير خارجيتنا رأسًا ثانيًا من رءوس الوزارة، له الخطر كل الخطر، وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولًا وأمل البلاد العربية ثانيًا، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتُخِبَ في مجلس الأمن، ولم تُنتخَب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك، فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاضٍ متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى.
فأمَّا مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه، ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأسًا وتفض رأسًا، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر، يرتفع أحدهما في رياسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رياسة الوزارة.
والشعب المصري واقف موقف النظارة، يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلَّا انخفض أحدهما الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأنًا من أن تُهَدِّد السلم. وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها، ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها.
وقد جعل رأس من رءوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا وبكاءً محتجًّا على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناءً ودعاءً رضًا بتغليق الأبواب، وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأمَّا البلاد العربية الأخرى، فقد هزَّت رءوسها ورفعت أكتافها، وأعرضت عن الوزارة المصرية ورءوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب، وعرضت على مجلس الأمن شئون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شئون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن، وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل، ويقولان فيحسنان القول. أحدهما يملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، يعلن في مجلس الشيوخ مثلًا أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تُغِير على قطار قريبًا من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحًا وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلقَ كيدًا؛ لأن رأسًا من رءوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رءوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
وعرف المصريون رأسًا ثانيًا من رءوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل، شرَّفَ مصر بين الأمم فانتُخِبَتْ في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق، فانتخبه قاضيًا في محكمة العدل.
فأمَّا الرأس الثالث من رءوس وزارتنا، فأمره عجب أي عجب، هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة، يصيح في غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يَوْمَهم، وأرَّق عليهم نَوْمَهم، وأقضَّ عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأتِ حركة ولم يرفع صوتًا. كل همه أن يملأ الأرض صياحًا، وليس من همه أن يعمل شيئًا، يُقْدِم لِيُحْجِم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين، لا يريد إقدامًا ولا هجومًا ولا احتجاجًا، وإنما يريد تنغيصًا وتأريقًا وإقلاقًا. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح، ولا يريد أن يريح.
له في كل يوم استقالة، وله في كل يوم عدول عن الاستقالة، وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعبًا يوم الثلاثاء، وكان رأسها الآخر غائبًا في لندرة؛ فتحدث نائبًا عن الرأسين أو مستبدًّا بأمر الرأسين.
ولست أدري، أرضيَ الرأسان عما قال طوعًا واختيارًا أم قسرًا وقهرًا. فأمَّا الرأس الغائب فلم يَرْضَ ولم يسخط؛ لأنه لم يسمع مما قيل شيئًا. فأمَّا الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم؛ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني، ولم يكن يستطيع إلَّا أن يجيب: نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن برِّ مصر وجوِّها وبحرِها؟! وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد، فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البرِّ والبحرِ والجوِّ، ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف؟!
كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئًا من ذلك! أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصارًا مؤزرًا في مجلس الشيوخ، فقد أنكر الرأس النقراشي الأول وزير الخارجية كل الإنكار، وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقِّها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملًا شاملًا، ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
ومع ذلك فقد نصَّت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تُستوحَى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق من غير السودانيين، فهي لا تستوحي شيئًا، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق.
وإذن؛ فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي رُكِّب بين كتفيه رءوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلَّا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة — وهي الوزارة ذات الرءوس الثلاثة — لا تمتاز برءوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب، أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟! وقد قال شاعرنا القديم:
قوم هم الأنف والأذناب دونهمو ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟!
فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟! أمَّا هي فتريد أن تكون أنفًا أو أنوفًا، ولست أكره لها ذلك وإن لم يَرْضَ البرلمان وإن لم يَرْضَ الدستور، وأمَّا الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها ولم يَرْضَ به مركز أعضائها الممتاز.
مهما يكن من شيء، فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت، ولتضعها الوزارة حيث شاءت، وربما كان خير الحلول أن تكون أنفًا حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذَنَبًا حين يُحاس الحيس وحين تجري الريح رخاءً.
والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفًا كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنبًا بعد أن جاء الرد البريطاني، فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحيانًا ولا يخيف أحيانًا أخرى، على أنه ليس غاضبًا للهيئة السياسية وحدها، بل هو غاضب لمجلس النوَّاب أيضًا، فقد أُجِّلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب.
وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات، مع أن الأمر لا ينبغي أن يُقبَل فيه إلَّا المفاوضات، والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيءٌ تُؤلَّف له الوفود التي تذهب إلى لندرة، والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا، وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفًا. أمَّا المحادثات فشيءٌ تستأثر به الوزارة، ولا يشارك فيه صدقي باشا، ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلَّا ذنبًا. وإذن فصدقي باشا غاضب، والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوءه وترضي الإنجليز بقبول المحادثات؟!
وهناك حل بديع فيما أعتقد يريح الناس جميعًا. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأسًا من رءوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذَّنَب إن كانت الهيئة السياسية ذَنَبًا؟! وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفًا! وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
كل شيء يمكن، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برءوس ثلاثة، وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب؟! وما يمنعها أن تعيش بغير أنف؟! بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب؟! بل ما يمنعها أن تعيش برءوس كثيرة جدًّا، وذلك يسير؟!
يُقال إن التعديل الوزاري قريب، فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعِشْ وزارتنا بعشرين رأسًا لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يُضْحِك المصريين. وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام! -
مشكلة الشرق
مشكلة الشرق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٤ أكتوبر ١٩٤٥
ليست المشكلة الخطيرة مقصورة على أوروبا، فللشرق مشكلاته أيضًا، وليست مشكلات الشرق بأهون شأنًا، ولا أقل خطرًا على التعاون الدولي من مشكلات الغرب. وليس من شك في أن للحياة الأوروبية الجديدة المعقدة أشد التعقيد، خطرها وأثرها البالغ في مستقبل التوازن الدولي، ولكن ليس من شك أيضًا في أن الحياة الشرقية الجديدة معقدة شديدة التعقيد، وفي أنها مصدر لمصاعب ستؤرق ساسة الغرب، وستكلفهم ألوانًا من العناء؛ ذلك لأن حياة العالم، كما قلنا غير مرة، لم تقم قط، ولا يمكن أن تقوم على العزلة والانفصال، وإنما هي تقوم على ارتباط المنافع، وتبادل المصالح، واشتباك الاتجاهات، مهما تختلف ومهما تتباين. وإذا أحس العالم شيئًا من الضعف أو الاضطراب، أو فساد الأمر في أي ناحية من نواحيه؛ فسيكون لهذا كله أثره القوي أو الضعيف في حياة العالم كلها. والمسألة المهمة الخطيرة الآن هي أن الصلة بين الشرق والغرب كانت تقوم في العصر الحديث على أن الشرق كان ضعيفًا خاملًا، وعلى أن الغرب كان قويًّا ذكيًّا، واسع الحيلة، بارعًا في الاستغلال، قادرًا على تحقيق ما يريد. ولكن الأمور أخذت تتغير شيئًا فشيئًا منذ القرن الماضي، وأخذ هذا التغير يزداد قوة وسرعة منذ الحرب العالمية الأولى، ثم وصل الآن من القوة والسرعة إلى حدٍّ لا سبيل إلى إهماله أو الإغضاء عنه، ولا بدَّ من أن يحسب له الحساب كل الحساب. فقد كانت شئون الدولة العثمانية ذات الأطراف المترامية في القارات الثلاث القديمة، هي التي تشغل أوروبا في القرن الماضي، فكان هذا الشرق وحدة يمثلها الباب العالي، وكانت أوروبا تتفق وتفترق حول مطامعها ومنافعها، والسياسة التي تدر هذه المنافع، وتحقق تلك المطامع بالقياس إلى الرجل المريض كما كانوا يسمون الدولة العثمانية في ذلك الوقت.
أمَّا بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، فلم تبقَ هناك وحدة مريضة يمكن أن تختلف حولها المنافع والمطامع. وإنما نشأت وحدات كثيرة ناهضة تسعى متثاقلة إلى كسب حقوقها، والظفر باستقلالها. وكانت الدولة التركية نفسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أهم هذه الوحدات وأعظمها خطرًا، فقد أخلفت ظن أوروبا، وأثبتت للغرب أنها تستطيع أن تفقد إمبراطوريتها، وأن تحيا مع ذلك حياة قوية خصبة يرهب جانبها، ويحسب لها في السياسة الدولية حسابها.
فهي قد ألقت عن نفسها أثقال المرض، وتخلصت من أعباء الخمول، ونهضت بعد الهزيمة نشيطة أبية، فردت المغير عن أرضها، ورفضت معاهدة سيفر، واضطرت الغرب إلى أن يعقد معها معاهدة لوزان. ثم لم تلبث أن بيَّنت للغرب أنها بعد أن عادت إلى حدودها، وعكفت على نفسها، وأصلحت من أمرها، ما زالت قوة عاملة في التوازن الدولي، وإذا أوروبا تفاوضها في أمر المضايق، ثم تتنافس في محالفتها حين تظهر بوادر الحرب العالمية الثانية. وإذا تركيا تقوم بين ألمانيا وأعدائها ذلك المقام المعروف الذي امتاز بالقوة والحزم، كما امتاز بالبراعة والدهاء. وكان الغرب يقدر في أكبر الظن أن الإمبراطورية التي تخلت عنها تركيا ستصبح نهبًا مقسمًا بين المنتصرين، ولكن الحوادث كذبت الآمال وأخلفت الظنون، وأظهرت أن هذه الإمبراطورية لا تريد أن تُنهب، ولا أن تُقسَّم، وإنما تريد أن تسترد حقوقها المضيعة واستقلالها المغصوب. والناس جميعًا يعرفون كيف ثارت مصر حتى ظفرت ببعض حقها، وما زالت تطالب بما بقي من هذا الحق، وكيف سلكت سوريا ولبنان والعراق نفس الطريق، وكيف تطورت جزيرة العرب حتى انتهت إلى استقلالها الرائع الذي تتمتع به الآن.
ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فاضطرت أوروبا في أثناء هذه الحرب إلى أن تنظر إلى هذا الشرق نظرة جديدة تخالف نظرها إليه فيما مضى، نظرة قوامها التحبب والتقرب والاسترضاء، والإسراف في بذل الوعود. وربما كان من الحق أن أوروبا لم تحسن قط درس نفسية الشعوب الشرقية وتمعن حقائقها، فقد ظنَّت أوروبا في جميع صلاتها بالشرق أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتخلف غدًا، وأن تسجِّل الآن لتنسى بعد حين، وقدَّرت أن الشرق يمكن أن يسمع ثم ينسى ما سمع، وأن يتلقى الوعود، ثم يتجافى عن تحقيق هذه الوعود. ومع أن ثورة الشرق العربي بين الحربين قد كانت خليقة أن تقنع أوروبا بأن الشرق يجدُّ حين يهزل الغرب، وبأنه لا يتلقَّى الوعود إلا منتظرًا لتحقيقها، مصممًا على هذا التحقيق، فإن أوروبا ما زالت إلى الآن ماضية في سياسة الوعود التي تُبذل الآن لتنسى غدًا، وفي سياسة الاعتماد على النسيان، والاشتغال بما يطرأ من الحوادث والخطوب. وهي من أجل ذلك قد همت أن تهمل في أعقاب هذه الحرب ما وعدت به حين كانت نار الحرب مضطرمة تملأ الأرض شررًا ولهيبًا، فنبهها الشرق العربي إلى أن عهد هذا الإهمال قد مضى وانقضى، وإلى أن الصلة بين الشرق والغرب يجب أن تقوم منذ الآن على الجِدِّ الذي لا لعب فيه. وكانت مشكلة سوريا ولبنان دليلًا واضحًا على أن الشرق العربي قد أخذ أمره بالحزم، وصمم على ألا يكون استقلاله كلامًا، وعلى ألا تكون حقوقه موضوعًا للمداورة والمناورة.
وكذلك وضعت المشكلات الشرقية في وضعها الصحيح الدقيق، سواء أرضيت بذلك أوروبا أم لم ترضَ، وسواء أصدقت ذلك أوروبا أم لم تصدقه.
وكان الأوروبيون ينظرون إلى جامعة الأمم العربية نظرة فيها كثير من العطف والاستعلاء، وفيها كثير من الاستهانة والاستخفاف. ولكن الحوادث أظهرت لأصحاب البصيرة من الأوروبيين أن الشعوب العربية لا تعبث ولا تلهو، ولا تتخذ الجامعة مرآة تكتفي بالنظر فيها، وإنما تتخذها أداة لبلوغ الأهداف وكسب الحقوق. وقد يكون من الحق أن الحكومات العربية لم تبلغ من تقديرها للجامعة ما بلغته الشعوب، ولكن الحكومات تتغير، والشعوب تبقى، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعوب العربية على اختلافها، وتباين طبقاتها مؤمنة إيمانًا عميقًا بحقها في الاستقلال أولًا، وبواجبها في التعاون ثانيًا، وبأنها لن تطمئن؛ حتى تحمل أوروبا بالرضا أو بالكره على أن تعترف لها بحقها في الكرامة والحرية والاستقلال.
وما أشك في أن أوروبا ستخادع نفسها وقتًا طويلًا أو قصيرًا، وستخادع الأمم الشرقية وقتًا طويلًا أو قصيرًا أيضًا، ولكني لا أشك في أن أوروبا ستنتهي راضية أو كارهة إلى مواجهة الحقائق الواقعة، والاقتناع بأن الخداع لن يغني عن الحق شيئًا.
وليس من شك في أن لأوروبا آمالًا ومطامع ومنافع في الشرق العربي؛ فالشرق طريقها إلى إمبراطورياتها المختلفة، وفي الشرق كنوز تعرفها أوروبا حق المعرفة، ولا تستطيع أن تستغني عنها. وقد كان لأوروبا سلطان على الشرق، لا تستطيع أن تدعه في سهولة ويسر. ولكن أوروبا ستعلم حق العلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن بلوغ الآمال، وتحقيق المنافع، والوصول إلى إمبراطورياتها، كل ذلك يمكن أن ينال من طريق المودة والألفة والتعاون، وكل ذلك يتعرض للخطر كل الخطر إذا أريد تحقيقه من طريق البأس والبطش والتغلب. وستعلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن هناك أشياء يفقدها الناس، ويجب أن يتعزَّوا عن فقدها؛ لأن طبيعة الأشياء تقتضي ذلك، وأن السلطان بعض هذه الأشياء. وقد تسلطت أوروبا على الشرق حينًا، ثم آن لسلطانها أن يزول، وقد أخذ يزول بالفعل شيئًا فشيئًا، ولا بد من أن ينتهي إلى الزوال التام، فخير لأوروبا أن تستقبل العالم الجديد بعقول جديدة وقلوب جديدة، وأن تقيم الصلة بينها وبين الشرق على التعاون الصادق الذي يقوم على النصح والإخلاص، لا على الخداع والرياء.
هذا التعاون هو الذي يؤمن طرق المواصلات، وهو الذي يمكن من استخراج الكنوز، واستغلالها لمصلحة الشرق والغرب جميعًا، وهو الذي يكفل للعلاقات الاقتصادية والثقافية نموًّا مضطردًا، وتنتهي بها إلى هذه الغاية التي تطلبها الحضارة منذ زمن بعيد، وهي غاية التكافؤ في الحقوق والواجبات، والعمل على تحقيق الرقي الإنساني المستمر.
وليست مشكلات الشرق مقصورة على دولة بعينها من الدول الكبرى، ولكنها شائعة بين الدول الكبرى جميعًا، وبين دول الشرق جميعًا.
فهناك مشكلات بين روسيا وتركيا، ومشكلات أخرى بين روسيا وإيران. ولبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية آراؤهما في هذه المشكلات، وليس المهم أن يتغلب رأي هذه الدولة أو تلك، وإنما المهم أن تحفظ لتركيا وإيران كرامتهما وحقوقهما بالقياس إلى هذه الدول جميعًا، ولمصلحة العالم كله كذلك.
ومثل هذا يُقال في الصلات بين الأمم العربية وبين الدول الكبرى، فلبريطانيا العظمى موقفها من مصر والعراق: احتلال قديم هنا يجب أن ينتهي، وانتداب قديم هناك يجب أن تزول آثاره. ولفرنسا مشكلتها في سوريا ولبنان، ويجب أن تحل هذه المشكلة حلًّا نهائيًّا حاسمًا لا لعب فيه ولا مداورة.
ولأمريكا آمالها ومنافعها الاقتصادية في كل هذه البلاد، فيجب أن يقوم تحقيق هذه الآمال والمنافع على المودة والاحترام، والاعتراف بتكافؤ الحقوق.
ولروسيا نظراتها هذه التي تبلغ الشرق العربي من حين إلى حين، فيجب أن تكون هذه النظرات صافية نقية بريئة من الريب والشكوك. ويجب أن تفهم الدول الكبرى أنها تخطئ خطأ نفسيًّا خطيرًا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تمضي في تنافسها القديم حول بلاد الشرق، فقد انقضى عصر هذا التنافس القديم.
وهناك مشكلتان خطيرتان إحداهما تشغل العالم كله الآن، والأخرى تشغله بين حين وحين، ولا بد لهما من حل حاسم يرد الأمر إلى نصابه بين الشرق والغرب. إحدى هاتين المشكلتين: مشكلة فلسطين، هذه التي توشك أن تشغل الرأي العالمي عن كل شيء. والغريب من أمر هذه المشكلة أنها مصطنعة قد اختُرعت اختراعًا، وابتكرها الغرب من لا شيء، وكانت نتيجة لهذا التورط في الوعود التي تُبذل بغير حساب أثناء الحرب! فقد عاش العالم قرونًا على أن فلسطين جزء طبيعي من العالم العربي، يعيش الناس فيه كما يعيشون في أقطار البلاد العربية عيشة عادية لا عوج فيها ولا التواء. ولكن الحرب العالمية الأولى اخترعت هذه المشكلة الجديدة اختراعًا، واستخرجت من وهم الشيطان هذه الفكرة التي أحدثت الفرقة، وأفسدت الأمر بين الشرق والغرب إفسادًا عظيمًا. ومن الحق أن الذين اخترعوا هذه المشكلة يجب عليهم أن يحلوها، وأن يريحوا العالم، ويريحوا أنفسهم منها، فقد كانت فلسطين وما زالت عربية، فيجب أن تبقى فلسطين عربية، وأن تخلص لنفسها، وأن تدبر أمرها كما تريد هي، لا كما يريد هذا البلد أو ذاك من بلاد أوروبا وأمريكا.
على هذا النحو وحده يجب أن تُحل هذه المشكلة، بل يجب أن تلغى هذه المشكلة إلغاء؛ لأنها مشكلة غير طبيعية، مشكلة جاءت من التكلف والتحكم، لا من الحقائق الواقعة، ولا من طبيعة الأشياء.
وفي الأرض مشكلة يهودية جاءت من ظلم بعض البلاد الأوروبية وتحكمها، فهي مشكلة أوروبية يجب أن تحلها أوروبا على حسابها هي، لا على حساب غيرها من الناس. ولأوروبا مستعمرات واسعة، وإمبراطوريات هائلة تسع الملايين والملايين من اليهود دون أن تجد في ذلك ضيقًا أو جهدًا، فلتعتمد أوروبا على هذه المستعمرات لحل هذه المشكلة، فهي التي ظلمت اليهود واضطرتهم إلى الهجرة، وهي التي امتحنت العالم بهذه المشكلة المعقدة التي اخترعتها اختراعًا.
أمَّا المشكلة الثانية فمستقرة في شمال أفريقيا، فالشرق العربي لا ينتهي عند مصر، ولكنه ينتهي عند المحيط الأطلنطيقي. كذلك نظرت إليه أوروبا في القرون الوسطى، وكذلك نظرت إليه في العصر الحديث، وكذلك ننظر نحن إليه منذ استقر العرب في شمال أفريقيا في آخر القرن الأول للهجرة، وكذلك ننظر إليه الآن. وهذا الجزء من الشرق العربي يخضع الآن لما كنَّا نخضع له نحن من التسلط الأجنبي، وهو يستمتع بمثل ما نستمتع به نحن من الحياة والنشاط، والشعور بالحق في الكرامة والاستقلال. ونحن نشاركه في هذا الشعور، ونطلب له مثل ما نطلب لأنفسنا، ونرى أن حل مشكلات الشرق لن يتم إلا إذا حُلت مشكلة هذا الجزء من شمال أفريقيا. ونرى أن جامعة الأمم العربية لن تتم إلا إذا مُثل فيها هذا الجزء من شمال أفريقيا. فإذا نصحت أوروبا لنفسها وللشرق، فالخير أن تنظر إلى هذه المشكلات كلها كما ننظر نحن إليها، وأن تواجهها بمثل ما نواجهها به من الحزم، والرغبة الخالصة في حلها على هذا النحو الذي صورناه من التعاون والإخلاص. على أن أوروبا تستطيع أن تخدع نفسها، وأن تخدع غيرها، فستشقى هي أولًا بهذا الخداع، وقد يكون من الخير أن تسبق أوروبا الحوادث المكروهة المنكرة، وأن تتعجل إقرار الأمر بينها وبين الشرق على المودة والإخاء. فإذا قصرت أوروبا في ذلك، فمن الحق علينا نحن ألا نقصر فيه، وأن نذكر دائمًا أن مشكلاتنا مهما تختلف ومهما تتباين، فهي في حقيقة الأمر مشكلة واحدة، ولن تستقيم أمور العالم الجديد إلا إذا أُتيح لشاطئ البحر الأبيض المتوسط هذا الاستقلال الذي يستمتع به الشاطئ الأوروبي وحده، ويجب أن يستمتع به الشاطئ الأفريقي والآسيوي.
وبدون هذه المساواة لن يستقيم الأمر بين الشرق والغرب، ولا سيما بعد أن تبين أن عهد التسلط والتغلب قد انقضى بالقياس إلى هذه الأقطار العربية منذ عهد بعيد. -
مصير الشرق العربي
مصير الشرق العربي
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٦ سبتمبر ١٩٤٥
ليس للناس حديث في هذه الأيام إلا هذا المجلس الذي يجتمع في لندرة، مؤلفًا من وزراء الخارجية للدول الخمس الكبرى؛ فأحاديث هذا المجلس هي التي تُغذِّي أنباء البرق، وإذاعة الراديو، ومقالات الصحف.
وهذه الأحاديث منوَّعة بالطبع، لا تختلف باختلاف الموضوعات التي يمكن أن يدرسها هذا المجلس فحسب، بل تختلف كذلك باختلاف النظرات التي تنظرها الأمم المختلفة إلى كل موضوع من هذه الموضوعات أيضًا.
ويكفي أن نتَّخِذ لذلك مثلًا واحدًا؛ فهذا المجلس يدرس فيما يدرس معاهدةَ الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وواضح جدًّا أن نظر الدول الكبرى إلى هذه المعاهدة يتفق من جهة، ويختلف اختلافًا شديدًا من جهة أخرى. يتفق في أن إيطاليا دولة مغلوبة يجب أن يُفرَض عليها صلح يُصوِّر اندحارها وانتصار الحلفاء، ويتفق كذلك في أن إيطاليا قد سبقت إلى الاستسلام، فيسرت للحلفاء بعض شئون الحرب، وأعانتهم على الفوز شيئًا ما، فيجب أن تُؤخَذ ببعض الرفق. ثم يختلف بعد ذلك اختلافًا شديدًا، مصدره اختلاف المصالح التي يحرص الحلفاء على تحقيقها في أوروبا، وفي البحر الأبيض المتوسط، وفي شرق هذا البحر وغربه على السواء …
فالولايات المتحدة الأمريكية مثلًا لا تملك أرضًا في أوروبا، ولا في أفريقيا، ولا في آسيا، مما يوازي البحر الأبيض المتوسط، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تحقق مصلحة استعمارية بالمعنى الدقيق، وإنما يعنيها أن يستقر في هذه الأقطار سلام عادل، مشبع بالديموقراطية على المعنى الأمريكي، لا بالاشتراكية البريطانية ولا بالشيوعية الروسية، سلام من شأنه أن تسترد إيطاليا شيئًا من قوتها في وقت قريب لتكون مصدرًا من مصادر التوازن في هذه المنطقة، سلام من شأنه كذلك أن يُعِينَ على انتشار الرخاء، ورواج التجارة، واستئناف الأخذ والعطاء بين العالم الجديد وهذا الجزء من العالم القديم.
وليس لروسيا ممتلكات في هذه الأقطار، ولكن لها حلفاء وأنصارًا يعنيها أن ينتفعوا من معاهدة الصلح مع إيطاليا، فلا بد من أن تظفر يوجسلافيا المظلومة بشيء من الإنصاف على حساب إيطاليا الظالمة، وقد يكون لروسيا آمال اقتصادية في هذه المنطقة من الأرض، ولكن لها قبل كل شيء آمالًا سياسية تتصل بأحلامها القديمة في امتداد نفوذها إلى البحر المتوسط.
وإلى هنا يمكن أن تكون الولايات المتحدة وروسيا عنصرين من عناصر الاعتدال، وتحقيق التوازن في الصلح الذي سيُفرَض على إيطاليا. وقد كدت أنسى الصين؛ لأن وجودها في هذا المجلس بالقياس إلى هذه المعاهدة الإيطالية يوشك أن يكون نظريًّا. ولا كذلك الأمر فيما يمس بريطانيا العظمى وفرنسا؛ فلكل واحدة منها مصالح خطيرة في هذا الجزء من العالم، ففرنسا جارة إيطاليا في أوروبا، وهي جارة إيطاليا في أفريقيا، وهي شريكة إيطاليا في البحر الأبيض، وهي بعد هذا كله موتورة لم تَنْسَ بَعْدُ غَدْرَ موسوليني لها في يونيو سنة ١٩٤٠. ومصالح بريطانيا العظمى ومطامعها في غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، وأوضح من أن تحتاج إلى بيان.
وكذلك تنظر كل دولة من هذه الدول الخمس إلى الصلح مع إيطاليا نظرتين، إحداهما مشتركة مع زميلاتها، والأخرى خاصة بها وبما تحرص على تحقيقه من المصالح والأطماع.
ثم إن الأمر ليس مقصورًا على هذه الدول الخمس الكبرى، فهناك دول أخرى لها مصالح ومطامع وآمال، وهي تنظر إلى المعاهدة الإيطالية بمقتضى هذه المصالح والمطامع والآمال؛ فاليونان موتورة من إيطاليا، وهي تطالب بجزر الدوديكانيز، وتركيا تنظر إلى هذه الجزر نظرة فيها كثير من الأمل الذي يريد أن يظهر ولكنه يستحي؛ لأن تركيا لم تشترك في الحرب إلا بعد انتهائها، ويوجسلافيا موتورة، وهي تطالب بجزء من الأرض طال الاختلاف عليه بينها وبين إيطاليا، حتى النمسا لها مطامعها في التيرول، فإذا تركنا هذه الأمم كلها، ونظرنا إلى الأمم العربية … فسنرى مصر موتورة من إيطاليا التي أخذت بعض أرضها في القرن الماضي، ونغصت على الحزب الوطني حياته، ولم يَنْسَ أحد قصة الملحقات.
وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت عليها في هذا القرن، وعدلت حدود ليبيا على حساب مصر بمعونة البريطانيين، فأخذت جغبوب، وما يتصل بها في تلك المعاهدة التي أمضاها دولة صدقي باشا، والتي دفعت مصر ودفع البريطانيون ثَمَنَها غاليًا في هذه الحرب. وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت على أرضها في هذه الحرب الأخيرة، فوصلت مع حلفائها الألمان إلى العلمين، وضربت مع حلفائها الألمان مدن مصر ومَرَافقها.
ومن شأن هذا كله أن يدفع مصر إلى العناية بمعاهدة الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وإلى المطالبة بأن تُرَدَّ إليها الأرض التي اقتطعتها إيطاليا منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وأن تطالب بتأمين حدودها بحيث لا تتعرض للعدوان الإيطالي مرة أخرى، وأن تطالب بعد هذا كله بشيء من السعة في حريتها العملية في هذا الجزء المجاور لها من شمال أفريقيا، وبحقها في التعويضات التي ستُفرَض على الإيطاليين.
ومصر حين تطالب بهذا كله لا تتجنى ولا تتكلف؛ فهي لم تَدْعُ الإيطاليين إلى أن يقتطعوا بعض أملاكها في شرق أفريقيا، ولا إلى أن يقتطعوا جغبوب، ولا إلى أن يُغِيروا على أرضها، ويضربوا مدنها ومرافقها. ومن أبسط حقوقها أن تطالب بردِّ ما أُخِذَ منها، وأن تحتاط لمستقبلها، وتكفل لنفسها أمنًا معقولًا.
والظريف في هذه القصة أن البريطانيين هم الذين كانوا يحرصون على إرضاء إيطاليا، وهم الذين أرضوا إيطاليا على حساب مصر في القرن الماضي وفي هذا القرن، وهم الذين لقوا من إيطاليا جزاء سنمار! فمن الطبيعي أن يبذلوا الآن كل ما يملكون من جهد؛ ليردوا إلى صديقتهم وحليفتهم مصر ما أخذوا منها وأعطوه إلى عدوتهم إيطاليا، وقد وعد البريطانيون مصر أثناء وزارة الوفد الأخيرة بأن يبذلوا ما يملكون من جهد لتشترك مصر في مؤتمر الصلح، عندما تُدرَس المسائل التي تعنيها، ووعدوها كذلك بأن بريطانيا لن تدخل في مفاوضات تمس مصالح مصر إلا شاورت مصر في شأن هذه المفاوضات.
ولسنا ندري أحقق البريطانيون هذا الوعد الذي أعطوه على أنفسهم أم لم يحققوه، ولسنا ندري إلى أي حد مضوا أو يريدون أن يمضوا في الوفاء بهذا الوعد. فحكومتنا لم تحدثنا بشيء من ذلك، ولكننا نعلم أن الحكومة المصرية نفسها قد أرسلت مذكرة إلى المجلس المعقود الآن في لندرة، عرضت فيها ما ترى أنه يصور رأي مصر في معاهدة الصلح مع إيطاليا، ولسنا ندري أكانت هذه المذكرة موضوع تشاور بين مصر وحليفتها، أم أرسلتها مصر من تلقاء نفسها دون أن يسبق الاتفاق عليها مع أصدقائنا البريطانيين.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن المذكرة المصرية قد تكون محررة تحريرًا دبلوماسيًّا يجمع بين الدقة والاعتدال، ولكنها على كل حال فاترة لا تصور الاقتناع بالحق، ولا الحرص على بلوغه، ولا الإلحاح في الوصول إليه، ولعلها أن تمتاز بشيء من الغموض الخطير، فقد يكون من الحق والعدل أن تستفتي ليبيا، ولكن من الحق والعدل قبل كل استفتاء أن ترد إلى مصر الأرض التي أُخِذَتْ منها بمقتضى معاهدة صدقي باشا، ثم تستفتي ليبيا بعد ذلك.
وقد يكون من الحقائق الواقعة أن مصر وبريطانيا العظمى تشتركان الآن في إدارة السودان، كما تقول المذكرة، ولكن من الحقائق المصرية المقررة التي لا ينبغي أن تشك فيها حكومة مصرية أو تعرضها للشك، أن السودان وما أُخِذَ منه وما يمكن أن يُرَدَّ إليه جُزْءٌ من الوطن تشمله سيادة واحدة لا ينبغي أن تتجزأ؛ وهي سيادة الشعب الذي يسكن وادي النيل، فكان ينبغي أن تطلب الحكومة المصرية أولًا أن يُرَدَّ إلى مصر ما أُخِذَ منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وثانيًا أن تُتَّخَذ الإجراءات لتأمين حدود مصر في شمال أفريقيا وشرقها، وثالثًا أن يكفل لمصر حقها في التعويضات، ثم تظهر مصر بعد ذلك رأيها في مستقبل ليبيا الذي يقوم على الاستفتاء. وإن كنت أنا أشك في قيمة الاستفتاء الذي سيجريه البريطانيون المستقرون الآن في هذا الجزء من أفريقيا الشمالية، ولا سيِّما إذا لُوحِظَتْ طبيعة الأرض الليبية، وتفرق الشعب الذي يسكنها، فقد يمكن الاستفتاء في المدن، ولكن الاستفتاء في الصحراء شيء مشكوك فيه.
فهذه صورة من نظرة الأمم العربية إلى المعاهدة التي تُهيَّأ الآن في لندرة لِتُفْرَض على الإيطاليين، ولكن هناك شيئًا آخر نوشك نحن في الشرق العربي أن نغفل عنه، أو أن نهمله، وهو هذه المفاوضات التي تدور على هامش المجلس، جهرة مرة وعلانية مرة أخرى، والتي تمس مصالح الشرق العربي من قريب جدًّا؛ فوزير الخارجية الفرنسي لا ينفق وقته كله في لندرة دارسًا لمعاهدة الصلح مع إيطاليا، ولكنه يدرس أشياء أخرى، ويفاوض فيها بالفعل رأي زميله البريطاني، ويستطلع فيها بالفعل رأي زملائه الآخرين. فهو يدرس مشكلة غرب ألمانيا، وهو يدرس مشكلة الشرق الأدنى، وهو يدرس مشكلة الشرق الأقصى، وهو يهيئ للاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على هذه المشكلات، وهو يهيئ لعقد التحالف البريطاني الفرنسي الذي تأخر عقده أكثر مما ينبغي.
وليس البريطانيون أقل من الفرنسيين رغبة في تحقيق هذا الاتفاق والانتهاء إلى هذا التحالف، والأمريكيون يتمنون أن ينجح هذا السعي؛ لأنه سيحمي غرب أوروبا من الشيوعية، وسيكفل لرأس المال نفوذًا كافيًا في الشرق الأدنى، والشرق الأقصى على السواء.
وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق من غير شك — فمصير الشرق الأدنى يُدرَس الآن في لندرة، ويُراد أن يُقضَى فيه، والشرق الأدنى ساهٍ لاهٍ مشغول بصغائر الأمور، وقد بيَّن الجنرال دي جول في حديثه مع «التيمس» في أول هذا الأسبوع وجهة النظر الفرنسية، ورحَّبَ البريطانيون الرسميون وغير الرسميين بوجهة النظر هذه ترحيبًا حارًّا كما يُقال.
ووجهة النظر هذه بسيطة جدًّا؛ وهي التعاون الدقيق الصريح الخالص من كل شائبة بين البريطانيين والفرنسيين في كل ما يمس الشرق الأدنى، ومعنى هذا في اللغة الفرنسية أن يُحتفَظ لفرنسا بنفوذها كاملًا في مناطق نفوذها في البحر الأبيض المتوسط، وأن يُحتفَظ بمثل ذلك لبريطانيا العظمى، وأن يتعاون أولئك وهؤلاء على الاحتفاظ بهذا النفوذ.
وكذلك يستأثر الفرنسيون والبريطانيون بالنفوذ السياسي والثقافي في الشرق الأدنى، ويجوز أن يسمحوا لغيرهم بشيء من النفوذ الاقتصادي، أو التوسع الثقافي البسيط.
وأغرب ما في الأمر أن هناك جامعة عربية قد أُنْشِئَتْ في هذا العام، وكان الإنجليز يرحبون بإنشائها، وكانت هي حريصة على تحقيق الاستقلال التام لأعضائها، ولكن الإنجليز يتناسون الآن قليلًا قليلًا لترضى فرنسا، أمَّا الفرنسيون فيذكرونها بأطراف ألسنتهم، ويرفعون الأكتاف، ويهزون الرءوس، وأما هي فتنظر إلى نفسها في المرآة، وترضى عن وجودها، وعن أهدافها، ولكنها ترجئ بلوغ هذه الأهداف إلى أن يشاء الله.
وأشد ما في الأمر خطورة أن الدول الكبرى لا تكتفي بالنظر في المرآة، ولا ترجئ بلوغ الأهداف وتحقيق الآمال، وإنما تنتهز الفرص وتحسن انتهازها.
ويُخيَّل إليَّ أن الجامعة العربية تُحْسِن إلى نفسها وإلى أعضائها إذا أَلْقَتْ بينها وبين المرآة حجابًا صفيقًا، ونظرت إلى الحوادث من حولها بدل أن تنظر إلى نفسها، هنالك سترى أن الكيد يُكاد من حولها، وأنها توشك أن تتورط فيما يُنْصَب لها من شراك، وأن النتائج الطبيعية التي ستنتج عن إطالة النظر في المرآة، وعن كثرة التحدث عن النفس، والإعلان لما لا خير فيه، هي أن تستحكم حلقات النفوذ الأجنبي حول الشرق العربي، قد يجد منها مخلصًا، وأن تذهب قضية فلسطين ضحية للنظر في المرآة، والتحدث عن النفس، والاكتفاء بما يُنشَر هنا وهناك من كلام لا غناء فيه.
إني لا أتمنى شيئًا كما أتمنى أن يكذب الذين كانوا يقولون إن الجامعة العربية لم تكن إلا خدعة بريطانية أُثِيرَ أمرها أثناء الحرب، فلما جاء السلم أُهْمِلَ أمرها إهمالًا.
أتمنى أن يُكذَّب الذين يقولون هذا القول، وتكذيبهم سهل؛ لأنه في يد الجامعة العربية نفسها ألَّا تمعن النظر في المرآة، وأن تتجه إلى الشعوب العربية أكثر مما تتجه إلى الحكومات الأوروبية والأمريكية. -
بين الجد والمزاح
بين الجد والمزاح
طه حسين
جريدة البلاغ
٥ أبريل ١٩٤٥
ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.
وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.
وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.
وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.
وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.
وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.
وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.
فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.
والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.
على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.
ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.
وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.
وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.
ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.
أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟
ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟
ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.
وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى. -
حادثان
حادثان
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ مارس ١٩٤٥
ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.
ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.
فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.
ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.
كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.
وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.
فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.
وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.
فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.
ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.
وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.
ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.
وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.
ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث. -
بين الشرق والغرب (١)
بين الشرق والغرب (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
١ فبراير ١٩٤٥
من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.
ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.
ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.
وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.
وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.
وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.
وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.
فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.
وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.
فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.
وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.
لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.
وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.
كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.
ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.
هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.
فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.
وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول.