فارق الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر
توفيق الحكيم
فجيعة كبيرة….
فجيعة الأدب العربي في عميده العظيم، وفجيعتي أكبر في أخ قديم كريم، وإذا كان اللسان العربي منذ نطق أدبا سوف ينطق إلى آخر الدهر باسم طه حسين وفضله على لغة العرب فإن لسان القلب لن يكف عن ترديد ذكراه ما بقيت على قيد الحياة.
فقد جمعتنا أجمل أيام العمر كما جمعنا الفكر على صفحات كتاب … إنك أيها الصديق العزيز إذ تعبر اليوم الدار الفانية إلى الدار الباقية إنما تعبرها بنفس مطمئنة راضية بعد أن عبرت بلادك الهزيمة. أن روحك العظيمة لم تشأ أن تفارق جسدك إلا بعد أن فارق اليأس روح مصر …
اللهم اغمر برحمتك الواسعة ابنا لمصر من أعظم أبنائها الذين أدوا لها من الخدمات ما سيبقى منقوشا في سجل الخلود…
الأهرام ٢٩ – ١٠ – ١٩٧٣
Tag: Arabic literature
-
أبو حيان التوحيدي
أبو حيان التوحيدي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
٢٨ نوفمبر ١٩٦٤
كتاب ممتع كل الإمتاع، هذا الذي تفضل بإهدائه إلي الأستاذ الدكتور أحمد الحوفي أستاذ الأدب العربي بدار العلوم.
فيه دراسة متقنة كل الإتقان، عميقة كل العمق، لكاتب من أعلام الكتاب في القرن الرابع للهجرة قلَّت العناية به أثناء حياته، وكثر الكلام عنه بعد وفاته. ولكن الذين كتبوا عنه في العصور الماضية لم يعنوا به حق العناية، وإنما ألموا به إلمامًا، منهم من يثني عليه لغزارة علمه وبراعة أدبه، ومنهم من يتهمه بالزندقة ظالمًا له في أكبر الظن. وإنما اشتدت به العناية في هذا العصر الحديث … فكتب عنه كثير من الباحثين، ولم يوفِّه أحد حقه من التعمق وحسن الاستقصاء كما فعل الدكتور أحمد الحوفي، فهو قد بذل أقصى ما يستطيع من الجهد، واحتمل أشد وأقسى ما يمكن أن يحتملَ باحث في بحثه حتى وفَّاه حقه، وبلغ في درسه غاية ما يستطيع الباحث أن يبلغ من الإتقان والاستقصاء. لم يدع كتابًا من كتبه التي وصلت إلينا إلا وقف عنده فأطال الوقوف وحلله فأحسن التحليل؛ فكان كتابه مثالًا لدقة البحث وحسن التحقيق.
وأخص ما يمتاز به هذا الكاتب أنه كان يائسًا في حياته، ضيقًا بالناس أشد الضيق، يكبر نفسه أعظم الإكبار، ولا يجد من معاصريه معنيًّا به أو ملتفتًا إليه، وكان ضيق الحال أقرب إلى البؤس والشقاء منه إلى السعادة والرخاء.
وكان ذلك يحزنه كل الحزن، ويوئسه من الناس والزمان أشد اليأس. ومع ذلك قد شارك مشاركة حسنة في كل ألوان المعرفة التي أُلِّفت في زمانه، فكان أديبًا متفلسفًا مشاركًا في فروع الفلسفة على اختلافها، وكان بارعًا في الكتابة مجودًا لها مفتنًّا فيها ما استطاع إلى الافتنان فيها سبيلًا. وقد حاول أن يجمع بين مذهب الذين عاصروه من الكتَّاب ومذهب القدماء من المترسلين، فاصطنع السجع كما اصطنعه معاصروه، وترسل كما كان الجاحظ يترسل؛ فكان يوشك أن ينفرد بهذا الجمع بين مذهب المعاصرين ومذهب القدماء المترسلين.
ولعله أسرف في الأمرين معًا حتى انتهى إلى ما يشبه الإملال في كتابته؛ لإسرافه في الجمع بين هذين المذهبين. وكان إلى ذلك راضيًا عن نفسه كل الرضا، ساخطًا على عصره كل السخط، يرى غيره من الكتاب والشعراء يعيش عيشة اليسر والرخاء، يتصلون بالوزراء والأمراء وأصحاب الثراء، فيظفرون منهم بالجوائز وألوان العطاء، وكان يحاول أن يصنع صنيعهم، فلا يكاد يبلغ شيئًا مما كان يريد.
وكان يعيش من صناعة لم يلبث أن ضاق بها أشد الضيق؛ وهي نسخ الكتب، وكانت صناعته هذه تتيح له حياة ضيقة قاسية، فحاول أن يتصل بالوزراء والسادة، فلم يظفر عند أكثرهم بشيء، وربما لقي منهم أشد الإعراض عنه والازدراء له. وقد حاول أن يجد الحظوة عند الصاحب ابن عباد، فلم يجد منه إلا الضيق به والإعراض عنه والازدراء له. وحاول ذلك عند أبي الفتح بن العميد فلم يصل عنده إلى شيء، واضطر آخر الأمر إلى أن يهجو هذين الوزيرين في كتاب أفرده لمثالبهما، وقد استيأس آخر الأمر من الناس، ولكنه لم يستطع أن يقنع بحياته الضيقة فاشتد سخطه، وانتهى إلى شيء من التشاؤم، ولعل هذا كله هو الذي دفعه إلى شيء من التصوف. طلب اليسر فلم يستطعه، فحاول أن يرتفع على اليسر والعسر معًا، وأن يأخذ نفسه بالزهد، وأن يفرغ لمحاولة الاتصال بالله. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يصل إلى التصوف بمعناه الدقيق، وإنما كان متكلفًا في تصوفه لا تستطيع نفسه أن تزهد في سعة الرزق وطيبات الحياة، ولا يستطيع أن يبلغ من سعة الرزق وطيبات الحياة بعض ما كان يطمح إليه؛ فكان مضطربًا أشد الاضطراب، يتقلب بين القناعة التي لا تطمئن إليها نفسه، وبين الطمع الذي لا يُبَلِّغه أملًا ولا يحقق له رجاءً.
كان في أثناء ذلك يكتب الكتب ويذيعها ما وجد إلى إذاعتها سبيلًا، ولكن هذه الكتب على كثرتها لم تبلغه شيئًا مما كان يتمنى، فلما تقدمت به السن واستيأس من كل شيء ومن كل إنسان، انتهى إلى اليأس من كتبه أيضًا فحرقها؛ لأنها لم تجدِ عليه نفعًا، ولم تحقق له مأربًا، ولم ترغب فيه أحدًا من أصحاب الجاه والثراء، ولم ترشحه لجائزة ولم تيسر له سعة ذات اليد.
كره الناس فأبى أن يترك لهم كتبه لينتفعوا بقراءتها؛ لأنه هو لم ينتفع بكتابتها. والغريب أنه لم يكتف بكره الذين عاصروه، وإنما أضاف إلى الضيق بمعاصريه ضيقًا بالناس جميعًا على اختلاف أجيالهم وعصورهم. على أن سوء حظه لم يبلغه من تحريق كتبه ما كان يريد، فهو قد حرق ما كان عنده من هذه الكتب، ولم يخطر له أنه كان قد أذاع هذه الكتب، وأن بعض ما أذيع منها قد بقي حتى وصل إلينا، فنحن نقرؤه ونتقن دراسته كما فعل الأستاذ الدكتور الحوفي على كره أبي حيان؛ لأنه لم يستطع أن يجمع ما كان في أيدي الناس من كتبه، فحرق الأصول، وبقي ما بقي من النسخ التي تداولتها الأجيال إلى الآن، وستتداولها إلى آخر الدهر.
ولست أدري كيف أشكر للدكتور الحوفي جهده الخصب، فقد استمتعت بقراءة كتابه استمتاعًا لا حد له، أردت أن أقرأ منه شيئًا فإذا أنا أدفع إلى قراءته إلى آخر كلمة منه، ثم أعود إليه فأقرأ للمرة الثانية فصولًا منه؛ وذلك لأنه تعمق درس هذا الكاتب تعمقًا قل أن نرى مثله في هذه الأيام التي لا يعرف الناس فيها أناة في البحث ولا استقصاء للدرس، وإنما يلمون بالموضوعات التي يكتبون فيها إلمامًا، ويخطفون العلم والمعرفة خطفًا، ويرضون عن أعمالهم مع ذلك، ويضيقون بناقديها أشد الضيق، ولا كذلك الدكتور الحوفي الذي بدأ يدرس أبي حيان في كتاب نشره، ثم أراد أن يعيد طبعه، فأعاد النظر فيه قبل ذلك، وأحس حاجة كتابه إلى الإكمال والتجديد وحسن الإتقان؛ فحذف منه وأضاف إليه وجدد بعض فصوله، وغير في ترتيب هذه الفصول شيئًا، فخرج الكتاب في طبعته الثانية بالغًا أحسن ما كان يرجى له من حسن البحث وكمال الإتقان.
والدكتور الحوفي كغيره من الذين كتبوا عن أبي حيان معجب به أشد الإعجاب، ويوشك أن يفضله على الجاحظ كما فعل الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، ولكنه آثر الاعتدال، فوازن بينه وبين الجاحظ وأحسن الموازنة. ولعلِّي لا أوافقه ولا أوافق المعجبين بأبي حيان؛ لأني أجد في قراءة كتبه شيئًا من الملل، ذلك لأنه حاول أن يترسل كما ترسل الجاحظ فأسرف على نفسه وعلى قرائه في الترسل، وبلغ الإطناب الذي يضيق به القارئ أحيانًا.
ذلك إلى حرصٍ على السجع في كثير من المواضع، بحيث يبلغ الملل من قارئه، ومن الحق أنه لا يسرف في الاستطراد كما كان الجاحظ يفعل، ولكن استطراد الجاحظ كان يضيف إلى فائدة كتبه فوائد أخرى كثيرة.
والجاحظ بريء من إطناب أبي حيان، وهو بريء كذلك من إيثار السجع والغلو فيه كما يفعل أبو حيان. وإذا كان أبو حيان قد عاش في عصر بلغت فيه العلوم عند العرب أقصى ما كان يمكن أن ينتظر لها، على حين عاش الجاحظ في عصر كان يمتاز بالترجمة أكثر مما يمتاز بالابتكار كما يقول الأستاذ الحوفي، وكما قال من قبله الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، فإن أبا حيان لم ينتفع بغزارة العلم والمعرفة في عصره من حيث الأسلوب، وإنما أراد أن يكتب كما كان القدماء يكتبون، فلم يبلغ من ذلك ما أراد.
وقد كان الجاحظ في كتبه أشد عناية بالأدب الخالص من أبي حيان، فأنت لا تجد في كتب أبي حيان مثل ما تجد عند الجاحظ من العناية بالأدب القديم والجمع بينه وبين الثقافة الأجنبية التي أخذ في ترجمتها في ذلك الوقت.
واقرأ كتاب «الحيوان» وكتاب «البيان والتبيين» وغيرهما من كتب الجاحظ ورسائله، فستجد فيها مزاجًا رائعًا حقًّا من الأدب العربي والثقافة المستحدثة. ولا سبيل للملل على نفسك حين تقرأ كتب الجاحظ، على حين يسرع إليك الملل حين تقرأ كتب أبي حيان؛ لإسرافه في الإطناب والجمع بينه وبين السجع في كثير من الأحيان. واقرأ إن شئت هذا النص من كتاب أبي حيان المعروف ﺑ «الإشارات الإلهية»:
يا هذا! الغريب من غربت الشمس جماله، واغترب عن حبيبه وعزاله، وأغرب في أقواله وأفعاله، وغرَّب في إدباره وإقباله، واستغرب في طمره وسرباله. يا هذا! الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة. الغريب من إن حضر كان غائبًا، وإن غاب كان حاضرًا. الغريب من إن رأيته لم تعرفه وإن لم تره لم تستعرفه.
أما سمعت القائل حين قال:
بم التعلل؟ لا أهل، ولا وطنولا نديم، ولا كأس ولا سكن؟
ولولا أن أغرقك في سأم لا تجد منه مخلصًا، لرويت لك إلى هذا النص نصوصًا أشد من هذا غلوًّا في الإطناب وإغراقًا في السجع، ولكنك تستطيع إن شئت أن تقرأ في أي كتاب من كتب أبي حيان التي بين أيدي الناس، فستجد نفس هذا الأسلوب فيها شائعًا مضطردًا.
وأين هذا من أسلوب الجاحظ وغيره من الذين عاصروه؟!
وأنا أحمد للدكتور الحوفي اعتداله في التقدير وإنصافه في الموازنة، وأحب أن أهنئه أصدق التهنئة بهذا الكتاب الرائع، راجيًا أن يهدي إلينا أمثاله بين حين وحين إن شاء الله. -
رسالة القصة في الوحدة العربية للثورة أثرها في تطوير القصة
رسالة القصة في الوحدة العربية: للثورة أثرها في تطوير القصة
طه حسين
مجلة الهلال
مايو ١٩٥٨
لا شك أنني راضٍ عن القصة العربية بشرط أن تكون دائمًا باللغة الفصحى؛ حتى لا نحاول أن نترجمها إذا أردنا نقلها إلى البلاد العربية الأخرى التي بدأنا نتوحد معها، ونتداخل وإياها في كل شيء.
أما واجب الأديب المصري أو العربي بالمفهوم والمنطوق الجديد؛ فهو أنه إن استطاع طاف في الأرض بجسمه وعقله وذوقه، فإن لم تواته الفرصة فلا أقل من أن يقرأ إنتاج أكبر عدد ممكن من الشعوب.
وأما واجب الحكومات، فهو أن تفتح لأبنائها أبواب الثقافة ونوافذها على مصاريعها، وأن لا تسمح بأن تحتكرها لغة أو لغتان. ويكفي أن أقول: إني لقيت ذات يوم مستشرقًا إنجليزيًّا فسألته: كم يجيد من اللغات؟ فقال في تواضع: إنه يقرأ ستَّ عشرةَ لُغةً، ويُحسِن التكلُّم بالإنجليزية بعض الشيء.
وإذن فأول واجبات الحكومات أن تبذل كل جهد لتنظيم العلاقات الثقافية، ليس بينها وبين شقيقاتها العربية فحسب، ولكن بينها وبين كل البلاد، وعلى الأقل البلاد الشرقية في آسيا وأفريقيا.
ومما لا شك فيه أنه كان للثورة أثر كبير في تطوير القصة تطويرًا جديدًا يربطها بالأهداف العربية التي نتجه إليها جميعًا بأفئدتنا وقلوبنا، مُتعجِّلين الخطوات العزيزة التي تتأكد بها وحدة العالم العربي كله قاصيه ودانيه. -
التجديد في الشعر
التجديد في الشعر
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٩ أبريل ١٩٥٦
لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.
وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.
لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.
ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.
والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.
ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.
عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.
وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.
جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.
حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.
لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.
فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.
فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال! -
الخيال الطارق
الخيال الطارق
للدكتور طه حسين
أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألمّ به طائف من الجن فروّعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو همّ بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلمّ به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكّر بقول ذلك الشاعر القديم:
وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم.
قال وهو ذاهل أو كالذاهل:
"إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل لأذود به هذا الأرق الذي ألحّ عليّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم ترَ من تلك الأهوال التي ألمّت بي، واصطلحت عليّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال".
قلت:
"ما أراك إلا مريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططاً. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمّت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأساً بهذا الرحيل؛ فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟ فارحل مصاحباً، ولكن حدثني عما ألمّ بك من الهول؟".
قال:
"مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران".
قلت:
"لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولاً من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك".
قال:
"ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة".
قلت:
"ربّ جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك".
قال:
"أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
ألمّ بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
لها ما تشتهي عسلاً مصفى … إذا شاءت وحواريّ بسمن
قلت:
"هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان (حصن) في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني؟ فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها".
قال:
"أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم ترَ من الأهوال والخطوب! فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملمّ، ثم جعلت أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم؛ ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويراً للحزن والأسى، وتمثيلاً للوعة والحسرة. ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالاً؛ تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي: أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت؟
وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلواً يسعى إليّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليّ تحية عذبة هي التي كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه النهار: (أصبح بخير يا سيدي)، فأجيب: (أصبحي بخير يا سيدتي). فقالت: إنك تعرفني أو تكاد تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الأحياء؛ نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم أفعل، ولم يعرض عليّ ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت. على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحداً ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من أحاديث الضمائر ونجوى النفوس.
وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات، ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك عليّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء، ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك، وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليّ ولا تقل شيئاً فإن نظر الأحياء يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل عليّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك بد من حديث.
وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت الأحياء وأشفق مع ذلك من سماع صوتك؟ فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع؛ ولكن أصغِ إليّ فإني أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسلّ عن شيء كما تسليت عنه الآن.
أصغِ إليّ فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ".
ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً؛ فقد تذكّر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكّر أني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي في ذلك غير ما أضمر، وأنك كنت تشفق عليّ مما كنت أخفيه، وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد؛ فاعلم الآن أني حين ثقلت عليّ العلة، وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس! فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وأن تنقطع الصلة بينه وبيني من الأسباب.
قالت ذلك ثم نظرت إليّ نظرة قوية حادة لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الأرض خائفاً وجلاً، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أرَ شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إليّ صوت، وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أين أحسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً أوصيت أهلي بما أوصيت وأسرعت إليك. أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟"
قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن والهدوء.
وقلت مداعباً:
"ويحك! ألم تقرأ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه (جريمة سلفستر بونار)؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات".
قال مغضباً:
"أقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال؟"
قلت:
"فإني أشفق عليك من إيمانك هذا؛ فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لأنك تعرضت لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وإن تكن الثانية فماذا تصنع إن ألمّ بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟"
هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول:
"ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح!".
ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمناً ورضاً، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
الرسالة ١٤\٥\١٩٣٤ -
بعض بيئاتنا الأدبية
بعض بيئاتنا الأدبية
طه حسين
مجلة المصور
٩ مايو ١٩٤٧
لنْ يكون هذا الحديثُ شَاملًا؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون شامِلًا ولا قريبًا من الشمول، ففي مصر بيئات أَدَبِيَّة مُخْتَلفة لم يُتح لي أنْ أعْرِفَها، ولا أنْ أتَّصل بها.
وفي مصر بيئات أدبية وصلتُ إلى أطراف من أحاديثها، ولكني لم أعلم من حقائق علمها شيئًا ذا خطر … بعض هذه البيئات لا يزال قائمًا يُنتج آثاره المُختلفة، ويبعث تَيَّاراتِه المُتَبَاينة في حياتنا الأدبية، وبعضُ هذه البيئات قد ذهب مع ما تذهب به الأيام في هذا العصر الذي يَمضي فيه التطور مُسرعًا إلى غاية وإلى غير غاية؛ فلن أتحدث إذنْ إلَّا عن بعض البيئات الأدبية التي عَرَفْتُها وتَأثَّرت بها من غير شكٍّ، ولعَلِّي أكونُ قد أثَّرتُ فيها بعض التأثير.
وسيكون هذا الحديث أشبه بالذِّكرى منه بالدِّراسة، ومِنْ أَجْلِ هذا أبدأ بالحديث عن البيئة الأدبية الأولى التي عرفتها وشاركت فيها أعوامًا في أول هذا القرن … فأنت إذا دخلت الأزهر من باب الرِّواق العَبَّاسي وجدت إدارة الأزهر — أو ما كان يُسمى في ذلك الوقت إدارة الأزهر — عن شِمَالكَ، والرِّواق العباسي عن يمينك، وبين هذين البناءين في هذا الممر الضَّيق الذي يفصل بينهما نشأت هذه البيئة الأدبية الأولى في أواسط السنة الرَّابعة من هذا القرن.
كان الرِّواق العَباسي في ذلك الوقت ملتقًى لطلاب الجديد من الأزهريين ومن غير الأزهريين، مَرَّتين في كلِّ يَومٍ، يَلْتَقُون فيه حينَ يَرْتَفِعُ الضحى ليجتمعوا حول الأستاذ الشيخ سيد المرصفي، يسمعون منه تفسير الحَمَاسة في بعض أيام الأسبوع، وتفسير المُفَصَّل للزمخشري في بعضها الآخر، ويلتقون فيه بعد أن تُصلَّى المغربُ، ليجتمعوا حول الأستاذ الإمام يسمعون منه في بعض ليالي الأسبوع دروسه في البلاغة، وفي بعضها الآخر تفسيره للقرآن الكريم.
وكان أولئك وهؤلاء يتفرقون بعد انتهاء هذه الدروس، ولكن جماعة ضئيلة كانت قد اتخذت هذا الممر، بين الرواق العباسي وإدارة الأزهر، مُستقرًّا لها، تسبق إليه قبل أن يرتفع الضُّحى لتنتظر دَرْسَ الأستاذ المرصفي، وتُسرع إليه بعد أن تُصلي العصر لتنتظر درس الأستاذ الإمام.
وكانت هذه الجماعة قد اختارت هذا الممر لمَكانه من الرواق العباسي أولًا، ولأنَّه كان يُتِيحُ لها أنْ ترى الداخلين إلى إدارة الأزهر والخارجين منها ثانيًا، ولأنه كان يوشك أن يكون مَكانًا أرستقراطيًّا مُمتازًا لجدَّته ووقوعه بين هذين البناءين. وكانت هذه الجماعة تتحدث حين تلتقي بما تسمع من الأستاذين — أحدهما أو كليهما — أحاديث الإعجاب والإكبار، وبما تسمعُ من الأساتذة الآخرين في الفقه والنَّحو والمَنْطِق والأصول، أحاديث السُّخرية والعَبَث! ثم كانت تعلق على إقبال المُقبلين وانصراف المُنصرفين، وعلى ما يكون بينهم من تفاوت في الأشكال والأزياء والسِّمات. تذهب في هذا كله مذهب النقد، أو مذهب العبث والتشنيع، لا تحفل بشيء ولا تأبه لأحد، ولا تتحرج من لفظ!
كانت تسمع من الأستاذ المرصفي أن لا حياء في العلم، وكانت تسمع من أساتذة الفقه أن لا حياء في الدِّين؛ فاستقرَّ في نَفْسِها أن لا حياء في شيء من الأشياء؛ لأنَّ كُلَّ شيء من الأشياء لن يكون له خطر الدين والعلم، وإذن فمِنْ حَقِّها أن تخوض في كل شيء، وأنْ تخوض في كل شيء كما تشتهي! وكانت تسمع نقد الأزهر والأزهريين لاذعًا منَ الأستاذين الجليلين في الصباح والمساء، فكانت ترى ذلك مُباحًا لها، بل فرضًا عليها، وكانت تمضي فيه إلى غير حد، حتى فرقها الأستاذ الشيخ حسونة النواوي — رحمه الله — ذات يوم، في قصة ذكرتُها في غير هذا الحديث!
في هذه البيئة الأدبية الأولى تخرج ثلاثة يعرفهم المِصريون في هذا الجيل؛ وهم: محمود حسن الزناتي، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين.
على أنَّ هذه البيئة قد اتصلت ذات يوم ببيئة أدبية جديدة من طراز آخر، لم تنشأ في الأزهر ولا قريبًا مِنْه، وإنَّما نشأتْ في شَارع غيط العدة، حيث قامت إدارة «الجريدة»، وأشرف على هذه الإدارة منذ قامت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا.
فتنت هذه البيئة كما فُتن غيرها من شباب الأزهر بالجريدة؛ لأنها كانت تُصور لونًا جديدًا من ألوانِ التَّعبير لم يَكن مَألوفًا في «المؤيد» المحافظ، ولا في «اللواء» الذي كان يلتهب وطنية، وإنما كان فيه شيء من اعتدال واستقامة في التفكير، وكانت فيه بنوع خاص نفحة من الجديد حين كان لطفي السيد يتحدث عن مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وجول سيمون. ولم يكن تَأَثُّر هذه البيئة الأزهرية بهذا اللون الجديد من التفكير والتعبير أقلَّ من تأثر البيئات المدنية في المدارس العليا، ولا سيما مدرسة الحقوق.
ومن هنا سعى الشباب إلى مدير «الجريدة» مُعَمَّمين ومُطربشين، وأَصبح مكتبه ناديًا أدبيًّا، يلتقون فيه مصبحين فيَشقُّون فيه على الأستاذ، ويُكلِّفونه العناء كل العناء في التماس الفراغ الذي يكتب فيه مَقَالته! ويلتقون فيه إذا أقبل المساء، فيقول بعضُهم لبَعْضٍ، ويقولون للمُدير ويَسْمعون منه، وما هي إلا أنْ يُفكر المُدير في أنْ ينظم لهم بعض المُحاضرات، يلقي بعضها هو، ويُلقي بعضها غيره من أعلام الفِكر والقانون في ذلك الوقت.
وكذلك التقى الشباب الناشئ بعضهم ببعض، فأخذت الأسوار تنهار بين العَمَائم والطرابيش، والتقوا بالشباب الناضج والكهول والشيوخ من أعلام الحياة المصرية على اختلاف فروعها، فأخذ دم جديد يدور في جيل جديد من المصريين.
ولم يكد يتقدم القرن نحو الحرب العالمية الأولى حتى اتَّصَلت هذه البيئة الجديدة عمائمها وطرابيشها، أو قُل حتى أنشأت هذه البيئة الجديدة لنفسها ناديًا آخر قريبًا من ناديها الأول في الجريدة. وكان هذا النادي في تلك الدَّار التي أثرت في الحياة العقلية المِصْرِيَّة أقوى أثر وأبقاه، وهي دار آل عبد الرازق.
كانت هذه الدار ناديًا بأدق معاني هذه الكلمة وأحدثها، يجد فيه أعضاؤه ما يشتهون من أدب وعلم، وجد وفكاهة، وسياسة واجتماع، ويَجدون فيه إلى ذلك مَائدة مَنْصوبة للغداء والعشاء يسعى إليها من شاء، وما كان أكثر من يشاءون، ويتخلف عنها من أراد، وما كان أقل من يريدون، ويجدون فيه إلى ذلك ما شاءَ اللهُ من قهوة وسجائر، وما يُشبه القهوة والسجائر من ألوان الترفيه!
ولم يكن هناك فرق بين هذا النادي وغيره من الأندية الحديثة، إلا أنَّ أعضاء النادي لم يكونوا يؤدون اشتراكًا. وفي هذا النادي تم الاتصال بين العمائم والطرابيش والقلانس على أوسع ما يُمكن أن يكون الاتصال؛ فازدادت الدورة الدموية الجديدة قوَّة وخصبًا ونشاطًا.
في هذا النادي كانت تُحَرر الفصول الأدبية والسياسية الخطيرة في الجريدة، وفي هذا النادي أنشئت جريدة «السفور» الأسبوعية. ولست أدري أين تقرر إنشاء «السياسة»، ولكني أعلم أنَّ أهم ما كان ينشر في «السياسة» من أدب وفلسفة ونقد وسياسة كان يُهيَّأ في هذا النادي، ويَخرجُ منه مكتوبًا أو كالمكتوب ليُنشر في جريدة السياسة!
في نادي «الجريدة»، وفي نادي آل عبد الرازق تخرَّج جيل من الأدباء والعُلماء والأساتذة والمُفكرين والوزراء، نهضوا بجزء عظيم جدًّا من الحياة العقلية والأدبية والسياسية في مصر نحو ثلاثين عامًا. في هذين الناديين نَشَأ «حزبُ الأُمَّة» في أول القرن، وفي ثانيهما نشأ الحزب الديمقراطي بعد انقضاء الحرب، ونضجت فكرة حزب الأحرار الدستوريين بعد إلغاء الحماية. ولن يتسع هذا الحديث الإجمالي ما كان لهذين الناديين من أثر بعيد أشد البعد في إحياء الأدب العربي القديم، وفي توجيه الأدب العربي الحديث.
على أن نادي آل عبد الرازق كان كالنهر العظيم الذي تلتقي فيه نهيرات صغيرة كثيرة، منها نادي المدارس العليا، ومنها تلك البيئات الأزهرية المُختلفة، ومنها بيئات مُشتتة كانت تستقر في بعض القهوات هُنا وهناك! في باب الخلق حول حِفني ناصف، وفي حي سيدنا الحُسين حول الشيخ سيد المرصفي، وفي قهوة «متاتيا» وقهوات أخرى حول حافظ إبراهيم الذي كان يتنقل ببيئته الأدبية كما يتنقل الحي من أحياء البادية.
وفي الصالونات الأرستقراطية التي لم يكن يرقى إليها أوساط الناس: في صالون الأميرة نازلي فاضل، وعند سعد زغلول، وفي صالون آخر كان أمره عجبًا، كان يلتقي فيه المِصْريون والشرقيون من أهل البلاد العربية وبعض الفرنجة حول آنسة كان الحديث عنها والحديث إليها مُحببًا مُمتعًا، وهو صالون «مي»، الذي كان يجتمع فيه يوم الثلاثاء من كل أسبوع حين يدنو النهار من آخره، ولا يتفرق إلا حين يتقدم الليل. كان أوله حين كنت أتردد عليه حديثًا في الأدب والفن والعلم، وكان آخره حين تنصرف كثرة الزائرين، وتبقى القلة المُختارة قراءة وعَزفًا وغِناء.
وفي هذا النهر الكبير الذي كانت تلتقي فيه تلك النهيرات الكثيرة كان يصب نهير آخر أصبح الآن ذا خطر، وهو «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي لم تكتف بحديث الفُكاهة والجد ونشر المقالات هنا وهناك، وإنما حولت نشاطها إلى ترجمة وتأليف ونشر وإصدار للصحف والمجلات، وكانت مِنْ أَهَمِّ الوَسَائل التي تجاوزت بحياتنا العقلية حدود مصر ونشرتها في جميع أقطار الشرق، وفي جميع طبقات الناس الذين يحيون في هذه الأقطار.
وأي نُهير من هذه النهيرات خَلِيقٌ وَحْدَه بأنْ يُؤلف فيه كتاب، فكيف بها كلها حين تلتقي في هذا النهر العظيم، وكيف بأنهار ونهيرات أخرى كانت تسلك طرقها المُختلفة مُستقلة مُنحازة إلى نفسها، شديدة الحرص على ما كانت تؤثر من استقلال وانحياز؟!
وليس من شك في أن أخص ما يمتاز به النصف الأول من القرن العشرين بالقياس إلى حياتنا العقلية في مصر، هو أنه نقلها من البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، وجعل مهمة الذين يُريدون أنْ يُؤرخوا الأدب المِصْرِيَّ مِنْ أَشَدِّ المهمات عُسرًا وأعظمها تعقيدًا والتواء!
ولكنه مع ذلك، أو من أجل ذلك، قد مَنَحَها من القُوَّة والخصب والتنوع والاختلاف ما رَدَّ إلى الأدب العربي الحديث مجده القديم، ورفعه إلى حيث أصبح أدبًا من الآداب العالمية الكبرى. -
حياتنا الأدبية
حياتنا الأدبية
طه حسين
بيروت
٣٠ سبتمبر ١٩٤٤
لما كنت في مدينة ليون في شهر سبتمبر الماضي لقيت صديقي الأستاذ «جيب»، الذي يعنى أشد العناية بالأدب العربي الحديث، والذي كتب فيه فصولًا قيِّمة، منها ما ترجم، ومنها ما لخص. وكلها شُغف بها الناس وفتنهم ما فيها من قوة الملاحظة، ودقة التحليل، وحُسن الاستقصاء؛ فتحدثنا عن الأدب العربي العصري، وسألته: ماذا يُعد لنا في هذه الأيام، وعمن يريد أن يتحدث إلينا؟ قال: «ما زلت أنتظر القصة العربية الجديدة التي أكتب عنها، وأسجل بها نمو هذا الأدب وتقدمه، ولكن هذه القصة تبطئ في الظهور، وقد طال انتظاري لها، وما أرى إلا أنه سيطول ويطول، فليس في أفق الأدب العربي ما يؤذن بظهور هذه القصة، بل يسوءني أن أقول: إن كل ما أراه في هذا الأفق يدل على أن النشاط الرائع الذي كان قد استأثر بالحياة الأدبية العربية قد أخذ يفتر، وخضعت هذه الحياة الأدبية منذ أعوام لخمود لا يشبهه خمود، وأصبحت راكدة هامدة تكاد تفقد الحركة والإنتاج.»
وغريب أني كنت أسمع لهذا الكلام فأجد في الاستماع إليه راحة مؤلمة، ورضًى شقيًّا؛ لأني كنت أُحدِّث نفسي بمثله، فكنت أرتاح لاتفاقنا في الرأي، وتواردنا على خاطر واحد، وكان يؤلمني أن يكون هذا الرأي صحيحًا، وهذا الخاطر صوابًا، وأن يكون من الحق الذي لا شك فيه أن حياتنا الأدبية قد ركدت في هذه الأعوام الأخيرة ركودًا ظاهرًا منكرًا، يستتبع شيئًا كثيرًا من الحزن وخيبة الأمل؛ فقد كانت الحركة السياسية التي هزت مصر والشرق بعد الحرب الكبرى قد بعثت في الحياة الأدبية نشاطًا ظاهرًا، فكثر الكُتَّاب والمُنتجون في الأدب من جهة، وتنوَّعت آثارهم الأدبية من جهة أخرى.
واشتد هذا النشاط حتى اضطر جماعة من المستشرقين في إنجلترا؛ كالأستاذ جيب في معهد الدراسات الشرقية بلندرة، وفي فرنسا كالأستاذ بيرس بكلية الآداب في الجزائر، وفي ألمانيا كالأستاذ كميفمير في برلين، وفي روسيا كالأستاذ كرتشكوفسكي في ليننجراد، إلى أن يلتفتوا إلى الأدب العربي الحديث، ويقفوا عنده، ويتناولوه بالدرس والنقد والتحليل، ومنهم من انصرف عن الأدب القديم فوقف عنايته أو كاد يقفها على الأدب الحديث.
ومنهم من تخيَّر فصولًا من هذا الأدب جمعها في كتب تذاع على الناس، ويقرؤها الشبان المستشرقون في الجامعات، ويقرؤها كذلك المستشرقون الذين يلاحظون الشرق، ويرقبون ما يخضع له من تطور سياسي وفني وعقلي. والظاهر أن عناية الشرقيين بهذا الأدب الحديث وتهافتهم على ما كنا نظهر من الآثار الأدبية، والتفات المستشرقين إلى آثارنا هذه، ونشاطهم لدرسه ونقده. كل هذا قد راقنا وأعجبنا، وملأنا غرورًا وتيهًا، فغررنا بأنفسنا، وخيل إلينا أنا قد بلغنا الغاية من الحياة الأدبية الخصبة القيِّمة، وأخذ الكاتب من كتابنا يعنى بما يقول الناس عنه في الشرق والغرب أكثر مما يعنى بالكتابة والإنتاج.
ولم يتردد بعض أصحاب الصحف في أن يترجم ما كتبه عنه المستشرقون، أو ينقل ما يكتب عنه الشرقيون، ناظرًا في ذلك معجبًا به، يسرف في النظر فيه، ويغلو في الإعجاب به، كأنه الحسناء تنظر في المرآة فتعجبها صورتها، فتمضي في النظر إليها والتحديق فيها، ويشغلها ذلك عن كل شيء آخر، ثم ما هي إلا أن أخذ هؤلاء الكُتَّاب يدرسون أنفسهم، ويتحدثون عنها، ويتناول كل منهم صاحبه بالنقد والدرس، ويجيب كل منهم عما وُجِّه إليه من عيب، حتى أسرفنا في ذلك إسرافًا قبيحًا، وشُغلنا به عن الإنتاج.
وأذكر أني أحسست هذا الإسراف ونبهت إليه وحذرت منه، وقلت منذ سنتين: إن كُتَّابنا يشبهون النار في المثل القديم: تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله، ورغبت إلى كتابنا أن يدعوا أنفسهم حينًا، وأن ينصرفوا إلى الحياة نفسها يفهمونها ويدرسونها ويصورونها، ويمضون فيما كانوا فيه من ذلك الإنتاج الخصب القيِّم، ولكن أحدًا من كُتَّابنا لم يلتفت إلى هذا النداء، بل ظلوا يتحدثون عن أنفسهم، ويقرءون ما يتحدث الناس به عنهم، حتى سئمهم الناس فسكتوا عنهم، وسئموا هم أنفسهم فأعرضوا عنها، ولكنهم أعرضوا عنها إلى الصمت لا إلى الكلام، وإلى الفتور لا إلى النشاط.
وآية ذلك أنك تبحث عن الكتب التي ظهرت منذ أعوام فلا تكاد تظفر بشيء، وتبحث عن الفصول الأدبية الرائعة التي تنشر في الصحف والمجلات فلا تجد شيئًا، وإنما الغذاء الأدبي للناس في هذه الأيام ما تنشره الصحف والمجلات من حديث السياسة الذي كثر وتكرر حتى أصبح بغيضًا ممقوتًا، ومثل هذا الأدب السهل اليسير الفارغ الذي لا يرضي عقلًا ولا شعورًا، ولا يدعو إلى روية أو تفكير، إنما هو تسلية يقطع بها الناس أوقاتهم في الترام أو في القطار، ويتعجلون بها النوم إذا أووا إلى مضاجعهم، فمن أبى منهم إلا أن يقرأ الأدب الممتع الذي يغذو نفسه، ويرضي عقله؛ فلا بد له من التماس ذلك فيما يظهر من الأدب الأجنبي الأوروبي.
وهذا الشر على قبحه وشناعته هين يمكن أن يُحتمل لو لم يستتبع شرًّا آخر أقبح منه أثرًا، وأشد نكرًا، فإن طبيعة الحياة الأدبية الصالحة تستتبع أن يكون في الأدب أجيال يتبع بعضها بعضًا، شيوخ معتدلون وشباب مجددون، فإذا سكت أولئك نطق هؤلاء، وإذا قصر أولئك برز هؤلاء، ولكن الأمر عندنا على غير هذه الحال: شبابنا منصرف عن الإنتاج الأدبي، بل عن العناية بالأدب، وكهولنا شابوا قبل أوان الشيب وصمتوا، وقد كان في ألسنتهم وأقلامهم بقية.
وإنك لتبحث عن الشاعر الشاب الذي نشأ في هذه الأعوام، فصرف جماعة من الشبان عن شوقي وحافظ ومطران فلا تجده، وعن الكاتب الشاب الذي ظهر فاستحدث مذهبًا في النثر صرف بعض الناس عن هيكل والعقاد والمازني فلا تظفر به، وخلاصة موقفنا الأدبي أن زعماء الأدب عندنا كُسالى لا ينتجون، وأن الشباب المصري منصرف عن الأدب لا يُعنى به، فضلًا عن الإنتاج فيه، وشر من هذا وذاك، أن من شبابنا المصري من له نفس تحس، وقلب يخفق، وعقل يفكر، فهو يتأثر بالحياة ويريد أن يصورها، أو يصور تأثره بها، فإذا حاول ذلك لم تواته لغته العربية، فوصف ما يريد من ذلك بالفرنسية أو الإنجليزية، وأجاد الوصف، ووفق إلى الإحسان، وأعجب به قُرَّاء من الأوروبيين.
ومن الغريب أن في مصر الآن جماعة أدبية اشترك فيها المصريون والأجانب، واتخذت اللغة الأجنبية مرآة لقلوبها وعقولها، ولسانًا لعواطفها وشعورها، ثم نحن ما نزال نعتقد أن في مصر نهضة أدبية نصفها بالقوة حينًا، وبالروعة حينًا آخر، كلا، كانت في مصر نهضة أدبية، ولكنها فترت منذ أعوام، وأخشى أن يكون هذا الفتور نذير الخمود ثم الجمود، ثم علة هذا الفتور المهلك، فالتمسها إن شئت في تعليم اللغة العربية والأدب العربي في المدارس الثانوية؛ فهو — بحمد الله — مجدب عقيم، كما كان مجدبًا عقيمًا دائمًا، والتمسها في حرص الصحف والمجلات على اجتذاب أكثر عدد ممكن من القُرَّاء، ونزولها لذلك عن الأدب القيِّم الذي يدعو إلى التفكير، إلى الأدب الفارغ الذي يلائم الكسل ويقطع الوقت، ثم التمسها بعد هذا وذاك في هذه الخصومات السياسية الفارغة التي لا تقدم النهضة السياسية، ولا تأتي بجديد، وإنما تعيد اليوم ما كانت تقول منذ عشر سنين، ومهما تكن علة هذا الفتور، فإنه شرٌّ يجب أن يفكر فيه الذين ما يزالون يحسبون أن في مصر حياة أدبية ناهضة. -
المعري – أشاعر أم فيلسوف
المعري: أشاعر أم فيلسوف
طه حسين
مجلة الهلال
يونيو ١٩٣٨
… أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي …
سؤال كان يُلقيه علي أحد الأصدقاء ذاتَ يوم كنا نتحدث فيه عن هذا الجزء الذي تُخصصه «الهلال» لأبي العلاء، وعن بعض ما سيُنشر فيه من الفصول.
وكان صديقي يُريدني على أنْ أجعل هذا السؤال موضوعًا للفصل الذي سأرسله إلى الهلال؛ لأشترك في هذه التحية التي يُهديها الأدباء إلى نابغة الأدب العربي، وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، وأجبتُ عليه بأنَّ أبا العلاء شاعر وفيلسوف معًا، وبأنَّه أكثر من الشاعر والفيلسوف، فهو كاتب، وهو أديبٌ، وهو عالمٌ باللغة على أدق ما كان العرب يَفْهَمون هذه الألفاظ في عصره.
وقد مرت الأعوام واختلفت الظروف، وعَرفتُ أشياء كنت أجهلها، وجهلتُ في أكبر الظن أشياء كنتُ أعرفها، ولكنَّ رأيي لم يتغير في أبي العلاء، فما زلتُ أراه شاعرًا وفيلسوفًا، وكاتبًا وأديبًا وعالمًا باللغة أيضًا، ولَعَلَّ رأيي فيه قد ازداد قوَّةً، ولَعَلَّ اقتناعي بإضافة هذه الخِصَال إليه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مِمَّا هو الآن، كما يقول المُتجادلون في السياسة عندنا بين حين وحين.
ومن الحقِّ أن أحدًا من الناس لم يُجادِلُني في أنَّ أبا العلاء شاعر أو كاتب أو أديب أو عالم باللغة، ولكنَّ من الناس من جادلني في أنَّ أبا العلاء فيلسوف، ولعلَّ أشدهم لي مُجادلة في ذلك الأستاذ نيكولسن المستشرق الإنجليزي المعروف. فهو لا يرى في حِكْمَة أبي العلاء التي تمتلئ بها اللزوميات، والتي تَشِيعُ في غير اللزوميات من كتبه مَظْهرًا من مظاهر الفلسفة كما يفهمها أهلُ هذا العصر الحديث، وإنَّما يَرَاها حِكْمَةً عادية تقومُ على التأمل والتفكير.
وأخص ما يحول عنده بين أَبي العلاء وبين لقب الفيلسوف أنَّه لم يُقِم لنفسه مذهبًا فلسفيًّا واضح الإعلام؛ مُتميز النواحي مُتصل الأجزاء، نستطيع أن نبينه ونرسم حدوده كما نبين المذاهب الفلسفية ونرسم حدودها؛ حين نتحدث عن أفلاطون أو أرسططاليس أو أي فيلسوف من فلاسفة العصر الحديث.
فالأستاذ نيكولسن يرى إذن من الإسراف وصف أبي العلاء بأنَّه فيلَسُوفٌ، ووصف اللزومِيَّات بأنَّه كتاب من كُتب الفَلسفة، ومع ذلك فأبو العلاء فيلسوف وكتاب اللزوميات كتاب فلسفي ما أشكُّ في ذلك ولا أتردد في إعلانه والجدال عنه، وكل ما في الأمر أننا مُحْتَاجُون إلى أنْ نَتَّفق على معنى الفيلسوف، وعلى معنى الفلسفة حين نُضِيف إليها كتاب كاللزوميات.
وقد أذكر أني حددتُ مُنذ أكثر من عشرين سنة هذين المعنيين حين أضفتهما إلى حكيم المَعرة؛ وفهمتهما على نحو ما كان يفهمهما القدماء من اليونان والعرب. فالفيلسوف عندي هو الرَّجُل الذي يبحث عن الحق ما استطاع، فإذا استكشفه أو استكشف ما يعتقد أنه الحق، لاءم بين علمه وعمله، ورَتَّب حياته اليومية على ما يُهديه إليه عقله من حقائق الأشياء وأصول الأخلاق.
وفهمتُ من الفلسفة ما كان يفهمه منها قدماء اليونان والعرب أيضًا، ورتبتها على نحو ما كانوا يُرَتِّبونها، فقَسَّمْتُها إلى فلسفة طبيعية وفلسفة رِيَاضِيَّة، وفلسفة إلهية وفلسفة عملية، ثُمَّ رأيت أنَّ أبا العلاء قد كان فيلسوفًا بهذا المَعنى الذي كان به فلاسفة اليونان والعرب فلاسفة، وأنَّ كتاب اللزوميات قد كان فلسفيًّا بنفس المعنى التي كانت به الكُتب المختلفة التي وضعها الفلاسفة كتبًا فلسفية، ولكنه كان يزيد عليه شيئًا يرفع من مَرْتَبَته ويُعلي من مَنْزِلته ويجعله مُمتازًا بين كتب الفلسفة بنفس هذه الخصلة التي امتازت بها قصيدة لوكريس في طبيعة الأشياء، وهي المَيْزة الفنية العليا؛ ميزة الشعر.
أمَّا أنَّ أبا العلاء كان فيلسوفًا بهذا المعنى القديم؛ فما أحسبُ أنَّ أحدًا يستطيعُ أنْ يُنكرَ ذلك أو يُجادِل فيه، فقد أفنى أبُو العلاء عمره بحثًا عن الحق، ولَعَلَّه بذل في ذلك من الجهد الشخصي المُمْتَاز ما لم يبذُلْه كثير من الفَلاسفة الذين لا يُجَادِلُ أحدٌ في إضافة الفلسفة إليهم. ذلك أنَّ أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا مُقَلِّدًا، أو قُل — إذا أردت الدقة في التعبير — إنَّه لم يكن منتميًا إلى مذهب بعينه من مذاهب الفلاسفة يُؤمن بأصوله المُقررة ويُضيف إليه ما يستكشفه بعد البحث والاجتهاد، وإنَّما كان مفكرًا بأوسع معنى لهذه الكلمة، يتعمق التفكير في كل ما يعرض له من المسائل.
وكان مستعرضًا لكل المذاهب الفلسفية، التي عرفها المسلمون في عصره يُلم بها جميعًا فيأخذ منها ويدعها، ثم يدع ما أخذ ويأخذ ما ترك، حتى كانت حياته كلها — ولا سيما بعد العُزلة — تفكيرًا مُتصلًا ونقدًا مُسْتَمرًّا وتنقلًا بين الآراء والمذاهب الفلسفية، واستكشافًا لأشياء لعلَّ القُدَمَاء لم يَسْبِقُوه إليها. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تقول: إنَّه كان أفلاطونيًّا، أو إنه من أصحاب أرسططاليس، أو أنه كان من أصحاب الرواق، أو أنه كان من أصحاب أبيقور.
ولكنك تستطيع أنْ تقول: إنَّه كانَ مِن هؤلاء جميعًا، يأخذ من كل فريق منهم ما يرضيه وما يُلائمه في اللحظة التي يُفكر فيها، بل أنتْ لا تستطيع أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز اليوناني، أو على الطراز الإسلامي اليوناني، ولا أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز الهندي، أو على الطراز الفارسي، ولكنه كان فيلسوفًا على طراز هذه الأمم جميعًا.
يأخذ من فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة المسلمين، ومن حُكماء الفرس والهند، ثم لا يكفيه ذلك فيُشارك في فقه الفقهاء وحديث المُحَدِّثين وكلام المُتكلمين وتصوف المتصوفة وتشيُّع الشيعة، ثم لا يكفيه هذا كله، بل يُشارك في علوم اللغة، ويُقرب هذه العلوم إلى الفلسفة ويُخْضِعُها للفلسفة، ويستخرج منها نظامًا فلسفيًّا طريفًا ما زال في حاجة إلى من يفرغ له، ويوفيه حقه من البحث والدرس.
لم يكن أبو العلاء إذن فيلسوفًا مُتبعًا أو مُقلدًا، أو مقصورًا على مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، وإنما كان مُتخيرًا؛ كان أشبه بالنحلة التي تنتقل بين الزَّهر لا في هذه الروضة أو تلك، بل في كل ما يُمكن أن تُلِمَّ به من الرِّياض، فتأخذ من كل زهرة تقف عندها، ومنْ كل روضَة تُلِم بها، وتسيغ هذا كله وتستخلص منه هذه الفلسفة الغريبة المختلفة المتناقضة التي تمتلئ بها اللزوميات والتي تنتثر وتنتظم فيما ألف من الكتب المختلفة.
كان الرجل جاهدًا في التماس الحق والبحث عنه، وكان صادق الجهد خالص النية في هذا البحث، وكان ملائمًا بين ما يستكشف من الحق وما يأخذ نفسه به من قوانين الحياة اليومية. وأغرب ما نجده عند أبي العلاء هو أنه على كثرة تنقله بين مذاهب الفلسفة التي عَرفتها الأمم المتحضرة كلها، وعلى كثرة ما نجد في آرائه من التناقض والاضطراب، قد رسم لنفسه خطة عملية لم تتغير، وفرض على نفسه سيرة لم ينلها الاضطراب، وإنَّما لزمها مُنذ عاد من بغداد إلى أنْ فَارَقَ الدُّنيا، لم ينحرف عنها يومًا أو بعض يوم، فقد اضطربت حياته العقلية أشد الاضطراب، وهدأت حياته العملية أشد الهدوء.
وكان هذا التناقض بين الحياة العملية الهادئة الرَّاكدة والحياة العقلية الثائرة الجامحة، مظهر شُذوذ أبي العلاء، ثم مظهر نبوغه وتفوقه وامتيازه على كل من أنتجت الحياة العقلية الإسلامية من الفلاسفة والشعراء، ذلك أنَّه لم يكن فيلسوفًا فحسب، ولو كان شاعرًا ليس غير لاضطربت حياته العملية كما اضطربت حياته العقلية، ولكنَّه جمع بين الخصلتين؛ جمع التفوق العقلي الذي هدَاهُ إلى غرور الحياة وأقنعه بالهدوء والعُزلة والتخفف من الأثقال، إلى التفوق الفنِّي الذي دعاه إلى التفكير في كلِّ شيء والنَّقد لكل شيء والتصوير لكل ما أساغه، والتعبير عن كل ما تصوره في صورة فنية رائعة، كما كان الناس يتصورون الروعة في ذلك الوقت. وقد كنت أقرأ مُنذ حين فصلًا رائعًا لبول فاليري عن الفنان العظيم ليونارد دي فنشي، وقد حاول بول فاليري في هذا الفصل أنْ يقرب بين ليونارد وبين الفلسفة، بل أن يجعله فيلسوفًا، غاية الأمر أنه أعرب عن فلسفته بآثاره الفنية التصويرية، ولم يُعرب عنها بما تعود الفلاسفة أن يُعربوا به عَنْ فلسفتهم من الألفاظ.
وقد انتهى بول فاليري إلى إثبات أنَّ الفلاسفة آخر الأمر ليسوا إلا جماعة من أصحاب الفن هم كالشعراء والمثَّالين والمصورين يرون الطبيعة والحياة والكون على نحو ما، ثم يظهرون ما رأوا في هذا البناء الفلسفي الجميل الذي يهدي إلينا اللذة والمتاع.
ومن الأدلة القاطعة عنده على صحة هذا الرأي أننا ما زلنا وسنظل نقرأ أفلاطون، وليبنتز، وسبينوزا؛ فنجد في قراءتهم لذة ومتاعًا لا يَرْتقي إليهما الشكُّ، ومع ذلك فما أكثر ما بطل من فلسفة هؤلاء الفلاسفة، وما أقل ما بقي منها.
فما مصدر هذه اللذة التي نجدها في أشياء نعلم أنَّ الفلسفة الحديثة والعلم الحديث قد قضيا عليها قضاء أخيرًا، أليس هُنَاك شبه بين هذه اللذة وبين اللذة التي تجدها عندما تقرأ هوميروس أو فرجيل أو دانت؛ أي ليس هنالك شبه بين اللذة التي نجدها حين نقرأ الفلاسفة، واللذة التي نجدها حين نقرأ الشعراء، بل لا شك في أنَّ هاتين اللذتين مُتقاربتان أشدَّ التقارب، وهُمَا مُتقاربتان؛ لأنَّ في الفلاسفة حظًّا من الشعر، أو لأنَّ في الشعراء حظًّا من الفلسفة، أو لأنَّ في أولئك وهؤلاء حظًّا مُشتركًا من الفن هو الذي يمنحنا هذه اللذة.
وقد فكرتُ في أبي العلاء حين كنت أقرأ هذا الفصل كما فكرتُ في لوكريس، وكما فكرتُ في أفلاطون، كلهم شاعرٌ وإنْ كان ثالثهم لم يتَّخذ النَّظم وسيلةً إلى إعلان شعره، كلهم شاعرٌ وكلهم فيلسوف، وكلهم يستطيع أن يعجبنا ويمتعنا بهذا المزاج الرائع الذي يلذ قلوبنا وعقولنا.
فمن قال إنَّ أبا العلاء شاعر فهو لم يخطئ الحق، فشاعرية أبي العلاء لا شك فيها، ولعلها قد قصرت من بعض النواحي عن شاعرية أبي تمام وأصحابه من المُبصرين، ولكنها قد تفوقت من بعض النَّواحي على شاعرية هؤلاء المُبصرين لأنها تَعَمَّقت من الحقائق ما لم يتعمقوا، وسَمَتْ من الحكمة إلى ما لم يسموا إليه. ومن قال إنَّ أبا العلاء فيلسوف لم يُخطئ الحق أيضًا؛ فقد رأيت أن الرَّجل قد شارك الفلاسفة في فلسفتهم، ولعله قد قصر عما وصل إليه ابن سينا، أو الفارابي من تعمق بعض النظريات، ومن إقامته المذاهب المنسقة المُنظمة المُضطردة التي لا يُفسدها الاضطراب والاختلاف، ولكنه قد تفوق على هؤلاء الفلاسفة؛ لأنَّه استنزل الفلسفة من معقلها وأحياها في البيئة التي يعيش فيها الناس، وجعلها إنسانية لا تبلغ العقول وحدها، ولكنها تبلُغ القلوبَ فتشيع فيها الحب والرَّحمة والحنان، كما تشيع فيها السُّخط والثَّورة والغَضب، ولكنَّه سخط لا ينتهي إلى البُغض، وثورة لا تنتهي إلى الحقد، وغضب لا ينتهي إلى إفساد ما بين الناس من الصلات.
أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جَمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي كما قلتُ ألف مرة، وكما سأقول ألف مرة أيضًا.
على أنَّ هناك ناحية أشرتُ إليها منذ حين لم تُدرس كما ينبغي من فلسفة أبي العلاء وفنه معًا، وهي خليقة بالدرس وخليقة بالإعجاب، ولها خطرها في تصوير نفسية هذا الشاعر الفيلسوف، فلمْ يملك أحد أمر اللغة العربية كما ملكه أبو العلاء، ولم يفرغ أحد للغة العربية كما فَرَغ لها أبو العلاء، ولم يتحكم أحدٌ في ألفاظ اللغة العربية كما تحكم فيها أبو العلاء.
أنفق صباه وشبابه في الدرس والتحصيل والمشاركة في الحياة الأدبية على نحو ما كان يفعل المُثقفون الممتازون في عصره، ثم كانت المِحْنة واضطر إلى العُزلة، ولَزِم داره، وأصبح رهين المحبسين أو رهين المحابس الثلاثة، رهين داره ورهين جسمه ورهين هذه الآفة التي حالت بينه وبين النظر إلى الطبيعة، وما يضطرب فيها من الكائنات.
فعكف على نفسه ونظر فيها، فماذا وجد؟ وجد معانٍ لا تكاد تُحصى قد حصَّلها أثناء الدرس، وما زال يحصلها بعد العُزلة، ووجد ألفاظًا قد اجتمعت له من درسه اللُّغوي، وكان حَظُّه مِن هذه الثروة اللفظية عظيمًا، ثم نظر؛ فإذا هو مُضطرٌ إلى أنْ يُنفق حياته بين هذه المعاني، وهذه الألفاظ لا يستطيع أنْ يُفلت منها، ولا أن يخلص من إلحاحها عليه.
إذا نظر في المعاني اضطربت آراؤه وثارت في نفسه العواطف المتناقضة والأهواء المتضاربة، وإذا نظر في الألفاظ أخذه الإعجاب بكثرة ما وعى منها، فهو إذن مُضَّطر إلى أن يُقاوم هذه المعاني، وإلى أن يُقاوم هذه الألفاظ، وإلى أن يحول بينها وبين أنْ تتحكم فيه، وسبيله إلى ذلك أن يتحكم فيها هو، وأن ينفق حياته مُزاوجًا بين تلك المعاني وهذه الألفاظ، وكذلك فعل.
فأنت لا تراه إلا عابثًا بالمعاني وعابثًا بالألفاظ، يُلائم بين المعنى والمعاني، ويُخالف بين المعنى والمعنى، كما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ، وكما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ والمعاني، وإنك لتقرأ ما بقي لنا من آثاره فلا تكاد تدفع عن نفسك الشعور بأنَّ هذا الرَّجل قد خلَّى بينه وبين المعاني والألفاظ؛ فهو يلعبُ بها ويتلهى بهذا اللعب؛ لأنه لا يجد شيئًا آخر ينفق فيه وقته وجهده.
وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تفهمَ هذه الخطة العنيفة التي فرضها على نفسه في «اللزوميات» فأخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم في القافية، كما أخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم من النظم على جميع حروف المعجم، وعلى هذا النحو أيضًا تستطيع أن تفهم «الفصول والغايات»، فقد فرض على نفسه في النثر شيئًا قريبًا جدًّا مما فرض على نفسه في الشعر، فهو يضع فصوله هذه الكثيرة يلتزم السجع في كثير منها، ولكنه يجعل لكل فصل منها غاية، ويلتزم في هذه الغاية هذا السجع، ويأبى إلا أنْ يُقيم هذه الغايات على حروف المعجم كلها كما أقام اللزوميات على حروف المعجم كلها.
وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه القِصَّة اليسيرة الظريفة التي عَرَضَ لها في رِسَالة الغُفران، حين ذكر قصة خلف الأحمر مع أصحابه، وقد سألهم عن بيتي النمر بن تولب:
ألم بصحبتي وهم هجوعخيال طارق من أم حصنلها ما تشتهي عسلًا مصفىإذا شاءت وحواري بسمن
فسألهم ما عسى أن تكون قافية البيت الثاني لو أنَّ الشاعر قال في البيت الأول «أم حفص» فلما سكتوا قال خلف الأحمر «حواري بلمص»، فينتهز أبو العلاء هذه الفرصة، ويُفرع عليها كما يقول، ويفترض قافية البيت الأول على الهمزة، ثم على الباء، ثم على التاء، ويَمضي في ذلك حتى يبلغ آخر المُعجم، وقد أتى بالألاعيب والأعاجيب وأشْعَرَك بأنَّه رجل قد فرغ لهذا النحو من اللعب.
لعبه بالألفاظ لا شك فيه ولعبه بالمعاني لا شك فيه أيضًا. وهل رسالة الغفران إلا نحو من هذا اللعب، وهل كان يستطيع أن يلعب بالألفاظ دون أن يلعب بالمعاني؟ فلكل لفظ معناه، ولا يستطيع الإنسان أنْ يتصور المعاني المُجَرَّدة التي لا ألفاظ لها، فالمعاني ألفاظ إن شئت، والألفاظ معانٍ إن أحببت، واللاعب بهذه لاعب بتلك.
وقد لعب أبو العلاء بهذه وتلك ما يقرب من نصف قرن، وكانت نتيجة هذا اللعب ما ترك لنا من آثاره الخالدة التي جمعت بين وقار الفلسفة وجمال الفن.
وخصلة أخرى لا بد من أن أُلِمَّ بها قبل أن أريح القُرَّاء من هذه الثرثرة، وهي أنَّ أبا العلاء بحكم هذا اللعب الفني الفلسفي أكثر الشعراء العرب حضور إرادة في آثاره الفنية، فهو لا يُصور عن طَبْعِه ولا يُرسل نفسه إرسالًا على سجيتها؛ فيما ينظم من الشعر أو يُؤلف من النثر. هو لا يستسلم للعاطفة، ولا يمضِي مع الهَوى، ولا يُلقي قياده إلى الطبع، وإنما هو مُفكر دائمًا مُتخير دائمًا، مُريد ما يقول مُتعمد ما ينظم وما يكتب.
هو كما يقول بول فاليري: لا يقول الشعر والنثر وإنما يعملهما، يدعوه إلى ذلك هذا اللعب الفني الذي أشرت إليه، وحرصه على التحكم في الألفاظ والمعاني، وتعمده للصناعة الفنية وتجمله بها، ومُلاحظته لنفسه ونقده لغته كما تدفعه إلى ذلك حاجته إلى الاحتياط والتحفظ، واتقاء ما عسى أن يورده مَوَارِد التُّهم أو يُعرضه للسخط والنكير.
والغريب أنَّ هذا الرجل كان يرى أنَّه مُجبَر، وأنه لا حظَّ له من الاختيار في شيء فيما يأتي أو يدع، حتى في اللزوميات. وهو مع ذلك أعظم شعرائنا حظًّا من الاختيار، وأعظمهم حظًّا من الإرادة وأعظمهم تعمدًا لما يصدر عنه من المعاني والألفاظ، وليس هذا هو المظهر الوحيد من مظاهر التناقض في حياة أبي العلاء، فقد كانت حياته العقلية كلها تناقضًا كما رأيت، ولكنَّ هناك مظهرًا آخر من مظاهر التناقض في أمر أبي العلاء كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء فيه. فقد كان الرجل مُعتزلًا زاهدًا أشدَّ الزهد في أن يحفل الناس به أو يتحدثوا عنه.
فكيف كان يرى أبو العلاء كثرة ما يقول الناس فيه الآن؟ وكيف يتلقى عنايتهم به وإكبارهم له، وهذه الجهود التي أخذوا يبذلونها في درسه وفهمه وتفسيره وتخليد ذكره؟ وكم كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء في نظر الأجيال إليه بعد أنْ مَاتَ، ولكنْ كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل لأبي العلاء علم ببعض ما يُكتب عنه أو يُقال فيه؟ -
إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
طه حسين
مجلة الهلال
فبراير ١٩٣٤
في كلمة «الإحياء» هذه تجوُّز غير مستحسن ولا مستساغ؛ فليس الأدب العربي ميتًا، ولم يمت الأدب العربي منذ عرفه التاريخ فيحتاج إلى الإحياء. إنما اختلفت عليه أطوار يعرفها الناس من الفتور والضعف، وكان آخر هذه الأطوار هذا الطور الذي أدركه القرن الماضي، وجدَّ في إزالته أو تغييره فوُفِّقَ في ذلك إلى الكثير.
ثم جاء هذا القرن فكان حظه من التوفيق أكمل وأشمل، ولعل مصدر هذا التجوُّز الرديء خطأ أو تقصير في ترجمة الكلمة الفرنسية رينيسانس، فلأمرٍ ما خطرت لنا هذه الكلمة وخطر لنا معناها وتاريخها عند الغربيين حين وازنَّا بين أدبنا العربي الحديث وأدبنا العربي في العصور التي سبقت عصرنا هذا الذي نعيش فيه؛ فلم نرَ بدًّا من أن نعبر عن نشاط أدبنا بعد فتوره، وقوَّته بعد ضعفه بما عبر به الفرنسيون عن حياة الآداب القديمة بعد موتها، ويقظتها بعد نومها الطويل، ومع ذلك فقد كان الفرق عظيمًا بين حياة الأدب العربي في عصور ضعفه وخموده، والآداب اليونانية واللاتينية في أواخر العصور الوسطى: كان الأدب العربي حيًّا ولكنه كان مريضًا، وكانت الآداب اليونانية واللاتينية ميتة أو قريبة جدًّا من الموت، لا يكاد أحد يعرف من أمرها شيئًا.
كان الناس يعرفون اللاتينية، ولكنهم كانوا يعرفونها من حيث هي لغة الكنيسة، ولغة ما كان عندهم من الفلسفة. أما اللاتينية من حيث هي لغة الأدب على اختلاف صوره أو أشكاله فكانوا يجهلونها جهلًا عميقًا. فأما اليونانية فقد كان المثقفون من أهل القرون الوسطى إذا رأوا نصًّا من نصوصها مكتوبًا قالوا تلك الجملة التي سارت مَسِيرَ الأمثال: «يوناني فلا يقرأ.»
فليس غريبًا أن تُسَمَّى هذه الحركة — التي ظهرت في عصر النهضة وردت الحياة إلى آداب اليونان والرومان وأذاعتها بين الناس — إحياءً أو بعثًا؛ لأنها كانت كذلك في واقع الأمر. أما أدبنا العربي فقد كان قبل هذا العصر الحديث حيًّا بأدق معاني هذه الكلمة؛ كان الناس يتخذونه مظهرًا لما يحسون ويشعرون، ووعاءً لما يفكرون وينتجون. كانوا يكتبونه ويجرونه على ألسنتهم. كانوا إذا أرادوا أن ينظموا الشعر نظموه عربيًّا مستقيم المادة والصورة والوزن، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا النثر كتبوه عربيًّا سائغًا لهم محببًا إليهم، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا العلم والفلسفة كتبوهما في لغة عربية لا فساد فيها.
وكان كل ما يشكو منه الأدب العربي إنما هو الضعف والفتور وقصور الكائن المريض، وكان مصدر هذا المرض أن أصحابه كانوا مرضى، فلما أبلُّوا من مرضهم شيئًا أَبَلَّ الأدب معهم من مرضه شيئًا؛ فالعصر الحديث لم يُحْيِ الأدب العربي، وإنما نَشَّطه وقوَّاه وأذكى جذوته. والناس يتساءلون بعد ذلك: أكان ضروريًّا تنشيط هذا الأدب وتقويته وإذكاء جذوته؟ ومعنى هذا السؤال: أن الناس حين يلقونه يريدون أن يتبيَّنوا أكان ضروريًّا أن ينشطوا هم بعد فتور، ويقوَوْا بعد ضعف، وتذكو جذوة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بعد خمود؟! واضح أن أقل ما يوصف به هذا السؤال أنه غريب؛ فكل مريض مدفوع بطبيعته إلى حب الصحة والرغبة فيها، وكل ضعيف مدفوع بطبيعته إلى حب القوة والطموح إليها، فإذا ظفر المريض بالصحة حرص على استبقائها، وإذا ظفر الضعيف بالقوة حرص على الاستزادة منها.
ولقد يكون من المضحك أن نتصور الشرقيين من العرب وقد صحت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ألسنتهم مع ذلك لا تُبِين وأقلامهم مع ذلك لا تجري بما يصور هذه النفوس الصحيحة القوية، وهذه العقول الخصبة الزكية، وهذه القلوب الغنية بألوان العواطف والشعور؛ هذا شيء لا سبيل إليه، بل لا سبيل إلى تصوُّره إلا لمن يريد العبث والدعابة.
فنشاط الأدب العربي إذن ظاهرة لم يكن منها بدٌّ، دُفِعْنَا إليها دفعًا وأُكْرِهْنا عليها إكراهًا، ولم تكن لنا طاقة بالعدول عن هذه الظاهرة ولا بالمضي في حياتنا الحديثة سراعًا وتخليف الأدب من ورائنا مغرِقًا في النوم. ومع ذلك فإنَّا لم نأخذ من تنشيط الأدب العربي في أول الأمر إلا بأبسط صوره وأيسر أشكاله ومظاهره: وجدت بيننا المطبعة فأردنا استعمالها؛ فنشرنا بعض ما كان عندنا من الكتب، وبعض ما أوحت إلينا الحياة من خواطر، ثم أعجبتنا نتيجة هذا النشر؛ فأغرينا بها ومضينا ننشر الكتب ونحاول تأليفها، وكلما ظفرنا من ذلك بقسط دعانا الظَّفَر إلى أن نبتغي قسطًا آخر، حتى انتهينا من نشر الأدب القديم إلى حيث نحن الآن. وظاهر أن هذا النشر لم يكن غاية تُقصَد لنفسها، وإنما كنا ننشر الكتب لنقرأها، وكنا نقرؤها لنجد فيها اللذة والعلم، وكنا إذا وجدنا اللذة والعلم حاولنا المجاراة والتقليد؛ فكانت النتيجة الأولى لنشر الأدب القديم في الكتب والصحف: نشره في النفوس، ودفع النفوس إلى الإنتاج.
وكل ما أخافه، وكل ما آسف لأننا تورطنا فيه بالفعل هو أن نظل على ما كان عليه آباؤنا الأقربون من فهم النشر والإذاعة للأدب القديم؛ فنشر الكتب عندنا إلى الآن نَسْخٌ ليس غير. هو تكرار لنسخة مخطوطة من كتاب نظفر بها، فنريد أن نكررها ونذيع منها صورًا كثيرة بين الناس. على ذلك مضينا منذ بدأنا ننشر الكتب، ولم نكد نتجاوز هذا الطور إلا قليلًا. على حين أخذ الأوروبيون من قبلنا ينشرون أدبنا العربي نشرًا علميًّا صحيحًا دقيقًا محقَّقًا بمقدار ما سمحت لهم ظروفهم الخاصة؛ فكانت الكتب التي نشروها أقوم جدًّا وأدنى جدًّا إلى النفع والفائدة والصواب من الكتب التي نشرناها.
ويكفي أن تنظر لتاريخ الطبري الذي أذاعه الأوروبيون، والذي أذعناه نحن؛ لتتبين ما بينهما من الفرق المؤلم العظيم. وأغرب من هذا وأدعى إلى الحزن أن قومًا منا اتخذوا نشر الكتب تجارة، وليس بذلك بأس، ولكنهم جعلوا الغش والتدليس والإهمال قوام تجارتهم؛ رأوا كتبًا نشرها الأوروبيون مُحَقَّقَة مدروسة فنشروها في غير درس ولا تحقيق، وانتبهوا بها إلى لون من الفساد يراه الأوروبيون فيحنقون ويسخرون ويزدرون.
وأغرب من هذا أن كتبًا أخرى سبقنا نحن إلى نشرها على طريقتنا المهملة، فتداركها الأوروبيون بالتنقيح ووضع الفهارس. وقصة الأغاني وخزانة الأدب وصبح الأعشى مشهورة ذائعة بين الناس. وقد عنيت الدولة منذ زمن بعيد بما سمته إحياء الأدب العربي؛ فأخذت في نشر كتب كثيرة، ولكن عنايتها هذه لم تزد على أن كررت النسخ المخطوطة وأذاعتها؛ رقَّت الكم ولم ترقِّ الكيف، كما يقول أصحاب المنطق.
والآن وقد قامت الجامعة وأُنْشِئ المجمع اللغوي، نرجو أن يُوَفَّق المصريون إلى أن يذيعوا الكتب القديمة على وجه ملائم لحاجة الناس وأصول العلم، وما نظن أن ذلك سيكون يسيرًا أو قريبًا؛ فإن لذلك سننًا وتقاليد جاءت للأوروبيين من عنايتهم القديمة بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، ولن نظفر نحن من ذلك بما ظفر به الأوروبيون إلا إذا عرفنا ما عرفوا وسلكنا من الطرق ما سلكوا، ونحن مع الأسف بعيدون من ذلك كل البعد. على أن هذا المظهر من تنشيط الأدب القديم هو أبسط المظاهر كما قلت وأدناها إلى السذاجة، فأما التنشيط الصحيح الخصب فهو في شيء آخر غير النشر وغير التقليد، وله فيما أظن مظهران أساسيان: أحدهما يأتي من العلماء، والثاني يأتي من الأدباء.
فأما المظهر الأول فهو هذا الدرس العلمي الدقيق العميق الذي يمكِّن العلماء من تصوير الأدب القديم على اختلاف أشكاله وإظهاره للناس كما كان، وكما ينبغي أن يفهمه العقل الحديث، وقد أخذنا نسعى في ذلك ونبلغ منه طورًا مهما يكن يسيرًا فليس به بأس، وهو بدء حسن لطريق خصبة تبشر بالفوز العظيم. ويكفي أن تقرأ طائفة من الكتب التي أخذت تظهر في درس الأدب العربي منذ أول هذا القرن لترى أننا لم نقف عند الإذاعة والتقليد.
وأما المظهر الثاني فهو تَأَثُّر نفوسنا وقلوبنا وشعورنا وعواطفنا بحياة القدماء وآثارهم، وإظهار هذا التأثر في لغة حديثة بأسلوب حديث، يقرؤه الناس فلا يعدلون به، ولا يؤثرون من دونه ما يكتبه الأوروبيون من آثارهم المختلفة. هو هذا التملك لحياة القدماء والاستئثار بها والاستيلاء عليها، واتخاذها حياة لنا نحسُّها ونشعر بها كما كان يحسها القدماء أنفسهم وكما كانوا يشعرون بها، ثم نصورها بلغتنا الحديثة وأسلوبنا الحديث كما كانوا يصورونها بلغتهم القديمة وأسلوبهم القديم. هذا هو النحو من التعاون الأدبي بين الأجيال، الذي جعل الإلياذة غناءً بعد أن كانت قصصًا، ثم جعلها تمثيلًا بعد أن كانت غناءً، والذي جعل آداب اليونان أوعية لحياة الرومان، ثم جعل آداب أولئك وهؤلاء أوعية لحياة الأوروبيين المحدثين.
هو هذا النحو الذي مَكَّن كورني وراسين وشكسبير وجوت من أن يستغلوا أدب القدماء من اليونان والرومان؛ فينتجوا آثارًا خالدة من آيات البيان الإنساني الباقي على الزمن. هذا النحو هو الإحياء الصحيح للأدب القديم، وهو الذي لم نكد نتقدم فيه قليلًا ولا كثيرًا، وإذا كان الفحول الذين أشرت إلى بعضهم آنفًا من الأوروبيين قد استطاعوا أن يبلغوا ما بلغوا من إحياء الآداب اليونانية واللاتينية على هذا النحو مع اختلاف ما بينهم وبين اليونان والرومان من الصلات، ومع بُعد الزمن وتباين الجنس واللغة والدين والثقافة، فكيف بنا نحن والفروق بيننا وبين العرب القدماء إن مسَّت الزمن والبيئة والثقافة فهي لا تكاد تمسُّ الجنس، وهي لا تمس اللغة والدين بحال من الأحوال، ولكن السبيل إلى هذا الإحياء طويلة شاقة عسيرة، قوامها قبل كل شيء تقريب الأدب القديم من نفوس الشباب، وتمكينهم من أن يفهموه على وجهه ومن أن يمزجوه بنفوسهم وحياتهم كلها. وإنما يكون ذلك في المدرسة أولًا، وأين مدرستنا من هذا؟! ومتى تصل مدرستنا إلى هذا؟!