النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة
طه حسين
مجلة المقتطف
فبراير ١٩٣١
قسَّم الأدباءُ ومُؤرِّخو الأدبِ العربي الكلامَ إلى مَنْظُوم ومَنثور، فزعموا أنَّ المنظوم هو ما تقيَّد بالوزن والقافية، والمنثور ما كان طليقًا منهما. ونشأ عن هذا أن انقسموا إلى قسمين:
(١) الشعراء وأنصارهم.
(٢) الناثرين ومؤيديهم.
فذهب الأوَّلون إلى أنَّ الشعر يُكلِّف صاحبَهُ الوزنَ والقافيةَ، وأنهُ ديوان العرب، فيه قُيِّدت مفاخرهم، وإليه يُرجَع الفضل في تخليد ما لهم من فضائل قديمة، ثم مضوا إلى أكثر من هذا في أنهُ يلائم الموسيقى وموضوع الغناء، فهو مصدر اللذة الغنائية والموسيقية، وقالوا: إنَّ الشاعرَ يُنشِد واقفًا، بينما يتكلم الناثر واقفًا أو جالسًا على حد سواء؛ فهو أفضل من النثر.
وقال الآخرون: لا نُنْكِرُ ما للشعر من فضيلة ومَزِيَّة، ولكِنَّهُ لا يكونُ إلا فنًّا من فنون اللهو، بينما النثر يَفي بضَرُوريات الحَياة؛ فهو لغة السياسة، ولغة الدين، ولغة العلم. وإذن فقد يكون الشعر ذا مكانة، ولكنَّ النثر أشد مَساسًا بحاجات الإنسان، وأشد اتصالًا بما ينتجهُ؛ فالنثر أفضل من الشعر.
ولا يكاد يخلو كِتاب من كُتب الأدب الضخمة من خلاف بين الشعراء والكُتَّاب وأنصار كل منهما، ومصدر هذا أنَّ الذين يدرسون الأدب العربي لا يُقدِّرون مكانة الشعر ومكانة النثر من الحياة بقدر ما ينبغي؛ فالشِّعْرُ ضرورة من ضروريات الحياة في طور من أطوارها، فإن انْقَضَى هذا الطور أصبح الشِّعْرُ عَاجزًا عن أنْ يقوم بشيء من ذلك، وأصبحَ النثر خليفته، يُصور الأشياء الجديدة.
والشعر الذي كان ضرورة أولًا يُصبح في الطور الثاني ضربًا من الفُكاهة والتَّرف، والحياة لا تستطيع أن تستغني عن كليهما.
وكذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم التي كان لها حياة أدبية، وكان لها شعرٌ ونثرٌ، نُلاحظ أنَّ حياتها الأدبية قد بَدَأتْ شِعرًا، وأنَّ النثر قد وُجِد فيها قبل أن يُوجَد الشعر بزمنٍ طويل — وإذا قلتُ نثرًا فلا أعني لغةَ التخاطب، إنما أقصد النثرَ الذي يفهمهُ الأديب — فالأمم التي لها أدب قبل أن تُعبِّر عن عواطفها وميولها بالنثر عبَّرتْ عن لذتها وآلامها بالشعر، وكان الشعر هو لسانها الأدبي. فلما تطوَّرت هذه الأُمَمُ وارتقى عقلها وتغيرت نُظُمها السياسية والاجتماعية واتصلت بغيرها من الشعوب، ونشأ عن ذلك أن وُجِدت فيها أفكار وآراء لم تُوجَد عندها من قبل، واحتاجت إلى أن تُنَظِّم هذه الأفكار والآراء، وإلى أنْ تُصوِّرها وتُعلنها فعجز الشعر عن أن يُعبِّر عنها، واضطرت إلى النثر.
لذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم، كالأُمَّة اليُونانية مَثلًا، نراها أولًا شاعرة تنشئ الشعر قصصيًّا، ثم غنائيًّا، ثم تمثيليًّا. ولا ينشأ النثر عندها إلا في وقت الاضطراب السياسي، وتتغير فيها نُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، وتشتدُّ الصلة بين اليونان والأمم الشرقية والعربية. وتنشأ أفكار جديدة؛ منها: السياسي، ومنها الفلسفي، ومنها الديني. واضطرت أن تُعَبِّر عن هذا كله؛ فنشأ النثر، ومثل هذا نجده عند الأمة الرُّومانية، وهذا هو الذي نَجِدُه عند الأمة العربية في العصر الأول قبل الإسلام.
كان العرب أمة شعرٍ، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة، تعتمد في هذين النوعين منَ الحياة على العاطفة والشعور، أكثر من اعتمادها على الحِكْمَة والرَّوية، تندفع بحكم هذا الشعور إلى الحرب أو السلم أو الخُصُومة، أو إلى أية نَاحِيَةٍ من نواحي الحياة الجاهلية.
فإذا وصلت من ذلك إلى ما تُريد وتأثرت بهذه المؤثرات نطقت بهذا شعرًا، ولما لم تكن شديدة الاتصال بغيرها من الشعوب، ولا تعرف كثيرًا عما عند هذه الشعوب ظلت على حالتها هذه، فلمَّا جاء الإسلام تغيرت الحياة العربية تغيُّرًا تامًّا؛ تقوَّض النظام السياسي وحلَّ محل النظام القديم نظام جديد يعتمد على وحدة الأمة العربية، وإخضاع الأمم الأجنبية. ونشأ عن هذه الحياة نُظُم للحكم لم تكن معروفة من قبل: وُجِدت الخلافة، وتغيَّرت الحياة الاجتماعية، وتغيَّر نِظَامُ الزَّواج والطَّلاق، وعلاقة الجماعات.
ثم كانت الفتوح واتصل العرب بالأمم الأخرى اتصالًا أخذ يشتدُّ ويقوى؛ حتى أصبح اختلاطًا ثم امتزاجًا، ونشأ عنهُ أن اطلع العرب على ما كان لهذه الأمم من: آراء، وأفكار، وديانات، وعلوم، وفلسفة. وأخذوا منهُ قليلًا قليلًا، ونشأ عن هذا أن تغيرت حياتهم العقلية، والشعرية، والعاطفية، والاجتماعية. فبَعْدَ أنْ كانوا مُتَأَثِّرين بالحسِّ والشُّعور أخذوا يُفَكِّرون ويتروون، وظهرتْ أَمَامَهُم مَسَائل ومُشكلات جَعَلَتْهُم يُفكرون ويلتمسون الحلول لتلك المسائل المُعقدة؛ فنشأ عن هذا كله أن تغيرت الحياة، وتغيرت الموضوعات فاستلزم أنْ تتغير العبارات التي يُعبِّرون بها عمَّا في أنفسهم، ونشأ لهم لسان جديد لم يكن لهم من قبل، وهو النثر الذي يُعبِّر عن المعاني بدون القيود الشعرية.
فتقسيم الكلام إلى نَظْم ونثر تقسيمٌ بسيط ساذَج يُمكن الاعتماد عليه إذا بسَّطنا الأشياء، ولكنَّ الأديب الذي يدرُس تاريخ العرب، إنما يعتني بالكلام عندما يتجاوز الحديث العادي، وأداء الحاجات العاجلة إلى التفكير من جهة والجمال من جهة أخرى. فالأحاديث العادية ولغة التخاطب لا تعنينا في درس الأدب العربي وتاريخه؛ إذ إنَّ ذلك لا يكون لدرْس الأدب إلَّا عِنْدَما يكونُ في هذه الأحاديث لذة فنية خاصة.
فالواقع أننا لا نستطيع — مهما نحرص على أنْ نكون مِنْ أنصار العصر الجاهلي — أنْ نطمئن إلى أنَّ هذا العصر كان له نثر فني، والذي لا شك فيه هو أنَّ أَقْدَم نص يمكن أن نطمئن إليه هو القرآن.
القرآن: ليس شعرًا؛ لأنَّه لم يتقيَّد بقيودهِ، وليس نثرًا لأنهُ مُقيد بقيود خاصة لا توجَد في غيره، قيود يتصل بعضها بأواخر الآيات، وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة، فهو إذن كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ، وهو وحيد في بابهِ لم يكن قبله ولم يكن بعده مثله، ولم يُحاول أحد أن يأتي بمثلهِ، وتحدى النَّاس أن يُحاكوه وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا. فأراح الخطباء أنفسهم من هذه المُحاولة المستحيلة التي عدُّوها خروجًا على الدين.
ولما كانت «المحاكاة» من أهم الأسباب للإنتاج الأدبي؛ فإذا قال الشاعر البليغ قصيدة أُعجِب الناس بها، فمنهم من يرويها، ومنهم من يُحاول أن يُحاكيها ويأتي بمثلها، ولما كان القرآن مُستحيل المحاكاة؛ فمن الحق علينا أن نضعهُ في مقامهِ الخاص الذي لا يصحُّ أنْ يُقاس به شيء آخر، وأن نبحث عن «النثر العربي».
النثر الجاهلي: وليس هو بالنثر في المعنى الذي حددتهُ، ومع ذلك فقد كان للجاهلية نثر خاص، لم يصل إلينا لضَعفِ الذاكرة، وخلوه من الوزن، هذا النثر هو «الخطابة» وليس مِنْ شَكٍّ أنَّ ما كان يقع في حياة العرب الجاهلية من خُصُومات كان يحتاج إلى كلام غير منظوم، وكان الخُطباء النَّاطِقُون بلسان القبائل يَحْرِصُون على أنْ يُعجِبوا السامعين لا أنْ يقنعوهم فحسب، بل أنْ يُثيروا فيهم لذة فنية.
ومتى وُجدت هذه الفكرة فقد وُجِد الجمال الفني، ولكن هذه الخطابة لم يرد إلينا شيء منها نثق بهِ، ورُبَّما كان من السهل أنْ نتصور هذه الخطابة تصورًا مُقاربًا عندما نقرأ كتب السِّيَر وما فيها من خطابة وأحاديث.
النثر في صدر الإسلام: قَوِيَ فنُّ الخطابة لأسباب الحوار ومُحاولة الإقناع، سواء كان موضوعه الدين أو السياسة أو الخصومات المُختلفة. وبالطبع، احتاج المسلمون إلى أن يكتبوا، وكتب النبيُّ رسائلَ، وكتب الخُلَفَاءُ مِنْ بعده، ولكنها كانت تُكتَب مُختصرة لا يُقصَد منها إلا مُجرد الإقناع في غير تفنن أو إثارة لجمال فني خاص، فكانت الرَّسائل قصيرة ليس فيها التفصيل، ولا المحاولات الفنية التي نجدها عند الشعراء من حيث الألفاظ.
إنما في منتصف القرن الأول للهِجْرة كانت الفُتوح قد تَقَدَّمت كثيرًا، وكان العرب بدءوا يتصلون بغيرهم من الأُمَمِ، وكانت المَشَاكِلُ السياسية والاجتماعية قد كَثُرتْ حَتَّى هدمت نظام الخلافة، وأقامت نظام الملك. وكانَ هذا قد أنشأ الأحزاب السياسية … إلى جانب هذا التطور، نشأت أشياء أخرى منَ النَّاحية العَقْلية، فَأَسْلَم كثير منَ الأُمَمِ الأجنبية، وتَعَلَّمُوا العربية ودرسوا الدين الجديد، واختلط بهم العرب، وأخذوا نُظُمَهم السياسية والاجتماعية والأدبية. واتصل المسلمون بغيرهم في الجهة الدينية، ونشأت العلاقات بين أنصار الديانات الأخرى وبين المسلمين، وقامت بينهم محاجات.
وأخذ العرب يُقيمون حضارة جديدة على أسس الحضارة القديمة؛ أي إنَّ العقل العربي الساذج في الجاهلية، وجد أمامهُ مشاكل حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة، ومنها ما يمس الحياةَ المادية والاجتماعية، ثم وجد أمامهُ مسائل فلسفية أثارها الفلاسفة مع من اتصل بهم عندما عرف العربُ بقايا فلاسفة الفرس واليونان.
لم يكن بُدٌّ للعربي أن يُفكر ويشترك في التعبير عنها بِلُغَتِهِ، ولا بدَّ لهُ أنْ يُناقش في المسائل السياسية والدينية. ومن أهم الصفات التي تتصف بها الأُمَمُ عندما تبدأ حياة حضرية بعد حياة بدوية أنْ تروي قديمها، وتُظهِر لنفسها ولغيرها من الأمم أنَّها ذات مجد ومكانة قديمة. وإذن؛ اضطرت العرب أن يكون لها تاريخ تُعَبِّر فيه عن تاريخها، كما يُعَبِّر الفُرْسُ واليونانُ عن تاريخهم.
ولا يستطيع الشِّعْرُ بحالٍ أنْ يُعَبِّر عن هذه المعاني الجديدة، ويبسط الرأي السياسي والديني والفلسفي، ويقص التاريخ قصصًا واسعًا مُفَصَّلًا؛ لذلك قام النثر للمُحاورة والمُناظرة، ووَصْفِ التاريخِ والعلوم. ففي هذا العصر، وجد النثر الأسباب التي مكنتهُ أنْ يقوى من جهة، وأن تنشأ له فنون جديرة من جهة أخرى. وما قوي فيه إنَّما هو الخطابة التي كانت موجودة في الجاهلية، وأما الذي نشأ فيه جديدًا فهو هذه الفنون التي تُعَبِّر عن هذه المعاني عن التاريخ والمناظرات العلمية وغيرها.
إذن؛ فالنثر العربي ليس لغة التخاطب أو الحديث العادي، والذي لا يُعبِّر عن عاطفة أو شعور من حيث هي عاطفة أو شعور، بل من حيث هي صورة عامة يظهر فيها نتيجة التفكير. هذا النثر أثر من آثار الحياة الإسلامية الجديدة ظهر في الإسلام ولم يكن موجودًا.
هذه الأسباب التي دعت لوجوده أسباب طبيعة لم تكن لأنَّ أمة أعارت العرب النثر، بل هو فنٌّ دعت إليهِ حاجة الحياة العربية؛ ولذلك يجبُ أن ننزع من نفوسنا أنَّ العرب استعارت النثر من غيرها من الأمم، ولكن ليس معنى هذا أن هذا النثر بعيد عن الفُرْس واليونان، بل كان عربيَّ النشأة إنما تأثر بهؤلاء وتطور بفضل اتصال العرب بتلك الأمم.
أسلمت هذه الأمم الأجنبية وتعلَّم كثيرون اللغةَ العربية؛ فكتبوا بها فلم تستطع هذه الطائفةُ أنْ تتجرد من وطنيتها، إنما عندما تعلم اليونانيُّ والفارسيُّ العَرَبيةَ أدخل ما ورثهُ عن قوميتهِ، كمَا أنهُ تأثر بما فيها من ثقافة عربية خالصة، فكان مزاجًا لا نقولُ إنهُ عربي خالص، أو يوناني، أو فارسي خالص.
وأي هذين العنصرين كان أقوى تأثيرًا في النثر العربي، الفرس أم اليونان؟ إنَّ أكثر المستشرقين يميلون إلى أن تأثير الفرس أقوى؛ بدليل أنَّ أكثر الذين كتبوا نثرًا في الإسلام (في العصر الأموي والعباسي) كانوا من الموالي وهؤلاء من الفرس، وها هو «ابن المُقفع» الفارسي زعيم الكُتَّاب.
ولكن هنالك قوم آخرون — وأنا منهم — يرون أنَّ التأثير اليوناني كان أقوى رغم أنَّ كثرة الكُتَّاب من الفارسيين؛ وذلك لأنَّ الثقافة اليونانية كانت قديمة العهد في هذه البلاد منذ أيام الإسكندر — أي: القرن الثالث قبل الميلاد — ولم ينتهِ القرنُ الثاني قبل الميلاد حتى كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرَّسمية للشرق الأدنى، ولم يكد يتقدم التاريخ المَسِيحِيُّ حتى كانت كل بلاد الشرق الأدنى في مصر وسوريا والعراق، وقد انبثَّت فيها مدارس يونانية تعلِّم الفلسفة، والأدب، وعلوم اليونان.
وعندما جاء الإسلام وخرج العرب فاتحين صادفوا تلك البلاد، وقد انبثت فيها هذه المدارس اليونانية؛ فتركت في عقول المصريين، والشاميين، والعراقيين … آثارًا لا يُمكن أن تُمحى إلا مع الزمن …
هذه الثقافة اليونانية التي استمرت في الشرق تسعة قرون، ولم يقف أمرها على الشام والجزيرة والعراق ومصر، بل هجمت على البلاد الفارسية نفسها منذ عهد البطالسة في مصر والسلوقيين في آسيا.
وأخذت الثقافة اليُونانية تَنْبَعِثُ في الفرس حتى وصلت إلى أقصى الشرق، وفي عهد الإمبراطورية الرُّومانية اشتدتْ الصِّلَةُ بين اليونان والفرس، وتعمقت الثقافة اليونانية في فارس. وفي أواخر هذا العصر، عندما ظهرت المسيحية وأصبحتِ الدِّيانَةُ الرَّسمية وأُغلِقتِ المعابد الوثنية؛ هاجرت الثقافة اليُونانية إلى بلاد الفرس، فوجدت منها حماية ونصيرًا ولقيت من الأكاسرة تعضيدًا … فتأثر العقلُ الفارسيُّ بها إلى حد أنَّ ابنَ المقفع — زعيم كُتَّاب العرب والفرس — كان عظيم الحظ من الثقافة اليونانية؛ حتى قيل إنَّهُ ترجم آثار اليونان. ونحنُ نعلم أنَّ لليونان أدبًا كان يُدَرَّس في الإسكندرية، وغزة، والرها، وأنطاكية قبلَ أنْ تستقر الثقافة اليونانية بفارس.
والثقافة الفارسية محدودة، فإنْ كانَ للفُرس أدبٌ؛ فالوَاقِعُ أنَّ هذا الأدب هو في عصر اتصال العَرَبِ بالفرس لم يكن عظيمًا، والذي تُرْجِمَ إلى الآداب العَرَبية من الفارسية قليلٌ مع كثرة ما تُرْجِم من الآداب اليونانية. وتنحصر الآداب الفارسية في: كِتَابِ كليلة ودِمْنَة، وكتاب الأدب الكبير، وكتاب الأدب الصغير. والحِكَم التي يشتمل عليها شعر بعض الشعراء؛ كأبي العتاهية، وبعض الكتب السياسية.
هذا هو كل ما يُمكن أن يُقال: إنَّهُ أدب فارسي وصل إلى العرب في القرنين الثالث والثاني، بينما وصلَ إلى العرب عن اليونان الفلسفة، ونُظُم مختلفة في التفكير لها أثرها في النحو والبيان وغيرهما من الفنون.
والواقع أنَّ الفُرسَ أخذوا من العرب أكثر مما أعطوهم، وحسبنا أنْ نَعْلَم أنَّ الأدبَ الفَارِسِيَّ الحي إنما نشأ بعد أن اتصل الفُرسُ بالعرب، وبعد أنْ تعلموا العربية، ولم يُعطِ الفرس للنثر العربي في التأثير بمِقدار ما يتصوره المُستشرقون، وما كان يراهُ الشعوبية من الفرس الذين قالوا: إنَّ العرب مَدِينةٌ للفُرْسِ بكل شيءٍ! ولا شك أنَّ العرب مَدِينُون للفُرسِ بالكثير من المَادِّيات والنُّظُم السِّياسية وغيرها، وأمَّا في الأدب فأنا مُقتصِد جدًّا، وفي رأيي أنَّ العرب تدين في أدبها إلى الأمة اليونانية.
هذا إلى أن أكثر الكُتَّاب الذين بدءوا يكتبون النثر لم يكونوا من الفرس، بل كانوا من الشام والجزيرة ومصر؛ فهم إما يونان أو ساميون ثقافتهم يونانية.
ولنسأل: أليس يُوجَد نثر عربي غير الخطابة لم يتأثر بالفارسية أو اليونانية؟ فإذا استطعنا الظفر بهذا النثر كان من السهل علينا أن نرى الفرق. ووجود هذا النثر ليس صعبًا، بل يكفي أن نقرأ النقائض فنجد فيه إشارة إلى أيام العرب، ويضطر المُفسرون إلى أن يقصوا علينا أخبار هذه الأيام التي كان العرب يقولون: إنها وقعت بين «داحس والغبراء»، و«حرب البسوس»، و«يوم الكلاب»، وما كان بين «عامر وتميم»، و«أيام الفُجار» وغيرها.
كل هذه القصص كانت تُروى في مدينتَيِ البصرة والكوفة عندما استقرَّ العربُ في هذين المصرَيْن، وكانَ الذين يتحدثون بها هم الأعرابُ. والذي يظهر في هذه القصص ليست العقلية اليونانية ولا الفارسية، بل العقلية العربية التي تُريد أنْ تُثبت للنابهين من القبائل أعظم حظ من الشجاعة.
في هذه القصص التي كانت تُقَصُّ أيامَ العرب ومغازي النبي وأوائل الفتح الإسلامي والفتن الإسلامية أيام عثمان العربية الخالصة، ترى النثر العربي الخالص، فإذا استطعنا أنْ نُحَدِّد هذا النثر كانَ مِنَ السَّهل علينا أنْ نُوازِنَ بينهُ وبين نثر الكُتَّاب الذين ظهروا في القرنين (الثاني والثالث)، وهم المتصلون بهذا المزاج من الثقافة اليونانية والفارسية.
وتُهدينا هذه الموازنة إلى التأثيرات المُختلفة التي أحدثتها الثقافات المختلفة في النثر العربي. فنحنُ عندما نُوازن بين كتابة الكُتَّاب من المَوالي الذين كانوا من أصل سرياني أو شامي أو مِصْرِي، والذين تأثروا بالثقافة اليونانية، وبين الموالي الذين كانوا من أصل فارسي نتبين الطابع اليوناني من الطابع الفارسي.
ألقى الأستاذ وليم مَارسيه William Marcais مُحاضرة في أصل النثر العربي ختمها بهذا السؤال: «إلى أي حد كان تأثير اللغة الفارسية فيما كتب ابن المُقفع وفيما ترجم؟ أكانت ترجمتُه حرفيةً يغلب عليها الطابع الفارسي أم كانت واسعة يغلب عليها الطابع العربي؟» وأظهر الأستاذُ أَسَفَهُ، وقال: «إنَّ الجواب عن هذا السؤال ليس ميسورًا الآن؛ إذ إنَّ الذين يستطيعون الرَّدَّ عنهُ هم الذين أتقنوا العربية والفهلوية، ومن سوء الحظ أن الأصول التي ترجم عنها ابنُ المقفع قد ضاعت.»
ومع هذا، فنستطيع أن نقول إن الجواب عن سؤال مارسيه ميسورٌ رغم ضياع الأصول؛ إذ نستطيع أن نجدهُ في الأدب الصغير والأدب الكبير.
عندما تقرءون كتابة ابن المقفع تجدون فيها شيئًا من الالتواءِ والدوران، ونُحِسُّ ونحن نقرأ أنَّ الكَاتب يَجِدُ مشقة في التعبير عن المعاني التي يُحِسُّها، ونُحِسُّ هذا الضعف الذي يكلفه الكاتب للعربية. نُحِسُّهُ لا بعقولنا فحسب، بل بآذاننا، فنجدُ أنَّ المُقفع يُكلِّف النحو العربي تكاليفَ رُبَّما لم يكن النحو العربي مُستعدًّا لأنْ يحتملها.
وإنَّ ابن المقفع نفسَهُ رغم أنهُ زعيم الكُتَّاب وصاحب الآيات، وواضع المَثل الأعلى للكتابة، لم يكن عظيم الحظِّ من الفصاحة والنَّحو العَرَبي. وإذا وازنَّا بينهُ وبين ما كتب أصحاب النحو، وجدنا أنهُ مستشرق يحسن اللغة العربية والفارسية، يبذل جهدًا فيُوفَّق كثيرًا ويخطئ أحيانًا.
Tag: Arabic literature
-
النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة
-
في التجديد
في التجديد
طه حسين
المجلة الجديدة
١٠ نوفمبر ١٩٢٩
وإنَّما أريد التجديد الأدبي؛ لأنَّه بطيء مضطرب لا نظام له ولا اطِّراد، على حين يأخذ التجديد في نواحي حياتنا الأخرى طرقًا واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء. فالعلم يدرَّس في مدارسنا المدنية على النحو الأوروبي الجديد في غير مراوغة ولا تلكؤ. ولسنا نعرف مدرسة مدنية تدرس فيها الطبيعة أو الطب على نحو ما كان يدرسهما أصحاب أرسططاليس، وتلاميذ الفارابي وابن سينا، وإنَّما تدرس الطبيعة والطب وغيرهما من العلوم على أحدث نوع من أنحاء الدرس تعرفه أوروبا وأمريكا. وليس على ذلك اعتراض أو نكير، وإنَّما يكون الاعتراض والإنكار لو حاولت المدارس أن تعدل عن هذا النحو الجديد من الدرس إلى نحو آخر قديم ولو قليلًا. والفن الذي يتبع هذا العلم ويجاريه في الحياة العلمية مجاراة الظل للشخص يسلك طريقًا جديدة أيضًا.
فكما أننا ندرس الطبيعة والميكانيكا والطب على النحو الجديد، فنحن نُطبقها أيضًا على النحو الجديد. أما حياتنا السياسية فمسرفة في الميل إلى التجديد، ويكفي أن تكون الصلة قد انقطعت بينها وبين ما ألف آباؤنا من الحياة السياسية، فليست هناك صلة ما بين نظامنا السياسي القائم مهما يكن، وما أَلِف المصريون القدماء من حكم الفراعنة، أو ما ألف المصريون المسلمون من حكم الخلفاء والسلاطين، وتستطيع أن تقول مثل هذا في حياتنا الاجتماعية، فهي ممعنة في التجديد، وحسبك أنَّ تشريعنا المدني كله يقتبس من أوروبا لا من النظم القديمة ولا من الإسلام نفسه، وحياتنا الاقتصادية جديدة كلها. فلم يعرف القدماء هذا النحو من البيوت المالية، وهذا النحو من التعاون المالي الذي نعرفه نحن، ونسرف فيه أكثر مما يُسرف فيه الأوروبيون أنفسهم.
التجديد عندنا إذن مطَّرد في كل شيء تؤيده الحكومة، وتلح فيه، وتفرضه على الناس فرضًا، وتشرع القوانين في كثير من الأحيان لمعاقبة الذين يُنكرونه أو يخرجون عليه.
وهذا التجديد ملائم كل الملاءمة لميولنا وأهوائنا ولطبائعنا وأمزجتنا، فنحن مطمئنون إلى ما يُشرَّع لنا من النظم التعليمية والقضائية والاقتصادية والسياسية، وإذا كنا ننكر على الحكومة شيئًا فإنَّما ننكر عليها إبطاءها في التجديد، وإذا كنَّا نتمنى شيئًا فإنَّما نتمنى الإسراع في هذا التجديد حتى تزول الفروق بيننا وبين الأوروبيين. ومع ذلك فهناك ناحية من نواحي حياتنا العامة والخاصة يشتد فيها إنكار التجديد، والخروج عليه، ولا يكاد المجددون يشقون فيها طريقهم إلا على شيء من المشقة والعناء غير قليل؛ وهي الناحية الأدبية.
فالمجددون من الأدباء لا يزالون قلة في الشرق عامة وفي مصر خاصة، وهذه القلة ليست آمنة ولا مطمئنة على مُثُلها العليا، ومذاهبها في التفكير والتعبير، وإنَّما هي عرضة دائمًا للمقاومة والمناوأة وللكيد والدس، وما إلى هذا كله من ضروب الخصومة الشريفة وغير الشريفة. والذوق العام ينقاد لهم حينًا ويزورُّ عنهم حينًا آخر، وازوراره عنهم أشد من انقياده لهم. وهؤلاء المجددون أنفسهم على اقتناع كثير منهم برأيهم في التجديد، مضطربون لم يبلغ بهم الإيمان بمذهبهم الجديد إلى الحد الذي يستطيعون معه التضحية في سبيل مذهبهم أو الجهاد الصريح لنصر هذا المذهب. فمنهم من يفتر إذا اشتدت الخصومة، ومنهم من يتملق القديم؛ فيحتال في أن يلون آراءه الجديدة بلون فيه ميل قوي أو ضعيف إلى القدم. فما علة هذا النوع من التناقض بين حياتنا الأدبية وغيرها من فروع الحياة المختلفة التي نحياها؟ وما السبيل إلى إلغاء هذا التناقض، والملاءمة بين حياتنا العاقلة الشاعرة، وحياتنا العامة؟
أما جواب السؤال الأول فيسير فيما يظهر؛ ذلك أنَّ تطور العقل والشعور بطيء بطبعه، أشد بطئًا من تطور الحياة العملية، فقد يكون من اليسير أن ندفع الزي الشرقي إلى الزي الغربي، وأن نجلس إلى الموائد لنأكل ونشرب على النحو الذي يأكل عليه الأوروبيون ويشربون، دون أن يكون لهذا كله مصدر إلا الرغبة اليسيرة في التقليد، والميل اليسير إلى ما هو أدنى إلى الراحة، وأقرب إلى المنفعة، فحياتنا المادية تتطور وتسرف في التطور دون أن يؤثر ذلك في حياتنا العقلية والشعورية. وكثيرون جدًّا هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوروبا قد درسوا فيها وأقاموا فيها أعوامًا طوالًا، وظهر عليهم التأثر بدرسهم الأوروبي، وإقامتهم في أوروبا حتى وصفهم الناس بالتفرنج، واقتنعوا هم أيضًا بأنَّهم متفرنجون، ولكنَّهم على ذلك يُفكِّرون كما يفكِّر الشرقي الخالص، ويشعرون كما يشعر الشرقي الخالص، وهم شرقيون بأشدِّ معاني هذه الكلمة دقةً إذا خلوا إلى أنفسهم أو أرسلوا طبائعهم على سجاياها.
وكثيرًا ما يكون لهذا أثر بعيد منكر في حياة الشرقيين والأوروبيين جميعًا. فهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يخدعون أنفسهم، ويخدعون الناس، ويمضون في هذه الخديعة حتى يصهروا إلى الأوروبيين، يحسبهم الأوروبيون أمثالهم في التفكير والشعور؛ فيقبلونهم أصهارًا، ويظنون هم أنفسهم أنَّهم أوروبيون في التفكير والشعور؛ فيقترنون بالأوروبيات حتى إذا عادوا إلى مصر وصهرتهم شمسها الحارة زال عنهم هذا الطلاء، فظهرت شخصياتهم الشرقية واضحة جلية، فأنكرهم أزواجهم وأنكروا هم أزواجهم أيضًا، واتصلت لهم ولأزواجهم حياة مرة منغصة.
وهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يتحدثون إليك في أوروبا أو حين يعودون منها، فإذا هم ينكرون في مصر كل قديم، وإذا هم حِرَاص على التجديد حتى إنَّك لتخافهم على النظام، وتحسبهم دعاة ثورة وفتنة، ثم لا يمضي عليهم في مصر زمن قليل حتى يصبحوا — أو قل حتى يعودوا — أنصارًا للقديم كما كانوا قبل أن يذهبوا إلى أوروبا.
لا مصدر لهذا كله إلا ما قلناه من أنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء بطبعه، وإذا كان تطور التفكير والشعور بطيئًا فلا جرم تبعه في البطء تطور التعبير؛ أي تطور الحياة الأدبية، فلأجل أن تُجيد الإنشاء الفني شعرًا أو نثرًا يجب أن يكون هذا الإنشاء صادقًا؛ أي صورة قوية صحيحة لما يضطرب في نفسك من خاطر، وما تجد من عاطفة أو هوى. وإذا كنت شرقيًّا خالصًا فستخطر لك الخواطر الشرقية، وستجد العواطف الشرقية، وستعبر عنها كما يُعبِّر الشرقيون؛ أي ستكون قديمًا في تفكيرك وشعورك وتعبيرك.
أما الجواب عن السؤال الثاني: فما نظنه أشد عسرًا من الجواب عن السؤال الأول؛ ذلك أنَّ من الواضح أنَّ أحسن دواء إنَّما هو استئصال العلة التي تدعو إلى المرض، فإذا كان التجديد في الأدب بطيئًا لأنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء؛ فخير طب لهذا إنَّما هو إعانة التطور العقلي والشعوري على أن يتحقق ويسرع إلى حد ما. وبمقدار ما نعين هذا التطور على الإسراع يكون حظ أدبنا العربي من التجدد.
ومن الغريب أنَّك تُلاحظ بين حياتنا العلمية والأدبية تناقضًا في حظهما من التجديد مصدره التناقض فيما بُذل من الجهود لتحقيق التطور العلمي والأدبي؛ فقد بُذلت جهود عنيفة كثيرة متصلة لتحقيق التطور العلمي منذ أول القرن الماضي، فَفُرض العلم المدني على النَّاس فرضًا؛ لأنَّ حاجتهم في حياتهم العلمية كانت تقتضي ذلك، وبلغنا بفضل هذه الجهود إلى حياة علمية قد تكون قوية منتجة وقد تكون ضعيفة قليلة الإنتاج، ولكنَّها جديدة على كلِّ حالٍ.
أمَّا الجهود التي بُذلت لتحقيق التطور الأدبي فقليلة ضئيلة متقطعة؛ لأنَّ التطور الأدبي لم تدعُ إليه الحاجة العاجلة، فبينما كان التقدم العلمي قد مضى إلى أمد بعيد في مصر كانت الحكومة لم تُفكِّر بعد في إنشاء مدرسة دار العلوم. فلما أنشأتها مضت في إنشائها على استحياء، وجدَّدت في نظامها بمقدار، ثم وقفت عند هذا الحد من الجهد لتحقيق التطور الأدبي. وطبيعي أن تكون ضئيلة ثمرات هذا الجهد الضئيل. ثم انتظرت الحكومة نصف قرن، وأضافت إلى جهدها الأول جهدًا آخر هو إنشاء كلية الآداب في الجامعة، ولكنَّ هذا الجهد لم يؤتِ ثمره بعد؛ لأنَّه لا يزال حديث العهد. جهد الحكومة لتحقيق التطور الأدبي ضئيل بالقياس إلى جهدها لتحقيق التطور العلمي، ومع ذلك فقد تطور الأدب العربي نحو التجديد في مصر تطورًا لا بأس به مصدره جهود فردية بُذلت لنشر الكتب القديمة وترجمة الكتب الحديثة، وقُرئت هذه الكتب وتلك، فكانت هذه النهضة التي نشهدها الآن.
ولو قد عني الأفراد بالعلم عنايتهم بالأدب لكانت حياتنا العلمية أرقى جدًّا مما هي الآن، ولو قد عنيت الحكومة بالأدب عنايتها بالعلم لكانت حياتنا الأدبية أرقى جدًّا مما هي الآن. على أنَّ هذا كله من التاريخ، وربما كان الخير في أن تفكر الحكومة في بذل شيء من الجهد القيم الجدِّي لتحقيق التطور الأدبي، حتى لا يوجد هذا التناقض بين حياتنا الأدبية وفروع حياتنا الأخرى، وحتى تنشط الألسنة والعقول والقلوب كما تنشط الأيدي، وحتى تصبح اللغة العربية لغة للمصريين حقًّا؛ تلائم حاجاتهم ملاءمة صحيحة، وسبيل هذا الجهد عندي أن تُدرَّس الآداب الحديثة كما تُدرَّس العلوم الحديثة، وأن تُفرض هذه الآداب على شباب المتعلمين كما فرضت عليهم العلوم، ولا أكاد أفهم معنى لجهل العلم الحديث فرضًا لا تنال الإجازات بدونه، وإهمال الأدب الحديث كأنه لم يُوجد.
سيقولون إن العلم الحديث سبيل إلى الحياة المادية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، فنقول: والأدب الحديث سبيل إلى الحياة الروحية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، إلا أن تتحول مُثُلنا العليا فنقنع بأن نكون أجسامًا لا أرواح فيها، على أنَّ قليلًا من التفكير كفيل بإثبات أنَّ الحياة العلمية الخالصة نفسها لم تُوجد ولم تقوَ في عصر من العصور إلا لأنَّ الأدب وجد قبلها فأحيا العقل، وأحيا الشعور، ودفع النَّاس إلى البحث والاستقصاء ثُمَّ إلى الإنتاج والاختراع.
ومن يدري؟ لعلَّ العلة الصحيحة في أنَّ كثرة علمائنا مقلدون لا ينتجون ولا يبتكرون، إنَّما هي قلة بضاعتهم من الأدب المنتج. -
إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢٤ نوفمبر ١٩٢٨
١
لم يعرف المسلمون عصرًا كالقرن الرابع للهجرة، تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض، فكانت سيئة أشد السوء مجدبة أقبح الإجداب من ناحية، وكانت حسنة قيمة خصبة منتجة من ناحية أخرى، فسدت فيه حياتهم السياسية فسادًا ظاهرًا، فانحل سلطان الخلافة في بغداد، وأصبح أمر الخلفاء إلى المسيطرين عليهم من رجال القصر ونسائه يعبثون بهم، ويحتكمون فيهم، ويكلفونهم صروف الذلة والهوان، واضطربت الدولة كلها فاستقلت عنها الأطراف البعيدة استقلالًا تامًّا، وطمحت الأقاليم القريبة إلى شيء من الاستقلال الداخلي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الأقاليم من حظٍّ في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، وباختلاف من ينجم فيها من الزعماء وأصحاب المطامع، بحيث أصبح العالم الإسلامي في هذا العصر ميدانًا للتنافس وازدحام الأهواء والشهوات والاستباق إلى مظاهر الفوضى والاضطراب. وصلحت فيه من ناحية أخرى حياتهم العقلية صلاحًا لم يعرفوا له مثيلًا من قبل، فأزهر الشعر والنثر، ونضج العلم والفلسفة، وتمت علوم اللغة وفنونها، ونهض التاريخ والجغرافيا، بحيث إنك تنظر إلى هاتين الناحيتين من نواحي الحياة الإسلامية في هذا العصر، فلا تكاد تستريح إلى أنهما تمثلان أمة واحدة، هي الأمة الإسلامية متأثرة بحضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية، وخاضعة لسلطان واحد هو سلطان الإسلام.
ذلك أنَّ هذه الأمة لم تكن في حقيقة الأمر أمة واحدة، وإنما كانت أممًا مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، جمعها الإسلام تحت لواء واحد في أمد قصير من الدهر، وحاول أنْ يمزجها، ويلغي ما بينها من الفروق فَوفِّق إلى ذلك أحيانًا، ولم يوفَّق إليه أحيانًا أخرى.
وبينما كان يُخيَّل إلى من ينظر إلى الأمة الإسلامية إبان قوة الأمويين أو العباسيين، أنْ ستكون من كل هذه الشعوب وحدة قوية، قد مونتها وحدة اللغة والدين والنظام، كانت هناك مؤثرات أخرى تحول بين وحدة الدين واللغة والنظام، وبين نتائجها الطبيعية المنتظرة، وكان أهم هذه المؤثرات بعض الجنسيات القوية، التي لم يستطع النظام الجديد أنْ يهضمها، ولا أنْ يمحوها، بل لم يستطع أنْ يغير طموحها إلى الحياة القوية، ويضعف ميلها إلى الاستقلال والسلطان.
فقد أسلم الفرس جميعًا، وتعلَّم كثير منهم العربية أو استعربوا، ولكن الأمة الفارسية في جملتها ظلت فارسية، إنْ لم تحتفظ بدينها القديم، فقد احتفظت بلغتها وأدبها وعاداتها، وكثير من نظمها الاجتماعية، بل هي لم تكتفِ بهذا، وإنما جدت في إخضاع الغالبين إلى حد ما لما احتفظت به من لغة فإعادة ونظام، ثم اتصلت بالسياسة العربية الإسلامية، وأثرت فيها أشد التأثير، وانتهزت فرصة الخلاف بين الأمويين والهاشميين، فانحازت إلى هؤلاء الآخرين ومنحتهم القوة، وأجلست زعماءهم على عرش الخلافة، ثم أحاطت بهذا العرش تذود عنه وتحميه، وتحتكره في حقيقة الأمر، وتستأثر به وتقصي عنه العرب شيئًا فشيئًا، وما هي إلا أنْ يمضي القرن الثاني وينتصف القرن الثالث حتى تنقطع الصلة، أو تكاد تنقطع بين هذا العرش وبين الأمة العربية، وإذا العرب قد ارتدوا إلى أوطانهم الأولى، وإذا الخلفاء قد أصبحوا أسرى للعناصر الأجنبية المغلوبة في الدولة، وإذا هذه العناصر قد أخذت ترفع رءوسها، وتمد أيديها إلى السلطان فتأخذ منه — كما قدمنا — بحظوظ مختلفة من القوة والبأس ومن السيادة والاستقلال.
وكانت الأمة الفارسية أسبق الأمم إلى اقتطاع حظها من هذا السلطان، وكانت أعظمها منه حظًّا وأوفرها منه نصيبًا، ولا سيما في هذا القرن الرابع للهجرة.
٢
ولكن هذه الحركة العنيفة التي بعثها الإسلام في العالم القديم كله، أنتجت ما لم يكن بد من إنتاجه، فقد اختلطت كل هذه الأمم، وائتلفت كل هذه الشعوب، وعرف بعضها بعضًا، وأحب أنْ يتزيد من هذه المعرفة، فانكشفت للعرب نفوس الفرس والروم والساميين والقبط والبربر والإسبانيين، وانكشفت لهؤلاء جميعًا نفوس العرب، وكانت بينهم إلى هذه الصلات السياسية، التي أحدثها الفتح والدين صلات عقلية أشبه شيء بما حدث في العالم القديم، حين أغار الإسكندر على الشرق، وحين بسطت روما سلطانها على الشرق والغرب معًا.
أصبحت اللغة العربية لغة رسمية لهذه الشعوب، تترجم ما بينهم من صلات سياسية ودينية، وتترجم ما بينهم من صلات نفسية وعقلية، وأخذ كل شعب من هذه الشعوب يحرص على أنْ يكون له فيها أثر ظاهر، وأخذ العرب أنفسهم يحرصون على أنْ يكون في لغتهم مثال صادق لخير ما انتهت إليه حضارات هذه الشعوب وحياتها من أدب وفن ومن علم وفلسفة؛ فكانت الترجمة من الفارسية والهندية والسريانية واليونانية، وكثرت هذه الترجمة، وكثر درسها وشرحها وتفسيرها، وتأثرت بهذا كله حياة المسلمين العقلية منذ عهد بعيد، فظهرت آثارها في فلسفتهم وكلامهم وعلومهم وآدابهم.
ولكن هذا كله لم يسغه العقل الإسلامي الجديد، ولم يحسن هضمه إلا بعد أنْ انقضى القرن الثالث، وأظل المسلمين هذا القرن الرابع. في هذا القرن والقرن الذي بعده أخذت تظهر للمسلمين حياة عقلية جديدة مصطبغة بالصبغة الإسلامية الخالصة، وأخذ يظهر في العالم الإسلامي مفكرون مسلمون لا يصطبغ تفكيرهم بصبغة الدين ولا بالصبغة الفلسفية الأجنبية، كما كان ذلك شأن المتكلمين إبان القرنين الثاني والثالث، وإنما هم مفكرون مستقلون يحاولون أنْ يصبغوا ما انتهى إلى المسلمين من آثار الأمم الأخرى صبغة إسلامية صرفة مستقلة، وكان من زعماء هؤلاء جماعة كالفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة الذين ظهروا في هذا العصر. وكان لنضج هذه العلوم والفنون والفلسفة في نفوس المسلمين أثرها في الفن والأدب أيضًا؛ فليس شعر المتنبي وأبي العلاء كشعر البحتري وأبي تمام، أو كشعر أبي نواس ومسلم، أو كشعر الفرزدق وجرير، وليس نثر الصابي وابن العميد كنثر الجاحظ، أو كنثر ابن المقفع، أو كما يُرْوى من النثر لكُتَّاب الأمويين وخطبائهم، وإنما هذا كله شيء جديد لا هو بالبدوي أو القريب من البدوي، ولا هو بالأجنبي أو القريب من الأجنبي، وإنما هو فن عربي قوي الأسر متمكن في عربيته الجديدة أشد التمكين.
٣
من خضوع المسلمين في هذا العصر لهاتين الظاهرتين المتناقضتين؛ ظاهرة الانحطاط السياسي والرقي العقلي، بقيت لنا آثار مختلفة كثيرة، لعل أظهرها وأقواها وأشدها تشخيصًا لهذا العصر هذا الكتاب الذي أقدمه إلى القُرَّاء وهو «رسائل إخوان الصفا»؛ فهذا الكتاب يمثل أصدق تمثيل وأقواه هاتين الظاهرتين المتناقضتين، يمثل من جهة فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك الوقت؛ لأن الذين كتبوه جماعة لا نكاد نعرف منهم أحدًا؛ لأنهم كانوا يعملون من وراء ستار، وكانوا يعملون لغرض سياسي قبل كل شيء. فهم كانوا خصومًا للنظام السياسي القائم في بغداد، كما لم يكونوا أنصارًا مخلصين للنظام السياسي القائم في القاهرة، لم يكونوا يرتاحون إلى خلافة العباسيين، ولم يكونوا يحبون خلافة الفاطميين، وإنما كانت لهم أغراض سياسية متطرفة مسرفة في التطرف، فهم من غلاة الشيعة ولعلهم من الإسماعيليين، والقول كثير في أغراض الإسماعيليين ووسائلهم السياسية ونفورهم من الفاطميين وبغضهم لدولة بني العباس.
كان هؤلاء الناس إذن يعملون من وراء ستار ويؤلفون جماعة سرية، وكان قوام جماعتهم هذه — فيما يظهر — سياسي وعقلي، فهم يريدون قلب النظام السياسي المسيطر على العالم الإسلامي يومئذ، وهم يتوسلون إلى ذلك بقلب النظام العقلي المسيطر على حياة المسلمين أيضًا، وهم يسلكون في ذلك مسلك جماعات سبقتهم في العالم القديم؛ أظهرها جماعة الفيثاغوريين في المستعمرات اليونانية الإيطالية، فقد كانت هذه الجماعة مبغضة للنظام السياسي اليوناني المألوف، وكانت تريد قلبه وتغييره، وكانت تتوسل إلى ذلك بوسائل أهمها تغيير النظام العقلي، وإنشاء فلسفة جديدة تكون الحياة العقلية والعلمية للفرد والجماعة تكوينًا جديدًا، يلائم بينها وبين السياسة الجديدة، ويمكِّن هذه الجماعة من السيطرة على الأمور العامة، وقد وُفقت هذه الجماعة الفيثاغورية بعض التوفيق، وحاول أفلاطون شيئًا من ذلك فوُفق من الجهة العقلية، وتخيل نظامًا سياسيًّا بسطه في كتاب الجمهورية وكتاب القوانين، وأقامه على الفلسفة الأفلاطونية كلها، كما أقام الفيثاغوريون نظامهم على الفلسفة الفيثاغورية. ولكن أفلاطون لم يوفق في الحياة العملية إلى شيء، وظلت سياسته خيالًا ليس غير، وفلاسفة اليونان جميعًا متفقون على أنَّ النظام السياسي كائنًا ما كان لا قيمة له، إذا لم يعتمد على نظام من نظم التربية يلائمه ويهيئ الأفراد والجماعات لتأييده والذود عنه. فالتربية أهم ما يعنى به أفلاطون في الجمهورية، وهي أهم ما يعنى به أرستطاليس في كتاب السياسة، وكلاهما يبين أحسن تبيين الصلة بين أنواع التربية والتعليم المختلفة، وبين ما يوجد أو يتخيل من نظم الحكم والسياسة.
فجماعتنا السرية هذه متأثرة من غير شك بما كان في العالم اليوناني من محاولات تشبه محاولتها السياسية، متأثرة بمحاولة الفيثاغوريين، متأثرة بمحاولة أفلاطون. وقد كان حظها من التوفيق كحظ الفيثاغوريين، فقد وفق الإسماعيليون إلى وجود نظام سياسي مكَّن لهم في بعض الأرض، ونشر الرعب في العالم الإسلامي حينًا.
وليس أدل على فساد الحياة السياسية من قيام هذه الجماعات السرية التي تعمل لهدمها وتقويضها جادة ملحة، فكما كانت فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين دليلًا على فساد الحياة السياسية اليونانية؛ ففلسفة إخوان الصفا دليل على فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك العصر، وقد احتاط هؤلاء الناس في التستر والاستخفاء، فلم نكد نعرف منهم أحدًا — كما قلنا — وإنما سميت أسماء لا تتجاوز الخمسة، ولا تخلو أنْ يحيطها الشك، وكل ما نستطيع أنْ نعرفه من أمر هذه الجماعة أنها نشأت في البصرة في منتصف القرن الرابع، وعُرف لها فروع في بغداد، وليس عندي شك في أنَّ أبا العلاء قد اتصل بهذا الفرع البغدادي حين ارتحل إلى بغداد آخر هذا القرن، وكان يحضر اجتماعه يوم الجمعة من كل أسبوع، نرى ذلك في سقط الزند، بل نرى بعض أسماء الذين كانوا يحضرون جلسات هذا الفرع، ونكاد نعرف المكان الذي كانوا يجتمعون فيه يوم الجمعة من كل أسبوع، ونكاد نلمح في هذه الاجتماعات شيئًا من اللهو المعتدل الذي لا بدَّ منه — فيما يظهر — لتستقيم فلسفة الفلاسفة، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في «ذكرى أبي العلاء» على أني أشد استيقانًا به الآن، وأعتقد أنا نجد في رسائل إخوان الصفا أحسن تفسير لكثير من غوامض اللزوميات.
٤
و«رسائل إخوان الصفا» هذه تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر، كما تمثل الحياة السياسية، أو هي أقوى من تمثيلها للحياة السياسية، فهي مرآة تنعكس فيها الحياة العقلية انعكاسًا مباشرًا. ونحن نرى فيها هذه الحياة واضحة جلية، نرى أنَّ العقل الإسلامي في القرن الرابع كان قد وعى ما نُقل إليه من فلسفة اليونان، وحكمة الهند، وآداب الفرس والآداب العربية، والإسلام وغيره من الديانات السماوية وغير السماوية، وجمع ذلك كله ورتبه ولاءم بينه، وحاول أنْ يكِّون منه مزاجًا واحدًا مؤتلفًا، هو خلاصة الثقافة التي يجب على الرجل المستنير حقًّا أنْ يظفر بها ويأخذ منها بالحظ الموفور.
ونلاحظ ونحن نقرأ «رسائل إخوان الصفا» ما نلاحظ ونحن نقرأ اللزوميات ورسالة الغفران؛ من أنَّ الصلات كانت في ذلك العصر، قد كثرت واستوثقت بين المسلمين في العراق وبين الهند، فانتقلت إلى أهل العراق مذاهب الهند الفلسفية وأساطيرها الشعبية، واختلط هذا كله بمجموعة العلم المحصلة يومئذ عند المسلمين، فأثر فيه أثرًا ظاهرًا، ولعل مذهب التناسخ لم يكثر التحدث به ومحاولة شرحه وتأييده وتصويره في الصور المختلفة، كما كثر ذلك في هذا العصر.
ولسنا نقول شيئًا جديدًا حين نقول: إنَّ «رسائل إخوان الصفا» هذه أشبه شيء بدائرة معارف فلسفية علمية، جمعت كل ما لم يكن بد من تحصيله للرجل المثقف حقًّا في ذلك العصر، ولكنها جمعت ذلك كله على شيء من النظام، يمثله الفهرست الذي قدَّم بين يديها، وهذا النظام يجب أنْ ينظر إليه من وجهين، أحدهما الوجه الفلسفي الصرف، وهو من هذه الناحية متأثر بما عرف المسلمون عن فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين القدماء والمحدثين وأرستطاليس متأثر بهذا كله، فهو يقسم الكتاب إلى أجزاء أربعة، أولها في أربع عشرة رسالة في الرياضة على اختلافها، في العدد والهندسة والفلك، ثم في الفنون العملية، ثم في المنطق، وهذا الجزء فيثاغوري أفلاطوني في أوله، وهو في آخره متأثر بأرستطاليس، إذ منطقه هو منطق أرستطاليس بترتيبه وأسمائه. والجزء الثاني أرستطاليسي الصبغة، يتناول الطبيعيات كلها على النحو الذي تناولها عليه أرستطاليس، يبدأ بالهيولي والصورة والزمان والمكان والحركة، وينتقل إلى الآثار العلوية، ثم ما يزال يتدرج حتى يصل إلى المعادن، ثم إلى النبات، ثم إلى الحيوان، ثم إلى الإنسان، ويختم بعلم النفس. والجزء الثالث عشر رسائل فيما بعد الطبيعة، وهو ظاهر التأثر بهذه الضروب الثلاثة من الفلسفة اليونانية، ففيه من الفيثاغوريين، وفيه من أفلاطون، وفيه من الأفلاطونية الحديثة، وفيه من أرستطاليس، فإذا كان الجزء الرابع فهو يتناول الإلهيات وما يتصل بالديانات والشرائع والتصوف، وهو المزاج الذي التأمت فيه كل العناصر المؤثرة في الفلسفة الإسلامية، سواء منها الشرقي والغربي والفلسفي والعلمي والديني والأدبي والفني والخرافي أيضًا. وهذه الأجزاء الأربعة كلها ورسائلها التي تبلغ اثنتين وخمسين رسالة، ليست في حقيقة الأمر إلا مقدمة ومدخلًا إلى رسالة جامعة هي خلاصة العلم وغاية الغايات التي كانت تنتهي إليها الجماعة، لا ينبغي أنْ تُعرض على أحد حتى يكون قد أخذ بحظه من كل هذه الرسائل. والجماعة تشبه نفسها برجل حكيم جواد كريم له بستان فيه من كل لذة ما فيه بهجة لا تعدلها بهجة، ولكنه لا يدخل الناس في هذا البستان حتى يعرض عليهم نماذج بما فيه، فهم ينظرون إليها ويدنون منها، فيذوقون ويشمون ويلمسون حتى إذا أنسوا واطمأنوا، ثم رغبوا واشتهوا أُدخلوا في هذا البستان، وهم يشبهون رسالتهم الجامعة هذه بالدواء الذي يشفي إنْ كان الجسم متهيئًا لقبوله، ويقتل إنْ كان الجسم لم يتهيأ له. ولكن هذه الرسالة الجامعة لم تصل إلينا، ولو قد وصلت لعرفنا كنه هذه الجماعة وأغراضها ووسائلها معرفة واضحة قاطعة.
٥
درس هذه الرسائل مفيد للذين يريدون أنْ يدرسوا تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ لأنه — كما رأيت — يمثل عصرًا من أنضر العصور الفلسفية في الإسلام. ومن يدري؛ لعل قراءة هذا الكتاب في عناية وتحقيق تكشف عن أشياء لم تظهر بعد، فهل يبعد أنْ يكون رجل كالغزالي قد تأثر إلى حد قريب أو بعيد بفلسفة هذه الجماعة، ولا سيما حين نلاحظ أنه نشأ فيلسوفًا وانتهى صوفيًّا، وأنَّ إخوان الصفا يستخلصون التصوف والغلو فيه من الفلسفة الخالصة؟ وهذا الدرس يفيد الذين يدرسون التاريخ السياسي للمسلمين، فهو يكشف لهم عن أشياء قد لا يظفرون بها في كتب التاريخ السياسي؛ لأن التاريخ السياسي قد كُتب — كما يعلم كل إنسان — متأثرًا بطائفة من المؤثرات حالت بينه وبين الإنصاف في كثير من الأحيان، وكثير من الذين كتبوا هذا التاريخ السياسي لم يكونوا ينظرون إلا إلى ظواهر الأمور وأغراض الحياة العامة؟ ومن يدري؛ لعل هذه الرسائل لو قرأها المؤرخون في عناية وتحقيق تكشف عن أسرار تاريخية لا نقدِّرها، بل لا نفترضها نحن الآن.
وهذا الدرس يفيد الذين يريدون أنْ يتثقفوا، وأنْ يأخذوا بحظ من قديمنا العربي، فالفكرة العامة الآن عند الذين ينصرون القديم ويتعصبون له أنَّ هذا القديم ينحصر أو يكاد ينحصر في الشعر والنثر، وما يتصل بهما من علوم اللغة وفنون الأدب، وهم لا يكادون يحفلون بالفلسفة والعلم؛ لأنهم يحسون في وضوح وجلاء تفوق الفلسفة الحديثة والعلم الحديث على ما كان للقدماء من فلسفة وعلم، وهم في ذلك نفعيون يتأثرون منافعهم القريبة، خاضعون لعقول هي أرقى من أذواقهم، يقدرون رقي العلم والفلسفة في هذا العصر، فيزدرون ما للعصور القديمة من علم وفلسفة، ولا يقدرون رقي الآداب لفتور أذواقهم فيحفلون الأدب القديم ويسرفون في تقديمه، ولو قد أنصفوا أنفسهم، ولو قد لاءم الله بين عقولهم وأذواقهم لقدروا الأدب القديم والعلم القديم والفلسفة القديمة كلها على سواء، وفي شيء من العدل والإنصاف، فليس أدب القدماء أشد لذة وإمتاعًا للنفوس من علم القدماء وفلسفتهم، وإذا كان علم القدماء وفلسفتهم لا يلائمان عقولنا الآن فأدب القدماء يجب ألا يلائم أذواقنا الآن، إلا أنْ يكون الله قد مسخ هذه النفوس فضمم عقولها ومحا أذواقها أو كاد.
فالذين ينشرون القديم ويتعصبون له، والذين يريدون أنْ يكونوا لأنفسهم ثقافة قديمة صالحة، والذين يريدون أنْ يعرفوا القديم على وجهه ليستطيعوا أنْ يعرفوا الحديث حق معرفته، كل هؤلاء خليقون أنْ يقرءوا الفلسفة القديمة، كما يقرءون الأدب القديم، وليس كل الناس، بل ليس كل المثقفين، يستطيع أنْ يتصرف في فلسفة الفارابي وابن سينا، وإنما هذه الفلسفة وقف على الإخصائيين؛ لأنها كُتبت للإخصائيين، في حين كُتبت رسائل إخوان الصفا لعامة المثقفين، وقصد بها إلى إيجاد الثقافة الفلسفية الصالحة، فهي أدنى إلى العقول وأيسر على النفوس، وهي مقدمة صالحة لدرس الفلاسفة الإخصائيين.
على أنَّ من الحق أنْ نلفت الناس إلى أنَّ هذه الرسائل لم تقصد بها الفلسفة من حيث هي، ولا العلم من حيث هو، وإنما أريد بها تكوين ثقافة معينة تهيئ لنحو من السياسة معين، ففيها من التأويل والدوران، وفيها من الحيل والخيال ما يحسن الالتفات إليه والاحتياط منه، وقد كان إخوان الصفا أنفسهم مخلصين، فقدَّروا ذلك ولفتوا إليه ودعوا وألحوا في الدعاء إلى ألا تعطى هذه الرسائل للناس إلا بمقدار. وقد كان ذلك ميسورًا في العصر القديم حين كان العلم لا يؤخذ إلا في المدارس وعن العلماء، وحين كان تحصيل الكتب واقتناؤها لا يأتيان إلا بعد مشقة وجهد. فأما الآن وقد وجدت المطبعة، وأصبحت الكتب تعرض نفسها على الناس، وتلح في العرض والإغراء، فنحن بين أمرين، إما أنْ نحظر نشر الكتب إلا بمقدار وبعد امتحان وفتنة واختبار وتمحيص، وإذن فهو الجهل والجمود والضعف عن اجتماع الجهود في سبيل الحياة، وإما أنْ نذيع الكتب وننشرها ولا نقيد حرية المطبعة إلا بما لا بدَّ منه لحماية الأخلاق وحياطة النظام الاجتماعي، وهذا هو الوجه وهو الطريق التي سلكتها الأمم إلى الآن، والتي نسلكها نحن راضين أو كارهين، وكل ما يجب علينا لأنفسنا ولشبابنا إنما هو التنبيه واللفت إلى ما يجب من الاحتياط والحذر حين تعرض عليه كتب بعينها حتى لا تُقرأ على علاتها، ولا تؤخذ في غير حذق وفطنة، فيكون شرها أكثر من خيرها، وخيرها أكثر من نفعها.
لرسائل إخوان الصفا قيمة أخرى لم أشر إليها بعد، وهي قيمتها الفنية الخالصة، فهي من حيث إنها تتجه إلى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف، قد عدل فيها عن العسر الفلسفي إلى اليسر الأدبي، وعني كُتابها بألفاظها وأساليبها عناية أدبية خاصة، ففيها خيال كثير، وفيها تشبيه متقن، وفيها ألفاظ متخيرة ومعانٍ ميسرة، وليس من الغلو أنْ يقال: إنها قاربت المثل الأعلى في تذليل اللغة العربية وتيسيرها لقبول ألوان العلم على اختلافها. ولو أنَّ لدينا من الذين يعنون بالدرس الأدبي جماعة تتوفر على «رسائل إخوان الصفا» درسًا وتحليلًا ونقدًا؛ لكان من الممكن أنْ نتبين ما فيها من الشخصيات الفنية المتفاوتة، بل لكان من الممكن أنْ نستكشف بعض هذه الشخصيات، ومن يدري؛ لعل منها شخصيات معروفة كتبت في الأدب والفلسفة والعلم وعُرفت كتبها، واشتركت في هذه الرسائل سرًّا ولم يعرف اشتراكها إلى الآن.
وجملة القول أنَّ هذه الرسائل كنز لم يقدر بعد؛ لأنه لم يُعرف بعد، وهو إذا عُرف قد يجلو قطعة من حياة الأمة الإسلامية في عصر من أهم عصورها وأجلها خطرًا، وعسى أنْ يكون في نشر هذه الرسائل وتيسير الحصول عليها ما يدني من هذه الغاية ويقرب من هذا المثل الأعلى. -
في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢١ إبريل ١٩٢٨
أراد اتحاد الجامعة المصرية أن يستعير من أمثاله في الجامعات الإنجليزية عادة يظهر أنها مألوفة هناك، وأن لها أثرًا غير قليل في تقويم ألسنة الطلاب وتعويدهم الخطابة والبراعة فيها، فأقام منذ أسابيع حفلة كانت فيها مناظرة باللغة الإنجليزية في موضوع غريب هو: الغرض من الجامعة؛ أهو كسب الحياة أم العلم الخالص؟
وأقام في هذا الأسبوع حفلة أخرى كانت فيها مناظرة في موضوع ليس أقل غرابة من الموضوع السابق، وهو أن الأدب العربي قديمه وحديثه كافٍ أو غير كافٍ لتكوين الأديب؟ والعادة المألوفة في الجامعة الإنجليزية أن يشترك المستمعون في المناظرة، وينحاز فريق منهم إلى «صاحب الرأي» كما يسمونه، وفريق آخر إلى المعارض، حتى إذا استوفيت المناظرة أخذت فيها الأصوات.
وقد أحكم تقليد الاتحاد المصري ما يقع في الجامعات الإنجليزية، فبسط صاحب الرأي رأيه، ونقضه عليه المعارض، واشترك المستمعون، فانحاز فريق منهم لهذا، وفريق منهم لذاك، ثم أقفلت «المناقشة»، كما يقولون، وأُخذت الأصوات، فكانت نتيجة الاقتراع منذ أسابيع أن الغرض من الجامعة كسب الحياة، وانهزم القائلون بأن الغرض من الجامعة إنما هو العلم الخالص.
وكانت نتيجة الاقتراع في هذا الأسبوع أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، وانهزم القائلون بأن الأدب العربي في حاجة ماسة إلى الآداب الأجنبية ليتاح له تكوين الأديب حقًّا.
وليس في هذه المناظرات ولا فيما تنتهي إليه من النتائج شيء من العجب أو الغرابة، فهي في نفسها ضروب من العبث البريء الذي يقصد به إلى التمرين والتدريب، دون أن يقصد به إلى إثبات حقيقة من الحقائق، هو لون من ألوان التمثيل، وضرب من ضروب اللعب اللساني لا أكثر ولا أقل.
وليس يفكر المدبرون لهذه المناظرات في إثبات حقيقة من الحقائق الأدبية أو العلمية بهذه الفنون من الجدال الناقص أمام هذا الجمهور المختلف التكوين، وبأخذ الأصوات في مسائل العلم والأدب كما تؤخذ الأصوات في الأمور السياسية والإدارية.
لذلك أقبلنا على هذه المناظرات مبتسمين كما نقبل على ما يلعب في الملاعب مبتسمين، وأخذنا بحظنا من هذه اللذة البريئة التي يجدها من يستمع لخطيب مجيد، ومناظر بارع، ولكن فريقًا من الناس منهم المصري ومنهم الأجنبي، منهم الناشئ ومنهم من تم تكوينه العقلي، نظروا إلى هذه الفكاهة على أنها جد من الأمر، وأشفقوا من نتائجها في شيء من الجزع والهلع.
وليس هناك بأس من أن أذكر أني لقيت بعض زملائنا من جلة الأساتذة في الجامعة من غير الإنجليز، فإذا هم مشفقون الإشفاق كله؛ لأنهم عرفوا أن جمهور المستمعين قد أُعلِن أن الغرض من الجامعة كسب الحياة لا العلم الخالص، أشفق هؤلاء الأساتذة وخافوا على عقل الشباب المصري أن تفسده المنفعة، وأن يكون عمليًّا أكثر مما ينبغي، وأن يُضحَّى بالعلم الخالص في سبيل الراحة وترف الحياة.
ولقيت غير قليل من الجهد في إقناعهم بأن هذا الأمر في نفسه يسير، وأنه لا يعدو أن يكون فكاهة وفنًّا من فنون اللعب؛ ذلك أن هذا اللون من ألوان الجدال ليس مألوفًا في البلاد اللاتينية كما هو مألوف عند الإنجليز، والأستاذ اللاتيني صاحب جد لا دعابة فيه، وربما أسرف في هذا الجد إسرافًا شديدًا، وكذلك كانت الحال حين صَوَّت المستمعون في هذا الأسبوع فأعلنت كثرتهم أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، جزع لهذه النتيجة فريق من الناس وأشفقوا على الشباب المصري من هذا الإسراف في الغرور بما عندهم، ومن هذا الفهم السيئ لمعنى القومية، ومن هذا الخطأ في تصور العواطف الوطنية والخضوع لسلطانها في غير تبصر ولا روية.
وقال هؤلاء الجزعون: إن هذه النتيجة تدل على ميل سيئ في الشباب إلى الاكتفاء بما عنده على غير بصر به، ولا فقه له، وعلى غير طموح إلى الكمال، وعلى غير تقدير صحيح لحقائق الأشياء، وإن الواجب على الأساتذة تقويم هذا الميل، وتثقيف هذا العوج، وتعويد الشباب أن يفهم الأشياء كما هي، وأن يتخذ لنفسه مثلًا أعلى يلائم حاجته إلى الحياة الراقية رُقِيًّا مُطَّرِدًا.
ولقيت مع هؤلاء مثل ما لقيت مع أولئك من الجهد لأقنعهم بأن هذا الأمر لم يتجاوز أن يكون سجالًا كلاميًّا، وسباقًا خطابيًّا، وأن هذه النتيجة لا تتجاوز أن تكون إعلانًا لرضا الكثرة عن خطابة فريق من الفريقين؛ ذلك لأن أشد الناس نصرًا للاكتفاء بالأدب العربي وتأييدًا لأنه كافٍ وحده لتكوين الأديب، هم في حقيقة الأمر من أشد الناس اقتناعًا بأن أدبًا من الآداب — مهما يكن — لا يستطيع أن يكتفي بنفسه ويستغني عن غيره من الآداب، وهم في حياتهم الأدبية يمثلون هذا الرأي أصدق تمثيل.
بل لقد كنت مع الأستاذ مطران قبيل هذه المناظرة بدقائق، فكان ضيق الصدر بموقفه؛ لأن هذا الموقف لا يلائم رأيه، وهو إنما قبله ليجيب دعوة الاتحاد إلى ما أحب من تمرين الطلاب وتعويدهم حُسن الخطابة والبراعة فيها. وكنت أقول له ونحن في طريقنا إلى قاعة المحاضرات: إنه في موقفه هذا أشبه الناس بالمحامي الذي تندبه المحكمة ليدافع عن متهم نكل المحامون جميعًا عن الدفاع عنه.
ولكن الأستاذ مطران كان خطيبًا هادئًا لبقًا ماهرًا عرف كيف يعبث بعقل السامعين، وأحسبه عبث بالحقيقة نفسها أيضًا ليؤدي هذا الواجب، واجب الدفاع عن متهم لا محامي له، فوُفِّق إلى ما أراده من استهواء الجمهور، ولست أجد في هذا شيئًا من الغرابة كما قدمت، ولا يجد فيه الأستاذ مطران نفسه شيئًا من الغرابة أيضًا، فقد كان الأمر كله كما قدمت لعبًا، ولكن هناك أشياء يجب أن يحدد فيها الموقف، ولا سيما بالقياس إلى هؤلاء الذين يأخذون هذا الأمر على أنه جد من الأمر لا عبث ولا فكاهة فيه.
وهناك شيء أحب أن أناقش فيه شاعر القطرين في دعة وهدوء، وهو احتجاجه لمذهبه المستعار بالقرآن الكريم؛ فهذه الحجة وحدها هي التي كسبت للأستاذ مطران كثرته التي انتصر بها على خصمه هيكل، ومن غريب الأمر أن هذه الحجة تقوم لهيكل على مطران، وهي دليل ناصع على أن الأدب العربي وحده لم يكن يكفي لتكوين الأديب حين نزل القرآن، والقرآن لم يشتمل على ما ألف العرب من أدب قبل عصر النبوة، وإنما كان آية التجديد، وكان الحجة القائمة على أن الأدب العربي في ذلك الوقت كان قاصرًا عن تكوين الأديب.
ومن وجوه الإعجاز التي يتحدى القرآن بها معارضيه من العرب أن فيه أشياء لم يكن العرب يعلمونها، ولم يكونوا ليصلوا إليها لولا الوحي، وكثير من هذه الأشياء كان عند الأمم الأخرى؛ فالقصص التي تتصل ببني إسرائيل مثلًا كان معروفًا لبني إسرائيل في التوراة أو في غير التوراة من الكتب المقدسة، فهو إذن بالنسبة للعرب أدب غير عربي عرَّبه القرآن حين أوحى الله به في لغة عربية، وقد امتن الله على النبي وعلى العرب بهذا القصص، كما امتن الله عليهم بغير القصص من هذه الفنون العجيبة التي لم يكونوا يعرفونها، ولم يكونوا ليعرفوها لولا أن أوحى بها الله في كتاب عربي مبين.
فأنت ترى أن القرآن حجة لهيكل لا عليه، سيقولون: كان الأدب العربي ناقصًا حتى نزل القرآن فكمل، وأصبح بعد نزوله كافيًا وحده لتكوين الأديب. وليس عندي ما يمنع من قبول هذا الرأي لولا أنه ينتهي إلى نتائج ذات خطر شديد، أولى هذه النتائج هي أن المسلمين جميعًا قد خرجوا على القرآن حين اعتزوا بالآداب الأجنبية، سواء منها الفارسي واليوناني والهندي والقبطي، وما شئت من الآداب التي ترجمت للمسلمين منذ انتصف القرن الأول للهجرة.
ولكن المسلمين لم يخرجوا على القرآن حين اعتزوا بهذه الآداب، وكان اعتزازهم بهذه الآداب الأجنبية دليلًا ناصعًا على أنهم يؤمنون بأن الأدب العربي لم يكن يكفي لتكوين الأديب العربي، وأخرى يؤخذ بها مطران — لولا أن مطران كان مازحًا — وهي اعتزازه بالجاحظ وابن المقفع وغيرهما من الأدباء الذين أغنوا الأدب العربي ورفعوا شأنه؛ فهؤلاء الأدباء لم يغنوا الأدب العربي إلا لأنهم استمدوا من الآداب الأجنبية، فعرَّبوها وأضافوها إلى الثروة الأدبية العربية، وكانوا مقتنعين بأن الأدب العربي لا يكفي لتكوين الأديب، فكانوا يضيفون إليه من آداب الأمم الأجنبية ما يُمكِّنه من تكوين الأديب.
والأمر الآن كالأمر في أيام الجاحظ وابن المقفع؛ فنحن نعتز بأدبائنا القدماء والمحدثين، ونحب أدبنا القديم والحديث، ونريد أن يكون هذا الأدب كافيًا لتكوين الأديب، ومن أجل ذلك نكمله ونحثُّ على تنميته ونُضخِّم ثروته، وسبيلنا إلى ذلك أن نصل بينه وبين الأدب الأجنبي.
ونحن مؤمنون بأن أدبنا العربي — قديمه وحديثه — لو لم يتصل بالأدب الأجنبي لمات وعجز عن الحركة والنفع. وقد رأيت أن الأدب القديم إنما غني وأثرَى حين استمد من الآداب القديمة الأجنبية، والأدب الحديث كيف يُثري حين يستمد من الآداب الأجنبية الحديثة أو القديمة، فمَن هيكل ومَن العقاد لولا أنهما — على إتقانهما للأدب القديم — قد اتصلا بالأدب الأجنبي فانتفعا به وتأثرا به فيما يصدر عنهما من أدب عربي حديث؟
حتى الذين يجهلون اللغات الأجنبية ولا يتصلون بالآداب الأجنبية اتصالًا مباشرًا لا يستطيعون أن ينتجوا إلا بمقدار ما يتأثرون بالأدب الأجنبي تأثرًا غير مباشر، فالمنفلوطي كسب شخصيته من هذه الكتب التي كانت تترجم له فيسبغ عليها الأسلوب العربي، وأشد أدبائنا الآن جمودًا ونفورًا من التجديد، وإغراقًا في حب القديم، متأثرٌ رغم أنفه بالآداب الأجنبية؛ لأنه يقرأ ما يترجم المترجمون، وما يكتب هيكل والعقاد، وما تنشر الصحف، وهو متأثر بهذا كله، وهو مضطر إلى أن يجاري هذا كله فيما يصدر من أثر أدبي.
فموقف مطران وأصحابه موقف «مستحيل»، كما يقول الفرنسيون، لا سبيل إلى الدفاع عنه إلا أن يكون هذا فنًّا من اللعب والمجون، كما كان الأمر في مناظرة اتحاد الجامعة.
فإذا كان من الناس من تصل به السذاجة إلى أن يتوهم أن الأمر كان جدًّا يوم الأربعاء؛ فليُغيِّر رأيه، وليعلم أن حقيقة الأمر لم تتجاوز العبث، وأن المسائل الأدبية والعلمية لا يحكم فيها بأخذ الأصوات، وأن الاستقلال الأدبي كالاستقلال العلمي والاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، ليس معناه العزلة وأن تكتفي بما عندك اكتفاء تامًّا، وإنما معناه أن تكون لك شخصية قوية تُمكِّنك من أن تفيد وتستفيد، أو تُمكِّنك من تبادُل المنافع كما يقول الاقتصاديون.
وليس مثلنا الأعلى في الأدب ألا نحتاج إلى الآداب الأجنبية، فهذا موت نعتصم منه بالله، وإنما مثلنا الأعلى في الأدب أن يستطيع أدبنا العربي أن يمد الآداب الأجنبية في يوم من الأيام كما يستمد منها، أي أن يكون أدبنا العربي من القوة والثروة بحيث يستطيع أن يُعطي كما يأخذ، لا أن يأخذ في غير إعطاء. -
وجوب درس آداب وتاريخ العرب على طريقة ديكارت
وجوب درس آداب وتاريخ العرب
على طريقة ديكارت
طه حسين
الفجر
٢٥ أبريل ١٩٢٦
يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قُدِّر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال، وبما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف؛ لِيَفْهَمَ تاريخ الأمة العربية على وجهه ويَرُدَّ كل شيء فيه إلى أصله، وإذا كان هناك شيء يُؤخَذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يُوفَّقوا إلى الحق فيه، فهو أنهم لم يُلِمُّوا إلمامًا كافيًا بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بينها وبين الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدًا ولم يعرفها أحد، لم تُشْبِه أحدًا ولم يُشْبِهها أحد، لم تُؤَثِّر في أحد ولم يُؤَثِّر فيها أحد، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم.
والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيَّرَ رأيُهم في الأمة العربية ولتغيَّرَ بذلك تاريخ العرب أنفسهم، ولستُ أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين: الأمة اليونانية، والأمة الرومانية.
قُدِّر لهاتين الأُمَّتين في العصور القديمة مثل ما قُدِّر للأمة العربية في العصور الوسطى، كلتاهما خضعت في حياتهما الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة، وكلتاهما انتهتْ إلى نوع من التكوين السياسي دَفَعَها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتُغِير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض، وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثًا، وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثًا قيِّمًا لا نزال ننتفع به إلى الآن. ترك اليونان فلسفة وأدبًا، وترك الرومان تشريعًا ونظامًا.
وكذلك شأن هذه الأمة العربية تحضَّرَتْ كما تحضَّر اليونان والرومان بعد بداوة، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بصروف سياسية مختلفة، وانتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين السياسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثًا خالدًا فيه أدب وعلم ودين.
وليس من العجب شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشبهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة.
وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نَقُلْ متَّحِدة، ولِمَ لا؟ أليستْ هذه الإشارة التي قدَّمناها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لِتَحْمِلَك على أن تُفكِّر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة؟!
ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق وافتراق بين العرب واليونان والرومان، فنحن لم نكتب لهذا، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب، والتي يجزع لها أنصار القديم جزعًا شديدًا ليست مقصورة على الأمة العربية، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين؛ فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتُحِل فيها الشعر انتحالًا وحُمِل على قدمائها كذبًا وزورًا، وإنما انْتُحِل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية مِنْ قبل وحُمِل على القدماء من شعرائهما، وانخدع به الناس وآمنوا له، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سُنَّة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النُقَّاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردُّوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنتهِ بعد، وأنها لن تنتهي غدًا ولا بعد غد، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيَّرت تغييرًا تامًّا ما كان معروفًا متوارثًا من تاريخ هاتين الأُمَّتين وآدابهما، وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية، إنما هو في حقيقة الأمر تأثُّر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب، وهو منهج «ديكارت» الفلسفي.
وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن نتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي، كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب، ولا أن يكون ما نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم؛ ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية؛ أو قُلْ أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية، وهي كلما مضى عليها الزمن جدت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب.
وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم، وآخرون ينصرون الجديد، فليس ذلك لأن في مصر قومًا قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل.
وانتشار العِلْم الغربي في مصر وازدياد انتشاره من يوم إلى يوم، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العِلْم الغربي، كل ذلك سيقضي غدًا أو بعد غد أن يصبح عقلنا غربيًّا، وبأن ندرس آداب الغرب وتاريخهم متأثرين بمنهج «ديكارت» كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان.
ولقد أحب أن تُلِمَّ إلمامًا قليلًا بأي كتاب من الكتب الكثيرة التي تُنشَر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقي مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأُمَّتين؟ أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودسا؟ أحق ما كانوا يتحدثون به، بل ما كانوا يؤمنون به في شأن «هيرودوس» وغيرهما من الشعراء القصصيين؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسًا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان؟
إن من اللذيذ حقًّا أن نقرأ ما كتب «هيرودوت» في تاريخ اليونان، و«تيتوس ليفوس» في تاريخ الرومان، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين، ولكنك لا تكاد تجد شيئًا من الفرق بين ما كان يتحدَّث به ابن إسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر؛ ذلك أن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بَعْدُ بهذا المنهج الحديث، ولم تستطع بَعْدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تُخَلِّص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير.
وإذا كان قد قُدِّر لهذا الكتاب ألا يُرْضِي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين، فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يُقلِّل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ؛ فالمستقبل لمنهج «ديكارت» لا لمناهج القدماء. -
حياة الخنساء (١) إلى الآنسة صبح
حياة الخنساء (١): إلى الآنسة صبح
طه حسين
مجلة السفور
١٢ نوفمبر ١٩١٥
سيدتي الآنسة: تجمع نفسك إلى وداعة الأوانس لطفهن وشيئًا من دقة الحس ورقة الشعور اللتين هما مصدر ما يمتاز به العقائل الحسان من مودة ورحمة، ومن بر وعطف، ومن رأفة وإشفاق.
أحْمَدُ منك هذا الخُلق، وأحمد ما ترين في الحياة من رأي ليس بالمشرق الضاحك، ولا بالمظلم العابس، وإنما هو اعتدال بين منزلتي الغلو في الأمل والإغراق في القنوط. سأم حلو تومض في جوانبه من حين إلى حين لمح وضاءة من نور الطمأنينة والرضى، وتظهر عليه من آن إلى آن مظاهر القوة والحياة.
هذه شخصيتك العقلية والخُلقية يمثلها لي أصدق تمثيل حديثك العذب، ورسائلك الرشيقة. وإلى هذه الشخصية أريد أن أُهدي هذه الفصول في حياة الخنساء.
فيك وجدت المثل الأعلى لما أتمنى من حياة عقلية لأوانس الشرق، فأردت أن أوثر نفسي بالحديث معك مرة في كل أسبوع.
ولقد أعلم أني رجل أثر، أحب نفسي أشد الحب، وأختصها بالخير ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، ولكني أردت في هذه المرة أن أجمع بين لذة نفسي ولذة نفسك في هذا الحديث؛ فجعلت موضوعه حياة الخنساء.
يرضيك هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة المرأة ونبوغها، وما تركت من أثرٍ في حياة العقل والشعور، ويرضيني هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة الآداب.
يرضيك لأن البحث عن الخنساء بحث عن أخص ما امتازت به المرأة من رقة الحس ونبل العاطفة، ومن كرم الخُلق واعتدال المزاج، ويرضيني لأن درسه درس لما اشتمل عليه العصر الجاهلي وصدر الإسلام من حقائق غامضة في الأدب والتاريخ لم يستكشفها الأدباء، ولم يصل إليها المؤرخون.
يعجبك لأن الخنساء ابنة الطبيعة الصريحة الساذجة: لا أعرف أنها تكلفت، أو تعسفت، أو اتخذت التصنع مذهبًا، ولأنك كثيرًا ما ضقت بهذه الحياة الحضرية، ووددت لو أتيح لك تجنبها من حين إلى حين، ويعجبني لأنه يكفل لي هذه الحياة الروحية العذبة التي يشعر بها الإنسان الحساس حين يتحدث إلى آنسة نبيلة ذكية القلب في موضوع نافع مفيد.
المرأة موضوع هذه الفصول، وإليك فيها أسوق الحديث، وليس أحب إليَّ ولا آثر عندي من أكون مفيدًا للآنسات في لحظة من لحظات الحياة.
غير أن بي أيتها الآنسة عيوبًا يأخذني بها الناس، وربما أخذت نفسي بشيء منها، فإذا كان يعجبك أن أتحدث إليك؛ فلا بد من أن تروضي نفسك على الإغضاء عن هذه العيوب.
أنا مكثر مطيل، ولكني لا أكثر ولا أطيل إلا حين اضطر إلى تحقيق مسألة غامضة، وشرح معنى خفي، وأنا صادف عن القديم كلِفٌ بالجديد، ولكني لا أصدف عن القديم إذا كان حقًّا نافعًا، ولا أكلف بالجديد إذا كان باطلًا مؤذيًا.
البحث عن الخنساء وحياتها ليس بالأمر الجديد؛ فالناس يروون أحاديثها منذ القرن الأول للهجرة إلى الآن، ولكن هذا البحث الذي أهديه إليك طريف من كل وجه.
طريف في منهجه وخطته، طريف في غايته ومقصده، طريف في أنه حديث معلن بين شاب وآنسة في حياة الآداب.
لن أسلك في هذا البحث طريق الرواية وجمع الأخبار، ولا طريق الفلسفة التاريخية التي لم تعتمد على قاعدة ثابتة ولا أصل صحيح.
أرى رأي (تين) في أن الخنساء ليست إلا ثمرة من ثمرات عصرها، وأثرًا من آثار بيئتها التي أنشأتها، وعلى ذلك لا أكفل الثقة بكتب الأدب والتاريخ إذا كان البحث عن عصرها وبيئتها ينتج غير ما اشتملت عليه.
على أني لا أجعل حال العصر والبيئة كل شيء، ولا أغلو فيهما غلو هذا الناقد الحكيم، بل أنا أقدر معهما الحال النفسية للفرد والجماعة قدرها؛ فإذا بحثت عن شعر الخنساء بحثت عنه من حيث إنه نتيجة لمؤثرات كثيرة يجمعها عنوانان اثنان؛ أحدهما: البيئة، وهي تجمع الزمان والمكان والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وكل أمر خارجي يمكن أن يكون قد ترك في نفس الشاعر أثرًا ما.
الثاني: الحالة النفسية، وإنما أريد بها ما عسى أن يكون للشاعر من شخصية انبعثت عن نفسه، وليس من وسيلة تاريخية أو علمية إلى تحقيق الصلة بينها وبين البيئة.
فمن الحق أن للشاعر المجيد والكاتب النابغة شخصية تميزه من أهل عصره وبيئته، ومن الحق أن شعر الشاعر وكتابة الكاتب مظهر هذه الشخصية، فلا بد من الاعتراف بهذين المؤثرين فيما يترك الشاعر والكاتب من منظوم ومنثور.
لست أذهب مذهب المؤرخين من قومنا الذين يعدون كل ما ورد عن العصر القديم تاريخًا، كأن لفظ التاريخ عندهم لا يدل على أكثر من ذكر الماضي، إنما التاريخ عندي ما له مصدر مكتوب، فإذا وقع إليَّ هذا المصدر استطعت أن أنقده وأُمحِّصَه؛ فإذا انتهى بي نقده وتمحيصه على النهج التاريخي إلى حق لا شك فيه؛ استطعت أن أعترف بأني قد اهتديت إلى حقيقة تاريخية، فإذا بلغت هذه الحقيقة تناولتها بما قدمت من الدرس الأدبي إن كانت تصلح له موضوعًا.
وليس معنى ذلك أني ألغي ما ليس مكتوبًا من آثار العهد القديم وأجحد قيمته؛ لأنه ليس من حقائق التاريخ، بل معناه أني أدرس هذه الآثار على نحو خاص من الدرس، وأستخلص منها قضايا، ربما كانت حقًّا، وربما كانت أدنى إلى الحق، فالفرق بين هذه القضايا وبين قضايا التاريخ أن الثقة المطلقة بها أمر غير ميسور.
على ذلك أيتها الآنسة نضع المسألة الأولى من مسائل بحثنا عن الخنساء وحياتها الأدبية، فهل هذه السيدة شخص تاريخي؟ لا.
ليست الخنساء شخصًا من أشخاص التاريخ؛ لأن أخبارها وحوادث حياتها لم تدون إلا بعد أن مضى عليها أكثر من قرن؛ فمن الجائز، بل من الحق الذي لا شك فيه أن أخبارها وآثارها قد عبث بها النسيان، فنقص منها ما لو بقي لنا لهدانا إلى شيء ربما كان ينفعنا في الدرس، أو قد بالغ فيها الخيال فزاد فيها ما عسى أن يُخفي علينا من أمرها وجه الصواب.
الخنساء إذن شخص يبحث عنه علم ما قبل التاريخ C’est une personne l’egendaire .
وسنتحدث في الأسبوع المقبل عن المصادر التي يصح الاعتماد عليها في درس هذا الشخص، وظني أننا سنوفق إلى شيء مفيد.
ترين، أيتها الآنسة، أن هذا البحث، وإن لم يكن جديدًا بالقياس إليك وإلى طائفة من شباب النهضة الحديثة، فهو بدعٌ بالقياس إلى رجال المدرسة القديمة من شيوخ الآداب.
ولعمري ليس من اليسير عليَّ أن أتجنب ما ألف شيوخنا، لولا أنه لا يهدي الآن إلى شيء. وأظنك قد قرأت ما كتبوا واستقصيته الاستقصاء كله كما قرأه منا نفر غير قليل، وأرى مع ذلك أنك لن تستطيعي أن تتمثلي منه للخنساء صورة صادقة، أو قريبة من الصدق، كما أنَّا لم نستطع أن نتمثلها من قبل.
سيسخط عليَّ الشيوخ وسيغضبون، ولكني محتمل سخطهم وغضبهم في سبيل إرضائك، أيتها الآنسة العزيزة، وإرضاء أترابك من شباب النهضة، وفي سبيل الوفاء للغة العربية بهذا النحو الجديد من البحث عن حياة الآداب، فإلى اللقاء.